داعي الفلاح في أذكار المساء والصباح | الدرس الثاني | سيد الاستغفار

الدرس ٢ من ٩داعي الفلاح

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لِلهِ الواحدِ القَهَّارِ، العزيزِ الغفار، مُقدرِ الأقدار، مصرّفِ الأمور مكوِّرِ الليل على النهار، تبصِرةً لذوي القلوب والأبصار، الذي أيقظ مِنْ خلقه مَن اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، ووفَّق من اجتباه من عبيده فجعله من الأبرار، وبصَّر من أحبه فزهَّدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهُّبِ لدار القرار، واجتنابِ ما يُسخطُه والحذرِ من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجِد في طاعاته وملازمةِ ذِكْره بالعشيِّ والإبكار، فاستنارت قلوبهم بلوامع الأنوار. 

أحمده أبلغ الحمد على جميع نِعَمه، وأسأله المزيدَ من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله العظيم، الواحد الصمد العزيز الحكيم، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيّه وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين، وأكرم السابقين واللاحقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النّبيين والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين. 

وبعد: 

الحديث الثاني: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري والنسائي عن شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ قال: ((سيدُ الاستغفارِ أن تقولَ: اللهم أنتَ ربي لا إلهَ إلا أنتَ خلقتني وأنا عبدُكَ وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شرِ ما صنعتُ، أبوءُ لكَ بذنبي وأبوءُ بنعمتِكَ عليّ فاغفر لي فإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ)). قال: )) ومَن قالها من النهارِ موقنًا بها فماتَ مِن يومِهِ قبلَ أن يُمسيَ فهوَ من أهلِ الجنةِ((. قال: ))ومَن قالها من الليلِ وهو موقنٌ بها فماتَ قبلَ أن يُصبحَ فهو من أهلِ الجنةِ((.

التعليق على الحديث:

معنى سيد الاستغفار وسبب تسميته بذلك

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (سيد الاستغفار) قال الطيبي: لمّا كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التّوبة كلّها استعير له اسم السّيد وهو في الأصل الرّئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في الأمور (أن يقول العبد) أي: المكلف (اللهم أنت ربّي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك) أي: أنا عابد لك (وأنا على عهدك ووعدك) قال الخطّابي: يريد أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإِيمان وإخلاص الطاعة لك (ما استطعت). وقال ابن بطال: قوله “وأنا على عهدك ووعدك” يريد العهد الذي أخذه على عباده في عالم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾[الأعراف/ الآية 172]. 

معنى حديث: «كل مولد يولد على الفطرة»

وَأَمَّا حَدِيثُ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ، فَمَعْنَى يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَيْ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا مُتَهَيِّئًا لِقَبُولِ دِينِ الإِسْلامِ، عَلَى الْفِطْرَةِ أَيْ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلامِ لِأَنَّهُمْ يُولَدُونَ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِرَافِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ الَّذِي حَصَلَ يَوْمَ أُخْرِجَتِ الأَرْوَاحُ مِنْ ظَهْرِ ءَادَمَ بِنَعْمَانِ الأَرَاكِ فَإِنَّهُمْ سُئِلُوا أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى لا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ. اعْتَرَفُوا كُلُّهُمْ بِأُلُوهِيَّةِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمَّا دَخَلَتِ الرُّوحُ فِي جَسَدِ الْوَلَدِ نَسِيَ هَذَا وَيَبْقَى نَاسِيًا إِلَى أَنْ يَسْمَعَ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا الإِسْلامَ فَيَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ يَسْمَعَ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا الْكُفْرَ فَيَعْتَقِدَهُ فَيَكُونُ الآنَ كَفَرَ بِالْفِعْلِ. هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَعْرِفُ أَوَّلَ مَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ الإِسْلامَ تَفْصِيلًا فَإِنَّهُ أَوَّلَ مَا يَخْرُجُ مَنْ بَطْنِ أُمِّهِ لا يَعْلَمُ شَيْئًا وَهُوَ صَرِيحُ الآيَةِ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [سُورَةَ النَّحْل/78].

وبالوعد ما قال نبيه ﷺ: ((إن من مات لا يشرك بالله شيئًا وأدّى ما افترض عليه أدخله الجنة)).

معنى قوله: «أعوذ بك من شر ما صنعت» 

(أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي) أبوء أي أقرّ وأعترف أي بنعمتك التي لا تحصر ولا تحصى، (وأبوء بذنبي) قال الطيبي: اعترف أوّلًا بأنّه أنعم عليه ولم يقيده، ليشمل جميع أنواع الإِنعام، ثم اعترف بالتقصير وهضم النفس. (فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) يؤخذ منه أن من اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه (من قالها في النهار موقنًا) بضم الميم وسكون الواو وكسر القاف أي: مخلصًا من قلبه مصدقًا (بها) أي: بثوابها (فمات من يومه) أي: فيه (قبل أن يمسي) أي: يدخل في المساء (فهو من أهل الجنة) وفي رواية النسائي دخل الجنة. 

البشارة بالجنة لمن حافظ على سيد الاستغفار

(ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح) أي: يدخل في الصباح (فهو من أهل الجنة) رواه البخاري. قال ابن أبي جمرة: جمع ﷺ في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحقّ له أن يسمّى به سيّد الاستغفار. ففيه الإِقرار لله وحده بالألوهية، والاعتراف بأنّه الخالق، والإِقرار بالعهد الذي أخذه عليه والرجاء بما وعد به والاستعاذة من شرّ ما جنى العبد على نفسه وإضافة النعماء إلى موجِدها ورغبته في المغفرة واعترافه بأنّه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو. وفي كل ذلك إشارة إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة، فإنّ تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في ذلك عون من الله تعالى.

الحديث الثالث: وأخرج التّرمذي وحسّنه، والطّبراني في الكبير عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: ((ألا أدلُّكُم على سيدِ الاستغفارِ: اللهم أنتَ ربي لا إلهَ الا أنتَ خلقتني وأنا عبدُكَ وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شر ما صنعتُ، أبوءُ لكَ بنعمتِكَ عليّ واعترفُ بذنوبي فاغفر لي فإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ، لا يقولها أحدٌ حين يُصبحُ فيأتيهِ قدَرُهُ من يومِهِ ذلك قبلَ أن يُمسيَ إلا وجبت لهُ الجنةُ)).

التعليق على الحديث: 

قوله: (ألا أدلكم) بتخفيف اللام أداة استفتاح لينتبه السامع لما بعدها.

الإيمان بأن الله خالق كل شيء

قوله: (خلقتني) الله تعالى خالق لكلّ ما دخل في الوجود وقد قال سبحانه في ذمِّ المشركين: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد/ الآية 16]. لقد أمرَ اللهُ نبيّه المصطفى في هذه الآيةِ أن يُنْكِرَ على المشركينَ الذين كانوا يعبدونَ الأصنامَ مِنْ دونِ اللهِ ويُبَيِّنُ لهم أنَّ اللهَ هو خالقُ كلِّ شىءٍ وأنَّهُ الواحدُ الذي لا شريكَ له ولا مثيل له ولا نظيرَ له ولا خالقَ لشىءٍ من الأشياءِ إلا هو القهَّارُ أي الغالبُ لكلِّ ما عداهُ الذي كلُّ ما سواه تحت قدرتِهِ مقهورٌ له سبحانه وتعالى. 

معنى قوله تعالى:﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء﴾

قال الإمام ابن الجوزي (ت 597 هـ) في كتابه زاد المسير في علم التفسير: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء﴾ قال ابن الأنباري: معناه: أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فتشابه خلق الله بخلق هؤلاء؟ وهذا استفهام إنكار، والمعنى: ليس الأمر على هذا، بل إذا فكّروا علموا أن الله هو المنفرد بالخلق، وغيره لا يخلق شيئًا. 

عقيدة أهل السنة في أن الله خلق أفعال العباد

إنَّ من أصولِ عقائدِ الإسلامِ اعتقادَ أنَّ الله خالقُنا أي مُخْرِجُنا من العدمِ إلى الوجودِ وخالقُ أعمالِنا أي الذي يُبْرِزُها من العدم إلى الوجود، وقد رُوِيَ عن إمامِ الصوفيةِ العارفينَ الجنيدِ البغداديِّ أنه سُئل مرة عن التوحيدِ فقال: “إنه لا مُكَوِّنَ لشىءٍ منَ الأشياءِ من الأعيانِ والأعمالِ خالقٍ لها إلا اللهُ تعالى” والأعيانُ هي كلُّ ما لَهُ حجمٌ صغيرًا كانَ أو كبيرًا، أمّا الأعمالُ فالمرادُ بها أعمالُ العبادِ ما كان خيرًا وما كان شرًّا فيجبُ علينا أيّها الأحبةُ اعتقادُ أنَّ كلَّ ما دخلَ في الوجودِ مِنَ الأعيانِ أي الأحجامِ والأعمالِ وُجِدَ بِخَلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى كما قالَ الله عَزَّ وجلَّ في مُحْكَمِ كتابِهِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:/ الآية 96]. 

عند قوله: (فيأتيهِ قدَرُهُ من يومِهِ ذلك): أي يأتيه الموت الذي قدّره الله عليه، ونحن نعتقد أنّ كلّ ما يحصل هو بخلق الله وتقديره وهذا هو الموافق للعقل والنقل فنحن لا نَخْلُقُ شيئًا لا ذواتِنا ولا أعمالَنا إنما نحن وأعمالُنا بخلقِ اللهِ تعالى ولا فرقَ في ذلك بين أعمالِنا الاختياريةِ كالأكلِ والشربِ والصلاةِ وبينَ الأعمالِ الاضطرايةِ كالارتعاشِ مِنَ البردِ بلْ كُلُّ ذلكِ بِخَلْقِهِ سبحانَهُ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام/ الآية 162-163]. أخبرَ اللهُ تعالى بأنَّ صلاةَ العبدِ ونُسُكَهُ أي ما يَذْبَحُهُ تقربًا إلى الله تعالى كالأضحيةِ ومَحْيَاهُ ومماتهُ مِلكٌ له وخَلْقٌ له لا يشاركُهُ فيه غيرُهُ فأعلمَنا أنه لا فرقَ في ذلكَ بين الأعمالِ الاختياريةِ كالصلاةِ والنُّسُكِ وبينَ ما يَتَّصِفُ به العبدُ مما ليس باختيارِهِ كالحياةِ والموتِ، إنما تتميزُ الأعمالُ الاختياريةُ أي التي تقعُ باختيارِ العبادِ فيكتسبُها الناسُ بأنها هي التي عليها يُحَاسَبُ الإنسانُ ويُؤَاخَذُ فيما كانَ منها خيرًا يُثابُ عليهِ وما كان شرًّا يُؤَاخَذُ عليه كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة/ الآية 286] أي منَ الخيرِ أي تنتفعُ بذلكَ ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة/ الآية 286] أي وعليها وَبَالُ ما اكتسبتْهُ من الشرِ أي تستحقُّ العقوبةَ على ذلكَ، فاللهُ خالقٌ للعبادِ وخالقٌ لأعمالِهِمْ وخالقٌ لِنِيَّاتِهِم وقصودِهِمْ لا خالقَ إلا هُوَ سبحانَهُ وتعالى الذي لا شريكَ لَهُ. وإنَّ من يعقدُ قلبَهُ على أنَّ الله هو خالقُ كلِّ شىءٍ وأنّه لا ضارَّ ولا نافعَ على الحقيقةِ إلا هوَ ويُكْثِرُ مِنْ شُهودِ ذلكَ بقلبِهِ حتى يصيرَ مُسْتَشْعِرًا لذلكَ بقلبِهِ دائمًا تَهُونُ عليه مصائبُ الدّنيا وتهونُ عليه الشّدائدُ ويذهبُ عنه الخوفُ من العبادِ ويصيرُ من أهلِ اليقينِ. اللهُمَّ اجْعَلْنا من أهلِ اليقينِ وثبتنا على الطريقِ القويمِ. 

قوله: (إلا وجبت له الجنة): أي استحق دخولها، وثبتت له.

الحديث الرابع: وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والطبراني في الدعاء، والحاكم في المستدرك وصححه، والبيهقي في الدعوات، والخرائطي عن بريدة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: ((مَن قال حين يُصبحُ أو حين يُمسي: اللهم أنتَ ربي لا إله إلا أنتَ خلقتني وأنا عبدُكَ وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ مِن شر ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتِكَ عليّ وأبوءُ بذنبي فاغفر لي فإنهُ لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ، فماتَ مِن يومِهِ أو من ليلتِهِ دخلَ الجنةَ)).

التعليق على هذا الحديث: 

عند قوله: (اللهم): اختلف أهل اللغة في معنى هذه الكلمة، فقال الخليل أصلها يا الله حذف حرف النداء “يا” وعوض عنها بالميم. فلا نقول يا اللهم.

عند قوله: (وأنا عبدك): هذا وصف لنفسك أيها الداعي بالعبودية لله عزّ وجلّ وهذا من مظاهر التذلل وهو مما يستحب عند الدعاء، وهذا اعترافٌ للحقِّ بالألوهيَّة، وقال بعضُهُم: «لَمَّا كانت العبادةُ أشرفَ الخِصَالِ والتّسمّي بها أشرفَ الخُطَط، سَمّى نبيّه عبدًا»، فقد ورد أنه لَمَّا وصلَ النبيُّ محمدٌ صلواتُ اللهِ عليهِ إلى الدَّرَجَاتِ العاليةِ والمراتبِ الرَّفيعةِ أوحى اللهُ تعالى إليهِ: «يا مُحَمَّد بمَ أُشرِّفُك»؟ قالَ: «رب بأن تَنسبَني إلى نفسِك بالعُبُوديَّةِ» فأنزل الله فيه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء/ الآية 1]، ولله درُّ القاضي عياضٍ المالكيِّ حيثُ قالَ: 

وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا
 وَكِدْتُ بِأَخْمَصِـي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ: يَا عِبَادِي
 وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا

وأمَّا العبوديَّة فتُطلق على ذوي الأرواحِ والعقُولِ، فلا يُقال عن البَهِيمةِ عبدٌ لأنّه ليس من ذَوِي العقول، ولا عن الجدارِ عبدٌ لأنّه ليسَ مِن ذَوِي الأرواحِ ولا العقول. 

وهذه مرتبة عظيمة أن تكون عبدا لله خاشعًا خاضعًا تقيًّا صالحًا ولصاحب هذه المرتبة منزلة في دين الله تعالى، فالله عزّ وجلّ يحفظ عباده الصالحين من الشّيطان الرّجيم قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر/ الآية 42]، وروى الشيخان عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ((قال اللهُ: أعدَدتُ لِعبادي الصالحينَ ما لا عَينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطرَ على قلبِ بَشَر. فاقرؤوا إن شِئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة/ الآية 17])). 

والله تعالى يرحم عباده الصّالحين، فقد روى البخاري عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضى الله عنه: قَدِمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ سَبْىٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْىِ، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِى السَّبْىِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِىُّ ﷺ: ((أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِى النَّارِ)). قُلْنَا: لَا، وَهْىَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: ((اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)). 

الحديث الخامس: وأخرج الطّبراني في الكبير والأوسط بسند ضعيف عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((مَن قالَ حين يُصبحُ ثلاثَ مراتٍ: اللهم لكَ الحمدُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ ربي وأنا عبدُكَ، ءامنتُ بكَ مخلصًا لكَ ديني، إني أصبحتُ على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أتوبُ إليكَ من شرِ عملي وأستغفرُكَ لذنوبي التي لا يغفرُهَا إلا أنتَ، فإن ماتَ في ذلكَ اليومِ دخلَ الجنةَ)).

التعليق على هذا الحديث: 

فضل الحمد والثناء على الله تعالى

عند قوله: (اللهم لكَ الحمدُ): فالحمد لغة الثناء والمدح باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، والحمد لله هو عرفا فعل ينبئ عن تعظيم الله المنعم المستحق لنهاية التعظيم وغاية الإجلال. وقد روى أبو نعيم في الحلية والطّبراني في الدعاء من الحديث الموقوف على ابن عباس قال: “ومن قال: الحمد لله فقد شكر الله” أي الشكر المندوب، لأنّ الشكر قسمان: شكر واجب وشكر مندوب. 

أقسام الحمد عند العلماء

أقسام الحـَمْد
حمدٌ قديم أزليّحمدٌ حادث مخلوق
حمدُ الله نفسَهحمدُ الله بعضَ عبادهواجب مندوبمكروهحرام
قال تعالى:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة/ الآية 2] وهو عبارة عن الكلام الأزليّقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[ص/ الآية 30]وهو عبارة عن الكلام الأزليّحاليّلفظيمثاله: بعد الأكل والشربمثاله: حمدُ الله باللِّسان حال خروج البول أو الغائطمثاله: كَمَن لعب بالأوراق المزوَّقة فربح بزعمه فحمد الله
استعمال نِعَمِ الله في طاعة اللهمثاله: في حقِّ خطيب الجمعة في الخطبتين

قال العلماء: يُستحبّ البداءة بالحمد للَّه لكلّ مصنف، ودارس، ومدرِّس، وخطيب، وخاطب، وبين يدي سائر الأمور المهمة.

الإخلاص لله تعالى وأثره في قبول الأعمال

عند قوله: (ءامنتُ بكَ مخلصًا لكَ ديني): أي مفردا لك طاعتي وعبادتي، لا أجعل لك في ذلك شريكا، ولكني أُفردك بالألوهية، وأبرأ مما سواك من الأنداد والشركاء، 

التحذير من الكفر ووجوب المحافظة على الإيمان

فأجتنب كل ما يخرجني من دينك، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد/ الآية 34]. الكُفْرُ نَقِيضُ الإيمانِ كَمَا أنَّ الظَلامَ نَقِيضُ النُّورِ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أبْوَابٍ: التَّشْبِيهُ وَالتَّكْذِيبُ وَالتَّعْطِيلُ. 

التَّشْبِيهُ: أي تَشْبِيهُ اللهِ بِخَلْقِهِ، كالذي يَصِفُ اللهَ بأنّهُ جالسٌ أو أنَّ له شكلاً وهيئةً أو يصِفه بأنّ له مكانًا أو جهَةً. التَّكْذِيبُ: أي تَكْذِيبُ مَا وَرَدَ في القرآن الكَرِيمِ أو ما جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى وَجْهٍ ثابتٍ كَإنْكَارِ بَعْثِ الأجْسَادِ وَالأرْوَاحِ معًا وَإنكارِ وُجُوبِ الصَّلاةِ والصّيامِ والزَّكَاةِ. التَّعْطِيلُ: وَهُوَ نَفْيُ وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَهُو أشَدُّ الكُفْرِ. 

أقسام الردة وخطر الوقوع فيها

والكَفِرُ نَوْعَانِ: إمّا كَافِرٌ أصْلِيٌّ أوْ مُرْتَدٌّ عَنِ الإسْلامِ. فَالَكَافِرُ الأصْلِيُّ: هُوَ مَنْ نَشَأ مِنْ أبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ على الكفر وَبَلَغَ على الكُفْرِ. أمَّا المُرتَدُّ: فَهُوَ الشّخْصُ الذي كَان مُسْلِمًا وَوَقَعَ في أحدِ أنْوَاعِ الرّدَّةِ. قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ ۝ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة/ الآية 65-66]، وَالرّدّةُ هيَ الخُرُوجُ عَنِ الإسْلام، فيَجِبُ على كلّ مُسْلِمٍ أنْ يَحْفَظَ إسْلامَهُ وَيَصُونَهُ عَنْ هذِهِ الرّدّةِ التي تُفْسِدُهُ وَتُبْطِلُهُ وتَقْطَعُهُ والعِيَاذُ باللهِ تَعالى. أقْسَامُ الرّدَّةِ: الرّدَّةُ ثَلاثةُ أقْسَامٍ كَما قَسَّمها العلماءُ: كُفْرٌ اعْتِقَادِيٌّ، وكُفْرٌ فِعْليٌّ، وكُفْرٌ قَوْلِيٌّ.

وكُلُّ قِسْمٍ مِنْ أقْسَامِ الرّدّةِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ. ١ ـ الكُفْرُ الاعْتِقَاديٌّ: كَنَفْيِ وجودِ اللهِ تَعَالَى، أو اعْتِقَادِ أن الله عَاجِزٌ أو جَاهِلٌ أو اعتِقَادِ أنَّ اللهَ جِسْمٌ أوْ ضَوْءٌ أو رُوحٌ أو أنّه يَتَّصفُ بصفةٍ من صِفاتِ الخَلْقِ والعِيَاذُ بِاللهِ تَعالى، أو اعتِقَادِ أن شُرْبَ الخَمْرِ حَلالٌ أو أن السَّرِقَةَ حَلالٌ، أو اعْتقَادِ أنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِض الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ أو صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، أو الزَّكَاةَ أو الحَجَّ. ٢

ـ الكُفْرُ الفِعْلِيُّ: كإلْقَاءِ المصْحَفِ أوْ أوْرَاقِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عَمْدًا فِي القَاذُورَاتِ، أو السُّجُودِ لِصَنَمٍ أوْ لِشَمْسٍ أوْ مَخْلُوقٍ آخَرَ على وَجْهِ العِبَادَةِ لَهُ، وَكَكِتَابَةِ الآيَاتِ القُرآنِيَّةِ بِالبَوْلِ. ٣

ـ الكُفْرُ القَوْليٌّ: كَسَبّ اللهِ تَعَالى أوْ سَبّ نَبِيّ مِنَ الأنْبِيَاءِ أو مَلَكٍ مِنَ الملائِكَةِ أوْ سَبّ الإسْلامِ أو القُرْآنِ أو الاسْتِهْزاء بالصَّلاةِ أو الصّيَامِ، أو الاعتراض على اللهِ. قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يَرىَ بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)) رواهُ الترمذيُّ. أيْ مَسَافَةَ سَبْعِينَ عَامًا في النُّزُولِ وَذَلِكَ مُنْتَهَى قَعْرِ جَهَنَّمَ وَهُوَ خَاصٌّ بالكُفَّارِ، وَهَذَا الحَدِيثُ دَلِيلٌ على أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الوُقُوعِ في الكُفْرِ مَعْرِفَةُ الحُكْمِ ولا انْشِرَاحُ الصَّدْرِ ولا اعْتِقَادُ مَعْنَى اللَّفْظِ ولا نية الكفر. 

وَالقَاعِدَةُ: أنَّ كُلَّ اعتقادٍ أوْ فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ بِاللهِ أوْ كُتُبِهِ أوْ رُسُلِهِ أوْ مَلائِكَتِهِ أوْ شَعَائِرِهِ أوْ مَعَالِمِ دِينِهِ أوْ أحْكَامِهِ أوْ وَعْدِهِ أوْ وَعِيدِهِ كُفْرٌ فَلْيَحْذَرِ الإنْسانُ من ذلكَ جَهْدَهُ. وليُعلَم أنَّ مَنْ كَفَرَ لا يَرجِعُ إلى الإسلامِ إلا بالنُّطقِ بالشّهادتين بعد رجوعه عن الكفر، فلا يرجع الكافر إلى الإسلام بقول أستغفِرُ اللهَ بل يَزيده ذلك كفرًا، ولا تنفعه الشَّهادتان ما دام على كفرِه لم يرجِع عنه.

الحديث السادس: قال السيوطي: وأخرجَ الطبرانيُّ في الأوسط من حديث ابن عباس مثله.

الحديث السابع: وأخرجَ الأصبهاني في الترغيب عن حذيفةَ بن اليمان رضيَ اللهُ عنهُ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((من قالَ حينَ يصبحُ وحينَ يُمسي: اللهم إني أشهَدُ بأنكَ أنتَ الله لا إلهَ إلا أنتَ وحدَكَ لا شريكَ لكَ، وأن محمدًا عبدُكَ ورسولُكَ، أبوءُ بنعمتِكَ عليّ وأبوءُ بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفرُ الذنوبَ غيرُكَ، فإن قالها حين يصبحُ فماتَ من يومِهِ ذلكَ قبل أن يُمسيَ ماتَ شهيدًا، وإن قالها حين يُمسي فماتَ من ليلتِهِ ماتَ شهيدًا)). قال بعض الحفّاظ: لا يشتغل بهِ لأنّهُ غيرُ صحيح.

التعليق على هذا الحديث: 

معنى اسم الله الأعظم

عند قوله: (بأنّك أنت الله): لفظُ الجلالةِ “اللهُ”: هوَ اسمُ اللهِ الأعظمِ، ولا يجوزُ تسميةُ غيرِ اللهِ بهِ، ولفظُ الجلالةِ “اللهُ” عَلَمٌ للذّاتِ المقدَّسِ ومعناهُ مَنْ لهُ الإلهيةُ وهيَ القدرةُ على الاختراعِ أي إبرازِ المعدومِ إلى الوجودِ. 

أقوال العلماء في اسم الله الأعظم

قالَ أبو بكرِ بنُ العربيِّ رحمهُ اللهُ: “اللهُ هوَ الاسمُ الأعظمُ الذي يَرجِعُ إليهِ كلُّ اسمٍ (مِنْ أسماءِ اللهِ)، وحقيقتُه المنفردُ في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه عن نظيرٍ فهذَا حقيقةُ الإلهيةِ ومَن كانَ كذلكَ فهوَ اللهُ”اهـ وقالَ الغزاليُّ رحمهُ اللهُ: هوَ – يعني لفظَ الجلالةِ الله – أعظمُ الأسماءِ التسعةِ والتسعين، لأنَّه دالٌّ على الذاتِ الجامعةِ للصفاتِ الإلهيةِ كُلِّها، ولأنَّه أخصُّ الأسماءِ إذ لا يُطلِقُهُ أحدٌ على غيرِهِ تعالى لا حقيقةً ولا مجازًا. اهـ وحبْرُ الأمَّةِ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: اسمُ اللهِ الأعظمُ “اللهُ”، ألا ترى أنَّه في جميعِ القُرآنِ يُبدأُ بهِ قبلَ كلِّ شىءٍ.اهـ ونُقِلَ كذلكَ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ وروى الحافظُ ابنُ أبي شيبةَ والحافظُ ابنُ أبي الدنيا عنِ الشعبيِّ أنَّه قالَ: اسمُ اللهِ الأعظمُ يا اللهُ. اهـ وروى هشامُ بنُ محمدِ بنِ الحسنِ قالَ: سمعتُ أبا حنيفةَ يقولُ: اسمُ اللهِ الأعظمُ هوَ اللهُ.اهـ وبه قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ.

فضل التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

عند قوله: (فماتَ من ليلتِهِ ماتَ شهيدًا): وَنَذْكُرُ هُنَا بعضًا مِنْ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ، وَأَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ هِيَ دَرَجَةُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيْلِ اللهِ، فَمَنْ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيْلِ اللهِ وَمَاتَ َهُنَاكَ فِي أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ فَإِنَّهُ شَهِيْدٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَصَدَّى لِلْقِتَالِ فِي سَبِيْلِ اللهِ، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالشَّهِيْدُ الوَلِيُّ أَعْلَى مِنَ الشَّهِيْدِ غَيْرِ الوَلِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيْحِ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ)). وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَبُو دَوُادَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ((الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدَمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ)). 


ذكر بعض أنواع الشهادة الواردة في الأذكار

وَليعلم أَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ الشَّهِيْدِ عَلَى شَخْصٍ هُوَ اسْتِعْمَالٌ لِلَفْظٍ شَرْعِيٍّ، فَلَا يَجُوْزُ أَنْ يُقَالَ عَمَّنْ مَاتَ مِنَ الكُفَّارِ بِالحَرْقِ أَوِ الغَرَقِ شَهِيْدٌ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُقَالَ عَنْ غَيْرِ الشَّهِيْدِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ إِنَّهُ شَهِيْدٌ، فَمَنْ قُتِلَ خَطَأً مَثَلًا فِي غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ فَلَا يُعَدُّ شَهِيْدًا. ثُمَّ الشُّهَدَاءُ بِجَمِيْعِ أَنْوَاعِهِم لَيْسَ عَلَيْهِم عَذَابٌ فِي القَبْرِ وَلَا فِي الآخِرَةِ، لَكِنْ كُلُّ مَنْ عَدَا شَهِيْدِ الْمَعْرَكَةِ مِنَ الشُّهَدَاءِ لَيْسَ لَهُم مَا لِشَهِيْدِ الْمَعْرَكَةِ، فَمَنْ مَاتَ شَهِيْدًا فِي غَيْرِ شَهَادَةِ الْمَعْرَكَةِ فَإِنَّهُ يَظَلُّ فِي قَبْرِهِ إِلَى أَنْ يَبْلَى جَسَدُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَتْقِيَاءِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ رُوْحَهُ تَأْوِي إِلَى الجَنَّةِ بِصُوْرَةِ طَيْرٍ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنْ لَم يَكُنْ تَقِيًّا فِي الدُّنْيَا وَلَكِنْ رُزِقَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ غَيْرَ شَهَادَةِ الْمَعْرَكة فَإِنَّهُ يَبْلَى جَسَدُهُ وَلَا عَذَابَ عَلَيْهِ فِي القَبْرِ وَلَا فِي الآخِرَةِ.

الحديث الثامن: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، والطبراني في الدعاء، والبيهقي والمستغفريُّ كلا في الدعوات عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: ((اللهم بكَ أصبحنَا وبكَ نحيَا وبكَ نموتُ وإليكَ النّشورُ))، وإذا أمسى قال: ((اللهم بكَ أمسينَا وبكَ نحيَا وبكَ نموتُ وإليكَ المصيرُ)).

التعليق على هذا الحديث: 

شرح ذكر الصباح والمساء: «اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا»

(كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: اللهم بكَ) أي: بقدرتك الباهرة (أصبحنا) أي: دخلنا في الصباح (وبك نحيا وبك نموت) حكاية عن الحال الآتية أي يستمر حالنا على هذا في جميع الأزمان وسائر الأحيان إلى أن نلقاك (وإليك النشور) أي الرجوع، وقيل: أي البعث بعد الموت والتفرق بعد الجمع. 

(وإذا أمسى قال) عبر بالماضي تفننًا في التعبير والمراد منه المستقبل (اللهم بك أمسينا) أي: دخلنا في المساء؛ أي: أصبحنا أو أمسينا متلبسين بنعمتك، أي: بحياطتك – بحفظك – وكلاءتك أو بذكر اسمك (وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير) قال في «النهاية»: أي: إليك المرجع. 

الحديث التاسع: ولفظ الترمذي قال: كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه يقول: ((إذا أصبَحَ أحدُكُم فليقل: اللهمّ بكَ أصبحنَا وبكَ أمسينَا وبكَ نحيَا وبكَ نموتُ وإليكَ المصيرُ، وإذا أمسى فليقل: اللهمّ بكَ أمسينَا وبكَ أصبحنَا وبكَ نحيَا وبكَ نموتُ وإليكَ النشورُ))، وقال: حديث حسن.

التعليق على هذا الحديث: 

(اللهم بكَ) أي: بقدرتك الباهرة (أصبحنا) أي: دخلنا في الصباح (وبك أمسينا) ذكره لحضوره في الذهن عند ذكر ضده (وبك نحيا وبك نموت) حكاية عن الحال الآتية أي يستمر حالنا على هذا في جميع الأزمان وسائر الأحيان إلى أن نلقاك. (وإليك المصير) قال في «النهاية»: أي: إليك المرجع.

 (وإذا أمسى) عبر بالماضي تفننًا في التعبير والمراد منه المستقبل (اللهم بك أمسينا) أي: دخلنا في المساء؛ أي: أصبحنا أو أمسينا متلبسين بنعمتك، أي: بحياطتك – بحفظك – وكلاءتك أو بذكر اسمك. (وإليك النشور) أي الرجوع، وقيل: أي البعث بعد الموت والتفرق بعد الجمع.

يستفاد من هذا الحديث تسليم الأمر إلى الله عزّ وجلّ وأنّ كلّ الأمور هي بتقدير الله تعالى وبمشيئته وبخلقه الاختياري منها وغير الاختياري. وهي مثل ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام/ الآية 162].

الحديث العاشر: وأخرجَ المستغفريُّ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ إذا أصبحَ قال: ((اللهم بكَ أصبحنا وبكَ أمسينا وبكَ حياتُنا وإليكَ النشورُ، وأعوذُ بكلماتِ اللهِ التّامةِ من شرّ السّامةِ والهامةِ، وأعوذُ بكلماتِ الله مِن عذابِهِ وشرِّ عبادِهِ)) وإذا أمسى قال مثل ذلكَ غيرَ أنهُ يقول: ((وإليكَ المصيرُ)).

التعليق على هذا الحديث: 

المستغفري هو أَبُو العَبَّاسِ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنُ المُعْتَزِّ المُسْتَغْفِرِيُّ، النَّسَفِيُّ، توفي سنة 432 هـ عن ثمانين سنة، وَكَانَ مُحْدِّثَ مَا وَرَاء النَّهر فِي زَمَانِهِ. له كتاب الدّعوات ذكر فيه كثيرًا من الأدعية والأذكار الواردة عن النبي ﷺ.

(أعوذُ) قال العيني: يقال: عذت به أعوذ عوذًا وعياذًا ومعاذًا أي: لجأت إليه، فالتعوّذ والاستعاذة والتعويذ كلّها بمعنى واحد.

معنى كلمات الله التامة

وقال: قوله: (بكلمات الله) إمّا باقية على عمومها فالمقصود ههنا: كل كلمة لله، وإمّا مخصوصة بنحو المعوذتين، وقال الهروي: القرآن. و(التامّة): صفة لازمة، إذ كلّ كلماته تامّة، وقيل: المراد بالتامّة الكاملة، وقيل: النافعة، وقيل: الشافية، وقيل: المباركة، وقيل: القاضية التي تمضي وتستمر ولا يردها شيء ولا يدخلها نقص ولا عيب، وقال ابن التين: التامّ فضلها وبركاتها. وقيل: التامّة: أي الخالية عن العيوب أو الوافية في دفع ما يتعوّذ منه. 

فائدة: قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيْزِ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف/ الآية 109]، وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ﴾ [لقمان/ الآية 27]، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَفْنَى وَلَا يَنْفَدُ وَلَا يَكُوْنُ لَهُ أَوَّلُ وَلَا ءَاخِرٌ، وَأَمَّا القِرَاءَةُ وَالْمَقْرُوْءُ فِي الْمَصَاحِفِ فَإِنَّهَا تَفْنَى وَتَنْفَدُ، لَها أَوَّلُ وَءَاخِرٌ، وَالكِتَابَةُ فِي الْمَصَاحِفِ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا، فَمَعْنَى مَا فِي الآيَتَيْنِ أَنَّهُ لَو كَانَتِ البِحَارُ مِدَادًا لِلْكَتَبَةِ لَنَفِدَتِ البِحَارُ وَتَكَسَّرَتِ الأَقْلَامُ وَلَم يَلْحَقِ الفَنَاءُ كَلِمَاتُ رَبِّي، كَمَا لَا يَلْحَقُ الفَنَاءُ عِلْمَ اللهِ تَعَالَى، فَمَنْ فَنِيَ كَلَامُهُ لَحِقَتْهُ الآفَاتُ وَجَرَى عَلَيْهِ السُّكُوْتُ، فَلَمَّا لَم يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صَحَّ أَنَّهُ لَم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا، لِأَنَّهُ لَو لَم يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَجَبَ السُّكُوْتُ وَالآفَاتُ، تَعَالَى رَبُّنَا عَمَّا افْتَرَاهُ عَلَيْهِ الجَهْمِيَّةُ وَالْمُشَبِّهَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ عُلُوًّا كَبِيْرًا. 

معنى السامة والهامة

عند قوله: (من شر السّامّة والهامّة): الْهَامَّةُ: كُلُّ ذاتِ سَمّ يَقْتُل. والجمعُ: الْهَوَامُّ. فأمَّا مَا يَسُمُّ وَلَا يَقْتُل فَهُوَ السَّامة، كالعَقْرب والزُّنْبُور. والجمع سوام، وَقَدْ يَقَع الهوامُّ عَلَى مَا يَدِبُّ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُل كالحَشراتِ.

الحديث الحادي عشر: وأخرجَ ابن أبي شيبةَ ومسلمٌ وأبو داودَ والترمذي والنسائي، والبيهقيُّ والمستغفريُّ كلاهما في الدعواتِ عن عبدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ كان يقول إذا أمسى: ((أمسينا وأمسى الملكُ لله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كل شىءٍ قديرٌ، ربِّ أسألُكَ خيرَ هذهِ الليلةِ وخيرَ ما بعدَهَا، وأعوذُ بكَ من شرِّ هذهِ الليلةِ وشرِّ ما بعدَهَا، ربِ أعوذُ بكَ من الكَسَلِ ومن شرِّ الكِبْرِ، ربِ أعوذُ بكَ من عذابٍ في النارِ وعذابٍ في القبرِ))، وإذا أصبحَ قال ذلكَ أيضًا: ((أصبحنا وأصبحَ الملكُ لله)).

التعليق على هذا الحديث: 

الليل في الشرع يبدأ بغياب الشمس إلى طلوع الفجر، والنهار من طلوع الفجر إلى غياب الشمس.

فضل التعوذ بالله تعالى

عند قوله: (وأعوذ بك من الكسل): حذّر أحد الصالحين طلابَه من الكسل فقال: “مِنْ أَسْبَابِ الْخِذْلانِ وَالتَّدَهْوُرِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا الْكَسَلُ أَيْ ضعْفُ الْهِمَّةِ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَالْعَجْزُ أَيْ سُوْءُ الْفَهْمِ لِطُرُقِ الْمَصَالِحِ”. وقال رحمه الله: “لَكِنِ الْكَسَلُ دَاءٌ، الشَّابُّ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكَسَلُ فَاتَتْهُ الْفُرْصَةُ. الْكَسَلُ اسْتَعَاذَ مِنْهُ الرَّسُولُ، مِن جُمْلَةِ دُعَاءِ الرَّسُولِ: «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ»” وقال: “الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ يُسَاعِدُ عَلَى تَرْكِ الْكَسَلِ”. وَقَالَ رضي الله عنه: “اِحْرِصُوا عَلى أَنْ يَكُونَ مُستَقبَلُكُمْ أَحسَنَ مِن مَاضِيكُمْ وارْفُضُوا الكَسَلَ فإِنَّ الكَسَلَ استَعَاذَ منهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ”. وَقَالَ رضي الله عنه: “مَنْ أَرَادَ الرِّفْعَةَ وَالرُّقِيَ إِلَى المقَامَاتِ السَّنِيَةِ يَتْعَبْ ويَعْمَلْ وَيَكُنْ فِي ازدِيَادٍ لِعَمَلِ الآخِرَةِ وَيَطْرَحِ الْكَسَلَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، هَذَا دَلِيلُ المفْلِحِينَ”. 

عند قوله: (ومن شر الكبر): قال في «النهاية»: يروى بسكون الباء وفتحها، فالسكون بمعنى البطر، والفتح بمعنى الهَرَم والخَرَف. 

فضل ذكر الله تعالى في الصباح والمساء

فائدة: روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا أنّه كان في وصيّة نوح لابنه: ((يَا ‌بُنَيَّ، ‌أُوصِيكَ ‌بِخَصْلَتَيْنِ، ‌وأَنْهَاكَ ‌عَنْ ‌خَصْلَتَيْنِ: أُوصِيكَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتِ السَّمَوَاتُ والأَرْضُ في كَفَّةٍ وهِيَ في كَفَّةٍ لَوَزَنَتْهَا، وأُوصِيكَ بِالتَّسْبِيحِ؛ فَإِنَّهَا عِبَادَةُ الخَلْقِ، وبِالتَّكْبِيرِ. وأَنْهَاكَ عَنْ خَصْلَتَيْنِ: عَنِ الكِبْرِ، والخُيَلَاءِ)). قلتُ: يا رسولَ الله، أمِنَ الكِبْر أن أركبَ الدَّابةَ النجيبةَ؟ قال: ((لَا)). قلتُ: فمن الكِبْر أن ألبَسَ الثوبَ الحَسَن؟ قال: ((لَا)). قلتُ: يا رسولَ الله، فما الكِبْرُ؟ قال: ((أَنْ تَسْفَهَ الحَقَّ، وتُغْمِضَ النَّاسَ)).

معنى الكبر في الشرع

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: ‌((لَا ‌يَدْخُلُ ‌الْجَنَّةَ ‌مَنْ ‌كَانَ ‌فِي ‌قَلْبِهِ ‌مِثْقَالُ ‌ذَرَّةٍ ‌مِنْ ‌كِبْرٍ)). قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ – أي جميل الصفات وكامل الصفات – يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)). ذكره في باب تحريم الكبر وبيانه. قال النووي في شرح مسلم: وقوله ﷺ ((وغمط الناس)) هو بفتح الغين المعجمة وإسكان الميم وبالطاء المهملة هكذا هو في نسخ صحيح مسلم رحمه الله، قال القاضي عياض رحمه الله: لم نرو هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا وفي البخاري إلا بطاء، قال: وبالطاء ذكره أبو داود في مصنفه، وذكره أبو عيسى الترمذي وغيره «غمص» بالصاد وهما بمعنى واحد ومعناه احتقارهم، أمّا بطر الحقّ فهو دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا. اﻫ

إثبات عذاب القبر بالأدلة الشرعية

عند قوله: (ربِ أعوذُ بكَ من عذابٍ في النارِ وعذابٍ في القبرِ): هذا فيه إثبات عذاب القبرواستدلّ به البيهقي في مؤلّف سمّاه إثبات عذاب القبر.

وفي ذلك يَقُولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه/ الآية 124] أَيْ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الإِيمانِ بِاللهِ تَعالى ﴿فِإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أَيْ ضَيِّقَةً في القَبْرِ كَما فَسَّرَها النَّبِىُّ ﷺ. ورَوَى التِّرْمِذِىُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: ((القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ)) وفِى سُنَنِ النَّسائِىِّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ عَذابِ القَبْرِ فَقالَ: ((نَعَمْ عَذابُ القَبْرِ حَقٌّ)). فَمِمّا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ عَذابُ القَبْرِ لِلْكافِرِ ولِبَعْضِ عُصاةِ الْمُسْلِمِينَ، قالَ الإِمامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ فى الفِقْهِ الأَكْبَرِ: “وضَغْطَةُ القَبْرِ وعَذابُهُ حَقٌّ كائِنٌ لِلْكُفّارِ ولِبَعْضِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ” اهـ. فَلا يَجُوزُ إِنْكارُ عَذابِ القَبْرِ بَلْ إِنْكارُهُ كُفْرٌ، قالَ الإِمامُ أَبُو مَنْصُورٍ البَغْدادِيُّ فِى كِتابِ الفَرْقِ بَيْنَ الفِرَقِ: “وقَطَعُوا ـ أَىْ أَهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ ـ بِأَنَّ المُنْكِرِينَ لِعَذابِ القَبْرِ يُعَذَّبُونَ فِى القَبْرِ” اهـ أَىْ لِكُفْرِهِم. وهَذا العَذابُ أَيُّها الأَحِبَّةُ يَكُونُ بِالرُّوحِ والجَسَدِ لَكِنَّ اللهَ يَحْجُبُهُ عَنْ أَبْصارِ أَكْثَرِ الناسِ لِيَكُونَ إِيمانُ العَبْدِ إِيمانًا بِالغَيْبِ فَيَعْظُمَ ثَوابُه. ويَدُلُّ عَلَى كَوْنِ العَذابِ بِالرُّوحِ والجَسَدِ ما وَرَدَ في مسند أحمد عَنْ سَيِّدِنا عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ الحَبِيبَ محمَّدًا ﷺ: “أَتُرَدُّ عَلَيْنا عُقُولُنا يا رَسُولَ اللهِ؟” فَقالَ ﷺ: ((نَعَمْ كَهَيْئَتِكُمُ اليَوْمَ)) اهـ قالَ: “فَبِفِيهِ الحَجَر” أَىْ سَكَتَ وانْقَطَعَ عَنِ الكَلامِ لِسَماعِهِ الخَبَرَ الَّذِى لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ. 

ومِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى عَذابِ القَبْرِ أَيْضًا قَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر/ الآية 46] والمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ أَتْباعُهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى الشِّرْكِ والكُفْر، هَؤُلاءِ يُعْرَضُونَ على النّارِ أَوَّلَ النَّهارِ مَرَّةً وءاخِرَ النَّهارِ مَرَّةً فَيَمْتَلِؤُونَ رُعْبًا وفَزَعًا وخَوْفًا وهَذا العَرْضُ لَيْسَ فى الآخِرَةِ إِنَّما قَبْلَ قِيامِ الساعَةِ كَما يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ ولَيْسَ قَبْلَ المَوْتِ كَما هُوَ ظاهِرٌ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فى مُدَّةِ القَبْرِ فى البَرْزَخِ وهِىَ الْمُدَّةُ ما بَيْنَ الْمَوْتِ والبَعْثِ. 

نعيم القبر وعذابه

رَوَى التِّرْمِذِىُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ لأُناسٍ: ((فأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى القَبْرِ يَوْمٌ إِلاَّ تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الوَحْدَةِ وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ فَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ الْمُؤْمِنُ ـ أَىِ الكامِلُ ـ قَالَ لَهُ القَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَىَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِىَ بِكَ)) قَالَ: ((فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بابٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ الفَاجِرُ أَوِ الكَافِرُ قَالَ لَهُ القَبْرُ: لا مَرْحَبًا ولا أَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَىَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ وصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِىَ بِكَ)) قَالَ: ((فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِى عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ)) قَالَ ـ أَىِ الرّاوِى ـ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَصَابِعِهِ فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِى جَوْفِ بَعْضٍ قَالَ: ((وَيُقَيِّضُ اللهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا فَيَنْهَشْنَهُ ويَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الحِسَابِ)) اهـ

الحديث الثاني عشر: ولفظُ أبي داود: ))أسألُكَ خيرَ ما في هذهِ الليلةِ، وأعوذُ بكَ من شرِّ ما في هذه الليلةِ((.

الحديث الثالث عشر: وأخرج الطبراني عن البراء بن عازب نحوه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين