داعي الفلاح في أذكار المساء والصباح | الدرس الخامس | فطرة الإسلام ودين الأنبياء

داعي الفلاح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لِلهِ الواحدِ القَهَّارِ، العزيزِ الغفار، مُقدرِ الأقدار، مصرّفِ الأمور مكوِّرِ الليل على النهار، تبصِرةً لذوي القلوب والأبصار، الذي أيقظ مِنْ خلقه مَن اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، ووفَّق من اجتباه من عبيده فجعله من الأبرار، وبصَّر من أحبه فزهَّدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهُّبِ لدار القرار، واجتنابِ ما يُسخطُه والحذرِ من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجِد في طاعاته وملازمةِ ذِكْره بالعشيِّ والإبكار، فاستنارت قلوبهم بلوامع الأنوار. 

أحمده أبلغ الحمد على جميع نِعَمه، وأسأله المزيدَ من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله العظيم، الواحد الصّمد العزيز الحكيم، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيّه وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين، وأكرم السابقين واللاحقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النّبيين والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين. 

وبعد

شرح ذكر: أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص

الحديث السابع والثلاثون: وأخرج أحمد والنسائي وابن السني، والطبراني في الدعاء والكبير، والبيهقي والمستغفري عن عبد الرحمن بن أبْزَى قال: كان رسول الله ﷺ يقول إذا أصبح وإذا أمسى: ((أصبحنَا على فِطرةِ الإسلامِ، وأمسينَا على فطرةِ الإسلامِ وعلى كلمةِ الإخلاصِ وعلى دينِ نبينَا محمدٍ ﷺ، وعلى مِلّةِ أبينا إبراهيمَ حنيفًا مسلمًا وما أنا من الـمُشركينَ)). الرّسولُ كان يقولُ وعلى دين نبيّنا محمّد؛ لأنّهُ هو نبيّ للنّاسِ ونبي لنفسهِ. 

التعليق على هذا الحديث

بيان أن دين جميع الأنبياء واحد وهو الإسلام

عند قوله: ((وعلى مِلّةِ أبينا إبراهيمَ حنيفا مسلما وما أنا من المشركين)): هذا يدلنا على أنّ دين جميع الأنبياء واحد وهو الإسلام، فقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾[آل عمران/ الآية 19] وقال الله تعالى: ﴿وَمَن يَّبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران/ الآية 85]. وقد قال رسول الله ﷺ: ((الأنبياءُ إخوةٌ لِعَلات دينُهم واحدٌ وأمهاتُهم شتى وأنا أولى الناسِ بعيسى بنِ مريمَ ليسَ بينِي وبينَه نبيٌ)) رواه أحمد والبُخَارِيُّ. النبيُّ ﷺ شبَّهَ الأنبياءَ بالإخوةِ لعلات من حيثُ أنَّ الأنبياءَ دينُهم واحدٌ عقيدتُهم واحدةٌ جاؤوا بالإسلامِ دينِ اللهِ تعالى الذي ارتضاهُ اللهُ لعباده، وشرائعُهم متعددةٌ كما أن الإخوةَ لعلاتٍ أمهاتهُم متعددةٌ. فالأنبياء كالأخوة الذين أبوهم واحد وذلك لأنّ دينهم واحد وهو الإسلام وإنّما الفرق بينهم في الشّريعة التي هي الفروع العملية كالزّكاة والصّلاة ونحو ذلك، وشريعة سيدنا محمد هي أحسن الشّرائع وأيسرها، وهذا التغيُّر في الشريعة على حسب ما تقتضيه الحكمةُ والله أعلم بمصالح النّاس من أنفسهم.

التحذير من عبارة «الأديان السماوية»

ومن الغلط الشنيع في قول بعض الناس: “الأديان السّماوية الثلاثة”، فإنّه لا دينَ صحيح إلا الإسلام وهو الدّينُ السّماوِيُّ الوحيدُ. فكلّ الأديان غير الإسلام إمّا يعبدون صنمًا أو بقرا أو نارا أو ضوءا أو شمسا أو جسما يظنونه يسكن السماء أو غير ذلك من الأجسام والخيالات، وكل ذلك محدود ذو كمية يحتاج لمن حدّه بذلك المقدار والحد والجهة والمكان فهو مخلوق، فالاحتياج يُنافي الألوهية والمحتاج لا يكون إلها، فهذه العقائد كلها مخالفة للعقل السليم. 

أمّا دين الإسلام مبني على عقيدة تنزيه الله عن المثيل والشّبيه والحد والكمية والجهة والمكان فالله هو خالق المكان والزمان فهو موجود بلا كيف ولا مكان ولا يجري عليه زمان وهذه العقيدة الموافقة للعقل السليم وهي عقيدة كلّ الأنبياء من أولهم آدم إلى آخرهم محمد عليهم الصّلاة والسّلام. فالمبدأ الإسلاميُّ الجامعُ لجميع أهل الإسلام هو عبادةُ الله وحدَهُ. 

ومن خلالِ ما عرضناه يَتَبَيَّنُ لنا أنَّ دينَ الأنبياء كلّهم هو دينُ الإسلام، وأنّ الدّين السّماوي هو دينُ الإسلام. فلا يُقال: “الأديان السّماوية“، لأنّ الله لم يأمُر إلا بإتباع دينٍ واحد هو الإسلام. وإنّما الذي قد يختلِفُ فيه النبيُّ عن نبيٍّ آخر هو الشّريعة، والشّريعة هي الأحكام العَمَليّة. مثالُ ذلك أنّه كانت من شريعة آدم ومن بعده إلى زمان بني إسرائيل فرضيَّةُ صلاةٍ واحدةٍ ثم فُرِض على بني إسرائيلَ صلاتان إلى أَن جاء محمَّد ﷺ فَفُرِضَ عليه خمسُ صلوات. فأصول العقيدة من الإيمان بالله ورسوله ونحو ذلك لا تقتضي مَصْلَحَةُ العبادِ مهما تَطَاوَلَت العُصُور تَغييرَها بخلاف الشرائع. 

معنى ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا

الحديث الثامن والثلاثونوأخرجَ عبدُ الله بن أحمد في زوائدِ المسند عن أبيّ بن كعب قال: كان النبيُّ ﷺ يعلمنا إذا أصبحنا: ((أصبحنَا على فِطرةِ الإسلامِ وكلمةِ الإخلاصِ وسُنةِ نبينَا محمدٍ ﷺ، وعلى مِلّةِ أبينَا إبراهيمَ حنيفًا مسلمًا وما كانَ من المشركينَ)). وإذا أمسينا قال مثلَ ذلك. 

التعليق على هذا الحديث

ومما يدلّ على أنّ الأنبياء كلَّهم على دين واحد ما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِ‌ينَ وَمُنذِرِ‌ينَ﴾ [البقرة/ الآية 213]، أي كلُّ النّاسِ كانوا على دين الإسلام في زمن آدم وشيث وإدريس ثم حصل الكُفر بعد وفاة النّبيِّ إدريسَ حتى أرسل الله سيدنا نوح عليه السّلام. 

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَ‌اهِيمَ وَآلَ عِمْرَ‌انَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران/ الآية 33] ليُعلَم أنّ الله خلَقَ آدمَ عليه السّلام وخلق حَوَّاءَ وجعَلَ آدمَ نبيًّا رسولًا. وكانت حوّاءُ تَلِدُ في كلّ مرّة ذكرًا وأنثى فَوَلَدَتْ أربعين مرّة. وكان في شَرْعِ آدمَ عليه السّلام يجوز للأخ أن يتزوَّجَ أختَهُ من البطن الآخر حتى ينتَشِر نسلُ البشر في الأرض. وقد أفاض الله على آدم فكان يعرِفُ الكَلامَ وكان يعرف أسماءَ الأشياء كلّها. وقد علّم آدمُ أولادَهُ أصلَ الاعتقاد فكان يَقُولُ لهم اعبُدُوا الله ولا تشرِكوا به شيئًا ومَن يُشرِك بالله فإنّ مصيره أن يدخلَ النّار ويخلد فيها. وهكذا كان أولادُهُ على دينِ الإسلام دينِ جميع الأنبياء. ثم بعد أن جاء النبيُّ إدريس عليه السّلام واستمرَّ على هذه الدعوة، حَدَثَ بعدَهُ أن أشرَكَ بعضُ الناس بعبادَتِهِم لغير الله، فجاء نوح عليه السلام وكان أوّل نبيّ أُرسِلَ إلى الكفّار يدعو إلى عبادة الله الواحِدِ الذي لا شَريكَ له. ثم بعد ذلك تَتَابَعَ الأنبياءُ وكُلُّ واحدٍ منهم يدعو إلى دين الإسلام.

ثم جَاء إبراهيم عليه السلام يدعو قَومه إلى الإسلام.

قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَّلاَ نَصْرَانِيًّا وَّلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران/ الآية 67].

وغيرُ صحيحٍ ما قيلَ عن إبراهيم إنّه عَبَدَ الكوكَبَ وإنَّما أنكَرَ ذلك على قومه. ثم جاء موسى عليه السّلام يدعو أيضًا قومه إلى الإسلام فآمنَ به بعضُ النّاس وكذَّبه آخرون، فكان منهم طائفة كفروا وقالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ﴾ [التوبة/ الآية 30] وبعضُهُم قال: “إنَّ الله خَلَق السَّمواتِ وَالأرضَ في ستّة أيَّامِ ثُمَّ تَعِبَ فاستلقى على قَفاه”، فهؤلاء كُفَّار لَيسوا على عقيدةِ موسى الذي أمَرَهُم بتوحيدِ الله وتَنـزِيهِه. وكان موسى على اعتقادِ أنَّ الله مَوجُودٌ لا يُشْبِهُ الـمَوجودات وأنَّه خالِقُ كُلِّ شىءٍ فَلاَ يحتاج إلى شىء، خلقَ الضّوءَ فهو لا يُشْبِهُهُ وخلقَ الإنسانَ فهو لا يُشْبِهُهُ، وأنَّ الله لم يَتْعَبْ ولم يحصُلْ له عجزٌ لأنَّه القَوِيُّ الذي لا يَتعب ولا يَتَغَيَّر. 

وبعد وفَاةِ موسى جاءَ عيسى المسيح فصارَ يدعو إلى تلك الدَّعوةِ التي دَعا إليها جَميعُ الأنبياء قبلَه وبَشَّر بنبيٍّ يأتي من بعدِهِ اسْمُه أحمد هو مُحَمَّدٌ ﷺ فآمن به بعضُ النّاسِ وكفَرَ آخرون. وكان هو ثابتًا على الاعتقادِ الصحيحِ. وكان عيسى على اعتقادِ أنَّ الله ليسَ أبًا ولا ابنًا وليس شيئًا مُرَكَّبًا ومُؤَلَّفًا من أجزاء، تعالى الله عن ذلك. ثم إنَّ أناسًا أرادوا قتلَ المسيحِ فحَمَاهُ الله مِنهُمْ وأنزلَ شَبَهَ عيسى على رَجُلٍ من تلاميذه المسلمين، ورُفِعَ عيسى إلى السّماء فدَخَلَ الكَفَرةُ فأخذوا شَبيِهَه وقتلوه وصَلَبوه فليسَ المصلوبُ عيسى بل شبيهه. وعيسى لم يأمُرْ قومَه أن يَعبُدُوه بل أمَرهُم بعبادة الله وحدَه. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ ءَامَنَّا بِاللهِ واشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران/ الآية 52]. فقد قال له الحوارِيُّونَ: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنـَّا مُسْلِمُونَ﴾، فإن عيسى لم يَدعهُم إلى عبادَتِهِ بل إلى عبادة الله وحده. قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة/ الآية 116]. ثم في الآية التي تليها: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. من هذا يظهَرُ أنَّ عيسى دعا إلى عبادة الله وحده وليس إلى الإشراك. ثم بعد أن رُفع عيسى عليه السّلام جاء مُحمَّد ﷺ ليُجدِّدَ الدّعوةَ إلى دين الإسلام بعد أن انقَطَع فِيمَا بين النَّاس في الأرض مؤيّدًا بالمعجزات الدّالّة على نُبوَّته، فدخل البعضُ في الإسلام وجَحَدَ بنبوَّته أهلُ الضَّلالِ الذين مِنهم مَن كان مُشْرِكًا قَبلًا فازدادوا كفرًا إلى كفرِهم. 

أذكار فيها أسماء الله وصفاته مثل: الملك والكبرياء والعظمة والخلق والأمر

الحديث التاسع والثلاثون: وأخرجَ عبدُ بنُ حميدٍ في مسندهِ وابنُ السنيِّ والطبرانيُّ في الدعاء وفي المعجمِ الكبيرِ والمستغفريُّ عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: رأيتُ رسولِ الله ﷺ إذا أصبح قال: ((أصبحنَا وأصبحَ الملكُ لله، والكبرياءُ والعظمةُ والخلقُ والأمرُ والليلُ والنهارُ وما سكنَ فيهما للهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، اللهم اجعل أولَ هذا النهارِ صلاحًا، وأوسَطَهُ نجاحًا، وءاخرَهُ فلاحًا، أسألكَ خيرَ الدنيا وخيرَ الآخرةِ يا أرحمَ الرَّاحمينَ)).

التعليق على هذا الحديث

عند قوله: ((الكبرياء والعظمة)): من أسماء الله الْمُتَكَبِّرُ: هوَ العظيمُ المتعالي عن صفاتِ الخَلقِ القاهِرُ لعُتَاةِ خَلقِهِ، قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية/ الآية 37]، وقدْ جاءَ في الحديثِ القدسيِّ: ((الْكَبْرِيَاءُ رِدَائِيْ وَالْعَظَمَةُ إِزَارِيْ فَمَنْ نَازَعَنِيْ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُه فِيْ النَّاْرِ)) رواه أبو داود وابن حبان. قال الطِّيْبِيُّ: “الكِبْرِيَاءُ العَظَمَةُ وَالْمُلْكُ، وَقِيْلَ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الذَّاتِ وَكَمَالِ الوُجُوْدِ”، ثُمَّ قَالَ: “كَمَا أَنَّ رِدَاءَ الرَّجُلِ وَإِزَارَهُ مُخْتَصَّانِ بِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيْهِمَا غَيْرُهُ، كَذَلِكَ الكِبْرِيَاءُ وَالعَظَمَةُ مُخْتَصَّانِ باِللهِ تَعَالَى لَا يُوْصَفُ بِهِمَا غَيْرُهُ”، وقال مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: “فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَيْ مِنَ الْوَصْفَيْنِ بِأَنْ تَكَبَّرَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ أَوْ تَعَظَّمَ مِنْ حَيْثِيَّةِ صِفَاتِهِ وَأَرَادَ نَوْعًا مِنَ الْمُشَارَكَةِ مَعِي فِي نُعُوتِ ذَاتِي وَصِفَاتِي أَدْخَلْتُهُ النَّارَ”، وقال الْمُنَاوِيُّ: “وَضَرَبَ الإِزَارَ وَالرِّدَاءَ مَثَلًا فِي انْفِرَادِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِصِفَةِ العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعِزِّ وَالقُوَّةِ”، ثُمَّ قَالَ: “وَفِيْهِ الزَّجْرُ عَنِ ادِّعَاءِ العِزَّةِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ وَالقُوَّةِ لِأَنَّهَا لَا يُوْصَفُ بِهَا فِي الحَقِيْقَةِ عَلَى الإِطْلَاقِ غَيْرُ الخَالِقِ”. 

الحديث الأربعون: وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ عن عبدِ الرحمن بنِ أبْزَى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح يقول: ((أصبحنَا وأصبحَ الملكُ لله، والكبرياءُ والعظمةُ والخلقُ والأمرُ والليلُ والنهارُ وما تضمّنَ فيهما للهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، اللَّهُمَّ اجعل أولَ هذا النهارِ صلاحًا، وأوسَطَهُ فلاحًا، وءاخرَهُ نجاحًا، أسألكَ خيرَ الدنيا والآخرةِ يا أرحمَ الرّاحمينَ)).

التعليق على هذا الحديث

عند قوله: ((عبد الرحمن بن أبزى)): هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، مولى نافع بن عبد الحارث الخزاعي، سكن الكوفة، واستعمله علي على خراسان، وأدرك النبي ﷺ وصلّى خلفه، أكثر روايته عن عمر، وأبي بن كعب، وقال فيه عمر بن الخطاب: “عبد الرحمن بن أبزى ممّن رفعه الله بالقرآن”.

قوله: ((وأصبحَ الملكُ لله، والكبرياءُ والعظمةُ والخلقُ والأمرُ والليلُ والنهارُ وما تضمّنَ فيهما للهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ)): يدلّ على أن كل شيء ملك لله وهو بخلق الله عزّ وجلّ ولا خالق إلا الله فكل شىء بخلقه قال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان/ الآية 2].

الحديث الحادي والأربعون: وأخرج الطبرانيُّ في الأوسطِ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كنتُ أسمع رسولَ اللهِ ﷺ إذا أدركه المساء في بيتي يقول: ((أمسينا وأمسى الملكُ لله، والحمدُ والحولُ والقدرةُ والسلطانُ والسّمواتُ والأرضُ وكلُّ شىءٍ للهِ ربِّ العالمينَ)).

التعليق على هذا الحديث

قوله: ((وكلُّ شىءٍ للهِ ربِّ العالمينَ)): الله تعالى هو ربّ العالمين أي هو خالق العالم أي خالق كلّ شيء سبحانه، فالرّب عزّ وجلّ هو الإله وهو الخالق وفي هذه الكلمة التي يقولها المسلمون كل يوم صباحا ومساء وهي (الحمد لله رب العالمين) رد على الذين ينتسبون زورا وبهتانا للسلف والسلف منهم بريء ويقولون “إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد ربوبية وألوهية وأسماء وصفات” وكلامهم هذا إنما ليكفروا المسلمين ويستحلوا دماءهم بغير حقّ والعياذ بالله، ويكفي في الردّ على هؤلاء المبتدعة ما يقرؤه المسلم في كلّ ركعة من صلاته كلّ يوم وهو قولنا في سورة ‏الفاتحة:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذه وحدها تكفي في الرّدّ عليهم، لأنّ من له الحمد هو الله وهو من له ‏الألوهية أي الخالقية هو ربّ العالمين، أي هو من له ‏الرّبوبية وهو مالك كل شىء. فتوحيد الألوهية هو ‏توحيد الربوبية لا فارق بينهما.

‏‎‏ ومما يدل على ذلك ما ذكره ابن خالويه في كتابه في إعراب الفاتحة ـ وهو من مشاهير ‏اللغويين النحاة ـ قال رحمه الله: “‏إن لفظ «ربّ» مجرور إما على أنه نعت لله أو بدل من لفظ لله، أي في ءاية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فيكون في الحالين من له الألوهية هو ‏من له الربوبية، فالله هو ربّ العالمين، وربّ ‏العالمين هو الله، وهذه الآية كافية وحدها في نقض زعم المشبهة في أن هنالك فارقًا بين ‏توحيد الربوبية ‏وتوحيد الألوهية‎‏”. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري: “وأما أهل السنة ففسروا التوحيد ‏بنفي التشبيه والتعطيل، ‏ومن ثم قال الجنيد فيما حكاه أبو القاسم القشيري: «التوحيد إفراد ‏القديم من المحدث»”.‏ ثم توحيد الألوهية داخل في عموم توحيد الربوبية بدليل أن الله تعالى لما أخذ الميثاق على ذرية ءادم خاطبهم ‏تعالى بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف/ الآية 172]، بإبلاغ ملَكٍ من الملائكة، ولم يقل: بإلهكم، فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية، ومن المعلوم أنّ من أقرَّ له ‏تعالى ‏بالربوبية فقد أَقرَّ له بالألوهية. ‏

وَزَعَمُوا أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ وَحْدَهُ لا يَكْفِى لِلإِيمَانِ لِاشْتِرَاكِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فِيهِ بِزَعْمِهِمْ بَلْ لا بُدَّ مِنْ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ لِذَلِكَ وَتَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلُوا إِلَى تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَيُجَوِّزُونَ التَّوَسُّلَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَنِدَاءَ الْغَائِبِ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِهِ وَزِيَارَةَ قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ طَالَمَا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، فَإِنّهمَ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِخْلالٌ بِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَأَنَّ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ لِلنَّجَاةِ. وَمَا جَاءُوا بِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِى الْقُرْءَانِ وَلا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلا حَكَمَ بِهِ صَحَابِىٌّ أَوْ تَابِعِىٌّ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ كَمَا زَعَمُوا لَمَا أَهْمَلَ سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بَيَانَهُ وَلَمَا أَهْمَلَ نَقْلَهُ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَلا التَّابِعُونَ، فَأَيْنَ دَعْوَى هَؤُلاءِ الْمُبْتَدِعَةِ اتِّبَاعَ السَّلَفِ بَعْدَ ذَلِكَ؟! 

بَلْ إِنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ تَشْهَدُ لِفَسَادِ مَا زَعَمُوا وَلِضِدِّ مَا قَالُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكْتَفِي لِلْحُكْمِ عَلَى الشَّخْصِ بِالإِسْلامِ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرِطَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِى الإِسْلامِ الِاعْتِقَادَاتِ الَّتِى زَعَمُوهَا، وَقَدْ جَاءَ فِى حَدِيثِ سُؤَالِ الْقَبْرِ الَّذِى رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الإِنْسَانَ يُسْأَلُ عَنْ رَبِّهِ وَعَنْ نَبِيِّهِ وَعَنْ دِينِهِ فَيُجِيبُ الْمُؤْمِنُ: اللَّهُ رَبِّى وَالإِسْلامُ دِينِى وَمُحَمَّدٌ نَبِيىِّ. وَيَكْتَفِى مِنْهُ الْمَلَكَانِ بِذَلِكَ، وَلا يَقُولانِ لَهُ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ لا يَكْفِى بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنْ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، كَمَا زَعَمَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ فَمَا أَعْظَمَ مُصِيبَةَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا.

شرح سؤال فتح اليوم ونصره ونوره وبركته وهداه

الحديث الثاني والأربعونوأخرج أبو داودُ والطبرانيُّ في الكبيرِ عن أبي مالكٍ الأشعريِّ رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: ((إذا أصبحَ أحدُكُم فليقل: أصبحنَا وأصبحَ الملكُ للهِ ربِّ العالمينَ، اللهم أسألكَ خيرَ هذا اليومِ فتحَهُ ونصرَهُ ونورَهُ وبركتَهُ وهُدَاهُ، وأعوذُ بكَ من شرِّ ما فيهِ وشرِّ ما قبلَهُ وشرِّ ما بعدَهُ، وإذا أمسى فليقل مثلَ ذلكَ)).

التعليق على هذا الحديث

عند قوله: ((فتحَهُ ونصرَهُ ونورَهُ وبركتَهُ وهُدَاهُ)): أي أسألك فتحه ونصره وبركته وهداه؛ أي ما فيه من الفتح بالخير وما فيه من النّصر والنّور والبركة والهداية.

الحديث الثالث والأربعون: وأخرجَ ابنُ سعدٍ والبزارُ والطبرانيُّ في الكبير عن أبان المحاربيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: ((ما من عبدٍ مسلمٍ يقولُ إذا أصبحَ وإذا أمسى: الحمدُ للهِ ربي لا أشركُ بهِ شيئًا، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، إلا غُفرتْ ذنوبُهُ حتى يُمسي، ومن قالهَا إذا أمسى غُفرتْ لهُ ذُنوبُهُ حتى يُصبحَ)).

التعليق على هذا الحديث

عند قوله: ((الحمدُ للهِ ربي لا أشركُ بهِ شيئًا، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله)): معنى قولنا، كما قال البهوتي وغيره: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلا اللَّهُ) أَيْ: أُخْبِرُ بِأَنِّي قَاطِعٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَمِنْ خَوَاصِّ الْهَيْلَلَةِ: أَنَّ حُرُوفَهَا كُلَّهَا جَوْفِيَّةٌ، لَيْسَ فِيهَا حَرْفٌ شَفَوِيٌّ: (اللام، والألف، الهاء) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْإِخْلَاصُ فَيَأْتِي بِهَا مِنْ خَالِصِ جَوْفِهِ وَهُوَ الْقَلْبُ لَا مِنْ الشَّفَتَيْنِ فقط (معناه ليست كلمة تخرج من الشّفاه بل من جوفك)، وَكُلُّ حُرُوفِهَا مُهْمَلَةٌ (غير منقوطة، تجريدها عن النقط ينبغي أن يتجرّد قائلها من الذي لا يرضي ربّه عزّ وجلّ)، دَالَّةٌ عَلَى التَّجَرُّدِ مِنْ ذكرِ كُلِّ شيء سِوَى اللَّهِ تَعَالَى.

شرح أسماء الله الواحد القهار وما يتعلق بالتنزيه

الحديث الرابع والأربعون: وأخرجَ الطبرانيُّ في الأوسطِ عن علي رضي الله عنه قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أمسى قال: ((أمسينا وأمسى الملكُ للهِ الواحِدِ القهّارِ، الحمدُ للهِ الذي ذهبَ بالنهارِ وجاءَ بالليلِ ونحنُ في عافيةٍ، اللهم هذا خَلقٌ قد جاءَ فما عملتُ فيهِ من سيئةٍ فتجاوَزْ عنها، وما عملتُ فيهِ من حسنةٍ فتَقَبّلَهَا وأضعِفهَا أضعافًا مضاعفَةً، اللهم إنكَ بجميعِ حاجاتي عالمٌ وإنكَ على نُجحِهَا قادرٌ، اللهم أنجِح الليلةَ كلَّ حاجةٍ لي ولا تَزدني في دُنيايَ، ولا تنقُصني في ءاخِرَتي))، وإذا أصبحَ قال مثلَ ذلكَ.

التعليق على هذا الحديث:

عند قوله: ((وأمسى الملكُ للهِ الواحِدِ القهّارِ)): اللهُ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ وصفَاته وَأفْعَاله. الله تعالى واحدٌ لا شريكَ لَه أي ليس له ثانٍ، وليس مركبًا مؤلفًا كالأجسام، فالعرشُ وما دونه من الأجرام مؤلَّفٌ من أجزاءٍ فيستحيلُ أن يكون بَينَهُ وبين اللهِ مشابـهة، فلا نظير له تعالى في ذاته ولا في صفاتِه ولا في أفعاله، قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَـهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة/ الآية 163]، فالله تعالى لو لم يكن واحدًا وكان متعددًا لم يكن العالَم منتظمًا، لكن العالَم مُنتظَمٌ فَوَجَبَ أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ، قال الإمام أبو حنيفة: “والله واحدٌ لا من طريقِ العَدَد ولكن من طريق أنه لا شريك له”. فالله سبحانه غيرُ مُشابهٍ لجميع المخلوقات في الذّات (أي ذاتُه لا يُشبه ذواتِ المخلوقاتِ، ذاته ليس جسما) والصفاتِ (فصفاتُه لا تُشبه صفاتِ المخلوقاتِ، صفاته ليس لها بداية ولا نهاية ولا تتغيّر) والفعلِ (أي فِعلُه لا يُشبه فِعلَ المخلوقات، فعل الله بدون مُماسّة ولا أعضاء). 

معنى أن العبد لا يدري ما يفجؤه صباحًا ومساءً

الحديث الخامس والأربعون: وأخرجَ أبو يعلى وابن السنيِّ والخرائطيُّ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يدعو بهذهِ الدعوات إذا أصبح وإذا أمسى: ((اللهم إني أسألكَ من فجأةِ الخيرِ، وأعوذُ بكَ من فجأةِ الشرِّ، فإن العبدَ لا يدري ما يَفجَؤهُ إذا أصبحَ وإذا أمسى)).

التعليق على هذا الحديث

عند قوله: ((فإن العبدَ لا يدري ما يَفجَؤهُ إذا أصبحَ وإذا أمسى)): لا يعلم الغيب كلّه إلا الله، من المقرر بين الموحدين أنّ الله تعالى لا يساويه خلقُهُ بصفة من صفاته، ومن صفاته العلمُ بكل شىء، قال تعالى ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد/ الآية 3]  فلو كان يصح لغيره تعالى العلمُ بكل شىء لم يكن لله تعالى تمدّح بوصفه نفسَهُ بالعلم بكل شىء، فمن يقول إنَّ الرّسول يعلم بكلّ شىء يعلمه الله جعل الرّسولَ مساويًا لله في صفة العلم، فيكون كمن قال: الرّسول قادرٌ على كلّ شىء، وكمن قال: الرّسولُ مريدٌ لكلّ شىء، سواء قال هذا القائل إنَّ الرسول عالم بكل شىء بإعلام الله له وقادرٌ على كل شىء بإقدار الله له، فلا مخلصَ له من الكفر. ومما يردّ ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام/ الآية 59] وقولُهُ تعالى: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الزمر/ الآية 46]تمدَّحَ تبارك وتعالى بإحاطته بالغيب والشهادة علمًا، فهذا القائل: إنَّ الرّسول يعلم بإعلام الله له كلّ شىء يعلمه الله جعله مساويًا لله في إحاطة علمه بكلّ شيء. ويخالفُ ذلك أيضًا قولَه تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾[الأحقاف/ الآية 9] فإذا كان الرسول ﷺ بنص هذه الآية لا يعلم جميعَ تفاصيل ما يفعله الله به وبأمته، فكيف يتجرّأ متجرئ على قول إنّ الرّسول يعلم بكل شىء. فقائلُ هذه المقالة قد غلا الغلوَّ الذي نهى اللهُ ورسولُهُ عنه. 

بيان حاجة العبد إلى ربه وعدم اتكاله على نفسه طرفة عين

الحديث السادس والأربعون: أخرجَ النسائيُّ والبزارُ والحاكمُ وابن أبي الدنيا في الذكرِ، وابنُ السنيِّ والمعمريِّ والخرائطيِّ والمستغفريِّ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لفاطمةَ رضي الله عنها: ((فما يمنعُكِ أن تسمعي ما أوصيكِ بِهِ، أن تقولي إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حيُّ يا قيومُ برحمتِكَ أستغيثُ فأصلحْ لي شأني كلَّهُ ولا تكلني إلى نفسي طَرفَةَ عينٍ)).

التعليق على هذا الحديث:

عند قوله: ((ولا تكلني إلى نفسي طَرفَةَ عينٍ)): العبد لا يستغني عن ربه طرفة عين والله لا يحتاج إلى شيء من خلقه فهو الغني عن العالمين، فهو الْغَنِـيُّ الذي استغنَى عنْ خلقِهِ والخلائقُ تفتقِرُ إليهِ فاللهُ تعالى لا يحتاجُ إلى شىءٍ مِنْ خلقِه لا يحتاجُ للملائكةِ ولَا الأنبياءِ ولَا السماواتِ ولا العرشِ ولا غيرِ ذلكَ مِنْ خلقِه قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر/ الآية 15]، فهوَ سبحانَه الغنيُّ عنِ الحلولِ في خلقِه والاتحادِ بهم ولا يتغيّرُ ولا يحتاجُ إلى شىءٍ مِنْ خلقِه، وكلُّ خلقِه لا يستغنونَ عنهُ طَرفَةَ عينٍ، ومَنْ زعمَ أَنَّهُ يستغني عَنِ اللهِ طَرفةَ عينٍ فقدْ كَفَرَ، قالَ ابنُ العربيِّ: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل/ الآية 8]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْتَغْنَى عَنِ اللهِ وَهُوَ كُفْرٌ؛ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ وَهُمْ فُقَرَاءُ إلَيْهِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.اهـ 

الحديث السابع والأربعون: أخرج ابن السني عن ابن عباس أنّ رجلا شكى إلى رسول الله ﷺ أنه تصيبه الآفات فقال له رسول الله ﷺ: ((قل إذا أصبحتَ: بسمِ الله على نفسي وأهلي ومالي. فإنهُ لا يذهبُ لكَ شىءٌ))، فقالهن الرجل فذهبت عنه الآفات.

التعليق على هذا الحديث

عند قوله: ((أنه تصيبه الآفات)): قال الله تعالى : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة/ الآية 155-157]، إنّ هؤلاء المؤمنين الذين مدحهم الله تعالى من شأنهم أنهم في أيام البلاء يلازمون طاعة الله تعالى قدر الإمكان، أي لا يعصونه في هذه الحال بترك الفرائض وارتكاب المعاصي بل هؤلاء يلزمون طاعته تبارك وتعالى في أوقات نزول المصائب.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة/ الآية 23]، إنّ التوكّل هو ثقة القلب بالله والمؤمن الكامل يُفَوِّضُ أمره إلى الله ويعمل بمقتضى قوله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران/ الآية 173]،  فيصبر على ما ابتلاه الله به ولا يعترض على الله ولا يشكّ في حكمة الخالق ولا يشك في أنّ المؤمنين منصورون من حيث المعنى مهما حل بهم من المصائب والبلايا وأن الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه لذلك ثبت سيدنا خُبَيْبٌ على الإيمان والإسلام لما أراد المشركون قتله فصلى ودعا وقال: 

‌فَلَسْتُ ‌أُبَالِي ‌حِينَ ‌أُقْتَلُ ‌مُسْلِمًا       عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

فلا يكون شأن البعض التحوّل عن الإيمان إلى الطّغيان وعن الشّكر إلى العصيان لوقوع المصيبة عليهم. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج/ الآية 11]. 

نسأل الله أن يرزقنا الصّبر على البلاء والشّكر على الرّخاء.

ذكر نماذج من أدعية الصباح والمساء الجامعة

الحديث الثامن والأربعون: وفي بعض الروايات: ((بسمِ الله على نفسي وديني)).

الحديث التاسع والأربعون: وأخرج الترمذي وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن السني عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((ما مِن صباحٍ يُصبِحُ فيهِ العبادُ إلا صارخ يصرُخُ: يا أيّها الخلائِق سَبّحوا الملكَ القدّوسَ)).

التعليق على هذا الحديث

عند قوله: ((صارخ يصرخ)): أي منادٍ ينادي. 

عند قوله: ((سَبّحوا الملكَ القدّوسَ)): أي قولوا سبحان الملك القدوس أو ما في معناه من قوله سبّوح قدوس ربّ الملائكة والرّوح كأنه قيل: نزهوا عن النقائص من هو منزّه عنها.

والْقُدُّوْسُ: هوَ المنزّهُ عنِ الشريكِ والولدِ وصفاتِ الخلقِ كالحاجةِ للمكانِ أو الزّمانِ فهو خالقُهما وما سواهُما، وهو تباركَ وتعالى المنزّهُ عن النقائصِ الطّاهرُ مِنَ العيوبِ، وقد ورد أنَّ الملائكةَ يقولونَ في تَسبيحِهِم: سُبُّوحٌ قٌدُّوسٌ ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ. وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ)) رواه مسلم، فاللهُ تعالى هوَ المنزَّهُ عن النقائصِ، قالَ النوويُّ: معَ اعتقادِنا الجازمِ أنَّ اللهَ تعالى ليسَ كمثلِهِ شىءٌ وأنَّه منزّهٌ عن التَجَسُّمِ والانتقالِ والتحيّزِ في جهةٍ وعن سائرِ صفاتِ المخلوقِ اهـ وصفاتُ الأجسامِ نحوٌ من أربعينَ صفةً واللهُ منزّهٌ عنها فهو قدُّوسٌ منزّهٌ عن القبائحِ لا يَحتاجُ إلى المكانِ والزّمانِ ولا إلى شىءٍ من خلقِهِ، فلا يجوزُ وصفُه بصفةِ نقصٍ أو قُبْحٍ كالمكْرِ والخِداعِ والنّسيانِ والمللِ والاستهزاءِ والفرحِ الحقيقيِّ الذي فيهِ الانفعالُ كما المخلوقُ والغضبِ الذي فيه الانفعالُ وغيرِها من صفاتِ الخلقِ.

الحديث الخمسونأخرجَ ابنُ السنيِّ عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: ((من قالَ إذا أصبحَ: اللهم إني أصبحتُ منكَ في نِعمةٍ وعافيةٍ وسَترٍ، فأتِمَّ نِعمتَكَ عليّ وعافيتكَ وسترَكَ في الدّنيا والآخرةِ – ثلاث مرات – إذا أصبحَ وإذا أمسى كان حقًّا – يعني وعدا – على الله أن يُتمَّ عليهِ)).

التعليق على هذا الحديث

عند قوله: ((فأتِمَّ نِعمتَكَ عليّ وعافيتكَ وسترَكَ في الدّنيا والآخرةِ)): الله تعالى يستر على بعض عباده الصّالحين، نسأل الله أن يجعلنا منهم، ومن جملة المذكورين ممن يستر الله عليهم ما جاء في حديث البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر في قوله ﷺ: ((ومَنْ ستر مُسْلِمًا سَتَرهُ اللَّهُ يَوْم الْقِيَامَةِ)).اهـ وفي الحديث الذي يرويه مسلم عن أَبي هريرة رضي اللَّه عنه عن النبي ﷺ قال: ((لا يسْتُرُ عَبْدٌ عبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرهُ اللَّه يَوْمَ الْقيامَةِ))، وقد نهانا الشّرع عن المجاهرة بالمعصية وحثّنا على التّوبة يقول الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء/ الآية 148]، وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمِعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((كُلُّ أَمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ المُجاهرينَ وإِنَّ مِن المُجاهرةِ أَن يعمَلَ الرَّجُلُ بالليلِ عمَلًا ثُمَّ يُصْبحَ وَقَدْ سَتَرهُ اللَّه عَلَيْهِ فَيقُولُ: يَا فلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْترهُ ربُّهُ ويُصْبحُ يَكْشفُ سِتْرَ اللَّه)).. 

الحديث الحادي والخمسون: وأخرج الخِلَعِيُّ في فوائده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلّيت خلف رسول الله ﷺ الصبح فسمعته دعا بهذا الدعاء: ((اللهم إنّي أصبحتُ منكَ في نِعمةٍ وعافيةٍ فأتمَّ عليّ نعمتَكَ وعافيتكَ وارزقني شُكرَكَ، اللهم بنورِكَ اهتديتُ، وبفضلكَ استغنَيتُ، وبنعمتِكَ أصبحتُ وأمسيتُ)). 

التعليق على هذا الحديث

عند قوله: ((اللهم بنورِكَ اهتديتُ)): النّور من أسماء الله تعالى ومعناه الهادي وليس معناه الضّوء، فالله تعالى ليس جسمًا ولا يوصف بصفات الأجسام، وقَوْلُه تَعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور/ الآية 35] مَعنَاهُ أنَّ الله تَعالى هَادِي أهْل السَّمواتِ والأَرْضِ لنُورِ الإيْمانِ، رَوَاهُ البَيهَقيُّ عن عَبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُما [الأسماء والصفات (ص/81)]. فَالله تعَالى ليْسَ نُورًا بمَعنى الضّوْءِ، بلْ هوَ الذي خَلَقَ النُّورَ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي خَلقَ الظُّلماتِ والنورَ، فكيفَ يُمكِنُ أنْ يكُونَ نُورًا كَخَلْقِه، تَعالى الله عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيْرًا. وحُكْمُ من يَعتقِدُ أنَّ الله تعَالى نُورٌ أيْ ضَوءٌ التّكفيرُ قَطْعًا. 

وهذه الآيةُ ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام/ الآية 1] أصرحُ دليلٍ على أن الله ليسَ حجمًا كثيفًا كالسموات والأرض وليس حجمًا لطيفًا كالظلماتِ والنور، فمن اعتقدَ أن الله حجمٌ كثيفٌ أو لطيفٌ فقد شبَّه الله بخلقهِ والآية شاهدةٌ على ذلكَ. أكثرُ المشبهةِ يعتقدونَ أنّ الله حجمٌ كثيفٌ وبعضُهم يعتقدُ أنه حجمٌ لطيفٌ حيث قالوا إنه نورٌ يتلألأ، فهذه الآيةُ وحدَها تكفي للرّدِّ على الفريقينِ. 

معنى حسبي الله ونعم الوكيل

الحديث الثاني والخمسون: أخرج ابن السني عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: ((من قالَ في كلّ يومٍ حينَ يصبحُ وحينَ يمسي: حسبيَ اللهُ لا إلهَ إلا هوَ عليهِ توكلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم سبعَ مراتٍ كفاهُ اللهُ عزَّ وجلّ همَّهُ من أمرِ الدّنيا)). 

التعليق على هذا الحديث

معنَى ((حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيْلُ)) قالَ المناويُّ: حسبيَ اللهُ مبتدأٌ وخبرٌ أيْ كافيني وكافلني هوَ اللهُ مِنْ أَحْسَبَهُ الشَّىءَ كفاهُ (وَنِعْمَ) كلمةُ مبالغةٍ تجمعُ المدحَ كلَّهُ. وقالَ الراغبُ: كلمةٌ تستعملُ في المدحِ بإزاءِ بئسَ، (الوَكِيْلُ) أيْ نِعْمَ الموكولُ إليهِ اللهُ. 

وقَالَ أحد الصالحين: “حَسْبِيَ اللهُ: مَعْنَاهُ اللهُ كَافِينِي، هُوَ مُتَوَلِّينِي وَالْمُتَصَرِّف فِيَّ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: مَعْنَاهُ اللهُ أَفْضَلُ مَنْ يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ، أَفْضَلُ مَنْ يُوَكَّلُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ”. وَقَالَ رضي الله عنه: “قَوْلُ حَسْبِي اللهُ إِلَى ءَاخِرِ الذِّكْرِ سبع مَرَّاتٍ، وَقَوْلُ بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَىْءٌ إِلَى ءَاخِرِ الذِّكْرِ يَحْفَظُ الشَّخْصَ مِن الْجِنِّ وَالسِّحْرِ، يَحْفَظُ مِنَ الْكُلِّ حَتَّى السُّمِّ إِذَا قَالَهُ بِتَصْحِيحِ الْحُرُوفِ يَحْمِيهِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَرِّبَ عَلَى نَفْسِه السُّمَّ”. 

وكان من حال القائد النّاصر صلاح الدّين الأيوبي رحمه الله، أنّه إذا سمع أنّ العدو دهم بلاد المسلمين خرّ إلى الأرض ساجدًا داعيًا إلى الله بهذا الدعاء: «إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبقَ إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك أنت حسبي ونعم الوكيل». قال القاضي ابن شداد: «رأيته ساجدًا والدموع تتقاطر على لحيته ثم على سجادته ولا أسمع ما يقول، ولم ينقضِ ذلك اليوم إلا وتأتيه أخبار الانتصار على الأعداء». وكان يتخيّر وقت صلاة الجمعة للهجوم على أعدائه تبرّكًا بدعاء الخطباء له بالنّصر على المنابر.

هنيئا لمن ابتلي فصبر على ما ابتلاه الله وكان حاله اللجوء والتضرّع إلى الله تبارك وتعالى، فهذا إبراهيم عليه السّلام قومه تآمروا عليه وأوقدوا له تلك النار العظيمة وقيّدوه وكتَّفوه وهو يقول: “لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك”، ولمّا ألقي في النّار قال بلسان المتوكّل على الله: “حسبي الله ونعم الوكيل” فأعطاه الله تعالى تلك المعجزة العظيمة فلم تحرقه النّار ولم تصبه بأذًى ولا حتى ثيابه. 

الحديث الثالث والخمسون: وأخرجه أبو داود عن أبي الدرداء موقوفًا.

التعليق على هذا الحديث

الحديث الموقوف: قال في البيقونية: 

وَمَا أَضَفْتَـهُ إِلَى الأَصْحَــابِ مِـنْ         قَـوْلٍ وَفِعْــلٍ فَهْــوَ مَوْقُـوفٌ زُكِــنْ

فالحديثُ الموقوف: هو الحديثُ الذي أُضيف إلى الصحابي، كحديث عثمانَ بن حنيف الذي رواه الطبراني في معجميه الكبير والصغير: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ ‌وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي، وَتَذْكُرُ حَاجَتَكَ، وَرُحْ إِلَيَّ حَتَّى أَرُوحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ عُثْمَانُ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ، فَجَاءَ الْبَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ، وَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ، فَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتَ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ، فَأْتِنَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ … الحديث، هذا يسمّى حديثًا وهو حديث موقوف. 

ولا يلزمُ من الحديثِ الموقوفِ الصّحة فقد يكون صحيحا وقد يكونُ حسنا وقد يكونُ ضعيفا.

الحديث الرابع والخمسون: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي والنسائي والطيالسي والحاكم وصححه، والبيهقي في الدعوات عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني كلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت قال: ((قل اللهم فاطِر السّمواتِ والأرضَ عالم الغيبِ والشهادَةِ ربَّ كلِّ شىءٍ ومَليكَهُ أشهدُ أن لا إلهَ إلا أنتَ، أعوذُ بكَ من شرِّ نفسي ومن شرِّ الشيطانِ وشِركِهِ))، قال: ((قلها إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ وإذا أخذتَ مضجَعَكَ)).

التعليق على هذا الحديث

قال أبو بكر رضي اللـه عنه: ((يا رسول اللـه)) وفي نسخة صحيحة: (قلت يا رسول اللـه مرني بشيء أقولـه) أي دائمًا بطريق الورد ((إذا أصبحت وإذا أمسيت، قال: قل اللـهم عالم الغيب والشهادة)) أي ما غاب من العباد وظهر لـهم. 

((فاطر السموات والأرض)) أي مخترعها وموجدها على غير مثال سبق، والْفَاْطِرُ من أسماء الله، هوَ الذي فطرَ الخلقَ أيِ اخترَعَهم وأوجدَهم وَقالَ تعالَى في سورةِ الشورى: ((فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) [الشورى/ الآية 11]، أشارت الآية الكريمة بدايةً إلى خَلْقِ اللهِ عزَّ وجلَّ للسماوات وللأرض وبعد ذلك إلى خَلْقِ بني آدمَ أزواجًا وإلى خَلْقِ الأنعامِ أزواجًا وأشارت أيضًا إلى ذِكْرِ أنَّ اللهَ تعالى هوَ الذي يُكَثِّرنَا وكلّ هذه الإشارات دلالة على وجود الله ووحدانيته، فمن نظر في كلّ هذا علم أنَّ لهذه الأشياء خالقًا خلقها وخَصَّها على ما هي عليه، وهذا الخالق لا يشبهها على وجهٍ من الوجوه فناسب أن تُخْتَمَ الآيةُ بالتّنزيه للهِ عن مشابهة كلِّ ما ذُكِرَ وما لم يُذْكَرْ من مخلوقات الله عزَّ وجلَّ، فَخُتِمَتْ بقولهِ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى/ الآية 11].

((ربّ كلّ شيء)) أي خالقه ومالكه ((ومليكه)) فعيل بمعنى فاعل للمبالغة. كالقدير بمعنى القادر. 

((أشهد أن لا إلـه إلا أنت)) لا معبود بحق إلا أنت. 

((أعوذ بك من شر نفسي)) لأنها منبع الأشرار، كما أن القلب معدن الأسرار.

((ومن شر الشيطان)) أي وسوسته وإغوائه وإضلالـه. 

((وشِرْكِه)) بكسر الشين وسكون الراء. أي ما يدعو إليه من الإشراك باللـه. ويروى بفتحتين أي مصائده وحبائلـه، التي يفتتن بها الناس. 

((قلـه)) أي قل هذا القول ((إذا أصبحت وإذا أمسيت)) أي إذا جاء الصباح وإذا جاء المساء ((وإذا أخذت مضجعك)) أي أيضًا لزيادة الخير والبركة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين