أذكار الاعتدال من الركوع

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي أنزلَ كتابَه المبينَ على رسولِه الصادقِ الأمين، فشرحَ به صدورَ عبادِه المتقين، ونوَّرَ بهِ بصائرَ أوليائِه العارفين، فاستنبطوا منهُ الأحكامَ، وميَّزوا بهِ الحلالَ مِنَ الحرام، وبيَّنوا الشرائعَ للعالمين،

وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ولا ظهيرَ له ولا معينَ، شهادةً موجبةً للفوزِ بأعلى درجاتِ اليقين، ودافعةً لشُبَهِ المُبطِلِينَ وتمويهاتِ المعاندين، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا صلى الله عليه وسلم عبدُه ورسولُه سيدُ الأولينَ والآخرينَ، وخاتمُ الأنبياءِ والمرسلينَ، المبعوثُ لكافةِ الخلائقِ أجمعينَ، القائلُ: «مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ(1)»، صَلَّى الله عليه وسلمَ وعلَى ءالِهِ الطيبينَ الطاهرينَ، وأصحابِه السابقينَ الأولينَ، وأخصُّ بالذكرِ منهم أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّا رضي الله عنهم أجمعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الفصل والدين.

أما بعد، فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:

باب ما يقوله إِذا رفع رأسه من الركوعِ وفي اعتداله

رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَلِىٍّ وَابْنِ أَبِى أَوْفَى رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ».

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».

الشرح والتعليق على هذه الأحاديث

بَابُ مَا يَقُولُهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَفِي اعْتِدَالِهِ والمقصود هنا مَن رفع رأسه من الركوع في الصلاة سواء كان إمامًا أم مأمومًا، وهنا أنبه على أمر وهو أنه جُعل الإمام ليُؤتَمَّ به وهذا ما ورد في الحديث، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّمَا ‌جُعِلَ ‌الْإِمَامُ ‌لِيُؤْتَمَّ بِهِ»، ولذلك لا يجوز أن تتقدم على إمامك وأنت في الصلاة بركن تام فعلي كما سأبين في بعض الأمثلة،

فإذا ركع الإمام عندما ينهي قوله “الله أكبر” ويتم الركوع تركع، وعندما ينهي قولَه “الله أكبر” ويتم الاعتدال تعتدل من الركوع، وعندما ينهي قولَه “الله أكبر” ويتم السجود تسجد، وهكذا، وقد روى البخاري ومسلم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ – أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ – إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ».اهـ وهذا يبين أنه لا يجوز أن يتقدّم المأموم على إمامه بركن فعلي تام كما قال فقهاء الشافعية، وفسّر بعضهم هذا الحديث على التحريم كما ذكرت، وقال بعضهم في معناه وحمله أنه يصير بليدا.

ولذلك قال الفقهاء: من شروط القدوة والاقتداء: أَنْ لا يَتَقَدَّمَ عَلَى إِمَامِهِ فِي الْمَوْقِفِ وَالْعِبْرَةُ بِالتَّقَدُّمِ بِعَقِبِ الرِّجْلِ فِي الْقَائِمِ الْمُعْتَمِدِ عَلَيْهَا فَإِنْ تَقَدَّمَ بِعَقِبِهِ عَلَى الإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، وَالثَّانِي الْمُتَابَعَةُ لَهُ فِي التَّحَرُّمِ فَيَجِبُ أَنْ لا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِتَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ بَلْ تُبْطِلُ الْمُقَارَنَةُ لِلإِمَامِ يَقِينًا أَوْ شَكًّا بِالإِحْرَامِ فَيَجِبُ تَأْخِيرُ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الإِمَامِ.

وَأَمَّا الْمُقَارَنَةُ فِي غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الأَفْعَالِ فَمَكْرُوهةٌ وَتَفُوتُ بِهَا فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِمَّا ذُكِرَ التَّأْمِينُ أَيْ قَوْلُ “ءَامِينَ” فَالأَفْضَلُ فِيهِ الْمُقَارَنَةُ أَيْ لا يَسْبِقُهُ وَلا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ.

فمِنْ أَحْكَامِ الْجَمَاعَةِ أَنْ لا يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى الإِمَامِ بِرُكْنٍ فِعْلِيٍّ فَتَقَدُّمُ الْمَأْمُومِ عَلَى الإِمَامِ بِرُكْنٍ فِعْلِيٍّ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَرَامٌ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ.

وَمَعْنَى السَّبْقِ بِرُكْنٍ فِعْلِيٍّ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ فِي الْقِيَامِ فَيَسْبِقُهُ الْمَأْمُومُ فَيَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَهَذَا حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِذَلِكَ، فَلَوْ سَبَقَ الإِمَامَ بِبَعْضِ الرُّكْنِ لا بِكُلِّهِ كَأَنْ رَكَعَ وَالإِمَامُ قَائِمٌ فَانْتَظَرَ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ.

وَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِالتَّقَدُّمِ عَلَى الإِمَامِ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ طَوِيلَيْنِ أَوْ طَوِيلٍ وَقَصِيرٍ بِلا عُذْرٍ، ذَلِكَ كَأَنْ يَرْكَعَ الْمَأْمُومُ وَيَعْتَدِلَ وَيَهْوِيَ لِلسُّجُودِ وَالإِمَامُ قَائِمٌ، وَمِثْلُهُ أَنْ يَرْكَعَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ الإِمَامِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ سَجَدَ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهُ فِي رُكُوعٍ وَلا اعْتِدَالٍ فَهَذَا أَيْضًا تَقَدُّمٌ عَلَى الإِمَامِ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ.

والصلاة كما تعلمون عبارة عن أفعال وأقوال فيها تمجيد وتعظيم لله ربّ العالمين وفيها قراءة القرآن وفيها مناجاة لله ربّ العالمين، فينبغي أن يقبل الواحد على صلاته بهمة ونشاط وخلو قلب عن أعراض هذه الدنيا، فهذا عبد الله بن الزّبير كان يصلي بجوار الكعبة وأحجار المنجنيق التي يرمي بها الحَجَّاج تمر من عن يمينه وشماله.

بل وقبل ذلك عباد بن بشر رضي الله عنه حيث رمي بثلاثة أسهم وهو يصلي فلم يقطع صلاته، كما في سنن أبي داود ودلائل النبوة للبيهقي ومسند أحمد، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأُصِيبَتْ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَافِلًا، وَجَاءَ زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ حَتَّى يُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلًا فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟» فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَكُونُوا بِفَمِ الشِّعْبِ» قَالَ: وَكَانُوا نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي.

فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ، أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ. فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ، فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ من الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ. فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِثَالِثٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَدْ أُتِيتَ. فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ هَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، أَلَا أَهْبَبْتَنِي. قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأَرَيْتُكَ، وَايْمُ اللهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا.

قَالَ مُعَاذٌ رحمه الله لِابْنِهِ: “يَا بُنَيَّ إِذَا صَلَّيْتَ صَلَاةً فَصَلِّ ‌صَلَاةَ ‌مُوَدِّعٍ؛ لَا تَظُنُّ أَنَّكَ تَعُودُ إِلَيْهَا أَبَدًا، وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَمُوتُ بَيْنَ حَسَنَتَيْنِ: حَسَنَةٍ قَدَّمَهَا، وَحَسَنَةٍ أَخَّرَهَا”،

وورد في الحديث في مسند أحمد عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ. فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ ‌صَلَاةَ ‌مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَاجْمَعِ الْإِيَاسَ مِمَّا فِي يَدَيِ النَّاسِ».

رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَلِىٍّ وَابْنِ أَبِى أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ أي اعتدل من الركوع، والركن السَّابِعُ من أركان الصلاة الِاعْتِدَالُ ويكون بِأَنْ يَنْتَصِبَ بَعْدَ الرُّكُوعِ قَائِمًا. والركن الثَّامِنُ من أركان الصلاة الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ. ومَعْنَى الِاعْتِدَالِ عَوْدُ الرَّاكِعِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ رُكُوعِهِ إِنْ كَانَ قِيَامًا أَوْ غَيْرَهُ، وَيَحْصُلُ بِانْتِصَابِ الْمُصَلِّي قَائِمًا إِنْ كَانَ يُصَلِّي قَائِمًا، وَأَمَّا الْمُصَلِّي جَالِسًا أَوْ غَيْرَهُ فَبِالرُّجُوعِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ رُكُوعِهِ. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي الِاعْتِدَالِ عَدَمُ الصَّارِفِ، فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا مِنْ شَىْءٍ لَمْ يَكْفِ لِلِاعْتِدَالِ وَمِنْ كَمَالِ الِاعْتِدَالِ أَنْ يَقُولَ مَعَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا قَالَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَوْ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ معناه: اللهُ يَتَقَبَّلُ حَمْدَ مَن حَمِدَهُ. وهذا الذِّكر فيه إثبات صفة السّمع لله عزّ وجلّ، فَاللهُ عزّ وجلّ سَمِيعٌ متَّصِفٌ بصفة السَمْع الأزلية الأبدية التي يسمع بها كل المسموعات بلا أُذُن ولا ءالةٍ ولا واسِطةٍ. وسَمْعُ الله تعالَى ليس بحادث عند حدوث الأصوات إنما الله تعالَى يسمع جميع الأصوات بسَمْع لا مبدأ له ولا مُنتهًى، بل هو سمع واحد يسمع به كل المسموعات لا بشرط قُرْب أو بُعْد أو جهة، وأمّا سَمْعُ الإنسان فإنه يَحْدُث به بِقُوّةٍ مُودَعةٍ في العَصَب المفرُوش في مُقَعَّر الصِّماخ أي أَصْلِهِ يُدْرك بها المرءُ الأصوات بتموُّج الهواء.

ثمّ الواحد مِنّا لا يسمع في الدنيا إلا الأصوات وهي لا تكون إلا حادثة، وأمّا في الآخرة فإنّنا نسمع الأصوات ونسمع كلام الله الذي ليس حرفًا ولا صوتًا،

ولم يسمع في الدنيا كلام الله الأزليّ إلا محمَّد وجبريل وموسى عليهم السلام، وقيل: ءادَمُ عليه السلام، وأمّا باقي الأنبياء والملائكة فلم يسمعوا كلام الله الذي لا يشبه كلام العالَمِين.

وأمّا الأدلة من النصوص الشرعية على صفة السَّمْع الأزلية الأبديّة لله فكثيرة جِدًّا، منها:

من القرءان: قولُ الله عزّ وجلّ: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة/ الآية 224]، وقد ورَد ذكر اسم الله “السَّمِيع” في القرءان الكريم ستة وأربعين مرّة. ومِن الأدِلّة أيضًا قول الله تعالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [سورة المجادلة/ الآية 1]، وسبب نزول هذه الآية ذكرتهُ عائشة رضي الله عنها فقالت: “الحمد لله الذي وَسِعَ سَمْعُه الأصواتِ، لقد جاءت المجادلة تشكُوْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية من البيت ما أسمَعُ ما تقول، فأنزل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم الآيةَ”، وهذا الخبر رواه البخاريّ في الصحيح والبيهقي في الأسماء والصفات. والمرأة التي كانت تشكو أمر زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تُدعَى خَولة بنت ثعلبَة الأنصاريّة وزوجُها الذي ظاهَر مِنها هو أَوْسُ بن الصامِت أخو الصحابيّ الجليل عُبادة بن الصامت. ومعنى ‌ ﴿تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ أي تسألك في شأن ما حصل معها وزوجَها مُستفتية إيّاك وليس أنّها كانت تُجادِل النبيّ اعتراضًا عليه وما حَكَم به في مسألتها.

ومن الحديث: ما رواه الشيخان في الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كُنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكُنّا إذا أَشْرَفْنَا على واد – أي اطَّلَعْنا عليه – هَلَّلْنَا وكَبَّرْنا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُم، فَإِنَّكم لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» الحديثَ.

ومعنى: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُم» خَفِّفوا الصوت، وذلك رِفْقًا بهم لأنّهم كانوا في مَشَقَّة السَّفَر. وهو دليل صريح على أنه تعالى لم يزل سَمِيعًا ولا يصح وصفُه بِضِدّه.

ويؤخَذ من الحديث أيضًا جواز الذِّكْر الجَماعيّ خِلافًا لِمَن مَنَعَهُ مِن المجسِّمة والعياذ بالله تعالَى.

ومِن الأدِلّة على جواز الذِّكر الجَماعيّ أيضًا ما رواه البخاريّ في صحيحه ونصُّه: “وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا”.

 ومن الإجماع على إثبات صفة السمع لله تعالى: ما نَقَلَهُ الإمام أبو منصور البغدادي في “الفَرْق بينَ الفِرَق” ونَصُّه: “وأجمَعُوا على أنَّ سَمْعَه وبَصَرَه مُحِيطان بجميع المسموعات والْمَرْئِيّات”.اهـ.

وينبغي التنبيه إلى أنَّ لَفْظ “الأَذَنَ” بفتحتين الواردَ في الحديث المرفوع وفي كلام العرب هو غير الأُذُنِ التي هي الجارحة أي الآلة التي بها يُدرِك الواحِد مِنّا المسموعات.

فقد أخرج ابن ماجه وابن حِبّان وأحمد والحاكم وغيرهم عن مَيْسَرَةَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا – أَيِ اسْتِمَاعًا – لِلرَّجُل الحَسَنِ الصَّوْتِ بِالقُرْءَانِ مِنْ صَاحِبِ القَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ»، القينة بفتح القاف المغنية، ورد أيضًا برواية: «إلى قارئ القرءان يجهر به»، ومعناه أنّ قِراءة القرءان بصَوتٍ حَسَنٍ عَمَلٌ يُحِبُّه الله وذلك أَشَدُّ نَفْعًا للقارئ والسامع مِن العباد مِن رَجُلٍ يَشْتَرِي مُغَنِّيّةً تُغَنِّي له.

قال أبو بكر الآجُرِّي في كتابه “أخلاق أهل القرءان” ما نصُّه: “قال الأوزاعي: أذَنًا يعني استِماعًا” اهـ..

ومثل ذلك قال النووي في ءاداب حملة القرءان.

وقال النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم: وَمَعْنَى ‌سَمِعَ ‌اللَّهُ ‌لِمَنْ ‌حَمِدَهُ أَيْ أَجَابَ دُعَاءَ مَنْ حَمِدَهُ وَمَعْنَى يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ يَسْتَجِبْ دُعَاءَكُمْ.

رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ قال النووي رحمه الله: قَوْلُهُ «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» هَكَذَا هُوَ هُنَا بِلَا وَاوٍ وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَبِحَذْفِهَا وَكِلَاهُمَا جَاءَتْ بِهِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ وَأَنَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.

فالحمد لغة الثناء والمدح باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، وقولك “الحمد لله” يدل على تعظيم الله المنعم المستحق لنهاية التعظيم وغاية الإجلال.

وقد روى أبو نعيم في الحلية والطبراني في الدعاء من الحديث الموقوف على ابن عباس قال: “ومن قال الحمد لله فقد شكر الله” أي الشكر المندوب، لأن الشكر قسمان: شكر واجب وشكر مندوب.

 فالواجب هو ما على العبد من العمل الذي يدل على تعظيم المنعم الذي أنعم عليه وعلى غيره بترك العصيان لله تبارك وتعالى في ذلك،

وهذا هو الشكر المفروض على العبد، وهذا معناه أن الشكر لله على النعم هو بمعنى عدم استعمال هذه النعمة في معصية الله. فمن حفظ قلبه وجوارحه وما أنعم الله به عليه من استعمال شىء من ذلك في معصية الله فهو العبد الشاكر، ثم إذا بالغ في ذلك وتمكن من استعمال نعم الله تعالى فيما أحل الله دون عصيان فصار تقيًّا سمّي عبدًا شكورًا، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ/ الآية 13]، معناه أغلب الناس ليسوا أتقياء، وَأَمَّا الشُّكْرُ الْمَنْدُوبُ فَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللهِ تَعَالَى الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُتَفَضِّلُ عَلَى الْعِبَادِ بِالنِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ إِحْصَائِهِمْ لَهَا. ينبغي أن يكون حمد الله دائما على ألسنتنا مهما تكالبت الأمم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومهما كثرت البلايا فينا وفي هذه الأمة، فالمؤمن الكامل لا يقول إلا ما يرضي الله عز وجل ولا يفعل إلا ما يرضي الله عز وجل مهما كثرت المصائب والبلايا والحروب والتقتيل بالمسلمين لا نقول إلا الحمد لله على كل حال، ونسأل الله أن يلطف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذه الكلمة كانت دأبَ الأولياء والصالحين والأنبياء، وقد روي عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ جِبْرِيلُ أَلَا أُعَلِّمُكَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي قَالَهَا مُوسَى صلى الله عليه وسلم حِينَ انْفَلَقَ الْبَحْرُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قُلْتُ: بَلَى، بِأَبِي وَأُمِّي قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَغَاثُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أَبِي وَائِلٍ.اهـ

وروى ابن أبي الدنيا عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، وَجَعَلَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ شَكَرْتَ عَظِيمًا».

 مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ ومقصود هذا الحديث: تكثير الحمد والثناء، قال النووي رحمه الله: قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ حَمْدًا لَوْ كَانَ أَجْسَامًا لَمَلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ،وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنَ إِمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ أَنْ يَقُولَ: “سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ” وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: “سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ” فِي حَالِ ارْتِفَاعِهِ، وَقَوْلُهُ: “رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ” فِي حال اعْتِدَالِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري».

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ هذا الذِّكر وارد برواية أخرى في صحيح مسلم قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ التلفُّظ بالحمد لله فمنه ما هو واجب في حال، ومثال ذلك في حقّ خطيب الجمعة إذْ حمدُ الله من أركان خطبة الجمعة التي لا تصح الخطبة بدونه، ومنه ما هو مندوب كما سَبَق في الشكر، ومنه ما هو مكروه في حالة مخصوصة كمن عطس أثناء خروج الخارِج منه، فإنّ ذلك مكروه لأجل كراهة ذِكر اسم الله عند خروج البول أو الغائط، أمّا عند خروج الريح من الماشي مثلًا فلا بأس ولا يُكرَه ذِكر الله عندئذ، ومن الحمد اللفظي ما هو حرام كأن كان شخص يلعب بالأوراق المزوَّقة المعروفة بأوراق الشَدَّة فلما ربح بزعمه قال: “الحمد لله” فهذا عليه ذنب كبير.

قال الحافظ النوويّ: “اعلم أن الحمدَ مستحبٌّ في ابتداء كل أمر ذي بال كما يستحب بعد الفراغ من الطعام والشراب، والعطاس، وعند خِطبة المرأة، وهو طلب زواجها، وكذا عند عَقْدِ النِّكَاح، وبعد الخروج من الخلاء، ويُستحبّ في ابتداء الكتب المصنفة ، وكذا في ابتداء دروس المدرّسين، وقراءة الطالبين، سواء قرأ حديثًا أو فقهًا أو غيرهما، وأحسنُ العبارات في ذلك: الحمد لله رب العالمين. ويُستحبّ حمدُ الله تعالى عند حصول نعمة، أو اندفاع مكروه، سواء حصل ذلك لنفسه، أو لصاحبه، أو للمسلمين” اهـ

مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ أَنْتَ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِلسِّيَاقِ وَاللِّحَاقِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ هُوَ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ يَا أَهْلَ الثَّنَاءِ.

وَالْمَجْدِ: أَيِ: الْعَظَمَةِ أَوِ الْكَرَمِ. يقال عن الله: أهلٌ للتمجيد والتعظيم أي أنه يستحق ذلك سبحانه، ولا يوصف بكلمة: “أهل”، على المعنى المتعارف بيننا، تعرفون كما قلت لكم سابقا: لا نطلق على الله عز وجل إلا ما ورد، لا نستنبط أسماء لله عز وجل ونطلقها عليه سبحانه، نلتزم النص من آية وحديث وإجماع ثابت.

هو عز وجل يستحق التمجيد، يستحق التعظيم والتقديس، والمجيد من أسماء الله: هُوَ الوَاسِعُ الكَرَمِ العَالِي القَدرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [سورة هودالآية 73]، فهو عز وجل عالي القدر والمكانة، فعُلُوَّ اللهِ تَعَالَى عُلُوُّ قَدرٍ وَمَكَانَةٍ وَرُتبَةٍ وَلَيسَ عُلُوَّ مَكَانٍ وَجِهَةٍ تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ، فَاللهُ خَلَقَ الأَرضَ وَجَعَلَهَا مَسكَنًا لِأَبنَاءِ آدَمَ وَلِغَيرِهِم، وَخَلَقَ السَّمَاءَ وَجَعَلَهَا مَسكَنًا لِلمَلَائِكَةِ كَمَا يَقُولُ عَلَيهِ الصَلَاةُ وَالسَلَامُ فيما رواه الترمذي: «أَطَّتِ – قَالَ المُنَاوِيُّ: “أَطَّتِ السَّمَاءُ” بِفَتحِ الهَمزَةِ وَشَدِّ الطَّاءِ: صَاحَت وَأَنَّت مِن ثِقَلِ مَا عَلَيهَا مِنَ ازدِحَامِ المَلَائِكَةِ وَكَثرَةِ السَّاجِدِينَ فِيهَا مِنهُم، مِنَ الأَطِيطِ وَهُوَ صَوتُ الرَّحلِ وَالإِبِلِ مِن حِملِ أَثقَالِهَا.اهـ– وَحُقَّ لَهَا أَن تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوضِعُ أَربَعِ أَصَابِعٍ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبهَتَهُ للهِ سَاجِدًا»، واللهُ تَعَالَى لَا يَحتَاجُ إِلَى السَّمَاءِ وَلَا إِلَى سُكَّانِ السَّمَاءِ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ، وَإِنَّما نَرفَعُ أَيدِيَنَا بِالدُّعَاءِ إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّهَا قِبلَةُ الدُّعَاءِ وَهِيَ مَهبِطُ الرحماتِ وَالبَرَكَاتِ لَا أَنَّ اللهَ يَسكُنُهَا،

وَقَد وَرَدَ فِي السِّيَرِ قِصَّةُ أَبِي المُعَلَّقِ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن أَنَسِ بِنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُكنَى أَبَا مُعَلَّقٍ، وَكَانَ تَاجِرًا يَتجُرُ بِمَالٍ لَهُ وَلِغَيرِهِ وَكَانَ لَهُ نُسُكٌ وَوَرَعٌ، فَخَرَجَ مَرَّةً فَلَقِيَهُ لِصٌّ مُتَقَنِّعٌ فِي السِّلَاحِ فَقَالَ: ضَع مَتَاعَكَ فَإنِّي قَاتِلُكَ. قَالَ: شَأنُكَ بِالمَالِ. قَالَ: لَستُ أُرِيدُ إِلَّا دَمَكَ. قَالَ: فَذَرنِي أُصَلِّي، قَالَ: صَلِّ مَا بَدَا لَكَ. فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى فَكَانَ مِن دُعَائِهِ: “يَا وَدُودُ يَا ذَا العَرشِ المجِيدُ يَا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ أَسأَلُكَ بِعِزَّتِكَ الَّتِي لَا تُرَامُ وَمُلكِكَ الَّذِي لَا يُضَامُ أَن تَكفِيَنِي شَرَّ هَذَا اللِّصِّ، يَا مُغِيثُ أَغِثنِي – قَالَهَا ثَلَاثًا-“، فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ بِيَدِهِ حَربَةٌ رَافِعُهَا بَينَ أُذنَي فَرَسِهِ فَطَعَنَ اللِّصَّ فَقَتَلَهَ ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى التَّاجِرِ فَقَالَ: مَن أَنتَ فَقَد أَغَاثَنِي اللهُ بِكَ؟ قَالَ: إِنَّي مَلَكٌ مِن أَهَّلِ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ عِندَمَا دَعوَتَ سَمِعتُ لِأَبوَابِ السَّمَاءِ قَعقَعَةً ثُمَّ دَعَوتَ ثَانِيًا فَسَمِعتُ لِأَهلِ السَّمَاءِ ضَجَّةً ثُمَّ دَعَوتَ ثَالِثًا فَقِيلَ: دُعَاءُ مَكرُوبٍ. فَسَأَلَتُ اللهَ أَن يُوَلِّيَنِي قَتلَهُ. ثُمَّ قَالَ: أَبشِر، وَاعلَم أَنَّهُ مَن تَوَضَّأَ وَصَلَّى أَربَعَ رَكَعَاتٍ وَدعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ استُجِيبَ لَهُ، مَكرُوبًا كَانَ أَو غَيرَ مَكرُوبٍ.اهـ وَيُحمَلُ قَتلُ المَلَكِ لِلِّصِّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ أَيْ: قُلْتُ أَحَقَّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، أَيْ: أَصْدَقَهُ وَأَثْبَتَهُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ هذا فيه إثبات مرتبة العبودية والتذلل بين يدي الله عز وجل وفي هذا غاية التذلل والانكسار والخضوع اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ المانع من أسماء الله الحسنى: هُوَ الَّذِي يَمنَعُ مَن يَشَاءُ مَا يَشَاءُ، لِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ سُبحَانَهُ، فَمَا مَنَعَكَ اللهُ إِيَّاهُ فَبِقَدَرِهِ، وَمَا أَعطَاكَ إِيَّاهُ فَبِقَدَرِهِ سُبحَانَهُ، فَقَد يَمنَعُ اللهُ النَّاسَ أَشيَاءَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِم، فَقَد قِيلَ: إِنَّهُ قَد تُرفَعُ نِعَمٌ بِسَبَبِ ذُنُوبٍ تَقَعُ مِنَ الشَّخصِ، وَقَد جَاءَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فيما رواه ابن حبان: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحرَمُ الرِّزقَ بِالذَّنبِ يُصِيبُهُ»، وَقَالَ بَعضُ الوَاعِظِينَ:

إِذَا كُنتَ فِي نِعمَةٍ فَارعَهَا *** فِإِنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمَ

وَدَاوِم عَلَيهَا بِشُكرِ الإِلَـهَ *** فَشُكرُ الإِلَهِ يُزِيلُ النِّقَـــــمَ

وَلا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ الله تعالى إن منع شيئا فلن يتم، وإذا أعطى فلا مانع لما أعطى، ولذلك لا يجوز أن يقول شخص: “ما بيرحم ولا بخلي رحمة ربنا تنزل”، هذا لا يقال وينبغي الانتباه من معناه الفاسد. وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «سَلُوا الله ‌ما ‌بدا ‌لكم ‌من حَوَائِجكُمْ حَتَّى شِسعَ النّعلِ فَإِنَّهُ إن لم يُيسّره لم ‌يَتَيَسَّر».

 وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ قال ملا علي القاري: الْمَشْهُورُ فَتَحُ الْجِيمِ، بِمَعْنَى الْعَظَمَةِ  أَوِ الْغِنَى أَوِ النَّسَبِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى مِنْكَ غِنَاهُ، وَرُبَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ بِطَاعَتِكَ، فَمَعْنَى مِنْكَ: عِنْدَكَ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ: أَيْ لَا يُسْلِمُهُ مِنْ عَذَابِكَ غِنَاهُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ لَا يَمْنَعُ عَظَمَةُ الرَّجُلِ وَغِنَاهُ عَذَابَكَ عَنْهُ إِنْ شِئْتَ عَذَابَهُ،

وَقِيلَ: الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَأَبُو الْأُمِّ، أَيْ: لَا يَنْفَعُ ذَا النَّسَبِ الشَّرِيفِ نَسَبُهُ مِنْكَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْمَعْنَى لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ بِالْجَدِّ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِالْجِدِّ بِالطَّاعَةِ اهـ.

وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَلِيلٍ مِنَ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْجِيمِ، فَالْمَعْنَى لَا يَنْفَعُهُ مُجَرَّدُ جِدِّهِ وَجُهْدِهِ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ التَّوْفِيقُ وَالْقَبُولُ مِنْكَ بِعَمَلِهِ.

ولذلك قيل:

إذا لم يكن عَوْنٌ من الله للفتـــى *** فأكثرُ ما يجني عليه اجـتهادُهُ

وإن كان عونُ الله للعبدِ واصلا *** تأَتَّى له من كُلِّ شيءٍ مُــرادُهُ

والله تعالى أعلم وأحكم

(1) رواه البخاري في صحيحه