المحتويات
- المقدمة
- استحباب الخروج يوم الخميس، واستحبابه أول النهار
- طلب الرفقة في السفر وتأمير قائد للرفقة
- دعاء ركوب الدابة للسفر
- ما يقال عند توديع المسافر
- آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر
- إعانة الرفيق في السفر
- تكبير المسافر إِذَا صعد المرتفعات، وتسبيحه إِذَا هبط الأودية ونحوها
- استحباب الدعاء في السفر
- باب ما يدعو به إذا خاف ناسا أو غيرهم في السفر
- الدعاء عند نزول مكان في السفر (أي أراد الاستراحة في مكان)
- استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته
- استحباب القدوم عَلَى أهله نهارًا وكراهته في الليل لغير حاجة
- مَا يقول إِذَا رجع وإذا رأى بلدته
- استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين
- الخاتمة
- المصادر
لِمُلَخَّصٍ سَرِيعٍ عَن أَدعِيَةِ السَّفَرِ وَآدَابِهِ، اضغط هنا.
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
دِينُ الإِسلَامِ نَجَاةٌ وَنَجَاحٌ، وَاتِّبَاعُهُ فَوزٌ وَفَلَاحٌ، فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ لَم يَترُك بَابًا مِن أَبَوابِ حَيَاتِنَا اليَومِيَّةِ إِلَّا وَوَضَعَ لَهُ آدَابًا وَسُنَنًا وَأَذكَارًا تَزِيدُ مِن ثَوَابِنَا، وَتُحَوِّلُ عَادَاتِنَا إِلَى عِبَادَاتٍ نُثَابُ عَلَيهَا، وَمِن هَذِهِ الأَبوَابِ السَّفَرُ، فَقَد وَرَدَ فِي الشَّرعِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ عَنِ المُسَافِرِ وَمَا يَقُولُهُ فِي أَحوَالِ سَفَرِهِ المُختَلِفَةِ وَمَتَى يُسَنُّ لَهُ السَّفَرُ وَغَيرُ ذَلِكَ الكَثِيرُ الكَثِيرُ، وَسَنَذكُرُ فِي هَذَا المَقَالِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى جُملَةً مِنَ الأَدعِيَةِ وَالآدَابِ الَّتِي يَنبَغِي لِلمُسَافِرِ أَن لَا يَغفُلَ عَنهَا.
استحباب الخروج يوم الخميس، واستحبابه أول النهار
استحباب الخروج يوم الخميس
يُستَحَبُّ لِلشَّخصِ أَن يُسَافِرَ يَومَ الخَمِيسِ وَيَخرُجَ مِن أَوَّلِ النَّهَارِ، فَعَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ يَومَ الخَمِيسِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَن يَخرُجَ يَومَ الخَميسِ، متفقٌ عَلَيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَينِ: لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخرُجُ إِلَّا في يَومِ الخَمِيسِ.
فضل السفر في أول النهار
وَعَن صَخرِ بنِ وَدَاعَةَ الغَامِدِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِك لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَو جَيشًا بَعَثَهُم مِن أوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخرٌ تَاجِرًا وَكَانَ يَبعَثُ تِجَارَتَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ فَأَثرَى وَكَثُرَ مَالُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ».
طلب الرفقة في السفر وتأمير قائد للرفقة
استحباب السفر مع رفقة
يُستَحَبُّ لِلشَّخصِ أَن لَا يَخرُجَ وَحدَهُ فِي السَّفَرِ إِنِ استَطَاعَ، بَل يُحَاوِلُ أَن يَخرُجَ مَعَ رَفِيقٍ أَو رُفقَةٍ، فَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَو أَنَّ النَّاسَ يَعلَمُونَ مِنَ الوَحدَةِ مَا أَعلَمُ مَا سَارَ رَاكبٌ بِلَيلٍ وَحدَهُ!»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
تأميرهم عَلَى أنفسهم واحدًا يطيعونه
وَكَذَلِكَ يُستَحَبُّ لِلجَمَاعَةِ المُسَافِرِينَ أَن يَجعَلُوا لَهُم قَائِدًا يُطِيعُونَهُ فِي سَفَرِهِم حَتَّى يُنَظِّمَ أُمُورَهُم، فَعَن أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَليُؤَمِّرُوا أَحَدَهُم»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ.
وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيرُ الصَّحَابَةِ (أَيِ الرُّفقَةِ فِي السَّفَرِ) أربَعَةٌ، وَخَيرُ السَّرَايَا أربَعُمِائَةٍ، وَخَيرُ الجُيُوشِ أَربَعَةُ آلَافٍ، وَلَن يُغلَبَ اثنَا عَشَرَ أَلفًا مِن قِلَّةٍ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ».
دعاء ركوب الدابة للسفر
يُستَحَبُّ أَن يَقُولَ الشَّخصُ عِندَ رُكُوبِهِ دَابَّتَهُ مُتَهَيِّئً لِلسَّفَرِ أَو غَيرِهِ: «سُبحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ»، وَقَد وَرَدَ هَذَا فِي القُرءَانِ حَيثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الزخرف: 12-14]
وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا استَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قَالَ: «سُبحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ (أَي مَا كُنَّا نَستَطِيعُهُ) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقوَى وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرضَى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَينَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعدَهُ، اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ (أَي تَحفَظُنِي فِي سَفَرِي)، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهلِ (أَي تَحفَظُهُم لِي فِي غِيَابِي)، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن وَعْثَاءِ السَّفَرِ (أَي شِدَّةِ السَّفَرِ) وَكَآبَةِ المَنظَرِ (أَي مِن حُزنٍ يُصِيبُنَا) وَسُوءِ المُنقَلَبِ (أَي أَن نَعُودَ عَودًا سَيِّئًا) فِي المَالِ وَالأَهلِ وَالوَلَدِ»، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَعَن عَلِيِّ بنِ رَبِيعَةَ قَالَ: شَهِدتُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَركَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجلَهُ في الرِّكَابِ قَالَ: «بِسمِ اللهِ»، فَلَمَّا استَوَى عَلَى ظَهرِهَا قَالَ: الحَمدُ للهِ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنينَ، وَإنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ، ثُمَّ قَالَ: الحَمدُ للهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أكبَرُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُبحَانَكَ إنّي ظَلَمتُ نَفسِي فَاغفِر لِي إنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقيلَ: يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، مِن أَيِّ شَيءٍ ضَحِكتَ؟ قَالَ: رَأيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَمَا فَعَلتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِن أيِّ شَيءٍ ضَحِكتَ؟ قَالَ: «إنَّ رَبَّكَ تَعَالَى يَعجَبُ مِن عَبدِهِ (أَي يُثِيبُ العَبدَ) إِذَا قَالَ: اغفِر لِي ذُنُوبِي، يَعلَمُ أنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ غَيرِي»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ».
ما يقال عند توديع المسافر
يُستَحَبُّ إِذَا وَدَّعَ الشَّخصُ مُسَافِرًا أَن يَقُولَ: «أَستَودِعُ اللهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ، زَوَّدَكَ اللهُ التَّقوَى، وَغَفَرَ ذَنبَكَ، وَيَسَّرَ لَكَ الخَيرَ حَيثُ مَا كُنتَ»، فَإِنَّ اللهَ مَا استُودِعَ شَيئًا إِلَّا حَفِظَهُ.
آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر
استحباب السير ليلًا
يُستَحَبُّ لِلسَّائِرِ فِي السَّفَرِ عِدَّةُ ءَادَابٍ مِنهَا السَّيرُ لَيلًا، فَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَلَيكُم بِالدُّلجَةِ (أَيِ السَّيرِ فِي اللَّيلِ) فَإِنَّ الأَرضَ تُطوَى بِاللَّيلِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ.
الاستراحة والنوم في السفر
لَكِن يَجُوزُ الِاستِرَاحَةُ لَيلًا وَقَد فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَعَن أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ (نَامَ) بِلَيلٍ اضطَجَعَ عَلَى يَمِينهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيلَ الصُّبحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ وَوَضَعَ رَأسَهُ عَلَى كَفِّهِ، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّمَا نَصَبَ ذِرَاعَهُ لِئَلَّا يَستَغرِقَ في النَّومِ فَتَفُوتَ صَلَاةُ الصُّبحِ عَن وَقتِهَا أَو عَن أوَّلِ وَقتِهَا.
وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا عَرَّستُم (نِمتُم فِي اللَّيلِ) فَاجتَنِبُوا الطَّرِيقَ فَإنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأوَى الهَوَامِّ بِاللَّيلِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَعَن أَبِي ثَعلَبَةَ الخُشَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنزِلًا تَفَرَّقُوا في الشِّعَابِ وَالأودِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ تَفَرُّقكُم فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَودِيَةِ إنَّمَا ذَلِكُم مِنَ الشَّيطَانِ!»، يُرِيدُهُم أَن يَجتَمِعُوا حَتَّى يَحصُلَ لَهُمُ النَّفعُ بِاجتِمَاعِهِم، فَلَم يَنزِلُوا بَعدَ ذَلِكَ مَنزِلًا إِلَّا انضَمَّ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ.
إعانة الرفيق في السفر
حَثَّ الشَّرعُ عَلَى إِعَانَةِ المُحتَاجِ حَثًّا بَلِيغًا، وَقَد جَاءَ الحَثُّ عَلَيهِ فِي السَّفَرِ أَيضًا لِاشتِدَادِ الحَاجَةِ إِلَيهِ فِيهِ، فَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ في سَفَرٍ إذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا أَي كَأَنَّهُ يَطلُبُ حَاجَةً، فَأَحَسَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَن كَانَ مَعَهُ فَضلُ ظَهرٍ (أَي دَابَّةٌ زَائِدَةٌ، لِأَنَّ العَرَبَ كَانُوا فِي السَّفَرِ لَا سِيَّمَا الحَربِ يَأخُذُونَ أَكثَرَ مِن دَابَّةٍ مَعَهُم) فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا ظَهرَ لَهُ (أَي فَليُسَاعِد بِهَا مَن لَا دَابَّةَ عِندَهُ)، وَمَن كَانَ لَهُ فَضلُ زَادٍ (أَي طَعَامٍ) فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا زَادَ لَهُ»، فَذَكَرَ مِن أصنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَهُ حَتَّى رَأينَا أنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضلٍ (أَي فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَدِّدُ وَيَقُولُ مَن عِندَهُ كَذَا مَن عِندَهُ كَذَا فَليُسَاعِد غَيرَهُ)، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَعَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أَرَادَ أَن يَغزُوَ فَقَالَ: «يَا مَعشَرَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، إِنَّ مِن إِخوَانِكُم قَومًا لَيسَ لَهُم مَالٌ وَلَا عَشِيرةٌ، فَليَضُمَّ أحَدُكُم إِلَيهِ الرَّجُلَينِ أَو الثَّلَاثَةَ»، أَي فَليُسَاعِدِ الرَّجُلَينِ أَوِ الثَّلَاثَةَ بِحَسَبِ مَا يَستَطِيعُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
تكبير المسافر إِذَا صعد المرتفعات، وتسبيحه إِذَا هبط الأودية ونحوها
يُستَحَبُّ لِلمُسَافِرِ إِذَا صَعِدَ مُرتَفَعًا أَن يُكَبِّرَ وَإِذَا هَبَطَ نَازِلًا أَن يُسَبِّحَ، فَعَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدنَا كَبَّرنَا وَإِذَا نَزَلنَا سَبَّحنَا، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ وَجُيُوشُهُ إِذَا عَلَوُا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ.
وَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا صَعِدَ المُرتَفَعَاتِ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعدَهُ، وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ»، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
استحباب الدعاء في السفر
قَد وَرَدَ أَنَّ المُسَافِرَ دُعَاؤُهُ مُستَجَابٌ، فَمَن أَرَادَ حَاجَةً فَليَدعُ فِي السَّفَرِ أَو فَليَطلُب مِنَ المُسَافِرِ الدُّعَاءَ لَهُ، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُستَجَابَاتٍ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعوَةُ المَظلُومِ، وَدَعوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ».
باب ما يدعو به إذا خاف ناسا أو غيرهم في السفر
قَد يَمُرُّ المُسَافِرُ عَلَى مَا يُؤذِيهِ كَقُطَّاعِ الطُّرُقِ أَوِ القَتَلَةِ أَو حَتَّى الحَيَوَانَاتِ المُؤذِيَةِ، وَجَعَلَ لَنَا الشَّرعُ فِي هَذِهِ الأَحوَالِ أَدعِيَةً وَأَذكَارًا نَافِعَةً لِلحِفظِ مِن هَؤُلَاءِ، فَعَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَافَ قَومًا (الخَوفَ الطَّبِيعِيَّ لَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَجبُنُ عِندَ لِقَاءِ العَدُوِّ أَو غَيرِهِ، إِنَّمَا المَعنَى تَوَقَّعَ ضَرَرَهُم وَأَرَادَ تَفَادِيَهُ) قَالَ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَجعَلُكَ في نُحُورِهِم، وَنَعُوذُ بِكَ مِن شُرُورِهِم»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ.
وَقَد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي سَفَرِ الهِجرَةِ لَمَّا أَدرَكَهُ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكٍ وَأَرَادَ أَسرَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللهم اكفِنَاهُ بِمَا شِئتَ وَكَيفَمَا شِئتَ إِنَّكَ عَلَيهِ قَادِرٌ»، فَغَاصَت قَوَائِمُ فَرَسِ سُرَاقَةَ فِي أَرضٍ صَلبَةٍ وَكَفَى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ سُرَاقَةَ، وَقَد أَسلَمَ سُرَاقَةُ بَعدَ ذَلِكَ.
الدعاء عند نزول مكان في السفر (أي أراد الاستراحة في مكان)
قَد يَنزِلُ المُسَافِرُ فِي مَكَانٍ غَرِيبٍ لَا يَعرِفُ مَا فِيهِ مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ، فَعَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا يَقُولُ فِي هَذِهِ الحَالِ، فَعَن خَولَةَ بِنتِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن نَزَلَ مَنزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ، لَم يَضُرَّهُ شَيءٌ حَتَّى يَرتَحِلَ مِن مَنزِلِهِ ذَلِكَ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَأَقبَلَ اللَّيلُ قَالَ: «يَا أَرضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ، أَعُوذُ بِاللهِ مِن شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيكِ، وَأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ أَسَدٍ وَأَسوَد (أَي شَخصٍ)، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقرَبِ، وَمِن سَاكِنِ البَلَدِ (أَيِ الجِنِّ الَّذِينَ يَسكُنُونَ فِي الأَرضِ)، وَمِن وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته
يُستَحَبُّ إِذَا قَضَى المُسَافِرُ سَفَرَهُ أَن يَرجِعَ إِلَى أَهلِهِ وَلَا يُطِيلَ السَّفَرَ، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «السَّفَرُ قِطعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمنَعُ أحَدَكُم طَعَامَهُ وَشَرابَهُ وَنَومَهُ، فَإذَا قَضَى أحَدُكُم نَهمَتَهُ (حَاجَتَهُ) مِن سَفَرِهِ فَليُعَجِّل إِلَى أَهلِهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
استحباب القدوم عَلَى أهله نهارًا وكراهته في الليل لغير حاجة
يُستَحَبُّ أَن لَا يَدخُلَ الشَّخصُ عَلَى أَهلِهِ بَعدَ السَّفَرِ فِي اللَّيلِ وَإِنَّمَا يَدخُلُ فِي النَّهَارِ، فَإِذَا قَارَبَ الوُصُولَ لَيلًا يَمكُثُ فِي مَكَانٍ قُربَ البَلَدِ حَتَّى يَطلُعَ النَّهَارُ فَيَدخُلُ عَلَيهِم، فَعَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيبَةَ فَلَا يَطرُقَنَّ أَهلَهُ لَيلًا (أَي لَا يَدخُل عَلَى أَهلِهِ لَيلًا)»، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَطرُقُ أَهلَهُ لَيلًا، وَكَانَ يَأتِيهِم غَدوَةً أَو عَشِيَّةً (أَي عَصرًا)، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
مَا يقول إِذَا رجع وإذا رأى بلدته
عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أَقبَلنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهرِ المَدِينَةِ (أَي قَارَبنَا دُخُولَ المَدِينَةِ) قَالَ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَم يَزَل يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمنَا المَدِينَةَ، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين
يُستَحَبُّ لِلقَادِمِ مِنَ السَّفَرِ إِذَا دَخَلَ بَلَدَهُ أَن يَبدَأَ أَوَّلًا بِالمَسجِدِ، فَيَذهَبُ إِلَى مَسجِدٍ قُربَ بَيتِهِ وَيُصَلِّي فِيهِ رَكعَتَينِ ثُمَّ يَذهَبُ إِلَى بَيتِهِ، فَعَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكعَتَينِ، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفعَلُ أَصحَابُهُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم مِن بَعدِهِ.
الخاتمة
فَليَتَأَمَّلِ الوَاحِدُ مِنَّا هَذَا الدِّينَ مَا أَعظَمَهُ، كَيفَ أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ بَابٍ مِن أَبوَابِ الحَيَاةِ مَدخَلًا يَستَطِيعُ الشَّخصُ أَن يَطلُبَ مِنهُ الثَّوَابَ، فَحَوَّلَ العَادَاتِ إِلَى عِبَادَاتٍ، وَهَذَا مِن فَضلِ اللهِ تَعَالَى وَرَحمَتِهِ بِعِبَادِهِ، حَيثُ إِنَّهُ قَد رَزَقَنَا الإِسلَامَ وَزَادَنَا فِيهِ ثَوَابًا مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ، حَتَّى يَرقَى الشَّخصُ إِلَى أَعَالِي الدَّرَجَاتِ، لَكِن يَنبَغِي عَلَى الشَّخصِ أَن يَكُونَ عَاقِلًا وَيَتَفَطَّنَ لِمِثلِ هَذِهِ الأُمُورِ وَلَا يَكُونَ مِنَ الغَافِلِينَ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ تَجِدُ هَمَّهُ أَن يَجمَعَ المَالَ فِي الدُّنيَا الفَانِيَةِ، فَمَاذَا عَن جَمعِ الثَّوَابِ لِلآخِرَةِ البَاقِيَةِ، نَسأَلُ اللهَ التَّوفِيقَ وَالسَّدَادَ.
قائمة مختصرة بأدعية وآداب السفر من المقال
- دعاء ركوب الدابة أو وسيلة النقل:
- َسُبحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُون.
- دعاء السفر:
- َّسُبحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِر ِوَالتَّقوَى وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرضَى، اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَينَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطوِ عَنَّا بُعدَهُ، اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَر ِوَالخَلِيفَةُ فِي الأَهلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن وَعثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ المَنظَرِ وَسُوءِ المُنقَلَبِ فِي المَالِ وَالأَهل
- دعاء العودة من السفر
- َآيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُون
- دعاء توديع المسافر
- َأَستَودِعُ اللهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ، زَوَّدَكَ اللهُ التَّقوَى، وَغَفَرَ ذَنبَكَ، وَيَسَّرَ لَكَ الخَيرَ حَيثُ مَا كُنت
- دعاء الخوف في السفر
- اللَّهُمَّ إِنَّا نَجعَلُكَ فِي نُحُورِهِم وَنَعُوذُ بِكَ مِن شُرُورِهِم
- دعاء النزول في مكان جديد
- َأَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَق
آداب السفر
- يُستَحَبُّ الخُرُوجُ لِلسَّفَرِ يَومَ الخَمِيسِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ.
- يُستَحَبُّ السَّفَرُ مَعَ رُفقَةٍ، وَتَعيِينُ قَائِدٍ لِلرُّفقَةِ.
- يُستَحَبُّ التَّكبِيرُ عِندَ صُعُودِ المُرتَفَعَاتِ، وَالتَّسبِيحُ عِندَ النُّزُولِ مِنَ الأَودِيَةِ.
- يُستَحَبُّ تَعجِيلُ الرُّجُوعِ بَعدَ قَضَاءِ الحَاجَةِ مِنَ السَّفَرِ.
- يُستَحَبُّ الِابتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ فِي المَسجِدِ عِندَ العَودَةِ إِلَى البَلَدِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
- فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
- الأَذكَارِ المُنتَخَبَةِ مِن كَلَامِ سَيِّدِ الأَبرَارِ لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ.