شرح أذكار السجود في الصلاة

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الأَرْبَابِ وَمُسَبِّبِ الأَسْبَابِ وَمُنَزِّلِ الْكِتَابِ، ‌حَفِظَ ‌الأَرْضَ ‌بِالْجِبَالِ مِنَ الاضْطِرَابِ، وَقَهَرَ الْجَبَّارِينَ وَأَذَلَّ الصِّعَابَ، وَسَمِعَ خَفِيَّ النُّطْقِ وَمَهْمُوسَ الْخِطَابِ، وَأَبْصَرَ فَلَمْ يَسْتُرْ نَظَرَهُ حِجَابٌ،

أَنْزَلَ الْقُرْآنَ يَحُثُّ فِيهِ عَلَى اكْتِسَابِ الثَّوَابِ، وَزَجَرَ عَنْ أَسْبَابِ الْعِقَابِ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سورة ص/ الآية 29]. أَحْمَدُهُ عَلَى رَفْعِ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ إِقْرَارًا نَافِعًا يَوْمَ الْحِسَابِ، وَأَعْتَرِفُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ صَفوَةُ الأَحبَابِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ خَيْرِ الأَصْحَابِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي إِذَا ذُكِرَ فِي مَجْلِسٍ طَابَ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا وَمَا تَعَدَّى الصَّوَابَ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْبَدْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وَالصَّدْرِ يَوْمَ الأَحْزَابِ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي نَسَبُهُ أَشْرَفُ الأَنْسَابِ.

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:

باب أذكار السُّجود

رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ».

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَجَدَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ ءَامَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ».

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَءَاخِرَهُ وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّهُ».

الشرح والتعليق على هذه الأحاديث

بَابُ أَذْكَارِ السُّجُودِ قال الفقهاء: من أركان الصلاة السُّجُودُ مَرَّتَيْنِ بِأَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا عَلَى مُصَلَّاهُ مَكْشُوفَةً وَمُتَثَاقِلًا بِهَا وَمُنَكِّسًا أَيْ يَجْعَلُ أَسَافِلَهُ أَعْلَى مِنْ أَعَالِيهِ. السُّجُودُ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالسُّجُودُ فِي الشَّرْعِ هُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ، وَيُطْلَقُ لُغَةً عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا هُوَ شَبِيهٌ بِذَلِكَ. وَمِنْ شُرُوطِهِ: أَنْ يَكُونَ مُتَثَاقِلًا بِجَبْهَتِهِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ تَحْتَهُ قُطْنٌ لَانْكَبَسَ وَظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى يَدِهِ لَوْ فُرِضَتْ تَحْتَ الْقُطْنِ.

وَتَنْكِيسُ رَأْسِهِ بِارْتِفَاعِ أَسَافِلِهِ عَلَى أَعَالِيهِ يَرْفَعُ عَجِيزَتَهُ وَيَخْفِضُ رَأْسَهُ.

وإِذَا تَسَاوَتْ أَسَافِلُهُ وَأَعَالِيهِ فَعَلَى قَوْلٍ تَصِحُّ صَلاتُهُ، وَأَمَّا إِذَا عَلَتْ أَعَالِيهِ عَلَى أَسَافِلِهِ لَمْ يَصِحَّ السُّجُودُ.

وكذلك مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السُّجُودِ أَنْ يَضَعَ جُزْءًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَمِنْ بُطُونِ كَفَّيْهِ وَمِنْ بُطُونِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْشُوفَةً. وَيُشْتَرَطُ فِي السُّجُودِ أَيْضًا عَدَمُ وُجُودِ الصَّارِفِ، فَلَوْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ قَهْرًا لَمْ يُحْسَبْ فَيَجِبُ الْعَوْدُ إِلَى الِاعْتِدَالِ،

الحديث الأول من هذا الباب

رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ السجود مظهر عظيم من مظاهر التذلل لله تعالى فلا ينبغي أن يكون إلا لله، ولذلك عد الفقهاء أن من أقسام الردة الفعلية السُجُودُ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ إِنْ قَصَدَ عِبَادَتَهُمَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْ  فهوردة.

وأما السُّجُودُ لإِنْسَانٍ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ كَسُجُودِ بَعْضِ الْجَهَلَةِ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ الْمُتَصَوِّفِينَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ عِنْدَئِذٍ كُفْرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُمْ لا يَكُونُ كُفْرًا لَكِنَّهُ حَرَامٌ. والصَنَمُ هُوَ مَا اتُّخِذَ لِيُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ جَوْهَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ اعْتِقَادًا أَوْ بِغَيْرِ اعْتِقَادٍ فَقَدْ كَفَرَ، كَذَلِكَ الَّذِي يَسْجُدُ لِلشَّمْسِ وَنَحْوِهَا أَوْ يَسْجُدُ لِأَيِّ مَخْلُوقٍ ءَاخَرَ لِعِبَادَتِهِ؛ أَمَّا مَنْ يَسْجُدُ لِمَلِكٍ أَوْ نَحْوِهِ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ لا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ حَرَامٌ فِي شَرْعِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَى الإِطْلاقِ، وَكَانَ جَائِزًا فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ السُّجُودُ لِلإِنْسَانِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، فَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ سُجُودَ إِخْوَةِ يُوسُفَ وَأَبَوَيْهِ لِيُوسُفَ كَانَ سُجُودًا بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَرْضِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ، وَكَذَلِكَ سُجُودُ الْمَلائِكَةِ لِآدَمَ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ كَانَ هَذَا السُّجُودَ الْمَعْهُودَ.

وَدَلِيلُ تَحْرِيْمِهِ فِي شَرْعِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: «مَا هَذَا؟» قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ أَهْلَ الشَّامِ يَسْجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِمْ – وَهُمُ الْقُوَّادُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ – وَأَسَاقِفَتِهِمْ – وَالأُسْقُفُ مِنَ النَّصَارَى رَئِيسٌ مِنْهُمْ وَالْجَمْعُ أَسَاقِفَةٌ – وَأَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ. قَالَ: «لا تَفْعَلْ، لَوْ كُنْتُ ءَامُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا»، هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ صَحِيحٌ.

وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ هُوَ فِي سُجُودِ إِنْسَانٍ لإِنْسَانٍ أَمَّا فِي سُجُودِ الشَّخْصِ لِلصَّنَمِ فَإِنَّهُ لا تَفْصِيلَ فِيهِ فَمَنْ رَأَيْنَاهُ يَسْجُدُ لِصَنَمٍ كَفَّرْنَاهُ وَلا نَسْأَلُهُ هَلْ نَوَيْتَ بِهِ عِبَادَتَهُ أَمْ نَوَيْتَ غَيْرَ ذَلِكَ.

وَالْعِبَادَةُ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي نَحْوِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة/ الآية 5] وَكَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَكَى اللَّهُ قَوْلَهُمْ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر/ الآية 3] لِأَنَّ هَؤُلاءِ كَانُوا يَتَذَلُّلُونَ غَايَةَ التَّذَلُّلِ لِأَوْثَانِهِمْ وَهَذِهِ هِيَ الْعِبَادَةُ الَّتِي هِيَ شِرْكٌ. «سُبْحَانَكَ أي تنزهت يا رب عن الشبيه والمثيل والنقائص وعن الجسمية وسائر صفات الأجسام، وصفات الأجسام نحو من أربعين صفة، الله تعالى منزّه عنها، لا يجوز عليه أي صفة منها اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» أحيانا الاستغفار يكون رفعا للدرجة وليس عن ذنب كبير أو صغير فيه خسة ودناءة نفس كما بيّنا.

الحديث الثاني

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ حثّ الشرع على الإكثار من السجود لله عز وجل لما فيه من الفضائل والخيرات والتقرّب إلى الله عزّ وجلّ ولما فيه من التذلل لله تعالى، فقد روي عن ثوبان مولى رَسُول الله ﷺ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ للهِ سَجْدَةً إلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرجَةً، وَحَطَّ عَنكَ بِهَا خَطِيئةً» رواه مسلم. قال النووي: فِيهِ الْحَثُّ عَلَى كَثْرَةِ السُّجُودِ وَالتَّرْغِيبُ وَالْمُرَادُ بِهِ السُّجُودُ فِي الصَّلَاةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ تَكْثِيرُ السُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ إِطَالَةِ الْقِيَامِ كما قال بعض الفقهاء. وَلِأَنَّ السُّجُودَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ تَمْكِينُ أَعَزِّ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَأَعْلَاهَا وَهُوَ وَجْهُهُ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي يُدَاسُ وَيُمْتَهَنُ، وأما ما ورد في حديث رسول الله ﷺ الذي رواه مسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه هو ساجد، فأكثروا الدعاء»، فمعناه أن الدعاء في السجود له مزية خاصة، وهو أقرب إلى الإجابة لأن الدعاء له منزلة عظيمة في الإسلام، وليس معناه أن الله تحت جهة المصلي، تنزه الله وتقدس عن ذلك. والقرب من الله عز وجل ليس قربَ مكان وجهة وليس معناه أن الله متحيز في جهة والعبد بعمله الطاعاتِ يتقرب من الله بالمسافة، لا، قال أبو حنيفة رضي الله عنه: “وليس قربُ الله تعالى ولا بعده من طريق طول المسافة وقصرها، ولكن على معنى الكرامة والهوان، ولكن المطيع قريبٌ منه بلا كيفٍ، والعاصي بعيدٌ عنه بلا كيفٍ”.

فإنه يجب الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى موجودٌ بلا جهة ولا مكان، وليس شىءٌ من العالم أقربَ إلى ذاته من شىء ءاخر، فالجنة التي هي فوق السماء السابعة والعرش الذي هو سقف الجنة، وحملة العرش ليسوا أقربَ إلى ذات الله بالمسافة من جهنم التي هي في جهة أسفل، بل كلهم بالنسبة لذات الله على حد سواء،

وليس مسلما من يعتقد أن الله تعالى في جهة أو في مكانٍ فيكون على حسب كلامه رأسُ المئذنة أقربَ إلى الله من أصلها الذي في الأرض كما زعم ذلك بعض المشبهة.

وإذا قيل: الأنبياء والأولياء قريبون من الله تعالى، فهو بمعنى القرب المعنوي وليس المسافي والمكاني، أي أن الله يحبهم وراضٍ عنهم ويكرمهم، وإذا قيل: الكفار بعيدون من الله، فمعناه البعد المعنوي، أي أن الله ساخطٌ عليهم، غاضبٌ عليهم لا يحبهم، ينتقم منهم ويعذبهم ويدخلهم النار.

والقرب من الله على المعنى الذي ذكرت سببه تقوى الله، تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ شىءٌ أَمَرَ اللهُ تعالى بِهِ النّاسَ أَيْنَما كانُوا وَحَيْثُما حَلُّوا، لِذلِك الرسُولُ أَشارَ إِلَى أَنَّكَ يا مُعاذ، لَوْ رَحَلْتَ إِلَى اليَمَن واتَّقَيْتَ اللهَ، فَأَنْتَ قَرِيبٌ مِنَ اللهِ وإِنْ كُنْتَ بَعِيدًا عَنْ رَسُولِ الله فِي جَسَدِك، وإِنْ كُنْتَ بَعِيدًا عَن مَسْجِدِ وَمَدِينَةِ رَسُولِ الله فِى جَسَدِك، أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ مِمّن هُوَ قَرِيبٌ مِنَ رَسُولِ الله وَمَدِينَةِ رَسُول الله بِجَسَدِه، إِلّا أَنَّهُ لَيسَ تَقِيًّا.

لِذٰلِكَ وَرَدَ فِي كَلامِ بعْضِ عُلَماءِ السَّلَف أَنْ قال: “لا تُقَدِّسُ الَأَرضُ أَحَدا إِنَّما يُقَدِّسُ الرَّجُلَ عَمَلُهُ”. اتِّقاءُكَ لِرَبِّك يَجْعَلُكَ مُقَدَّسًا أَيْ مُطَهَّرًا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمعاصِي عِنْدَ الله لا كَوْنُكَ فِي مَدِينَةِ رَسُولِ الله تَسْكُنُها أَوْ فِي مَكَّةَ المكرَّمَة عِنْدَ الكَعبَة إِلّا أَنَّكَ مُتَلَطِّخٌ بِالذُّنُوبِ! الأَرْضُ التي أَنْتَ فِيها لا تجْعَلُكَ ذا شَرَفٍ عِندَ الله إِنّما الذي يَجْعَلُكَ ذا شَرَفٍ عِندَ الله اتِّقاءُكَ لِرَبِّكَ وَإِنْ كُنْتَ بَعِيدًا بِالجَسَدِ عَنْ رَسُولِ الله أَو عَنِ الأَراضي المشَرَّفَة كَالمدِينَة وَمَكَّة؛ فَالعِبْرَةُ فِي الأَصْلِ بِتَقْوَى الله، أَيْنَما كانَ هذا الإِنْسان وَأَيْنَما حَلّ. نَعَم، إِذا اجْتَمَعَ تَقْوَى اللهِ مَعَ القُربِ الحِسِّيِّ مِنْ رَسُولِ الله، مُلازِمًا للرّسُول يَعْنِى بِجَسَدِهِ، كانَ أَعْلَى فِي الدّرَجَة. لِماذا؟ لأَنَّهُ تَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوارِ وَبَرَكاتِ رَسُولِ الله بِسَببِ دُنُوِّهِ جِسَدِيًّا مِنَ الرّسُول ما لا تَعُودُ عَلَيْهِ فِيما إِذا كانَ بَعِيدًا. فَإِذا اجْتَمَعَ القُرْبُ الْمَعْنَوِيُّ وَالقُرْبُ الحِسِيُّ فَهٰذا غايَةُ الكَمال.

«سُبٌّوحٌ قُدُّوس رَبُّ الملائِكَة والرُّوح» قلنا في دروس سابقة معنى التسبيح والتقديس لله عزّ وجلّ، وقال الفيومي: الْقُدْسُ بِضَمَّتَيْنِ وَإِسْكَانُ الثَّانِي تَخْفِيفٌ هُوَ الطُّهْرُ وَالْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الْمُطَهَّرَةُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْهَا مَعْرُوفٌ وَتَقَدَّسَ اللَّهُ تَنَزَّهَ وَهُوَ الْقُدُّوسُ. الله تعالى هو رب الملائكة ورب كل شيء، لكن لماذا ذكر الملائكة خصيصا في هذا الحديث؟ خصّ الملائكة بالذّكر لما لهم من الفضل والمرتبة والمنزلة عند الله عزّ وجلّ، لذلك قال الفقهاء إنَّ مَنْ شَتَمَ عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَكْفُرُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَالِكِيُّ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ، وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ شَتَمَ أَيَّ مَلَكٍ مِنَ مَلائِكَةِ اللَّهِ كَجِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ اسْمَ مَلَكِ الْمَوْتِ عَزْرَائِيلُ. وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى في وصفهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم/ الآية 6]، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ فَمَعْنَى غِلاظٌ أَنَّهُمْ لا يَرْحَمُونَ الْكَافِرَ، وَمَعْنَى شِدَادٌ أَيْ أَقْوِيَاءُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلائِكَةَ مَجْبُولُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ أَيْ لا يَخْتَارُونَ إِلَّا الطَّاعَةَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقُومُ بِمَا أُمِرَ بِهِ بِلا تَقْصِيرٍ، فَالْمَلائِكَةُ لَهُمْ وَظَائِفُ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِالْمَطَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِالنَّبَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِالرِّيحِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِالْجِبَالِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَظَائِفِ. والملائكة سكان السماوات وهم أهل السماء، وهذا معنى ما ورد في الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمٰنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عند أحمد والحاكم: «يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ» فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُفَسِّرُ الرِّوَايَةَ الأُولَى لِأَنَّ خَيْرَ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ بِالْوَارِدِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ:

وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ.

ثُمَّ الْمُرَادُ بِأَهْلِ السَّمَاءِ الْمَلائِكَةُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي أَمَالِيِّهِ عَقِيبَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَنَصُّ عِبَارَتِهِ: وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: «أَهْلُ السَّمَاءِ» عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك/ الآية 16]الْمَلائِكَةُ. اهـ، لِأَنَّهُ لا يُقَالُ لِلَّهِ “أَهْلُ السَّمَاءِ”. وَ”مَنْ” تَصْلُحُ لِلْمُفَرَدِ وَلِلْجَمْعِ، وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَهِيَ: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [سورة الملك/ الآية 17] فَـ “مَنْ” فِي هَذِهِ الآيَةِ أَيْضًا أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَى الْكُفَّارِ الْمَلائِكَةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحِلَّ عَلَيْهِمْ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِتَسْلِيطِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ وَهُمْ يَجُرُّونَ عُنُقًا مِنْ جَهَنَّمَ إِلَى الْمَوْقِفِ لِيَرْتَاعَ الْكُفَّارُ بِرُؤْيَتِهِ.

وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي أَمَالِيِّهِ هَكَذَا لَفْظُهَا: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحِيمُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ». لَوْ كَانَ اللَّهُ سَاكِنَ السَّمَاءِ كَمَا يَزْعُمُ الْبَعْضُ لَكَانَ اللَّهُ يُزَاحِمُ الْمَلائِكَةَ وَهَذَا مُحَالٌ، فَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ أَنَّهُ:«أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا ‌مَوْضِعُ ‌أَرْبَعِ ‌أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ» رواه أحمد في مسنده.

والملائكة قد يزورون بعض الأولياء الصالحين، وَعِمْرَانُ بنُ الْحُصَيْنِ وهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الصَّحَابَةِ، الْمَلائِكَةُ كَانُوا يَزُورُونَهُ ثُمَّ ذَاتَ مَرَّةٍ اسْتَعْمَلَ الْكَيَّ مِنْ أَجْلِ الْبَوَاسِيرِ، وَالتَّدَاوِي بِالْكَيِّ مَكْرُوهٌ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَانْقَطَعَتْ عَنْهُ الْمَلائِكَةُ ثُمَّ بَعْدَ بُرْهَةٍ عَادُوا لِزِيَارَتِهِ.

والملائكة لهم وظائف كثيرة منها أنهم يوصلون صلاة من يصلي على الرسول له صلى الله عليه وسلم فلو كنت في أقصى المشرق أو أقصى المغرب وصليت على الرسول صلى الله عليه وسلم مخلصا نيتك لله عز وجل فإن ملكا يوصل صلاتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلغه، ومن الملائكة من هو موكل بالمطر وبالرياح وبأوراق الأشجار، ومنهم ما جاء في الحديث: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ سِوَى الْحَفَظَةِ يَكْتُبُونَ مَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ فَإِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ عَرْجَةٌ بِأَرْضٍ فَلاةٍ فَلْيُنَادِ أَعِينُوا عِبَادَ اللَّهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَقَالَ الْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دِلالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَنَا مُشْكِلَةٌ فِي فَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ أَيْ بَرِّيَّةٍ «يَا عِبَادَ اللَّهِ أَعِينُوا» فَإِنَّ هَذَا يَنْفَعُهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ حَسَّنَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ،

اللَّهُ تَعَالَى يُسْمِعُ هَؤُلاءِ الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِأَنْ يَكْتُبُوا مَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ فِي الْبَرِّيَّةِ نِدَاءَ هَذَا الشَّخْصِ لَوْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ مِنْهُمْ. الْمَلِكُ الْحَيُّ الْحَاضِرُ إِذَا اسْتُغِيثَ بِهِ: يَا مَلِكَنَا ظَلَمَنِي فُلانٌ أَنْقِذْنِي، يَا مَلِكَنَا أَصَابَنِي مَجَاعَةٌ فَأَنْقِذْنِي، هَذَا الْمَلِكُ لا يُغِيثُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ الْمَلائِكَةُ لا يُغِيثُونَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، كَذَلِكَ الأَوْلِيَاءُ وَالأَنْبِيَاءُ إِذَا إِنْسَانٌ اسْتَغَاثَ بِهِمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ يُغِيثُونَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَإِذًا هَؤُلاءِ سَبَبٌ، وَكِلا الأَمْرَيْنِ جَائِزٌ.

الحديث الثالث من أذكار السجود

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَجَدَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ ءَامَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ هذا اللفظ يبين أن الإسلام والإيمان من حيث الإطلاق الشرعي شيء واحد. النبي صلى الله عليه وسلم مسلم مؤمن طول حياته لم يكفر بالله طرفة عين وكذلك كل أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، ولكن المعنى هنا أنا يا رب ثابت على الإسلام والإيمان لا أغير ولا أبدِّل، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وهذا ما يعطيه معنى اسم الله المصور، هو الَّذِي أَنشَأَ خَلقَهُ عَلَى صُوَرٍ مُختَلِفَةٍ تَتَمَيَّزُ بِهَا عَلَى اختِلَافِهَا وَكَثرَتِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [سورة الحشر/ الآية 24]، وقال تعالى:﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة التغابن/ الآية 3]، قِيلَ فِي تَفسِيرِهَا: أَي لَم يَخلُقهُم مَنكُوسِينَ كَالبَهَائِمِ، فَاللهُ تَعَالَى يُرسِلُ مَلَكًا، وَالمَلَكُ يَفعَلُ ذَلِكَ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى يُدخِلُ المَلَكُ يَدَهُ فِي بَطنِ المَرأَةِ الَّتِي هِيَ حَامِلٌ فَيُصَوِّرُ الجَنِينَ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى وَأَمرِهِ مِن غَيرِ أَن تُحِسَّ المَرأَةُ، فَالمَلَائِكَةُ أَجسَامٌ لَطِيفَةٌ. وَالمُصَوِّرُ سُبحَانَهُ لَيسَ مُصَوَّرًا، فَالَّذِي يُصَوِّرُ فِي الأَرحَامِ مُنَزَّهٌ عَن أَن يَكُونَ لَهُ صُورَةٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّكلِ وَالهَيئَةِ سُبحَانَهُ، فَاللهُ تَعَالَى أَنشَأَهُ حَتَّى انتَقَلَ مِن طَورٍ إِلَى طَورٍ، مِن طَورِ النُّطفَةِ إِلَى أَن جَعَلَهُ جَنِينًا مُؤَلَّفًا مِن لَحمٍ وَعَظمٍ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ الرُّوحَ ثُمَّ أَخرَجَهُ مِن بَطنِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَعَلَهُ فِي الوَقتِ الَّذِي شَاءَ أَن يَتَكَلَّمَ فِيهِ يَتَكَلَّمُ فَيُعَبِّرُ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ، ثُمَّ أَعطَاهُ قُوَّةً بَعدَ ضَعفٍ كَانَ عَلَيهِ، فَبَعدَ أَن كَانَ ضَعِيفًا لَا يَحمِي نَفسَهُ مِنَ المُهلِكَاتِ جَعَلَهُ يَقوَى عَلَى حِفظِ نَفسِهِ وَحِفظِ غَيرِهِ فَجَعَلَهُ رَجُلًا، فَهَذِهِ الأَطوَارُ الَّتِي تَطَوَّرَهَا لَيسَت إِلَّا بِخَلقِ اللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [سورة الروم/ الآية 54]، بَعضُ الأَحَادِيثِ يُوهِمُ ظَاهِرُهَا نِسبَةَ الصُّورَةِ أَوِ الكَيفِيَّةِ للهِ تَعَالَى فَلَا بُدَّ مِن حَملِهَا عَلَى مَعنًى يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى، وَمِنهَا مَا وَرَدَ في صحيح مسلم ومسند أحمد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ ءَادَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، وَاعلَم أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ مِمَّا ضَلَّ فِي تَفسِيرِهِ البَعضُ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ لَهُ صُورَةٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

 قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَن قَالَ بِنِسبَةِ الصُّورَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَالَّذِي قَالَهُ لَا يَخفَى فَسَادُهُ لِأَنَّ الصُّورَةَ تُفِيدُ التَّركِيبَ، وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحدَثٌ، وَالبَارِئُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَيسَ بِمُحدَثٍ فَلَيسَ بِمُرَكَّبٍ، وَمَا لَيسَ بِمُرَكَّبٍ فَلَيسَ بِمُصَوَّرٍ، وَهَذَا مِن جِنسِ قَولِ المُبتَدِعَةِ: “إِنَّ البَارِئَ جَلَّ وَعَزَّ جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ، لَمَّا رَأَوا أَهلَ السُّنَّةِ قَالُوا: شَيءٌ لَا كَالأَشيَاءِ، فَقَالُوا: جِسمٌ لَا كَالأَجسَام، ثُمَّ قَالَ عَن هَذَا الحَدِيثِ: وَقَد رَوَاهُ بَعضُهُم: “إِنَّ اللهَ خَلَقَ ءَادَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحَمنِ”، وَلَا يَثبُتُ هَذَا عِندَ أَهلِ النَّقلِ.

 قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ المَازَرِيُّ: وَرَوَاهُ بَعضُهُم إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحمَنِ، وَلَيسَ بِثَابِتٍ عِندَ أَهلِ الحَدِيثِ، وَكَأَنَّ مَن نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالمَعنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ.اهـ

 تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ كُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ مِنَ الأَعْيَانِ وَالأَعْمَالِ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى الْعَرْشِ وَمِنْ كُلِّ حَرَكَةٍ لِلْعِبَادِ وَسُكُونٍ وَالنَّوَايَا وَالْخَوَاطِرِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَخْلُقْهُ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ، لا طَبِيعَةٌ وَلا عِلَّةٌ، بَلْ دُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ بِتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 101] أَيْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى لِغَيْرِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 14] فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَحْسَنُ الْمُقَدِّرينَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لا يُخْطِئُ وَلا يَتَغَيَّرُ وَتَقْدِيرُ غَيْرِهِ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَالتَّغَيُّرُ، فَيَجُوزُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيِ التَّقْدِيرِ إِطْلاقُ الْخَلْقِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ الشَّاعِرُ فِي وَصْفِ مَمْدُوحِهِ هَرِمِ بنِ سِنَانٍ:

وَلَأَنْــتَ تَفْرِي مَـــا خَلَقْــــتَ *** وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

مَعْنَاهُ أَنْتَ تُقَدِّرُ وَتُنَفِّذُ وَبَعْضُ النَّاسِ يُقَدِّرُونَ وَلا يُنَفِّذُونَ، أَيْ أَنْتَ لَكَ مَزِيَّةٌ بِذَلِكَ. وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ خَلَقْتُ الأَدِيْمَ حِذَاءً أَيِ الْجِلْدَ قَدَّرْتُهُ حِذَاءً فَقَطَعْتُهُ وَصَنَعْتُهُ أَيْ أَنْفَذْتُ مَا قَدَّرْتُ.

كَمَا أَنَّهُ يَأْتِي بِمَعْنَى التَّصْوِيرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾[سُورَةَ الْمَائِدَة/ الآية 110] فَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ يُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ صُورَةَ خُفَّاشٍ ثُمَّ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهَا الرُّوحَ ثُمَّ تَطِيرُ حَتَّى تَغِيبَ عَنْ أَنْظَارِ النَّاسِ ثُمَّ تَقَعُ مَيِّتَةً، هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى افْتِرَاءِ الْكَذِبِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [سُورَةَ الْعَنْكَبُوت/ الآية 17]أَيْ تَفْتَرُونَ الْكَذِبَ. وَهَذَا لا يُضَافُ إِلَّا إِلَى الْعَبْدِ يُقَالُ خَلَقَ فُلانٌ الإِفْكَ أَيِ افْتَرَاهُ وَبِهَذَا الْمَعْنَى جَاءَ فِي الْقُرْءَانِ أَيْضًا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [سُورَةَ ص/ الآية 7] أَيِ افْتِرَاءٌ، يُقَالُ: خَلَقَ فُلانٌ الْكَذِبَ وَاخْتَلَقَةُ أَيِ افْتَرَاهُ. وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا خَلَقْتُ هَذَا الْخَشَبَ كُرْسِيَّا أَيْ سَوَّيْتُهُ أَمْلَسَ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ فَمَعْنَى خَلَقَ هُنَا سَوَّى وَمَلَّسَ.

الحديث الرابع من أذكار السجود

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ أَيْ صَغِيرَه وكَبِيرَه وَأَوَّلَهُ وَءَاخِرَهُ وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّهُ» النبي صلى الله عليه وسلم يقول مثل هذه الأذكار حتى يعلمنا ماذا ندعو، وليس معناه أنّه واقع بالذنوب الكبيرة أو الصغيرة التي فيها خسة ودناءة نفس، لا، فهو معصوم عن كل هذا، فيعلم من هذا أنّ رسول الله لا يجوز أن يقع في القتل بغير حق ولا يقع في الانتحار ولا يقع في الزنا ولا مقدماته ولا يقع في شرب الخمر فكل هذه من المحرمات التي لا تليق بأي نبي من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، كما يقول بعض الجهال في هذه الأيام يقول: إن النبي كان يشرب الخمر ويبيعها ويهديها والعياذ بالله، النبي صلى الله عليه وسلم لا يُشَرِّع إلا بوحي ولا يخطئ في التشريع.

وهنا أنبه لقصة يرويها البعض وهي مسألة ينبغي التنويه عليها وهي مسألة أخذ الفداء يوم بدر، فقد ذكر كثير من المفسرين ما لا يجوز، ذكروا ما هو خلاف حديث صحيح ثابت رواه ابن حبان وغيره أن جبريل عليه السلام خيّر رسول الله ﷺ بين الفداء وبين تركه وأخبره أنه إن أخذ الفداء يصاب من المسلمين العدد الذي أصاب المسلمون من الكفار، فاختار رسول الله الفداء، وذلك ليس حبا في المال الذي يأخذونه من الكفار الذين يطلق سراحهم بعد أن وقعوا في الأسر، إنما غرضه من ذلك رجاء أن يسلم هؤلاء بعد فدائهم كلهم أو بعضهم، كان عنده هذا الاحتمال، فأخذ من كل رأس منهم مالا فأطلقه، عدل عن إبادتهم إلى هذا الفداء لأجل هذا، ثم تحقق ما أخبر به جبريل إذ حصل للمسلمين في وقعة أحد التي هي بعد بدر إصابة عدد أي قتل سبعين نفسا من المؤمنين. الرسول فعل ما فعل من أخذ الفداء بإذن من الله، ليس كما يقول بعض المفسرين وبعض المحدثين إنه فعل ذلك برأي منه موافقة لآراء بعض الصحابة الذين أشاروا عليه بالفداء كأبي بكر رضي الله عنه ثم إنه رأى العذاب قد نزل ودنا واقترب منهم فبكى، وعمر قد أشار عليه بأنهم صناديد الكفر وكان يريد قتلهم فالرسول أعجبه كلام أبي بكر ثم صار الرسول وأبو بكر يبكيان فقال لهما عمر ما يبكيكما؟ فقال له الرسول لو نزل العذاب لما نجى منه أحد إلا أنت يا عمر. هذا غير صحيح؛ لأن معناه أن النبي وأبا بكر غلطوا وعمر أصاب، مهما كثر من يروي هذا من المفسرين وغيرهم فهو غير صحيح، لأن كثير من الناس يقولون النبي غلط في الدين والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [سورة النجم/ الآية 3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم عننفسه فيما رواه ابن حبان في صحيحه: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ، ‌فَإِنَّمَا ‌أَنَا ‌بَشَرٌ» بأمور الدين النبي لا يغلط ولا يجوز أن يعتقد معتقد أنه يغلط حتى لو اجتهد لا يخطىء، أما أبو بكر وعمر لو اجتهدا يجوز عليهما الخطأ اجتهاد النبي لا يكون إلا صواب وهذا الذي عليه كل علماء المسلمين، فإذا مر عليكم قصة الفداء في تفسير أو في كتاب من كتب الحديث فلا تعتقدوا هذا، احذروه، اعتقدوا ذلك القول الصحيح أن الرسول ما أخذ الفداء إلا بوحي جاء به جبريل، خيره جبريل بين الفداء على أن يُقتل العام المقبل منهم عدتهم، مثل العدد الذي قتل من الكفار في بدر، وبين الإثخان أي إبادتهم.

ففي صحيح ابن حبان: ذكر تخيير الله جل وعلا أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر بين الفداء والقتل: عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: أن جبريل عليه السلام هبط عليه ﷺ فقال له: خيرهم – يعني أصحابه ﷺ – في الأسارى إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل العام المقبل منهم عدتهم. قالوا: الفداء ويقتل منا عدتهم. اهـ

لأن النبي طمع بإسلامهم بعد ما رأوا من المعركة وقد أسلم منهم عدد فتخييرُ النبي أصحابه وحي من الله.

وروى الترمذي في سننه: كتاب السير، باب ما جاء في قتل الأُسارى والفداء، والنسائي في السنن الكبرى (5/200)، وابن حبان في صحيحه انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (7/143)، والبيهقي في سننه، والحاكم في المستدرك (2/140)، والبزار في مسنده (2/176) أن جبريل جاء إلى الرسول ﷺ يوم بدر فقال: ((خيّر أصحابك في أُسارى بدر إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على أن يُقتل في العام المقبل منهم مثلهم)) فقالوا: الفداءَ ويقتل منا..

قال القاضي عياض في الشفا (2/159): وأما قوله في أسارى بدر ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [سورة الأنفال/ الآية 67] الآيتين فليس فيه إلزام ذنب للنبي ﷺ بل فيه بيان ما  خُص به وفُضّل من بين سائر الأنبياء، فكأنه قال ما كان هذا لنبي غيرك. في المعركة ما كانوا يتخذون الأسرى في الأنبياء الذين قبل سيدنا محمد، والله يقول لنبيه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ يقول القاضي عياض معناه ما كان لنبي غيرك أما أنت فالله امتن عليك فجعل لك أن تأخذ الأسرى إن شئت تقتلهم وإن شئت تفادي بهموإن شئت تطلق سراحهم، ولذلك في بعض الروايات لمّا دخل النّبي مكة قال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء مع أنه تمكّن منهم.

 وكان من أسارى بدر زوج بنته زينب وهو أبوالعاص  بن الربيع وأرسلت زينب في فدائه القلادة التي أعطتها لها أمها خديجة، فلما جاءوا بها إلى الرسول قالوا له: ابنتك جاءت بها لتفدي زوجها. فبكى رسول الله لما رأى القلادة، بكى لأنه يعرفها، وقال لهم: إن شئتم ردوا عليها زوجها وردوا عليها قلادتها. فقالوا: نفعل يا رسول الله. فما أخذوا منها القلادة وردوا زوجها وأطلقوا سراحه وقال له الرسول تعدني إن وصلت مكة أن ترسل لي زينب؟ فقال: نعم يا رسول الله. فلما وصل مكة أرسل ابنته زينب للرسول وبعدما سدّ دينه كلّم قريش هل أحد منكم له عليّ شيء؟ فقالوا لا، فرجع إلى المدينة وقال: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله. فالنبي ما غلط لما خيّر أصحابه بين القتل والفداء، وفي معركة أحد كان عدد قتلى المسلمين سبعين فحصل ما قال سيدنا جبريل لسيدنا محمد وقالوا يقتل منا عدتهم.

والله تعالى أعلم وأحكم