أذكار السفر وأحكام القصر والجمع في الصلاة

حلية البشر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحَمدُ للَّهِ الَّذِي جَعَلَ عُمُرَ الآدَمِيِّ سَفَرًا إِلَى الأُخرَى طَوِيلًا وَقَصِيرًا، فَسَارَ النَّاسُ بِبَضَائِعِ الأَعمَالِ فَرَبِحَ المُتَيَقِّظُونَ رِبحًا كَثِيرًا، وَهَلَكَ المُفَرِّطُونَ فَكُلٌّ مِنهُم عَادَ مِسكِينًا فَقِيرًا، عَرَضَت لَهُمُ الشَّهَوَاتُ فِي بَرِّ البِرِّ فَصَارَ الجَاهِلُ لَهَا أَسِيرًا، وَكَم حَثَّهُ الشَّرعُ عَلَى الجِدِّ كَبِيرًا كَانَ أَم صَغِيرًا،

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلفَةً لِمَن أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَو أَرَادَ شُكُورًا

أَحمَدُهُ حَمدَ مَن جَعَلَ حَمدَهُ مِصبَاحًا شَهِيرًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ المَبعُوثِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَعَلَى خَلِيفَتِهِ أَبِي بَكرٍ مَن ثَبَتَ عَلَى الحَقِّ ثَبَاتًا كَبِيرًا، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي نَشَرَ اللهُ بِسَبَبِهِ فِي شَرقِ البِلَادِ وَغَربِهَا خَيرًا كَثِيرًا، وَعَلَى عُثمَانَ الشَّهِيدِ الَّذِي كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا يَسِيرًا، وَعَلَى عَلِيٍّ مَن رَزَقَهُ اللهُ العِلمَ وَالشَّجَاعَةَ وَالقَضَاءَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَأَتبَاعِهِ وَرَزَقَنَا حُسنَ اتِّبَاعِهِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا.

بَابُ القَولِ عِندَ الخُرُوجِ إِلَى السَّفَرِ

رَوَى مُسلِمٌ وَالبَيهَقِيُّ وَاللَّفظُ لَهُ عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَرجِسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَافَرَ قَالَ:

«اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهلِ، اللهم اصحَبنَا فِي سَفَرِنَا وَاخلُفنَا فِي أَهلِنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن وَعثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ المُنقَلَبِ وَمِنَ الحَورِ بَعدَ الكَورِ وَمِن دَعوَةِ المَظلُومِ وَمِن سُوءِ المَنظَرِ فِي الأَهلِ وَالمَالِ»

أَوَّلُ السَّفَرِ وَآخِرُهُ

بَابُ القَولِ عِندَ الخُرُوجِ إِلَى السَّفَرِ، هَذَا الَّذِي سَيَذكُرُهُ هُوَ دُعَاءُ السَّفَرِ، وَهُوَ مِن سُنَنِ وَآدَابِ الخُرُوجِ إِلَى السَّفَرِ، فَالسَّفَرُ لَهُ آدَابٌ وَسُنَنٌ عِندَ الخُرُوجِ وَعِندَ الرُّجُوعِ، وَلَهُ أَحكَامٌ، مِنهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَن نَعرِفَ أَوَّلَ السَّفَرِ وَآخِرَهُ، مَتَى يُعَدُّ الشَّخصُ مُسَافِرًا؟ فَأَوَّلُ السَّفَرِ بِالنِّسبَةِ لِسَاكِنِ الأَبنِيَةِ مُجَاوَزَةُ السُّورِ المُختَصِّ بِمَا سَافَرَ مِنهُ، كَسُورِ البَلَدِ أَوِ القَريَةِ، وَإِن كَانَ دَاخِلَهُ أَمَاكِنُ خَرِبَةٌ وَمَزَارِعُ، فَمَتَى جَاوَزَ السُّورَ وَخَرَجَ مِن بَابِ المَدِينَةِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ يَعنِي بِقَصدِ السَّفَرِ نَقُولُ بَدَأَ السَّفَرَ، فَإِن لَم يَكُن لِلبَلَدِ أَوِ القَريَةِ الَّتِي سَافَرَ مِنهَا سُورٌ مُختَصٌّ بِهَا، بِأَن لَم يَكُن لَهُ سُورٌ مُطلَقًا، أَو لَم يَكُن فِي جِهَةِ سَفَرِهِ سُورٌ، لِأَنَّ بَعضَ البِلَادِ لَهَا سُورٌ مِن جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَيسَ لَهَا سُورٌ مُحِيطٌ بِهَا مِن كُلِّ الجِهَاتِ، أَو كَانَ لِلمَكَانِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ سُورٌ غَيرُ مُختَصٍّ بِهِ، كَقُرَى مُتَفَاصِلَةٍ جَمَعَهَا سُورٌ وَاحِدٌ فَيَكُونُ أَوَّلُهُ مُجَاوَزَةَ عُمرَانِ ذَلِكَ البَلَدِ، أَي بِأَن يَخرُجَ مِنَ الأَبنيَةِ. مَعنَاهُ صَارَ فِي حُكمِ المُسَافِرِ فَيَجرِي عَلَيهِ حُكمُ الجَمعِ مَثَلًا وَغَيرِهِ لِلمُسَافِرِ.

وَيَنتَهِي السَفَرُ بِبُلُوغِهِ سُورَ البَلَدِ الَّذِي يَقصِدُهُ أَو بِبُلُوغِ عِمرَانِهِ إِن لَم يَكُن لَهُ سُورٌ، وَهَذَا إِذَا كَانَ نَوَى الإِقَامَةَ فِي هَذَا البَلَدِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيهِ أَربَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ غَيرَ يَومَيِ الدُّخُولِ وَالخُرُوجِ أَو أَكثَرَ مِن أَربَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ، فَإِذَا دَخَلَ البَلَدَ يَعنِي وَصَلَ السُّورَ أَوِ العُمرَانَ وَكَانَ نَوَى قَبلَ الوُصُولِ أَنَّهُ سَيَمكُثُ فِي هَذَا البَلَدِ أَربَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ أَو أَكثَرَ غَيرَ يَومَيِ الدُّخُولِ وَالخُرُوجِ فَهُنَا نَقُولُ انتَهَى السَّفَرُ، أَمَّا إِن لَم يَنوِ الإِقَامَةَ أَربَعَةَ أَيَّامٍ بَل ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَو أَقَلَّ، يَعنِي سَيَخرُجُ بَعدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا يَنقَطِعُ سَفَرُهُ، بَل يَبقَى مُسَافِرًا وَلَو كَانَ مَاكِثًا فِي البَلَدِ.

أَحكَامُ القَصرِ وَالجَمعِ

وَمِن أَهَمِّ أَحكَامِهِ وَأَشهَرِهَا مَسأَلَتَا الجَمعِ وَالقَصرِ:

فَيَجُوزُ لِلمُسَافِرِ قَصرُ الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِأَن يُصَلِّيهَا رَكعَتَينِ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيرِهَا مِن ثُنَائِيَّةٍ وَثُلاثِيَّةٍ، وَهَذَا بِخَمسِ شَرَائِطَ:

  1. أَن يَكُونَ سَبَبُ سَفَرِهِ فِي غَيرِ مَعصِيَةٍ: أي إِذَا كَانَ غَرَضُهُ مِنَ السَّفَرِ صَحِيحًا، أَمَّا إِن سَافَرَ لِيَعمَلَ مَعصِيَةً فِي بَلَدٍ ءَاخَرَ فَهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ هَذِهِ الرُّخصَةُ، كَالسَّفَرِ لِقَطعِ الطَّرِيقِ فَلَا يَتَرَخَّصُ فِيهِ بِقَصَرٍ وَلَا جَمعٍ. أَمَّا لَو عَرَضَت لَهُ مَعصِيَةٌ فِي السَّفَرِ بِأَن كَانَ سَفَرُهُ مُبَاحًا لَكِن عمل فِي طَرِيقِهِ معصية فَلَهُ أَن يَقصُرَ.

وَبَعضُ الجُفَاةِ النُّفَاةِ فِي أَيَّامِنَا وَقَبلَ أَيَّامِنَا قَالَ مَقَالَةً شَنِيعَةً بَشِعَةً، قَالَ: إِنَّ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ سَفَرَ مَعصِيَةٍ لَا يَجُوزُ أَن يَقصُرَ الصَّلَاةَ فِي هَذَا السَّفَرَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

  • أَن تَكُونَ مَسَافَةُ السَّفَرِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرسَخًا تَحدِيدًا أَو أَكثَرَ: وَهَذَا عَلَى القَولِ الأَصَحِّ، وَهُنَاكَ أَقوَالٌ أُخرَى، وَهَذِهِ المَسَافَةُ يُسَمِّيهَا العُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةُ مَسِيرَةَ مَرحَلَتَينِ، وَلَا تُحسَبُ مُدَّةُ الرُّجُوعِ مِنهَا، بَل مَسَافَةُ الذَّهَابِ فَقَط لَا بُدَّ أَن تَكُونَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرسَخًا أَو أَكثَرَ وَلَيسَ مَسَافَةَ الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، فَتَكُونُ المَسَافَةُ هِيَ 81 كِيلُو مِتر تَقرِيبًا عَلَى أَحَدِ الأَقوَالِ.
  • أَن يَكُونَ القَاصِرُ مُؤَدِّيًا لِلصَّلاةِ الرُّبَاعِيَّةِ: أَي يُصَلِّيهَا أَدَاءً لَا قَضَاءً، أَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي فَاتَتهُ فِي غَيرِ السَّفَرِ فَلا تُقضَى مَقصُورَةً فِى السَّفَرِ، وَالصَّلَاةُ الَّتِي فَاتَتهُ فِي السَّفَرِ فَيَجُوزُ أَن تُقضَى مَقصُورَةً فِي السَّفَرِ لَا فِي الحَضَرِ.
  • أَن يَنوِيَ المُسَافِرُ قَصرَ الصَّلَاةِ مَعَ التَّكبِيرِ: فَيَقُولُ مَثَلًا: أُصَلِّي فَرضَ الظُّهرِ قَصرًا.
  • أَن لَا يَقتَدِيَ فِى صَلَاتِهِ بِمُقِيمٍ: فَإِنِ اقتَدَى بِمُتِمٍّ لَزِمَهُ الإِتمَامُ فَلَا يَصِحُّ أَن يَقصُرَ حِينَئِذٍ صَلَاتَهُ، لَكِن يَصِحُّ بِالعَكسِ وَهُوَ أَن يَكُونَ الإِمَامُ يَقصُرُ الصَّلَاةَ وَالمَأمُومُ مُتِمًّا.

جَمعُ التَّقدِيمِ فِي السَّفَرِ

ومِن رُخَصِ السَّفَرِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَن يَجمَعَ بَينَ صَلَاتَي الظُّهرِ وَالعَصرِ تَقدِيمًا وَتَأخِيرًا وَأَن يَجمَعَ بَينَ صَلاتَي المَغرِبِ وَالعِشَاءِ تَقدِيمًا وَتَأخِيرًا، وذلك بثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:

  1. أَن يَبدَأَ بِالظُّهرِ قَبلَ العَصرِ وَبِالمَغرِبِ قَبلَ العِشَاءِ في التقديم: فَلَو عَكَسَ بِأَن بَدَأَ بِالعَصرِ قَبلَ الظُّهرِ مَثَلًا لَم تَصِحَّ العَصرُ، وَيُعِيدُهَا بَعدَ الظُّهرِ إِن أَرَادَ الجَمعَ وَاكتَمَلَت شُرُوطُهُ البَاقِيَةِ.
  2. أَن تَقَعَ نِيَّةُ الجَمعِ فِي أَثنَاءِ الصَّلاةِ الأُولَى: وَلَو مَعَ التَّكبِيرَةِ أَوِ مَا بَعدَهَا إِلَى السَّلامِ، فَلَو نَوَى الجَمعَ فِي نِصفِ الصَّلَاةِ الأُولَى كَفَى.
  3. المُوَالاةُ بَينَ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ: بِأَن لَا يَطُولَ الفَصلُ بَينَهُمَا، فَإِن طَالَ عُرفًا وَلَو بِعُذرٍ وَجَبَ تَأخِيرُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقتِهَا، وَأَمَّا الفَصلُ اليَسِيرُ عُرفًا كَالإِقَامَةِ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَضُرُّ.

جَمعُ التَّأخِيرِ

يُشتَرَطُ لِجَمعِ التَّأخِيرِ شَرطٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَن يَكُونَ بِنِيَّةِ الجَمعِ فِي وَقتِ الأُولَى، فَلَا بُدَّ مِن أَن يَنوِيَ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ الأُولَى فِي وَقتِ الأُولَى، وَيَجُوزُ تَأخِيرُ النِّيَّةِ إِلَى أَن يَبقَى مِن وَقتِ الأُولَى مَا يَسَعُ الصَّلاةَ كُلَّهَا فِي الوَقتِ عَلَى القَولِ المُعتَمَدِ، فَيَقُولُ فِي قَلبِهِ مَثَلًا: نَوَيتُ تَأخِيرَ صَلَاةِ الظُّهرِ إِلَى وَقتِ العَصرِ.

حُكمُ الجَمعِ لِلمَطَرِ

وَبِمَا أَنَّنَا نَتَكَلَّمُ عَن جَمعِ الصَّلَوَاتِ، وَالآنَ دَخَلنَا فِي فَصلِ الشِّتَاءِ، فَيُنَاسِبُ أَن نَذكُرَ حُكمَ الجَمعِ لِلمَطَرِ، فَيَجُوزُ فِي وَقتِ المَطَرِ أَن يَجمَعَ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ وَالمَغرِبِ وَالعِشَاءِ فِى وَقتِ الأُولَى مِنهُمَا لَا فِى وَقتِ الثَّانِيَةِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:

  1. أَن يَكُونَ المَطَرُ بِحَيثُ يَبُلُّ أَعلَى الثَّوبِ وَأَسفَلَ النَّعلِ وَإِن لَم يَكُن المَطَرُ قَوِيًّا جِدًا، بِشَرطِ وُجُودِ الشُّرُوطُ السَّابِقَةُ فِى جَمعِ التَّقدِيمِ.
  2. وُجُودُ المَطَرِ فِى أَوَّلِ الصَّلاتَينِ وَعِندَ السَّلامِ مِنَ الأُولَى وَبَينَ الصَّلاتَينِ عَلَى المُعتَمَدِ سَوَاءٌ نَزَلَ المَطَرُ فِى غَيرِ ذَلِكَ أَم لَا.
  3. تَختَصُّ رُخصَةُ الجَمعِ بِالمَطَرِ بِالمُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ بِمَسجِدٍ أَو غَيرِهِ مِن مَوَاضِعِ الجَمَاعَةِ إِذَا كَانَ بَعِيدًا عُرفًا بِحَيثُ يَتَأَذَّى الذَّاهِبُ إِلَيهِ بِالمَطَرِ فِى طَرِيقِهِ، أَمَّا المُصَلِّي مُنفَرِدًا فِي بَيتِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الجَمعُ لِلمَطَرِ.

فَإِن فُقِدَ شَيءٌ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَصِحُّ الجَمعُ لِلمَطَرِ.

تَرجَمَةُ عَبدِ اللَّهِ بنِ سَرجِسَ

رَوَى مُسلِمٌ وَالبَيهَقِىُّ وَاللَّفظُ لَهُ عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَرجِسٍ: عَبدُ اللهِ بنُ سَرجِسَ المُزَنِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الصَّحَابِيُّ المُعَمَّرُ، نَزِيلُ البَصرَةِ، وَهُوَ مِن حُلفَاءِ بَنِي مَخزُومٍ، وَقَد صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ استَغفَرَ لَهُ، وَقَد رَوَى أَيضًا عَن: عُمَرَ، وحَدَّثَ عَنهُ: عُثمَانُ بنُ حَكِيمٍ، وَقَتَادَةُ بنُ دِعَامَةَ، وَعَاصِمٌ الأَحوَلُ، وَلَعَلَّ أَيُّوبَ السَّختِيَانِيَّ أَدرَكَهُ، وَلَا يَختَلِفُ العُلَمَاءُ فِي ذِكرِهِ فِي الصَّحَابَةِ عَلَى قَاعِدَتِهِم فِي السَّمَاعِ وَاللِّقَاءِ، وَأَمَّا قَولُ عَاصِمٍ الأَحوَلِ: إِنَّ عَبدَ اللهِ بنَ سَرجِسَ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَم يَكُن لَهُ صُحبَةٌ؛ فَإِنَّهُ أَرَادَ الصُّحبَةَ الَّتِي يَذهَبُ إِلَيهَا سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ وَغَيرُهُ مِن طُولِ المُصَاحَبَةِ، وَاللهُ أَعلَمُ. ومَاتَ ابنُ سَرجِسَرَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي دَولَةِ عَبدِ المَلِكِ بنِ مَروَانَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَثَمَانِينَ بِالبَصرَةِ، ورِوَايتُهُ فِي الكُتُبِ سِوَى صَحِيحِ البُخَارِيِّ.

شَرحُ الحَدِيثِ

قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا سَافَرَ — هَذَا الحَدِيثُ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي تُذكَرُ فِي الخُرُوجِ إِلَى السَّفَرِ، فَيُسَنُّ أَن يَقُولَ المُسَافِرُ إِذَا خَرَجَ إِلَى سَفَرِهِ هَذَا الدُّعَاءَ الَّذِي سَنَذكُرُهُ.

وَيُوجَدُ غَيرُهُ مِنَ الأَدعِيَةِ وَالسُّنَنِ وَالآدَابِ لِلسَّفَرِ، وَمِن هَذِهِ الآدَابِ:

  1. الخُرُوجُ يَومَ الخَمِيسِ، وَأَوَّلَ النَّهَارِ: فَقَد خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ يَومَ الخَمِيسِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَن يَخرُجَ يَومَ الخَميسِ، رَوَاهُ الشَّيخَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَينِ: لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخرُجُ إِلَّا في يَومِ الخَمِيسِ، وَقَالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ بَارِك لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» وَكَانَ ﷺ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَو جَيشًا بَعَثَهُم مِن أوَّلِ النَّهَارِ.
  2. طَلَبُ الرُّفقَةِ فِي السَّفَرِ وَتَأمِيرُهُم عَلَى أَنفُسِهِم وَاحِدًا يُطِيعُونَهُ: فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:  «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:  «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَليُؤَمِّرُوا أَحَدَهُم» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ.
  3. دُعَاءُ التَّودِيعِ: وَيُستَحَبُّ إِذَا وَدَّعَ الشَّخصُ مُسَافِرًا أَن يَقُولَ:  «أَستَودِعُ اللهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ، زَوَّدَكَ اللهُ التَّقوَى، وَغَفَرَ ذَنبَكَ، وَيَسَّرَ لَكَ الخَيرَ حَيثُ مَا كُنتَ» فَإِنَّ اللهَ مَا استُودِعَ شَيئًا إِلَّا حَفِظَهُ.
  4. السَّيرُ لَيلًا: وَيُستَحَبُّ لِلسَّائِرِ فِي السَّفَرِ عِدَّةُ ءَادَابٍ مِنهَا السَّيرُ لَيلًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:  «عَلَيكُم بِالدُّلجَةِ  أَيِ السَّيرِ فِي اللَّيلِ  فَإِنَّ الأَرضَ تُطوَى بِاللَّيلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَبِإِسنَادٍ حَسَنٍ. لَكِن يَجُوزُ الِاستِرَاحَةُ لَيلًا وَقَد فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ.
  5. إِعَانَةُ الرَّفِيقِ فِي السَّفَرِ: لِاشتِدَادِ الحَاجَةِ إِلَيهِ فِيهِ، فَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ في سَفَرٍ إذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا أَي كَأَنَّهُ يَطلُبُ حَاجَةً، فَأَحَسَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ:  «مَن كَانَ مَعَهُ فَضلُ ظَهرٍ فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا ظَهرَ لَهُ، وَمَن كَانَ لَهُ فَضلُ زَادٍ فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا زَادَ لَهُ» أَي دَابَّةٌ زَائِدَةٌ فَليُسَاعِد بِهَا مَن لَا دَابَّةَ عِندَهُ، وَالزَّادُ أَي الطَّعَامُ، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
  6. تَكبِيرُ المُسَافِرِ إِذَا صَعِدَ المُرتَفَعَاتِ، وَتَسبِيحُهُ إِذَا هَبَطَ الأَودِيَةَ وَنَحوَهَا.
  7. الدُّعَاءُ فِي السَّفَرِ: فَقَد وَرَدَ أَنَّ المُسَافِرَ دُعَاؤُهُ مُستَجَابٌ، فَمَن أَرَادَ حَاجَةً فَليَدعُ فِي السَّفَرِ أَو فَليَطلُب مِنَ المُسَافِرِ الدُّعَاءَ لَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:  «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُستَجَابَاتٍ لَا شَكَّ فِيهِنَّ:دَعوَةُ المَظلُومِ، وَدَعوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ.
  8. تَعجِيلُ المُسَافِرِ الرُّجُوعَ إِلَى أَهلِهِ إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ: وَلَا يُطِيلُ السَّفَرَ، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَرَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:  «السَّفَرُ قِطعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمنَعُ أحَدَكُم طَعَامَهُ وَشَرابَهُ وَنَومَهُ، فَإذَا قَضَى أحَدُكُم نَهمَتَهُ مِن سَفَرِهِ فَليُعَجِّل إِلَى أَهلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
  9. القُدُومُ عَلَى أَهلِهِ نَهَارًا وَكَرَاهَتُهُ فِي اللَّيلِ لِغَيرِ حَاجَةٍ: فَإِذَا قَارَبَ الوُصُولَ لَيلًا يَمكُثُ فِي مَكَانٍ قُربَ البَلَدِ حَتَّى يَطلُعَ النَّهَارُ فَيَدخُلُ عَلَيهِم.
  10. مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ وَإِذَا رَأَى بَلدَتَهُ: عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أَقبَلنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهرِ المَدِينَةِ — أَي قَارَبنَا دُخُولَ المَدِينَةِ — قَالَ:  «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَم يَزَل يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمنَا المَدِينَةَ. رَوَاهُ مُسلِمٌ.
  11. ابتِدَاءُ القَادِمِ بِالمَسجِدِ وَصَلَاتُهُ فِيهِ رَكعَتَينِ: فَعَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكعَتَينِ، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفعَلُ أَصحَابُهُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم مِن بَعدِهِ.

مَعنَى «أَنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ»

قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ» أَيِ الحَافِظُ «فِى السَّفَرِ» مَعنَاهُ أَنتَ تَحفَظُنِي فِي سَفَرِي، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُصَاحِبٌ لِلمُسَافِرِ فِي سَفَرِهِ بِذَاتِهِ، فَإِذَا أُطلِقَتِ المَعِيَّةُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ مَعنَاهَا المُصَاحَبَةَ المَكَانِيَّةَ، أَمَّا مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى:﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم﴾ [سورة الحديد/ الآية 4]

أي بِالعِلمِ، لَا بِالحِسِّ وَالجِهَاتِ، وَتَأتِى المَعِيَّةُ أَيضًا بِمَعنَى النُّصرَةِ وَالكِلاءَةِ كَقَولِهِ تَعَالَى:﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [سورة النحل/ الآية 128]

وَلَيسَ المُرَادُ بِالمَعِيَّةِ فِى الآيَتَينِ وَغَيرِهِمَا مَعنًى مِن مَعَانِى الجِسمِيَّةِ، وَلَيسَ المَعنِىُّ بِهَا الحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ، لِأَنَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانفِصَالِ بِالمَسَافَةِ، فَلا يُقَالُ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالعَالَمِ، وَلا إِنَّهُ مُنفَصِلٌ عَنهُ بِالمَسَافَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِن صِفَاتِ الحَجمِ، وَقَد نَفَى الله سبحانه ذَلِكَ عَن نَفسِهِ بِقَولِهِ:﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11]

وَهِىَ الآيَةُ الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ لِلتَّنزِيهِ الكُلِّىِّ لِلَّهِ تَعَالَى عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ بِأَىِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

مَعنَى «وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهلِ» وَحَدِيثُ «احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ»

«وَالخَلِيفَةُ فِى الأَهلِ» مَعنَاهُ أَنَّكُ تَحفَظُهُم يَا اللهُ مُدَّةَ غِيَابِي عَنهُم فِي هَذَا السَّفَرِ، فَاللهُ تَعَالَى الحَافِظُ الَّذِي يَحفَظُ عِبَادَهُ وَيَرزُقُهُم، وَمِن أَهَمِّ الوَصَايَا الَّتِي أَوصَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَولُهُ فيما رواه الترمذي:

«احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ»

يَعنِي احفَظ حُدُودَ اللهِ وَحُقُوقَهُ وَأَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ، قِف عِندَ أَوَامِرِهِ بِالِامتِثَالِ، وَعِندَ نَوَاهِيهِ بِالِاجتِنَابِ، وَعِندَ حُدُودِهِ فَلَا تَتَجَاوَز وَلَا تَتَعَدَّ مَا أَمَرَ بِهِ إِلَى مَا نَهَى عَنهُ. فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ فِعلُ الوَاجِبَاتِ جَمِيعًا وَتَركُ المُحَرَّمَاتِ كُلِّهَا، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعلَبَةَ المَرفُوعِ:«إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعتَدُوهَا»

وَذَلِكَ كُلُّهُ يَدخُلُ فِي حِفظِ حُدُودِ اللهِ، فَقَولُهُ ﷺ: «احفَظِ اللَّهَ» مَعنَاهُ أَدِّ مَا أَمَرَكَ اللهُ عَلَى الوَجهِ الَّذِي أَمَرَكَ، وَاجتَنِب مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَى الوَجهِ الَّذِي نَهَاكَ، وَاحفَظ حُدُودَ اللهِ أَيِ الأُمُورَ الَّتِي حَدَّهَا اللهُ لَكُم وَطَبِّقهَا عَلَى نَفسِكَ.

وَمَا ثَمَرَةُ هَذَا الحِفظِ؟ الثَّمَرَةُ وَالنَّتِيجَةُ جَاءَت فِي قَولِهِ ﷺ: «يَحفَظكَ»، أَي يَحفَظكَ فِي دِينِكَ وَفِي دُنيَاكَ وَفِي نَفسِكَ وَفِي مَالِكَ وَفِي أَهلِكَ وَوَلَدِكَ وَيَحفَظ دُوَيرَةَ أَهلِكَ، يَعنِي النَّاسَ الَّذِينَ هُم بِجِوَارِكَ قَد يُحفَظُونَ بِصَلَاحِ هَذَا الإِنسَانِ وَحِفظِهِ لِأَوَامِرِ اللهِ تَعَالَى.

قِصَّةُ سَفِينَةَ مَولَى رَسُولِ اللهِ ﷺ

وَلِذَا نَجِدُ أَنَّ سَفِينَةَ — وَهُوَ صَحابِيٌّ جَلِيلٌ كَانَ مَولًى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَي فِى مَقَامِ الخَادِمِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ — أَرسَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرِسَالَةٍ لِيُوصِلَهَا إِلَى إِنسَانٍ، وَهُوَ فِى الطَّرِيقِ أَضَاعَ طَرِيقَهُ وَالصَّحرَاءُ وَاسِعَةٌ، فَسَخَّرَ اللهُ لَهُ أَسَدًا صَارَ يُهَمهِمُ، يُصدِرُ صَوتًا. فَكَلَّمَهُ سَفِينَةُ وَكَأَنَّهُ يَعقِلُ وَيَفهَمُ، وَقَالَ لَهُ: أَنَا سَفِينَةُ، مَولَى رَسُولِ اللهِ ، وَإِنِّي فِى حَاجَةِ رَسُولِ اللهِ، مَعنَاهُ أَرسَلَنِي الرَّسُولُ لِقَضَاءِ أَمرٍ مَا، فَأَنَا خَرَجتُ تَنفِيذًا لِأَمرِهِ ﷺ. فَجَعَلَ هَذَا الأَسَدُ يَمشِي أَمَامَهُ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مُفتَرَقِ طَرِيقٍ، فَوَدَّعَهُ وَهَمهَمَ بِصَوتِهِ ثُمَّ تَمَسَّحَ بِهِ وتَرَكَه بَعدَ أَن دَلَّهُ عَلَى طَرِيقِ مَسِيرِهِ. حِينَ وَقَع فِى هَذِهِ الشِّدَّةِ وَهَذَا الضِّيقِ اللهُ تَعَالَى هَيَّأَ لَهُ هَذَا الحَيَوَانَ المُفتَرِسَ وَسَخَّرَهُ لَهُ بِقُدرَتِهِ سُبحَانَهُ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَنَجَى مِنَ الهَلَكَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ خَرَجَ سَاعِيًا لِتَنفِيذِ أَمرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ! فَعَلَيكَ بِتَقوَى اللهِ وَالتِزَامِ دِينِ اللهِ كَمَا يُحِبُّ اللهُ تَعَالَى وَيَرضَى.

قِصَّةُ أُختِ يَحيَى بنِ إِسمَاعِيلَ

وَقَالَ يَحيَى بنُ إِسمَاعِيلَ بنِ سَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ: كَانَ لِي أُختٌ أَسَنُّ مِنِّي، فَاختَلَطَت وَذَهَبَ عَقلُهَا وَتَوَحَّشَت، وَكَانَت فِي غُرفَةٍ فِي أَقصَى سُطُوحِنَا، فَمَكَثَت بِذَلِكَ بِضعَ عَشرَةَ سَنَةً، فَبَينَمَا أَنَا نَائِمٌ ذَاتَ لَيلَةٍ إِذَا بَابٌ يَدُقُّ نِصفَ اللَّيلِ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ قَالَت: كَجَّةُ، فَقُلتُ: أُختِي؟! قَالَت: أُختُكَ، فَفَتَحتُ البَابَ فَدَخَلتُ وَلَا عَهدَ لَهَا بِالبَيتِ أَكثَرَ مِن عَشرِ سِنِينَ. فَقَالَت: أُتِيتُ اللَّيلَةَ فِي مَنَامِي فَقِيلَ لِيإِنَّ اللهَ قَد حَفِظَ أَبَاكِ إِسمَاعِيلَ لِسَلَمَةَ جَدِّكِ، وَحَفِظَكِ لِأَبِيكِ إِسمَاعِيلَ؛ فَإِن شِئتِ دَعَوتِ اللهَ فَذَهَبَ مَا بِكِ، وَإِن شِئتِ صَبَرتِ وَلَكِ الجَنَّةُ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ قَد شَفَعَا فِيكِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِحُبِّ أَبِيكِ وَجَدِّكِ إِيَّاهُمَا، فَقُلتُ: فَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنَ اختِيَارِ أَحَدِهِمَا فَالصَّبرُ عَلَى مَا أَنَا فِيهِ وَالجَنَّةُ، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَوَاسِعٌ بِخَلقِهِ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيءٌ، إِن شَاءَ أَن يَجمَعَهَمُا لِي فَعَلَ. قَالَت: فَقِيلَ لِيفَإِنَّ اللهَ قَد جَمَعَهُمَا لَكِ وَرَضِيَ عَن أَبِيكِ وَجَدِّكِ بِحُبِّهِمَا أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قُومِي فَانزِلِي، فَأَذهَبَ اللهُ تَعَالَى مَا كَانَ بِهَا.

مَعنَى «اللَّهُمَّ اصحَبنَا فِي سَفَرِنَا»

«اللَّهُمَّ اصحَبنَا فِى سَفَرِنَا» أَيِ احفَظنَا فِيهِ، «وَاخلُفنَا فِى أَهلِنَا» أَيِ احفَظهُم لَنَا فِي غِيَابِنَا.

«اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِن وَعثَاءِ السَّفَرِ» أَي مِن شِدَّةِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ فِيهِ، فَالسَّفَرُ فِيهِ مَشَقَّةٌ، حَتَّى مَعَ مَا حَصَلَ لَنَا الآنَ مِن وَسَائِلِ الرَّاحَةِ مِن سَيَّارَاتٍ وَطَائِرَاتٍ وَطُّرُقٍ سَهلَةٍ مُؤَمَّنَةٍ وَنَحوِ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَعَبًا وَمَشَقَّةً فِي الِابتِعَادِ عَنِ المَنزِلِ وَالِاغتِرَابِ عَنِ الأَهلِ، وَقَد كَانَ السَّفَرُ فِي المَاضِي أَشَدَّ وَأَشَدَّ، كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَو مَشيًا عَلَى طُرُقٍ وَعِرَةٍ وَخَوفٍ مِن قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسِّبَاعِ، لِذَلِكَ رَوَى البُخَارِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَرَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:«السَّفَرُ قِطعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمنَعُ أَحَدَكُم طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَومَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهمَتَهُ فَليُعَجِّل إِلَى أَهلِهِ»

قَالَ ابنُ حَجَرٍ: قَولُهُ: «السَّفَرُ قِطعَةٌ مِنَ العَذَابِ» أَي جُزءٌ مِنهُ، وَالمُرَادُ بِالعَذَابِ الأَلَمُ النَّاشِئُ عَنِ المَشَقَّةِ لِمَا يَحصُلُ فِي الرُّكُوبِ وَالمَشيِ مِن تَركِ المَألُوفِ. وَمِن هُنَا يُستَحَبُّ لِلمُسَافِرِ أَن يَرجِعَ إِلَى أَهلِهِ إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ مِن سَفَرِهِ كَمَا ذَكَرنَا.

السَّفَرُ المَمدُوحُ شَرعًا

وَمَعَ ذَلِكَ قَد يَكُونُ السَّفَرُ مَمدُوحًا مُرَغَّبًا فِيهِ شَرعًا، كَالسَّفَرِ لِطَلَبِ العِلمِ وَأَدَاءِ الفَرَائِضِ كَسَفَرِ الحَجِّ وَالسَّفَرِ لِزِيَارَةِ قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَزِيَارَةُ قَبرِهِ ﷺ سُنَّةٌ مِن سُنَنِ المُسلِمِينَ مُجمَعٌ عَلَيهَا وَفَضِيلَةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ:

﴿وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُم جَآءُوكَ فَاستَغفَرُوا اللهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا [سورة النساء/ الآية 64]

فَالأُمَّةُ المحُمَّدِيَّةُ أَجمَعَت عَلَى جَوَازِ زِيَارَةِ قَبرِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَاعتَبَرُوهَا قُربَةً إِلَى اللهِ وَفَضِيلَةً مُرَغَّبًا فِيهَا، وَهِيَ مِن أَنجَحِ المَسَاعِي وَأَهَمِّ القُرُبَاتِ إِلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا يُنكِرُ ذَلِكَ إِلَّا مَحرُومٌ بَعِيدٌ عَنِ الخَيرِ، وَقَد رَوَى البَزَّارُ وَالدَّارَقُطنِيُّ بِإِسنَادِهِمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:«مَن زَارَ قَبرِي وَجَبَت لَهُ شَفَاعَتِي»

الحَدِيثَ قَوَّاهُ السُّبكِيُّ وَوَافَقَهُ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ وَحَسَّنَهُ بِشَوَاهِدِهِ الذَّهَبِيُّ. وَهَذَا الإِمَامُ المُجتَهِدُ المُطلَقُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ يَنقُلُ الإِجمَاعَ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ «شِفَاءِ السَّقَامِ». وَقَد قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي مَدحِ السَّفَرِ المَمدُوحِ شَرعًا لَا سِيَّمَا السَّفَرُ لِطَلَبِ العِلمِ الشَّرعِيِّ.

مَعنَى «وَكَآبَةِ المُنقَلَبِ» وَ«مِنَ الحَورِ بَعدَ الكَورِ»

«وَكَآبَةِ المُنقَلَبِ» أَي سُوءِ الِانقِلَابِ. «وَمِنَ الحَورِ بَعدَ الكَورِ» أَيِ النُّزُولِ بَعدَ الرِّفعَةِ، فَيَنبَغِي عَلَى الشَّخصِ أَن يَتَعَوَّذَ بِاللهِ مِنَ الِانتِكَاسَةِ وَسُوءِ الخَاتِمَةِ وَأَن يَحذَرَ مِنهَا، وَقَد كَانَ الصَّالِحُونَ يَخَافُونَ مِن سُوءِ الخَاتِمَةِ وَيَتَّهِمُونَ أَنفُسَهُم بِالتَّقصِيرِ وَاتِّهَامُهُم لِنَفسِهِم عَلَى هَذَا المِنوَالِ يَجعَلُ النَّفسَ دَائِمًا تَستَعِدُّ وَتَعمَلُ وَلَا تَنغَمِسُ فِي المُحَرَّمَاتِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، لِذَلِكَ يَبقَونَ عَلَى الِازدِيَادِ بِالطَّاعَاتِ لِآخِرِ العُمُرِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَعرِفَتِهِم أَنَّ الشَّيطَانَ يُحَاوِلُ إِغوَاءَ النَّاسِ وَإِيقَاعَهُم بِالمَفَاسِدِ وَالمُحَرَّمَاتِ.

فِتنَةُ الشَّيطَانِ عِندَ المَوتِ

قَالَ القُرطُبِيُّ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ العَبدَ إِذَا كَانَ عِندَ المَوتِ قَعَدَ عِندَهُ شَيطَانَانِ الوَاحِدُ عَن يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَن شِمَالِهِ، فَالَّذِي عَن يَمِينِهِ عَلَى صِفَةِ أَبِيهِ أَي عَلَى هَيئَةِ أَبِيهِ، يَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي كُنتُ عَلَيكَ شَفِيقًا وَلَكَ مُحِبًّا، وَلَكِن مُت عَلَى دِينِ النَّصَارَى، وَالَّذِي عَلَى شِمَالِهِ عَلَى صِفَةِ أُمِّهِ، تَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ كَانَ بَطنِي لَكَ وِعَاءً، وَثَديِي لَكَ سِقَاءً، وَفَخِذِي لَكَ وِطَاءً، وَلَكِن مُت عَلَى دِينِ اليَهُودِ، كُلٌّ مِنهُمَا يَجُرُّهُ إِلَى الكُفرِ بِاللهِ، وَإِنَّهُ عِندَ استِقرَارِ النَّفسِ فِي التَّرَاقِي وَالاِرتِفَاعِ تُعرَضُ عَلَيهِ الفِتَنُ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبلِيسَ قَد أَنفَذَ أَعوَانَهُ إِلَى هَذَا الإِنسَانِ خَاصَّةً وَاستَعمَلَهُم عَلَيهِ وَوَكَّلَهُم بِهِ، فَيَأتُونَ المَرءَ وَهُوَ عَلَى تِلكَ الحَالِ فَيَتَمَثَّلُونَ لَهُ فِي صُورَةٍ مِن سَلَفٍ مِنَ الأَحبَابِ المَيِّتِينَ البَاغِينَ لَهُ النُّصحَ بِزَعمِهِم فِي دَارِ الدُّنيَا، كَالأَبِ وَالأُمِّ وَالأَخِ وَالأُختِ وَالصَّدِيقِ الحَمِيمِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنتَ تَمُوتُ يَا فُلَانُ وَنَحنُ قَد سَبَقنَاكَ فِي هَذَا الشَّأنِ فَمُت يَهُودِيًّا فَهُوَ الدِّينُ المَقبُولُ عِندَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنِ انصَرَمَ عَنهُم وَأَبَى جَاءَهُ آخَرُونَ وَقَالُوا لَهُ: مُت نَصرَانِيًّا فَإِنَّهُ دِينُ المَسِيحِ وَقَد نَسَخَ اللهُ بِهِ دِينَ مُوسَى، وَيَذكُرُونَ لَهُ عَقَائِدَ كُلِّ مِلَّةٍ، فَعِندَ ذَلِكَ يُزيغ اللهُ مَن يُرِيدُ زَيغَهُ، وَهُوَ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى:

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغ قُلُوبَنَا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا وَهَب لَنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً [سورة آل عمران/ الآية 8]

أَي لَا تُزِغ قُلُوبَنَا عِندَ المَوتِ وَقَد هَدَيتَنَا مِن قَبلِ هَذَا زَمَانًا، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدِهِ هِدَايَةً وَتَثبِيتًا جَاءَتهُ الرَّحمَةُ، وَقِيلَ: هُوَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَيَطرُدُ عَنهُ الشَّيَاطِينَ وَيَمسَحُ الشُّحُوبَ عَن وَجهِهِ فَيَبتَسِمُ المَيِّتُ.

وَكَثِيرٌ مِمَّن يُرَى مُتَبَسِّمًا فِي هَذَا المَقَامِ فَرَحًا بِالبَشِيرِ الَّذِي جَاءَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ أَمَا تَعرِفُنِي؟ أَنَا جِبرِيلُ، وَهَؤُلَاءِ أَعدَاؤُكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، مُت عَلَى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ وَالشَّرِيعَةِ الجَلِيلَةِ، فَمَا شَيءٌ أَحَبُّ إِلَى الإِنسَانِ وَأَفرَحُ مِنهُ بِذَلِكَ المَلَكِ، وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى:

﴿وَهَب لَنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ [سورة آل عمران/ الآية 8]

ثُمَّ يُقبَضُ.

قِصَّةُ الإِمَامِ أَحمَدَ عِندَ وَفَاتِهِ

وَفِي مِثلِ هَذَا رَوَى البَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ فَقَالَ: قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: حَضَرتُ وَفَاةَ أَبِي الإِمَامِ أَحمَدَ، وَبِيَدِي الخِرقَةُ لِأَشُدَّ لَحيَيهِ، فَكَانَ يَغرَقُ أَي يُغمَى عَلَيهِ ثُمَّ يَفِيقُ وَيَقُولُ بِيَدِه: لَا بَعدُ، لَا بَعدُ.فَعَلَ هَذَا مِرَارًا فَقُلتُ لَهُ: يَا أَبَتِ أَيُّ شَيءٍ مَا يَبدُو مِنكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ الشَّيطَانَ قَائِمٌ بِحِذَائِي عَاضٌّ عَلَى أَنَامِلِهِ يَقُولُ: يَا أَحمَدُ فُتَّنِي، وَأَنَا أَقُولُ: لَا بَعدُ حَتَّى أَمُوتَ.

قِصَّةُ أَبِي جَعفَرٍ القُرطُبِيِّ عِندَ الاحتِضَارِ

وَيُروَى عَن أَبِي جَعفَرٍ أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ القُرطُبِيِّ أنّه احتضر بِقُرطُبَةَ فَقِيلَ لَهُ: قُل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَانَ يَقُولُ: لَا لَا، فَلَمَّا أَفَاقَ ذَكَرنَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَتَانِي شَيطَانَانِ عَن يَمِينِي وَعَن شِمَالِي يَقُولُ أَحَدُهُمَا: مُت يَهُودِيًّا فَإِنَّهُ خَيرُ الأَديَانِ، وَالآخَرُ يَقُولُ: مُت نَصرَانِيًّا فَإِنَّهُ خَيرُ الأَديَانِ، فَكُنتُ أَقُولُ لَهُمَا: لَا لَا، إِلَيَّ تَقُولَانِ هَذَا وَقَد كَتَبتُ بِيَدِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:

«إِنَّ الشَّيطَانَ يَأتِي أَحَدَكُم عِندَ مَوتِهِ فَيقُولُ: مُت يَهُودِيًّا مُت نَصرَانِيًّا»فَكَانَ الجَوَابُ لَهُمَا لَا لَكُمَا.

مَعنَى «وَمِن دَعوَةِ المَظلُومِ»

«وَمِن دَعوَةِ المَظلُومِ» — وَالمُتَأَمِّلُ فِي أَحوَالِ النَّاسِ اليَومَ يَجِدُ الكَثِيرَ مِنهُم لَا يَتَوَقَّى الظُّلمَ وَلَا دَعوَةَ المَظلُومِ، وَيَتَنَاسَى أَنَّ دَعوَةَ المَظلُومِ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ، وَأَنَّ اللهَ يَقُولُ: وَعِزَّتِي لَأَنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ، فَكَم هَلَكَ بِسَبَبِهَا مِن هَالِكٍ، وَكَمِ افتَقَرَ بِسَبَبِهَا مِن غَنِيٍّ، وَكَم زَالَ بِسَبَبِهَا مِن مُلكٍ، فَدَعوَةُ المَظلُومِ قَد تُصِيبُكَ فِي نَفسِكَ، قَد تُصِيبُكَ فِي مَالِكَ، قَد تُصِيبُكَ فِي وَلَدِكَ، دَعوَةُ المَظلُومِ تَقلِبُ صِحَّتَكَ سَقَمًا، تَجعَلُكَ بَعدَ العِزِّ وَالغِنَى ذَلِيلًا حَقِيرًا فَقِيرًا.

وَقَد كَانَ يَزِيدُ بنُ حَكِيمٍ يَقُولُ: مَا هِبتُ أَحَدًا قَطُّ هَيبَتِي رَجُلًا ظَلَمتُهُ وَأَنَا أَعلَمُ أَن لَا نَاصِرَ لَهُ إِلَّا اللهُ.

قِصَّةُ الجَبَّارِ وَالعَجُوزِ

وَيَروِي ابنُ الجَوزِيِّ وَغَيرُهُ عَن وَهبِ بنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: بَنَى جَبَّارٌ قَصرًا وَشَيَّدَهُ فَجَاءَت عَجُوزٌ مُسلِمَةٌ فَبَنَت إِلَى ظَهرِ قَصرِهِ كُوخًا تَعبُدُ اللَّهَ فِيهِ، فَرَكِبَ الجَبَّارُ يَومًا فَطَافَ بِفِنَاءِ القَصرِ، فَرَأَى الكُوخَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: امرَأَةٌ هَهُنَا ثَاوِيَةٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ وَلَم تَكُنِ المَرأَةُ حَاضِرَةً، فَجَاءَت فَرَأَتهُ قَد هُدِمَ، فَدَعَتِ اللهَ تَعَالَى عَلَى هَذَا الظَّالِمِ، فَخَرَجَ المَلِكُ فِي مَوكِبِهِ، وَلَمَّا رَآهَا ضَحِكَ هَازِئًا مِنهَا وَقَالَ لَهَا: وَمَاذَا تَنتَظِرِينَ بَعدَ هَدمِ دَارِكِ؟ قَالَت: أَنتَظِرُ وَعدَ رَبِّي، فَذَهَبَ المَلِكُ غَيرَ مُبَالٍ بِقَولَتِهَا، فَلَمَّا جَنَّ اللَّيلُ خُسِفَ بِالمَلِكِ وَقَصرِهِ.

مَعنَى «وَمِن سُوءِ المَنظَرِ فِي الأَهلِ وَالمَالِ»

«وَمِن سُوءِ المَنظَرِ فِى الأَهلِ وَالمَالِ» أَي نَعُوذُ بِكَ مِن كُلِّ مَا يَسُوءُ النَّظَرُ إِلَيهِ وَسَمَاعُهُ فِي الأَهلِ وَالمَالِ، أَيِ احفَظ أَهلَنَا وَمَالَنَا.

والله تعالى أعلم وأحكم