المحتويات
- شرح دعاء: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق
- بيان معنى كلمات الله
- ما ورد في الحفظ من العقرب والحية والضرر بإذن الله
- الله تعالى خالق الخير والشر
- التنبيه إلى أن الله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها
- شرح ذكر: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء
- معنى الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا
- شرح معنى قوله عليه السلام :(فقد أصاب حقيقة الإيمان)
- بيان من هم الملائكة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لِلهِ الواحدِ القَهَّارِ، العزيزِ الغفار، مُقدرِ الأقدار، مصرّفِ الأمور مكوِّرِ الليل على النهار، تبصِرةً لذوي القلوب والأبصار، الذي أيقظ مِنْ خلقه مَن اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، ووفَّق من اجتباه من عبيده فجعله من الأبرار، وبصَّر من أحبه فزهَّدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهُّبِ لدار القرار، واجتنابِ ما يُسخطُه والحذرِ من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجِد في طاعاته وملازمةِ ذِكْره بالعشيِّ والإبكار، فاستنارت قلوبهم بلوامع الأنوار.
أحمده أبلغ الحمد على جميع نِعَمه، وأسأله المزيدَ من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله العظيم، الواحد الصّمد العزيز الحكيم، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيّه وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين، وأكرم السابقين واللاحقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النّبيين والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين.
وبعد:
الحديث الرابع عشر: وأخرجَ ابن أبي شيبة والخرائطيُّ في مكارم الأخلاق عن سلمان قال: ((إذا قالَ الرجلُ إذا أصبحَ: اللهم أنتَ ربي لا شريكَ لكَ، أصبحنَا وأصبحَ الملكُ لله، والحمدُ للهِ لا شريكَ لهُ، ويقول إذا أمسى مثلَ ذلك كفّرت ما أحدثَ بينهما وما أصابَ)). أي يذهب ما بينهما من المعاصي. هذا حديث ضعيف لكن يعملُ بِهِ.
التعليق على هذا الحديث:
معنى قوله: (أصبحنا وأصبح الملك لله): دخلنا في الصباح والملك ثابت لله.
عند قوله: (والحمد لله): قال الشّافعي رضي الله عنه: “أُحِبّ أن يقدّم المرء بين يدي خطبته وكلّ أمر طلبه: حمد الله تعالى، والثناء عليه سبحانه وتعالى، والصّلاة على رسول الله ﷺ” اهـ
عند قوله: (كفّرت ما أحدث بينهما): قال ابن الأثير: تُكَفِّر الخَطيئة: أَيْ تَسْتُرها وَتَمْحُوها.
عند قوله: (وما أصاب): أي ما عمل.
(كفّرت ما أحدثَ بينهما وما أصابَ): وهذا من عظيم رحمة الله تعالى وأن العبد إذا دعا ربه عز وجل وطلب مغفرته فإن الله يغفر له، كما ورد عن أَنَسٍ رضِي اللهُ عنه، قالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: يا ابنَ ءادَم، إنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُك عَنَانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقَيْتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بقُرَابِها مَغْفِرَةً)).
شرح دعاء: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق
الحديث الخامس عشر: وأخرج ابن عدي وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبي ﷺ قال: ((مَن قالَ حين يُصبحُ: أعوذُ بكلماتِ الله التّامّاتِ من شرّ ما خلقَ ثلاثَ مراتٍ لم تضرُّهُ عقربُ حتى يُمسي، ومن قالها حين يُمسي لم تضرُّه حتى يُصبحَ)).
التعليق على هذا الحديث:
بيان معنى كلمات الله
عند قوله: (بكلمات الله): أي بصفته الأزلية القائمة به وهي لا تعدد فيها.
(التامّات): أي المنزّهات من تطرّق نقص بشيء من الحوادث إليها، قال النووي: معناه الكلمات التي لا يدخل فيها نقص ولا عيب.
(بكلمات الله التامّات): معناه أنّ كلام الله لا نقص فيه، وكلام الله واحد، لكن لفظ الجمع لتعظيم كلام الله كما في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر/ الآية 14] أي أن سفينة نوح تجري بحفظ الله العظيم. وكقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر/ الآية 9].
ما ورد في الحفظ من العقرب والحية والضرر بإذن الله
عند قوله: (لم تضرُّهُ عقربُ حتى يُمسي، ومن قالها حين يُمسي لم تضرُّه حتى يُصبحَ): ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أنّ العقرب والحيّة أتيا نوحًا عليه السلام فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحدًا ذكرك، فحملهما. فمَن قرأ، حين خاف الضرر منهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرّتاه.
الحديث السادس عشر: وأخرج مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة فقال: ((أمّا إنكَ لو قلتَ حين أمسيتَ: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التّامّاتِ من شرِّ ما خلقَ لم تضرُّكَ)). قال بعض العلماء: كلامُ اللهِ لا نقصَ فيهِ، كلامُ الله واحد ولكن هنا للتعظيم.
التعليق على هذا الحديث:
عند قوله: (والأربعة): أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
قوله: (ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة). قال السيوطي: قال أبو البقاء: (ما) هنا استفهام بمعنى التعظيم، وهو في موضع نصب بـ (لقيت)، أي: أي شيء لقيت، فـ (ما) هنا مثل قوله تعالى: ﴿مَآ أَصْحَـٰبُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة/ الآية 27]، و ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة/ الآية 2] انتهى. قال الطيبي: ويجوز أن تكون للتعجب أي: أمرًا عظيمًا، وأن تكون موصولة، والخبر محذوف أي الذي لقيت لم أصفه لشهرته.اهـ كلام السيوطي.
الله تعالى خالق الخير والشر
قوله: (من شرّ ما خلق): أي ممّا هو ذو شرّ. وهذا فيه دليل على أنّ الله عزّ وجلّ خلق الخير والشّر وليس الخير فقط، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر/ الآية 49] وقال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان/ الآية 2]. وجاء في الحديث: ((سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَبِالْقُرْآنِ وهم لا يشعرون)) فقلت: يا رسول الله كيف يقولون؟ قال: ((يُقِرُّونَ بِبَعْضِ الْقَدَرِ، وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنَ اللَّهِ وَالشَّرُّ مِنَ الشَّيْطَانِ)) رواه الإمام أحمد بن الحسين أبي بكر البيهقي رحمه الله بإسناده إلى رافع بن خَدِيج صاحبِ رسول الله ﷺ.
الإيمان بالقدر خيره وشره: معناه الإيمان بأن كل ما دخل في الوجود من خير وشر هو بتقدير الله الأزلي، فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبته ورضاه، والشر من أعمال العباد بتقدير الله وخلقه و عِلْمِه ولكن ليس بمحبته ولا برضاه. الله خالق الخير والشرّ لكنه يرضى الخير ولا يرضى الشرّ. الله تعالى خالق أفعال العباد ونيّاتهم ومشيئتهم شرّها وخيرها. لا يجري شىء في هذا العالم إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى. والقدر هو جعل كلّ شىء على ما هو عليه،
وقد قال رسول الله ﷺ: ((الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)) رواه مسلم
أي أن المخلوقات التي قدرها الله وفيها الخير والشر إنما وجدت بتقدير الله الأزلي. وأما صفة الله القدر لا يوصف بأنّه شرّ.
فعل الأسباب لا ينافي التوكّل على الله ولا ينافي اعتقاد أنّ كلّ شىء بتقدير الله لأنّ أفكارنا وأعمالنا ومشيئاتنا هي بخلق الله وتقديره ومشيئته التي لا تتغير، ومن اعتقد خلاف ذلك أو شكّ في ذلك فلا يصِحّ إسلامه فعليه الرجوع للإسلام بالنطق بالشهادتين مع ترك العقيدة الفاسدة.
الحديث السابع عشر: وأخرجَ أحمدُ والترمذيُّ وحسّنهُ والنسائيُّ وابنُ السنيُّ وابن حبانَ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ((من قالَ إذا أمسى ثلاثَ مراتٍ: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التّامّةِ كلّها مِن شرِّ ما خَلَقَ لم تضُرّهُ حيّةٌ تلكَ الليلةَ)). قال: فكان أهلنا قد تعلموها فكانوا يقولونها كل ليلة فلدغت جارية منهم فلم تجد ألـمًا.
التعليق على هذا الحديث:
التنبيه إلى أن الله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها
عند قوله: (جارية): قال الفيومي: وَالْجَارِيَةُ السَّفِينَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَرْيِهَا فِي الْبَحْرِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَمَةِ جَارِيَةٌ عَلَى التَّشْبِيهِ لِجَرْيِهَا مُسْتَسْخَرَةً فِي أَشْغَالِ مَوَالِيهَا، وَالْأَصْلُ فِيهَا الشَّابَّةُ لِخِفَّتِهَا ثُمَّ تَوَسَّعُوا حَتَّى سَمَّوْا كُلَّ أَمَةٍ جَارِيَةً وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لَا تَقْدِرُ عَلَى السَّعْيِ تَسْمِيَةً بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَالْجَمْعُ فِيهِمَا الْجَوَارِي. اهـ
عند قوله: (فلم تجد ألـمًا): نعلم من هذا أنّ الله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، فقد يُسلَبُ من النّار خاصية الحرق كما يسلب من السكين خاصية القطع، كما يسلب من الدواء خاصية الشفاء، فكلّه بمشيئة الله وهذه الأسباب لا تأثير لها استقلالا.
قال أهلُ الحقّ أهلُ السّنّة والجمَاعة: لمّا كانَ اللهُ تبَارك وتعالى منفَردًا بالخلق أي الإحداثِ منَ العدَم إلى الوجود لا يُشَاركه في ذلكَ شَىءٌ لا مِن ذَوي الأرواح ولا مِنَ الجمَاداتِ ولا مِنَ الأسبابِ العاديّة، لا يُشاركُ الله تعالى شىءٌ في خَلق شىء مِن مَنفَعةٍ أو مضَرّةٍ أو عَينٍ أو أثَرٍ لما علِموا مِن قول الله تعالى: ﴿هَل مِن خَالقٍ غَيرُ الله﴾ [فاطر/ الآية 3] وقوله: ﴿وخلَق كُلَّ شَىء﴾ [الأنعام/ الآية 101] وقوله: ﴿قُل اللهُ خَالقُ كلّ شَىء وهو الواحِدُ القَهّار﴾ [الرعد/ الآية 16] وقول رسوله الكريم ﷺ: ((إنّ اللهَ صَانعُ كلّ صانِع وصَنعَتِه)) رواه الحاكم والبيهقي. فعلِمنا أنّ الأسبابَ العاديّةَ ليسَت خَالقةً لشَىء مِن مُسبَّباتها بل اللهُ خالقُ الأسبابِ والمسَبَّبات، وهذا الترَابُط بينَ الأسبابِ والمسَبَّبات أمرٌ أَجرَى اللهُ بهِ العادةَ أي أنّ اللهَ تَعالى يَخلُق المسبَّب عندَ وجودِ السّبَب فكلاهما أي السّبب والمسبَّب يَستنِدُ في وجودِه وحصُولِه ووقُوعِه إلى إيجادِ الله تعالى، وكثيرٌ منَ الناس يقِفُونَ في تَفكِيرهِم عندَ الظّاهِر فيَقضُون ويَحكُمون بأنّ هذه الأسبابَ هيَ تَخلُق المسَبَّبات وهذا خلافُ الحقيقةِ وهو شرك بالله، لو كانتِ الأسبابُ تَخلُق المسَبَّبات لوَجَب حصُولُ المسبَّب عندَ كُلّ سبَب والواقعُ خِلافُ ذلك، نجِدُ كثِيرًا منَ الأسباب تُستَعمَل ولا يُوَجَدُ إثْرَها المسبَّب، فبذلكَ يُعلَم أنّ الأسبابَ بقدَر اللهِ والمسَبَّباتِ بقَدَر الله، فإنْ سبَق في مشيئة الله وعِلمِه الأزليّين وجود هذا المسبَّب إثْر السّبَب كان ذلكَ حتمًا حصولُه، لأنّ اللهَ شاءَ وعلِمَ أنّ هذا السبَب يَحصُل إثْرُه المسبَّب لا محَالَة مِن ذلك، أمّا إن لم يكن سبَق في عِلم الله ومشيئتِه حُصول المسبَّب إثْر هذا السّبَب فلا يحصُل ذلك المسبَّب. وورد فيما يَشهَد لهذا حديثًا في صحيح مسلم وغيره عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)).
قوله عليه الصّلاة والسّلام: ((برَأ بإذنِ اللهِ)) دليلٌ على أنّ الأسبابَ مِن أدويةٍ وغيرِها لا تُوجِبُ في طَبعِها، بذاتها، حصولَ المسبَّب، وشاهدُ الواقع يَشهَدُ بذلك، نَرى كثيرًا منَ النّاس يتَداوَون بدواءٍ واحِد وأمرَاضُهم مُتّحِدة فيتَعافى بعضٌ منهُم ولا يتَعافى الآخَرُون، فلو كانَ الدّواءُ أي السبب هو الذي يَخلُق الشّفاء، لكانَ كلُّ واحِد يَستَعمِل الدّواءَ لا بد أن يتَعافى حتمًا ولم يكن هناكَ حصولُ الشّفاء لبَعض وعدَم حصولِه لبَعض، ولكننا في الواقع نجد بعض الأشخاص يتناولون الدواء فيشفون وبعضهم يتناوله فلا يشفى، فهذا يدل على أن الدواء لا يخلق الشفاء إنما الخالق هو الله تعالى، والدواء جعله الله سببا للشفاء فقط، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((فإذَا أُصِيبَ دَواءُ الدّاءِ برَأ بإذنِ الله)) فبذلكَ نَعلَمُ أنّ الأدويةَ وجُودها بتقدير الله والشّفاء بتَقدير الله، ليسَت الأدويةُ تَخلُق الشّفاء بحيثُ لا يتَخلَّف عندَ استِعمال أيّ دواءٍ حصُول الشّفاء إثْره، كذلكَ سائرُ الأسباب العاديّة، النارُ ليسَت مُوجِبَة لحصولِ الاحتراق إنما الله تعالى شاءَ أن يَحصُلَ إثْر مماسّةِ النّارِ للشّىء الاحتراق، فإذا حصَلت مماسّةُ النار لشَىء ولم يحصُل الاحتراقُ علِمنا بأنّ المانعَ مِن حصُولِ الاحتراق إثْر مماسّة النارِ هو أنّه سبَقَ في عِلم الله ومشيئته الأزليَّين أنّه لا يحصل الاحتراقُ إثرَ مماسّة النار لهذا الشىء.
الله تبارك وتعالى خلَق ألوانًا وأشكالا مِن ذوات الأرواح جعَل في بعضِها ما لم يجعل في الآخَر، مِن هذا الطّير المسمّى السّمَندَل ويقالُ له السّمَنْد بلا لام ويقالُ له السَّنْدَل بالسّين هذا معروفٌ أنّه لا يَحصُل له احتراقٌ، جِلدُه لا يَحترق بالنار، وهو هذا الحيوان في حياتِه يَدخُل النار ويتَهنأ فيها وهو عزيزُ الوجود، يقولُ ابنُ خَلّكَان في تاريخه عن اللغويّ المشهور عبد اللطيف البغدادي – هذا من أئمّة اللغة – يقول: شاهَدتُ قِطعة مِن جِلدِ السّمَندل أُهدِيَت إلى الملِك الظّاهِر بنِ الملِك الصّالح صلاحِ الدّين عَرض ذراع في طُول ذِراعَين صارُوا يَغمِسُونها في الزّيت ثم يُشعلُونها فتَنشَعِل النار ثم تنطفئ النارُ وتَبقَى تلكَ القِطعة بَيضاءَ نقِيّة. وهذا الحيوانُ كغَيرِه مِن الحيواناتِ مؤلَّف مِن لحم ودم وعَظم، فلو كانت النارُ تَخلُق الإحراقَ بطَبْعها لم يحصُل تخَلّف الإحراق للسمندَل إذا مسّتْه النار، بل كان يحترقُ كما يحترقُ غيرُه، قال بعضُ الشّعراء مِن شعَراء الأندلس وهو جابرُ بنُ صَابر المِنجَنيقي وهو من شعراءِ القرن السابع:
| قُــــل لمنْ يَدّعِي الفخَــــارَ | دَعِ الفَخْر لِذِي الكِبْرِ والجَبـرُوتِ | |
| نَسجُ داودَ لم يُفِدْ ليلةَ الغَارِ | وكــــانَ الفخَـــــارُ للعَنكَبُـــــوتِ |
معناه ليلةَ كانَ رسولُ الله ﷺ في الغار هو وأبو بكر حمَاهما الله تعالى بنَسْج العنكبوت فكانَ الفَضلُ لنسج العَنكبوت ولم يكن هذا الفَضلُ لنَسج داود، نسجُ داودَ هو الدّرْع، معناه: الله تعالى لم يحمِهما بنَسْج داود بل حماهما بنَسج العنكبوت وهو منَ الخَلْق الضعيف. قال:
| وبقاءُ السّمَنْد في لهبِ النّارِ | مُزِيلٌ فَضِيلَة اليَاقُــوتِ | |
| وكذاكَ النّعامُ يَستَمرئ الجَمْرَ | وما الجمرُ للنّعامِ بقُــوتِ |
المعنى أنّ الياقوتَ إذا لم يؤثّر بهِ النارُ فلَيس ذلكَ أمرًا مُستَغرَبا لأنّه حجَرٌ أمّا السّمَند فهو مِن لحم ودم. يعني أنّ عدَم احتراقِ السّمَند في لهب النار يدُلّ على أنّ لهُ مِيْزَة ليسَت لليَاقُوت.
فالحاصِل أنّهُ يجِبُ اعتقادُ أنّ الأسبابَ لا تخلُق مُسَبّباتها بل اللهُ يَخلُق المسبَّبات إثْرَ الأسباب؛ أي أنّه تعالى هو خالقُ الأسباب وخالقُ مُسبَّباتها، وعلى هذا المعنى يُشهَر ما شاعَ وانتشَر على ألسنة المسلمين في أثناءِ أدعِيَتِهم يا مُسَبّبَ الأسباب معناهُ أنّ اللهَ تعالى هو الذي خلَق في الأسبابِ حصُولَ مسَبَّباتها إثرَ استعمالها، وهذا مِن كلام التّوحيد الذي هو اشتهر وفشَى على ألسنة المسلِمين علمائهم وعوامّهِم وهو يرجِعُ إلى تَوحيدِ الأفعال أي أنّ الله تبارك وتعالى هو الذي فِعْلُه لا يتَخَلّف أثَرُه، إذا شاءَ حصُولَ شَىء إثْرَ مُزَاولةِ شَىء حصَلَ لا محَالةَ، لا بُدّ، فكمَا أنّ اللهَ تبارك وتعالى هو خالقُ المسَبَّبات إثْرَ استعمالِ الأسباب فهوَ خَالقُ العبادِ حَركاتِهم وسَكناتِهم لا خالقَ لشَىءٍ مِن ذلكَ غَيرُه.
الحديث الثامن عشر: وأخرجَ الطبرانيُّ في الأوسط عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ((مَن قالَ حينَ يصبحُ وحينَ يُمسي: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التّامةِ مِن شرِّ ما خَلَقَ لم يضُرّهُ شىءٌ)).
التعليق على هذا الحديث:
قوله: (لم يضره): بضم الراء. والمعنى لم يضره بإذن الله.
قوله: (لم يضره شيء): دخل فيه سائر المضرات من الدّاخل وهو النفس، والهوى ومن الخارج وهو الشّيطان وغيره.
الحديث التاسع عشر: وأخرج الطيالسي وأحمد والبخاري في الأدبِ المفردِ والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجه، والحاكم في المستدرك، وصححه البيهقي والمستغفري في الدعواتِ عن أبان بن عثمان، عن أبيه عثمان بن عفانَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((ما مِن عبدٍ يقولُ في صباحِ كل يومٍ ومساءِ كل ليلةٍ: بسمِ الله الذي لا يضرُّ مَعَ اسمِهِ شىءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ وهو السّميعُ العليمُ ثلاثَ مراتٍ لم يضرُّهُ شىءٌ)) – معناه: يسلم من المكروهاتِ – وكان أبان قد أصابه طرف فالج فجعل الرجل ينظر إليه فقال له أبان: ما تنظر، أما أن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ ليمضي الله على قدره.
التعليق على هذا الحديث:
شرح ذكر: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء
معناه أتحصّن أو أحتمي باسم العزيز الذي يحتمي باسمه عن كلّ سوء وهو السميع لأحوال الكائنات العليم بها في سائر أزمنتها فلا يقع فيها شي إلا بقَدَرٍ أزلي، وقوله (ثلاث مرات) فيه تأكيد الإتيان بهذا الذكر ليوقَى المرء بقدر الله من جميع البأس والضّرّ.
عند قوله: (أبان بن عثمان): هو أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما مَدَنيٌّ تابعيٌ ثقة من كِبار التابعين. توفِّي بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك وكانَ ثقة وله أحاديث وأصابه الفالج، قبل أن يموت بسنة. تُوفِّي سنة خمس ومئة، وقالَ عليُّ بن المَدِيني عن يحيى بن سعيدٍ القَطَّان: كانَ فقهاءُ المدينة عشرة، قلت ليحيى: عُدَّهم، قال: سعيدُ بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم، وسالم، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، وقَبِيْصةُ بن ذُؤيب، وأَبَان بن عُثمان، وخارجة بن زيد بن ثابت.
الحديث العشرون: وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ وأبو داودَ والنسائيُّ وابن حبانَ والبزارُ في مسندهِ، والمعمريُّ في اليومِ والليلة، والمستغفريُّ في الدعواتِ، والخرائطيُّ عن عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قال رسول اللهِ ﷺ: ((من قالَ بسمِ اللهِ الذي لا يضرُّ مَعَ اسمِهِ شىءٌ في الأرضِ ولا في السّماءِ وهو السّميعُ العليمُ لم تُصِبْهُ فجأةُ بلاءٍ حتى يُصبحَ، ومن قالهَا حينَ يُصبحُ ثلاثَ مراتٍ لم تُصِبْهُ فجأةُ بلاءٍ حتى يُمسي)). – مثلُ بلاءٍ مفاجئة كوقعِ سقف عليهِ -.
التعليق على هذا الحديث:
عند قوله: (بسم الله): فائدة عن البسملة: أول ءاية من الفاتحة البسملة، والفاتحة أول سورة في القرءان ترتيبًا لا نزولًا، وحكم البسملة هذا هو كذلك عند الشافعي وأحمد وغيرهم، وذهب ابن عباس وابن عمر وغيرهم إلى أنّ البسملة ءاية من الفاتحة ومن أوّل كل سورة غير براءة، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنّها ليست ءاية في الفاتحة ولا في أوائل غيرها من السور ويحكى ذلك رواية عن أحمد أيضًا، فمَن نفَى كون البسملة ءاية من أوّل الفاتحة لا يُبَدَّع ولا يُفَسَّق إن لم يكن عن فتوى بغير علم، وأما البسملة التي في أثناء سورة النمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الآية 30] فهي جزء من ءاية، وكان النبي ﷺ في أول الأمر قبل نزول البسملة يُصَدِّر كتابه: “باسمك اللهم”، حتى نزلت ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾ [سورة هود/ الآية 41] فكتب “بسم الله”، حتى نزلت: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ [سورة الإسراء/ الآية 110] فكتب “بسم الله الرحمن”، حتى نزلت: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فكتبها.
واختُلِف في الباء من “بسم الله” فقيل: زائدة فلا تتعلق بشىء، وعليه يكون “اسم” مبتدأ مرفوع تقديرًا وخبره محذوف تقديره “اسم الله مُبتَدَأٌ به” أو “مُسْتَعَانٌ به” أو نحو ذلك، وذهب ءاخَرون إلى أنّ الباء أصلية متعلقة بمحذوف يصح كونه اسمًا أو فعلًا.
الحديث الحادي والعشرون: وأخرجَ الترمذيُّ وحسّنهُ، والطبرانيُّ في الدعاءِ، والخرائطيُّ في مكارمِ الأخلاق، والمستغفريُّ في الدعواتِ، عن ثوبانَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ((من قالَ حين يُصبحُ وحين يُمسي ثلاثَ مراتٍ: رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيًّا، لكانَ حقًّا على اللهِ أن يُرضِيَهُ)). – أي وعد من اللهِ منجَزٌ بل يجعلهُ على حالة حسنة بعدَ موتهِ هذا معنى أن يُرضِيَهُ -.
التعليق على الحديث:
معنى الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا
عندما نقول هذا الذكر الوارد عن النبي ﷺ صباحا ومساء نتذكر أكبر نعمة أنعم الله بها علينا وهي نعمة الإسلام وأننا نثبت عليه ونرضى به ونسأل الله أن يثبتنا عليه، قال أحد الصالحين: الدِّينُ أكبَرُ نِعَم الله، أكبرُ نِعَم الله هو الإيمانُ والإسلام، هذا رأسُ مالِ الإنسان.اهـ فيا فوزَنا بدينِ الإسلامِ العظيمِ، الدينِ الذي رضيَهُ اللهُ تعالى لعبادِهِ وأَمَرَنا باتباعِهِ وبالثباتِ عليه، فما أعظم أن نتمسك بهذا الدينِ العظيمِ نثبت عليه إلى المَمَاتِ فنكون من الفائزين الغانمين، فكم من الصحابة والعلماء والأنبياء عُذِّبوا ليتركوا هذا الدين ولكنهم صبروا طلبا للأجر والثواب من الله عز وجل، فقد روى البيهقي في شعب الإيمان، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَيْشًا إِلَى الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسَرَهُ الرُّومُ فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ وَأُشِرِكُكَ فِي مُلْكِي وَسُلْطَانِي؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: “لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ عَلَى أَنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ”، قَالَ: إِذًا أَقَتُلُكَ، قَالَ: “أَنْتَ وَذَاكَ”، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رِجْلَيْهِ وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ دَعَا بِقِدْرٍ وَصَبَّ فِيهَا مَاءً حَتَّى احْتَرَقَتْ، ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا فَأُلْقِيَ فِيهَا وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بَكَى فَظَنَّ أَنَّهُ رَجَعَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ فَأَبَى، قَالَ: فَمَا أَبْكَاكَ؟ قَالَ: “أَبْكَانِي أَنِّي قُلْتُ هي نَفْسٌ وَاحِدَةٌ تُلْقَى هَذِهِ السَّاعَةَ فِي هَذَا الْقِدْرِ فَتَذْهَبُ، فَكُنْتُ أشْتَهِي أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَعَرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تَلْقَى هَذَا فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ”، قَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ: “وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟” قَالَ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: “فَقُلْتُ فِي نَفْسِي عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ أُقَبِّلُ رَأْسَهُ ويُخَلِّي عَنِّي وَعَنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ لَا أُبَالِي” قال: فَدَنَا مِنْهُ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ. فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْأُسَارَى، فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى عُمَرَ فَأُخْبِرَ عُمَرُ بِخَبَرِهِ، فَقَالَ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ فَقَامَ عُمَرُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ.
نسأل الله أن يثبتنا على دين الإسلام …
الحديث الثاني والعشرون: وأخرجَ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وابن ماجه والحاكمُ والطبرانيُّ في الدعاءِ، والبيهقيُّ والمستغفريُّ في الدعوات من طريقِ أبي سلام، عن رجل بحمص خدم النبي ﷺ سمعت النبي ﷺ يقول: ((من قال إذا أصبحَ وإذا أمسى ثلاثَ مراتٍ: رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ رسولا كانَ حقًّا على اللهِ أن يُرضِيَهُ يومَ القيامَةِ)). الرجل المذكور هو ثوبان.
التعليق على هذا الحديث:
عند قوله: (كان حقًّا على الله أن يرضيه): ليس معناه أن الله يجب عليه شيء بل وعدًا منه سبحانه، فإنه قد تقرر في عقائد المسلمين أنه لَا يَجِبُ عَلَى اللهِ شَىْءٌ: مذهب أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الأصلح للعبد ليس بواجبٍ على الله تعالى. وذهب جمهور المعتزلة إلى أنه يجب على الله فعل الأصلح لعباده، وهذا كفر، لأنّ القول بإيجاب شىء على الله يُنافي وصفه بالربوبية، وإنما يتصور الوجوب على من له ءامر وناه، والله لا ءامر له ولا ناه، بل هو الآمر الناهي سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 23] ولو كان يجب على الله أن يفعل الأصلح لعباده لخلقنا في الجنة، ولو كان يجب على الله فعل الأصلح لما خلق في بعض عباده الكفر والمعصية لأنها ليست الأصلح لهم، وقد دلّت ءايات كثيرة على أنّ الله هو خالق أفعال العباد خيرًا كانت أو شرًّا.
قال إسماعيل بن عبد الباقي الحنفي توفي سنة 1121هـ: «وإنما قلنا إن الوجوب عليه ينافي الألوهية لأن الوجوب عليه حكم من الأحكام، ولا يثبت الحكم بدون الحاكم، ولا حاكم عليه تعالى، فلا وجوب عليه أيضًا، ولأن القول بوجوب الأصلح عليه يوجب إبطال منته على عباده في الهداية لهم في الصحة والرّزق لأنَّ من أدّى حقًّا واجبًا عليه لا منّة له على المؤدى عليه وهو باطل لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 164]، وقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [سورة الحجرات/ الآية 17]». والله تبارك وتعالى يثيب الطائع فضلًا منه ويعاقب العاصي عدلًا منه من غير أن يجب عليه شيء. والمعتزلة قالت بهذه المقالة الشنيعة لاعتقادهم أنّ الله لو لم يكن واجبًا عليه مراعاة الأصلح لكان ظالـمًا، وهذا مردود لأنّ الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [سورة فصلت/ الآية 46] ولأنّ الظلم هو التّصرّف في ملك الغير بما لا يرضاه، ويقال: مخالفة أمر ونهي من له الأمر والنهي، والله تبارك وتعالى يتصرّف في ملكه كما يريد ولا ءامر ولا ناهي له، قال رسول الله ﷺ: ((لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ)) رواه أحمد.
الحديث الثالث والعشرون: وأخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة عن أبي سلام خادم النبي ﷺ.
التعليق على هذا الحديث:
أوّل خدامه أنس بن مالك الأنصاري وكان ألزمهم لخدمته، وبلال بن رباح المؤذن، وعقبة بن عامر الجهني كان صاحب بغلته يقود به في الأسفار، وسعد مولى أبي بكر الصديق، وذو مخمر ابن أخي النجاشي أو ابن أخته، وربيعة بن كعب الأسلمي، وعبد الله بن مسعود وكان صاحب نعله ووسادته، وأبو ذر الغفاري، وبكير بن شريح الليثي ويقال بكر، وأسلع بن شريك وكان صاحب راحلته، والأسود بن مالك الأسدي، وذكر بعضهم أن من خدامه أبو سلام، ومهاجر مولى أم سلمة، وقيس بن سعد بن عبادة كان من المصطفى بمنزلة صاحب الشرطة من السلطان، وأيمن ابن أم أيمن.
الحديث الرابع والعشرون: وأخرج الطبراني بسند حسن عن المنيذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن قالَ إذا أصبحَ: رضيتُ باللهِ ربّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ نبيّا فأنا الزعيمُ لآخذُهُ بيدِهِ حتى أدخِلَهُ الجنةَ)). – الزعيم أي الضامن الكفيل -.
التعليق على هذا الحديث:
هذا الذّكر وفضله يؤكّد لنا عظيم محبة الله ومحبة رسوله ﷺ ومحبة دينه دين الإسلام، وقد قال تعالى مرشدا ومبيّنا لعباده كيف تكون وكيف تتحقق محبتهم لخالقهم عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران/ الآية 31]ويكون حسن المتابعة بأداء ما أوجب واجتناب ما حرم، فالعبد التقي هو الذي يطيع ربّه وهذه علامة المحبة الصادقة،
يقول ذو النون المصري: “من علامات المحب لله عز وجل متابعة حبيب الله – أي سيدنا محمد ﷺ – في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه”.
والذي وصل إلى كمال محبة الله ورسوله ﷺيصير منور القلب وإيمانه يصير كاملا ويصير من أولياء الله وأحبابه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والمحبّ الصّادق من شأنه وحاله أن لا يخالف حبيبه ومحبوبه كما قالت العارفة بالله السيدة الجليلة رابعة العدوية رضي الله عنها:
| تعصي الإله وأنت تزعم حبّه | هذا لعمري في الفعال شنيع | |
| لـــو كان حبّك صادقا لأطعته | إنّ المحبّ لمن يحب مطيــع |
الحديث الخامس والعشرون: وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: ((مَن قالَ حينَ يُمسي: رضيتُ باللهِ ربّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ رسولا فقد أصابَ حقيقةَ الإيمانِ)). قال بعض الحفاظ: ليسَ ثابتا، ليسَ هذا معنى الحديث بالمرة.
التعليق على هذا الحديث:
شرح معنى قوله عليه السلام :(فقد أصاب حقيقة الإيمان)
حقيقة الإيمان هي أن تؤمن بالله على ما يليق بالله، فما معنى قولنا: أن تؤمن بالله؟ الإيمان في اللغة معناه: التّصديقُ. وفي الشّرع: التّصديق بمعنى الشهادتين، والإيمان بالله يكون باعتقاد أنّه موجود من غير أن يُشبَّهَ بِشىء من خلقه، والدّليل على ذلك من القرءان الكريم قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ والله تعالى هو خالقُ كلّ شيء؛ الأجسام الكثيفةِ وهي ما يمكن ضبطه باليد كالحجر والشجر والإنسان والأجسام اللطيفةِ وهي ما لا يمكن ضبطه باليد كالريح والروح والنور والظلام والجنّ والملائكة، فالله لا يشبه شيئًا من خلقه، فلا يجوز أن يكون حجمًا كثيفًا ولا حجمًا لطيفًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [سورة الرعد/ الآية 8] معناه: كلّ شىء خلقه الله على قدر معين من الحجم، فحبة الخردل لها حجم صغير وحبة القمح أكبر منها ثم حبة العنب أكبر ثم العرش أكبر جسم خلقه الله من حيث الحجم، والجسم لا يخلق الجسم فثبت أنّ الله ليس جسمًا. ثم لا يجوز على الله أن يتصف بصفات الأجرام كالحركة والسّكون والكون في الجهة والمكان فلا يجوز أن يقال إن الله موجود في السماء أو قاعد على العرش أو مستقر فوق العرش أو محاذيه؛ لأنّ كلّ هذا من صفات الأجسام، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي السلفي في عقيدته التي ذكر أنها بيان عقيدة أهل السّنة والجماعة: “ومنْ وَصَفَ الله بِمَعنى منْ مَعَانِي البَشَر فَقَدْ كَفَرْ” وقد مضى على وفاة الطحاوي أكثر من ألف سنة. و”معاني البشر” معناه: صفاتهم كالجوارح والأعضاء والشكل واللون والتغير من حال إلى حال والانفعال والانتقال من مكان إلى ءاخر. الله تعالى هو خالق الأماكن والجهات فلا يجوز عليه أن يسكنها كان موجودًا قبل خلقها بلا مكان ولا جهة ولا يزال موجودًا بعد خلقها بلا مكان ولا جهة لأنّ الله يغير في خلقه وهو سبحانه وتعالى لا يتغيّر.
الحديث السادس والعشرون: وأخرجَ البخاريُّ في الأدبِ المفردِ وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ السنيُّ والطبرانيُّ في الدعاء، والبيهقيُّ والمستغفريُّ كلاهما في الدعوات، والخرائطيُّ في مكارمِ الأخلاق، والفريابيُّ في الذكر عن أنسِ بن مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: ((من قالَ حين يُصبحُ وحين يُمسي: اللَّهُمَّ إني أصبحتُ أُشهِدُكَ وأُشهِدُ حملةَ عرشِكَ وملائكتكَ وجميعَ خلقِكَ أنكَ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ وحدَكَ لا شريكَ لكَ، وأشهدُ أنّ محمّدًا عبدُكَ ورسولُكَ، أعتقَ اللهُ رُبعَهُ من النّارِ – أي غفرَ اللهُ ربعَ ذنوبهِ -، ومن قالهَا مرتينِ أعتقَ اللهُ نصفَهُ من النارِ، ومن قالها ثلاثا أعتقَ اللهُ ثلاثةَ أرباعِهِ من النارِ، ومن قالها أربعًا أعتَقَهُ اللهُ ذلكَ اليومِ من النارِ)). وفي لفظ: ((غفَرَ اللهُ لهُ ما أصابَ في ذلكَ اليومِ أو تلكَ الليلةَ مِن ذنبٍ)).
التعليق على هذا الحديث:
بيان من هم الملائكة
عند قوله: ((وأُشهِدُ حملةَ عرشِكَ وملائكتكَ)): يقولُ الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [سورة فاطر/ الآية 1] وهم عباد مكرمون، ليسوا ذكورًا ولا إناثًا لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [سورة النجم/ الآية 27] دلّت الآية أنّ الذي يقول إنّ الملائكة إناث حكمه أنّه ليس مؤمن، وقد يتشكلون بصورة الرّجال من غير ءالة الذكورية.
واللهُ تباركَ وتعالى خلَقَ الملائكةَ من نورٍ كما قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ فيما رواه مسلم: ((خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ– أي من لـهيبِ النارِ الصافي –، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ)) – أي من ماءٍ وتراب -. وقد خلقَهُم اللهُ على أحجامٍ مختلفةٍ ولكن كلهم لهم أجنحة، فأقلُّ ما يكون للمَلَكِ جناحان وقد يكونُ له أكثر من ذلك، فقد ورَدَ أنَّ جبريلَ عليه السلامُ جاءَ مرةً إلى رسولِ اللهِ ﷺ وكان بمكة بمكانٍ يُقالُ له أجياد فقالَ جبريلُ، اطلُبْ من ربِّكَ أن تراني في صورتي الأصلية، وكان الرسولُ ﷺ لا يرى جبريلَ إلاَّ مُتشَكِّلًا بصورةِ إنسانٍ أو يسمعَ صوتَهُ من غيرِ أن يرى له صورةً، فطلبَ النبِيُّ ﷺ من ربِّهِ أن يرى جبريلَ في صورَتِهِ الأصلية، فظهَرَ له جبريلُ مِنَ المشرقِ فسَدَّ ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ فصُعِقَ رسولُ اللهِ ﷺ، أي غُشِيَ عليه، فتحوَّلَ جبريلُ إلى الصورةِ البشريةِ وأخذَ النبِيَّ ﷺ وضمَّهُ إليه، فقالَ الرسولُ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((يا جبريل ما ظننتُ أنّ اللهَ تعالى خلَقَ أحدًا على هذه الصورةِ))، فقالَ: إنَّ اللهَ تعالى خلقَني على ستمائةِ جناحٍ وما نشرتُ منها إلّا جناحين.
ووَرَدَ في الحديثِ الصحيحِ: أنَّ جبريلَ عليه السلام خُلِقَ على ستمائةِ جناحٍ يتناثرُ منها تـهاويلُ الدُرِّ والياقوتِ ومعنى تـهاويل شيئا يهول المنظَرَ أو يبهُرُ الأنظارَ كالدُرِّ والياقوت. وقد خلقَ اللهُ ملائكةً أعظمَ خلقةً من جبريل ولكن جبريل هو أفضلُهُم درجَة عند اللهِ هو رئيسُ الملائكةِ، أمَّا من حيثُ عظمِ الخلقةِ فهناكَ ملائكةٌ يحملونَ العرشَ هم أربعةٌ في الدّنيا هؤلاء أعظمُ من جبريلِ من حيثُ الخِلقةِ فقد ورَدَ في وصفهِم أنَّ النبِيَّ ﷺ أُذِنَ له أن يتحدَّثَ عن ملَكٍ من حملةِ العرشِ، ما بينَ شحمةِ أذنِهِ إلى عاتقِهِ مسيرةُ سبعمائةِ عامٍ بخفقانِ الطيرِ المسرِعِ ومع ذلكَ فجبريلُ من حيثُ الدّرجةِ مُقَدَّمٌ عليهِم وعلى كلِّ الملائكةِ فهو رسولُ اللهِ إلى الملائكةِ كما أنَّهُ سفيرٌ بينَ اللهِ وبينَ الأنبيَاءِ من البشرِ.
ثمَّ إنَّ جبريلَ عليه السلامُ وصفَهُ اللهُ تعالى بأنَّهُ ذو مِرَّةٍ أي ذو قُوَةٍ جِسميةٍ عظيمةٍ، فمن تلكَ القوةِ أن قَلَبَ أربعَ مُدُنٍ، مدُن قومِ لوطٍ الأربعة حملَها بريشةٍ واحِدَةٍ من جناحِهِ فرَفَعَها إلى قربِ السّماءِ الأولى حتى سمِعَ الملائكةُ نباحَ كلابِهِم وصياحَ ديكَتِهِم، المدُنَ الأربعةَ رفعَها كما هيَ بريشةٍ واحدةٍ ثم ردَّها إلى الأرضِ مقلوبةً ما ردَّها كما كانت بل جعلَ عالِيَها سافِلَها. ومن قوّتِهِ أنّه أهلكَ قومَ ثمود بصيحةٍ واحدةٍ، صاحَ عليهِم فهلِكوا كلُّهم من شدَّةِ صيحتِهِ. ومن قوتِهِ أنَّهُ كان إبليسُ بمكة ورسولُ اللهِ ﷺ ساجدٌ أمامَ الكعبَةِ فقالَ إبليسُ لجماعتِهِ: لأطَأنَّ رقبةَ مُحَمَّدٍ. فرفسَهُ جبريلُ برِجلِهِ فرماهُ بالعراقِ، ولو كان كُتِبَ عليه الموتُ، لماتَ من تلكَ الرَّفسَةِ لكنَّ اللهَ تعالى كتبَ له البقاءَ والحياةَ إلى يومِ النفخِ في الصُّورِ.
وحولَ العرشِ ملائكةٌ لا يعلمُ عدَدَهم إلاَّ اللهُ، كذلكَ السماءُ مليئةٌ بالملائكةِ فقد ثبتَ في الحديثِ أنَّهُ: ((ما في السماوات موضعُ أربعِ أصابعَ إلّا وفيه ملَكٌ قائمٌ أو راكعٌ أو ساجدٌ)).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين