شرح دعاء باسمك ربي وضعت جنبي وأحكام أسماء الله الحسنى

حلية البشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَالِقِ الْإِصْبَاحِ، وَفَارِقِ أَهْلِ الْغَيِّ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَسَائِقِ السَّحَابِ الثِّقَالِ بِهُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَمُنَزِّلِ الْفُرْقَانِ عَلَى عَبْدِهِ يَوْمَ الْكِفَاحِ بِبِيضِ الصِّفَاحِ، مُحَذِّرًا مِنْ دَارِ الْبَوَارِ وَحَاثًّا عَلَى دَارِ الْفَلَاحِ، الْمُنَزَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْأَرْوَاحِ وَمُشَاكَلَةِ الْأَشْبَاحِ، 

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً زَاكِيَةَ الْأَرْبَاحِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وَالْحُرُمَاتُ تُسْتَبَاحُ، وَحِزْبُ الْكُفْرِ قَدْ عَمَّ الْفِجَاجَ وَالْبِطَاحَ، فَلَمْ يَزَلْ ﷺ يُرْشِدُ إلَى الْحَقِّ بِالْحِجَاجِ الْوِضَاحِ، حَتَّى أَعْلَنَ التوحيدَ فِي الحرمِ وَبَاحَ، وَظَهَرَ دِينُ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ فَطَارَ فِي الْآفَاقِ بِقَادِمَةٍ كَقَادِمَةِ الْجَنَاحِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَمُحِبِّيهِ مَا أَزَالَ الظُّلَمَ الْحَنَادِسَ ضَوْءُ الصَّبَاحِ، صَلَاةً نَحُوزُ بِهَا أَعْلَى رُتَبِ النَّجَاحِ وَنَخْلُصُ بِهَا مِنْ دَرَكَاتِ الْإِثْمِ وَالْجُنَاحِ، 

أَمَّا بَعْدُ:

مَا زِلنَا نَتَكَلَّمُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ عِندَ النَّومِ، وَمِنهَا:

وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلِةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لا يَدْرِى مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّى وَضَعْتُ جَنْبِى وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِى فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ».

شرح الحديث والتعليق عليه:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ أَيْ دَخَلَ فِيهِ للنّوم فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ أَيْ يُحَرِّكْهُ لِيُنْفَضَ لِيَزُولَ عَنْهُ الْغُبَارُ وَنَحْوُهُ بِدَاخِلِةِ إِزَارِهِ أي طرفِ إزَارِهِ الدَّاخِلِ الَّذِي يَلِي جسدَه وَهُوَ يَلِي الْجَانِبَ الْأَيْمنَ مِن الرّجلِ؛ لِأَنّ المؤتزر إِنَّمَا يبْدَأ إِذا ائتزر بالجانب الْأَيْمن فَذَلِك الطّرف يُبَاشر جسده. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: إِنَّمَا أَمَرَ بِالنَّفْضِ بِهَا؛ لِأَنَّ الَّذِي يُرِيدُ النَّوْمَ يَحِلُّ بِيَمِينِهِ خَارِجَ الْإِزَارِ، وَتَبْقَى الدَّاخِلَةُ مُعَلَّقَةً فَيَنْفُضُ بِهَا، وَأَشَارَ الْكِرْمَانِيُّ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ حِينَ النَّفْضِ مَسْتُورَةً؛ لِئَلَّا يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ، فَيَحْصُلُ فِي يَدِهِ مَا يَكْرَهُ. انْتَهَى. فَإِنَّهُ لا يَدْرِى مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ أَيْ لعلَّ هَامَّةً دَبَّت فَصَارَتْ فِيهِ بَعْدَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يَدْرِي مَا وَقَعَ فِي فِرَاشِهِ بَعْدَمَا خَرَجَ مِنْهُ مِنْ تُرَابٍ أَوْ قَذَاةٍ أَوْ هَوَامَّ. ثُمَّ يَقُولُ بِاسْمِكَ رَبِّي أي: قائِلًا أو مُستعِينًا باسْمِك يا رَبِّ.اهـ وهذا من بركات ذكر أسماء الله تعالى فببركة ذكر أسماء الله ولا سيّما الحسنى يندفع كثير من الشّرور والبلايا بإذن الله، وهنا لم يحدد أي اسم من أسماء الله، فأسماء الله كلّها فيها بركة وكلّها تنفع بإذن الله، 

ويَجِبُ تَعظِيمُ أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى بِأَيِّ لُغَةٍ كُتِبَت:

وقد عَدَّ العُلَمَاءُ مِنَ الكُفرِ الفِعلِيِّ إِلقَاءَ لَفظِ الجَلَالَةِ (اللهِ) فِي القَاذُورَاتِ أَو أَيِّ اسمٍ مِن أَسمَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ العِلمِ بِوُجُودِ الِاسمِ فِيهَا مُستَخِفًّا، فَيَجِبُ تَعظِيمُ أَسمَاءِ اللهِ بِأَيِّ لُغَةٍ كُتِبَت مِثلُ لَفظِ: (God) بِاللُّغَةِ الإِنجلِيزِيَّةِ، وَهَذَا مِن تَعظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [سورة الحج/ الآية 32]،

وكذلك ليُعلَم أَنَّ أَسمَاءَ اللهِ تَعَالَى غَيرُ مَقصُورَةٍ عَلَى تِسعَةٍ وَتِسعِينَ

فقد جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ للهِ تِسعَةً وَتِسعِينَ اسمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَن أَحصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» متفق عليه، وَالمُرَادُ بِإِحصَائِهَا أَن يَكُونَ مُستَظهِرًا لَهَا مَعَ اعتِقَادِ مَعَانِيهَا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِهَذَا الحَدِيثِ: “وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَيسَ فِيهِ حَصرٌ لِأَسمَائِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَيسَ لَهُ أَسمَاءٌ غَيرُ هَذِهِ التِّسعَةِ وَالتِّسعِينَ، وَإِنَّمَا مَقصُودُ الحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ التِّسعَةَ وَالتِّسعِينَ مَن أَحصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، فَالمُرَادُ الإِخبَارُ عَن دُخُولِ الجَنَّةِ بِإِحصَائِهَا، لَا الإِخبَارُ بِحَصرِ الأَسمَاءِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ قَولُهُ ﷺ: «أَسأَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ سَمَّيتَ بِهِ نَفسَكَ أَوِ استَأثَرتَ بِهِ فِي عِلمِ الغَيبِ عِندَكَ» رواه البزار، قَالَ السُّيُوطِيُّ: “وَقَالَ أَبُو خَلَفٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ المَلِكِ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا خُصَّ هَذَا العَدَدُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الأَسمَاءَ لَا تُؤخَذُ قِيَاسًا”، 

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ غَيرِ هَذِهِ التِّسعَةِ وَالتِّسعِينَ اسمًا أَنَّهُ وَرَدَ غَيرُ هَذِهِ الأَسمَاءِ فِي نُصُوصٍ شَرعِيَّةٍ أُخرَى قُرءَانِيَّةٍ وَحَدِيثِيَّةٍ ثَابِتَةٍ، وَمِنهَا: الأَحَدُ، وَالرَّبُّ، وَالقَاهِرُ، وَالكَافِي، وَالدَّائِمُ، وَالمُحِيطُ، وَالمُبِينُ.اهـ 

ومن أهم ما يُذكر في هذا الباب هو أنّ أَسمَاءَ اللهِ الحُسنَى تَوقِيفِيَّةٌ

أَسمَاءُ اللهِ الحُسنَى يُطلَقُ عَلَيهَا صِفَاتُ اللهِ وَيُطلَقُ عَلَيهَا أَسمَاءُ اللهِ، إِلَّا لَفظَ الجَلَالَةِ (اللهُ) لَا يُطلَقُ عَلَيهِ أَنَّهُ صِفَةٌ. ثُمَّ إِنَّ أَسمَاءَ اللهِ تَعَالَى قِسمَانِ: قِسمٌ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيرُهُ، مِنهَا: اللهُ وَالرَّحمٰنُ وَالقُدُّوسُ وَالخَالِقُ وَالرَّزَّاقُ وَالخَلَّاقُ وَالرَّازِقُ وَمَالِكُ المُلكِ وَذُو الجَلَالِ وَالإِكرَامِ وَالمُحيِي وَالمُمِيتُ وَالإِلَهُ وَالرَّبُّ وَالقَيُّومُ. أَمَّا أَكثَرُ الأَسمَاءِ فَيُسَمَّى بِهَا غَيرُ اللهِ، فَيَجُوزُ أَن يُسَمِّيَ الشَّخصُ ابنَهُ رَحِيمًا، مَعَ اختِلَافِ المَعنَى فِي حَقِّ المَخلُوقِ عَنِ الخَالِقِ.اهـ 

الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: “لَا يَجُوزُ تَسمِيَةُ اللهِ إِلَّا بِمَا وَرَدَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَوِ الإِجمَاعِ”.اهـ 

وَهَذَا هُوَ المُعتَمَدُ، لَا يَجُوزُ عِندَ الإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ الأَشعَرِيِّ تَسمِيَةُ اللهِ إِلَّا بِمَا صَحَّ وُرُودُهُ شَرعًا أَي بِمَا وَرَدَ فِي القُرءَانِ، أَوِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أَو بِمَا أَجمَعَت عَلَيهِ الأُمَّةُ، وَأَمَّا بِغَيرِ مَا صَحَّ وُرُودُهُ شَرعًا فَلَا يَجُوزُ عِندَهُ، هَذَا شَرطُ قَبُولِهِ عِندَهُ. 

لَكِن بَعضُ أَتبَاعِ أَبِي الحَسَنِ يَقُولُونَ: يَجُوزُ تَسمِيَةُ اللهِ بِالوَصفِ وَلَو لَم يَكُن وَارِدًا بِشَرطِ أَن لَا يُوهِمَ النَّقصَ وَيَكُونَ مُشتَقًّا، عِندَهُم يَجُوزُ تَسمِيَةُ اللهِ بِـ (الطَّاهِرِ) لِأَنَّهُ لَا يُوهِمُ النَّقصَ، فَـ (الطَّاهِرُ) مَعنَاهُ المُنَزَّهُ عَنِ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ، فَتَسمِيَةُ الأَبِ ابنَهُ (عَبدَ الطَّاهِرِ) عِندَهُم يَجُوزُ، هَؤُلَاءِ أَجَازُوا إِطلَاقَ اللَّفظِ غَيرِ الوَارِدِ عَلَى اللهِ إِذَا كَانَ وَصفًا غَيرَ مُوهِمٍ لِمَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى، وَاتَّفَقُوا عَلَى مَنعِ إِطلَاقِ اللَّفظِ المُوهِمِ مَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ عَلَى اللهِ، وَهَذَا فِيمَا كَانَ وَصفًا وَمُشتَقًّا، لَا فِيمَا كَانَ جَامِدًا مِن أَسمَاءِ الأَعيَانِ كَالرُّوحِ، فَإِنَّهُ مَمنُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ أَي لَا يَجُوزُ وَصفُ اللهِ بِالرُّوحِ، فَإِطلَاقُ بَعضِ العَصرِيِّينَ فِي زَمَانِنَا لَفظَ (الرِّيشَةِ المُبدِعَةِ) عَلَى اللهِ مَمنُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَيسَ وَصفًا، وَكَذَلِكَ إِطلَاقُ لَفظِ (القُوَّةِ) عَلَى اللهِ مَمنُوعٌ أَيضًا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَيسَ وَصفًا، فَـ (الرِّيشَةُ) اسمٌ مِن أَسمَاءِ الأَعيَانِ أَيِ الجَمَادَاتِ، وَ(القُوَّةُ) اسمٌ وَلَيسَت وَصفًا، أَي لَيسَت لَفظًا مِن أَلفَاظِ الوَصفِ كَـ (الطَّاهِرِ) وَ(النَّاصِرِ) اللَّذَينِ هُمَا عَلَى وَزنِ فَاعِلٍ، لَكِن قَولُ الإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ الأَشعَرِيِّ بِأَنَّ أَسمَاءَ اللهِ تَعَالَى تَوقِيفِيَّةٌ هُوَ المُعتَمَدُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ البَاقِلَّانِيُّ، قَالَ الإِمَامُ البَاقِلَّانِيُّ: “مَا أَطلَقَ اللهُ عَلَى نَفسِهِ أَطلَقنَاهُ عَلَيهِ، وَمَا لَم يُطلِقهُ عَلَى نَفسِهِ لَا نُطلِقُهُ عَلَيهِ”.اهـ وَوَافَقَهُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ، فَقَد قَالَ: “لَا مَجَالَ لِلقِيَاسِ فِي أَسمَاءِ اللهِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهَا الشَّرعُ وَالتَّوقِيفُ”.اهـ 

وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِطلَاقُ لَفظِ (السَّبَبِ) وَ(العِلَّةِ) عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَد قَالَ الإِمَامُ رُكنُ الإِسلَامِ عَلِيٌّ السُّغدِيُّ: “مَن سَمَّى اللهَ عِلَّةً أَو سَبَبًا كَفَرَ”.اهـ وَقَالَ النَّسَفِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: وَمِنَ الإِلحَادِ تَسمِيَةُ اللهِ بِـ(الجِسمِ) وَ(الجَوهَرِ) وَ(العَقلِ) وَ(العِلَّةِ).اهـ

التَّحذِيرُ مِن قَولِ بَعضِ الجُهَلَاءِ: يَا جَارِيَ اللَّصِيقَ

وهناك عِبَارَةٌ يَستَعمِلُهَا بَعضُ النَّاسِ فِي بِلَادِ الشَّامِ وغيرها من البلاد، هَذِهِ العِبَارَةِ الَّتِي يَستَعمِلُهَا بَعضُ النَّاسِ فِي بَعضِ مَا يُسَمَّى مَجَالِسَ الذِّكرِ أَو حَلَقَاتِ الذِّكرِ، وَيَقُولُونَ فِيهَا عَن رَبِّ العَالَمِينَ: يَا جَارِيَ اللَّصِيقَ.

هَذِهِ العِبَارَةُ لَم تَرِد لَا فِي القُرءَانِ وَلَا فِي السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الصَّحِيحَةِ وَلَا فِي إِجمَاعِ الأُمَّةِ، بَل إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي القُرءَانِ: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [سورة النحل/ الآية 74]، وَقَالَ فِي القُرءَانِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [سورة الشورى/ الآية 11]. 

وَإِذَا قِيلَ فُلَانٌ لَصِيقٌ بِفُلَانٍ أَوِ التَصَقَ بِمَكَانِ كَذَا أَو أَنَا لَصِيقُ كَذَا، فَهَذَا مَعنَاهُ المُمَاسَّةُ وَالِاتِّصَالُ، هَذَا مَعنَاهُ اتِّصَالُ جِسمٍ بِجِسمٍ، وَهَذَا لَم يَرِد إِطلَاقُهُ عَلَى اللهِ، وَالقَوَاعِدُ الَّتِي قَرَّرَهَا عُلَمَاءُ العَقِيدَةِ مِنهَا: مَا أَطلَقَ اللهُ عَلَى نَفسِهِ أَطلَقنَاهُ عَلَيهِ وَمَا لَا فَلَا، وَمِنهَا: لَا تَثبُتُ صِفَةٌ للهِ بِقَولِ صَحَابِيٍّ أَو تَابِعِيٍّ، وَكَذَلِكَ مِنهَا: أَسمَاءُ اللهِ تَوقِيفِيَّةٌ.

وَهَذِهِ القَوَاعِدُ مِنهَا مَا قَالَهُ الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ، وَمِنهَا مَا قَالَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ، وَمِنهَا مَا قَالَهُ إِمَامُ الحَرَمَينِ، وَمِنهَا مَا قَالَهُ الإِمَامُ العَالِمُ الكَبِيرُ البَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ رَحمَةً وَاسِعَةً، وَعَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى تَعظِيمِ اللهِ، وَعَلَى تَنزِيهِ اللهِ، وَأَنَّ اللهَ لَا يُطلَقُ عَلَيهِ إِلَّا مَا ثَبَتَ فِي القُرءَانِ أَو فِي السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ أَو فِي إِجمَاعِ الأُمَّةِ. وهذا مِمَّا اتَفَقَّ عَلَيهِ عُلَمَاءُ العَقِيدَةِ، وَحَتَّى عُلَمَاءُ الصُّوفِيَّةِ مِن أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ. 

وَمِنَ النَّاسِ مَن إِذَا حَذَّرتَهُم مِن هَذِهِ العِبَارَةِ يَقُولُونَ: “نَحنُ الصُّوفِيَّةُ عِندَنَا لَهَا مَعنًى آخَرُ”!! هَذَا لَا يَصِحُّ، دِينُ اللهِ وَاحِدٌ، وَالشَّرِيعَةُ وَاحِدَةٌ، وَمَا حَرَّمَهُ اللهُ حَرَامٌ، وَمَا أَحَلَّهُ حَلَالٌ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُم شَرِيعَةٌ خَاصَّةٌ غَيرُ الآخَرِينَ، هَذَا كَلَامٌ خَطِيرٌ وَيُؤَدِّي إِلَى هَدمِ الدِّينِ وَالِانحِلَالِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، هَذِهِ عَقِيدَةُ البَاطِنِيَّةِ، هَذِهِ عَقِيدَةُ مَن يُكَذِّبُونَ الشَّرِيعَةَ، الصُّوفِيَّةُ الصَّادِقُونَ مِنَ العُلَمَاءِ مِن أَهلِ الحَقِّ وَافَقُوا عُلَمَاءَ الأُصُولِ مِن أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَلَم يُخَالِفُوهُم فِي ذَلِكَ.

وَعَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: هناك كِتَابٌ مُنذُ أَلفِ سَنَةٍ فِي التَّصَوُّفِ، وَهُوَ التَّعَرُّفُ لِمَذهَبِ أَهلِ التَّصَوُّفِ لِأَبِي بَكرِ الكَلَابَاذِيِّ، مُنذُ نَحوِ أَلفِ سَنَةٍ، يَقُولُ فِيهِ فِي البَابِ الخَامِسِ عَن شَرحِ عَقِيدَةِ الصُّوفِيَّةِ فِي التَّوحِيدِ، شَرحِ قَولِ الصُّوفِيَّةِ فِي التَّوحِيدِ، يَقُولُ: اجتَمَعَتِ الصُّوفِيَّةُ عَلَى أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ فَردٌ صَمَدٌ، إِلَى أَن يَصِلَ إِلَى قَولِهِ: لَيسَ بِجِسمٍ وَلَا شَبَحٍ وَلَا صُورَةٍ وَلَا شَخصٍ وَلَا جَوهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، وَلَا اجتِمَاعَ لَهُ وَلَا افتِرَاقَ، لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَسكُنُ، لَا يَنقُصُ وَلَا يَزدَادُ، لَيسَ بِذِي أَبعَاضٍ وَلَا أَجزَاءٍ، وَلَا جَوَارِحَ وَلَا أَعضَاءَ، وَلَا بِذِي جِهَاتٍ وَلَا أَمَاكِنَ، لَا تَجرِي عَلَيهِ الآفَاتُ … إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا تُعينُهُ الإِشَارَاتُ، لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ … وَلَا تَجُوزُ عَلَيهِ المُمَاسَّةُ، لَا تَجُوزُ عَلَيهِ المُمَاسَّةُ، اللَّصِيقُ وَالمُلتَصِقُ مُمَاسٌّ لِغَيرِهِ. يَقُولُ: هَذَا إِجمَاعُ عَقِيدَةِ أَهلِ الصُّوفِيَّةِ الصَّادِقِينَ مِن عَهدِ السَّلَفِ إِلَى زَمَانِهِ فِي الرَّابِعِ الهِجرِيِّ، ثُمَّ يُبَيِّنُ أَنَّ عَقِيدَةَ هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَّةِ الصَّادِقِينَ أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ المُمَاسَّةِ، يَعنِي عَنِ الِاتِّصَالِ وَعَنِ الِانفِصَالِ، يَعنِي عَنِ الِالتِصَاقِ، هَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ.

وفي كِتَابُ الحَافِظِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وَكُلُّكُم يَعرِفُ مَن هُوَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ وَمَا لَهُ مِن شُهرَةٍ فِي الدُّنيَا، كِتَابُهُ رَوضَةُ الطَّالِبِينَ، هَذَا المُجَلَّدُ العَاشِرُ، يَقُولُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الرِّدَّةِ، وَانتبهوا جَيِّدًا لِعِبَارَتِهِ وَلِكَلَامِهِ، قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: مَنِ اعتَقَدَ قِدَمَ العَالَمِ أَو حُدُوثَ الصَّانِعِ، يَعنِي أَنَّ اللهَ مَخلُوقٌ، أَو نَفَى مَا هُوَ ثَابِتٌ لِلقَدِيمِ بِالإِجمَاعِ كَكَونِهِ عَالِمًا، أَو أَثبَتَ مَا هُوَ مَنفِيٌّ عَنهُ بِالإِجمَاعِ كَالأَلوَانِ، أَو أَثبَتَ لَهُ الِاتِّصَالَ وَالِانفِصَالَ، كَانَ كَافِرًا، هَذَا الحَافِظُ النَّوَوِيُّ مِن نَحوِ ثمانمائة سَنَةٍ، يَقُولُ: مَن أَثبَتَ للهِ الِاتِّصَالَ أَوِ الِانفِصَالَ كَانَ كَافِرًا. هَذَا كِتَابُ رَوضَةِ الطَّالِبِينَ، وَالَّذِي يَقُولُ عَنِ اللهِ: جَارِيَ اللَّصِيقُ أَثبَتَ لَهُ الِاتِّصَالَ، فَهَذَا خِلَافُ عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ، وَخِلَافُ الآيَاتِ.

كَذَلِكَ مِمَّن قَالَ بتكفير هَذَا، يَعنِي مَن شَبَّهَ اللهَ بِشَيءٍ مِن خَلقِهِ، مَن؟ الفَقِيهُ الصُّوفِيُّ بَل مِن شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ عَبدُ الغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ رَحمَةً وَاسِعَةً فِي كِتَابِهِ الفَتحِ الرَّبَّانِيِّ وَالفَيضِ الرَّحمَانِيِّ، يَقُولُ: وَأَمَّا أَقسَامُ الكُفرِ فَهِيَ بِحَسَبِ الشَّرعِ ثَلَاثَةٌ، ثَلَاثَةُ أَقسَامٍ تَرجِعُ جَمِيعُ أَنوَاعِ الكُفرِ إِلَيهَا، وَهِيَ: التَّشبِيهُ. بَدَأَ أَوَّلًا بِكُفرِ التَّشبِيهِ، فَيَقُولُ: وَأَمَّا التَّشبِيهُ فَهُوَ الِاعتِقَادُ بِأَنَّ اللهَ يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ، يَعنِي كَالِاتِّصَالِ أَوِ الِانفِصَالِ أَوِ الحُدُوثِ أَوِ التَّركِيبِ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ.

وَانتَبِهُوا حَتَّى لَا يَتَقَوَّلَ عَلَينَا مُتَقَوِّلٌ كَعَادَةِ بَعضِ النَّاسِ يُلصِقُونَ بِنَا وَيَفتَرُونَ عَلَينَا وَيَتَقَوَّلُونَ عَلَينَا، نَقُولُ: لِأَنَّهُ يَفهَمُ مَعنَى اللَّصِيقِ، يَعنِي: اتِّصَالٌ، التِصَاقٌ، جِسمٌ وَجِسمٌ، مَخلُوقٌ وَمَخلُوقٌ، يَفهَمُ المَعنَى، عَن هَذَا نَتَكَلَّمُ.

وَالعِبَارَةُ لَيسَت وَارِدَةً لَا فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَلَا فِي الإِجمَاعِ وَلَا فِي كِتَابِ اللهِ، وَمَا جَاءَ مِنَ الصَّحِيحِ كَثِيرٌ وَعَظِيمٌ يُغنِي وَيَكفِي، فَلِمَاذَا نَترُكُ القُرءَانَ وَالصَّحِيحَ وَنَلجَأُ إِلَى العِبَارَاتِ الفَاسِدَةِ الكَاسِدَةِ.

ثُمَّ إِنَّ الإِمَامَ الجُنَيدَ البَغدَادِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ يَقُولُ: رُبَّمَا تَخطُرُ لِيَ النُّكتَةُ -يَعنِي الفَائِدَةَ – مِن نُكَتِ القَومِ – يَعنِي الصُّوفِيَّةَ – وَالإِلهَامَ وَالكَشفَ، يَقُولُ: فَلَا أَقبَلُهَا إِلَّا بِشَاهِدَي عَدلٍ: الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. انظُرُوا، هَذَا رَأسُ الصُّوفِيَّةِ المُحَقِّقِينَ.

وَالتَّأوِيلُ البَعِيدُ غَيرُ مَقبُولٍ كَمَا قَالَ الإِمَامُ الرَّوَّاسُ شَيخُ الصُّوفِيَّةِ، وَكَمَا قَالَ الإِمَامُ عَبدُ المَلِكِ الجُوَينِيُّ أَبُو المَعَالِي إِمَامُ الحَرَمَينِ رَحِمَهُ اللهُ نَاقِلًا عَنِ الأُصُولِيِّينَ: إِنَّ التَّأوِيلَ البَعِيدَ غَيرُ مَقبُولٍ.

فَإِلَى الدُّعَاةِ وَالمَشَايِخِ وَمَن يُقِيمُونَ حَلَقَاتِ الذِّكرِ وَالحَضرَاتِ وَمَا شَابَهَ: اشغَلُوا النَّاسَ بِالنَّافِعِ وَالمُفِيدِ، بِعِلمِ أَهلِ السُّنَّةِ، بِمَا كَانَ عَلَيهِ الجُنَيدُ وَالإِمَامُ الرِّفَاعِيُّ وَالجَيلَانِيُّ وَالبَدَوِيُّ وَشَاهِ نَقشَبَندُ وَأَبُو الحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ، بِمَا جَاءَ فِيهِ الإِجمَاعُ، وَلَا تَشغَلُوهُم بِمَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيهِم، اشغَلُوا النَّاسَ بِمَا يَنفَعُهُم عِندَ اللهِ.

وَأَمَّا قَولُ بَعضِ النَّاسِ: يَا جَارِيَ اللَّصِيقَ، لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ، وَلَيسَت وَارِدَةً لَا فِي الكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَاحِدٌ يَقُولُ عَن آخَرَ: فُلَانٌ يَبقَى مُلتَصِقًا بِزَوجَتِهِ، لَصِيقًا بِأَخِيهِ، مُلتَصِقًا بِالكُرسِيِّ، هَذَا فِي المَخلُوقِينَ، وَهَذَا مَعرُوفٌ عِندَ النَّاسِ، وَاللهُ خَالِقُ العَالَمِ وَالخَالِقُ لَا يُشبِهُ المَخلُوقَ، تَنَزَّهَ اللهُ، تَقَدَّسَ اللهُ، تَعَالَى اللهُ، قَالَ فِي القُرءَانِ: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [سورة النحل/ الآية 74]، 

وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ وقيل: أَي: بِاسْمِكَ أَوْ بِمَعُونَتِكَ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَإِرَادَتِكَ وَقُدْرَتِكَ أَرْفَعُهُأَيْ حِينَ أَرْفَعُهُ، فَلَا أَسْتَغْنِي عَنْكَ بِحَالٍ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي أَيْ: قَبَضْتَ رُوحِي فِي النَّوْمِ، وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنْ أَمَتَّهَا)). هذه الألفاظ إذا أُطلِقَت على الله عزّ وجلّ ليس معناه المباشرة واللمس كما أنّ الواحد منا إذا أمسك شيئا يَمَسُّهُ، لا، فالله منزّه عن اللمس والمس والمباشرة والأعضاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وكذلك كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [سورة فاطر/ الآية 41]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة الزمر/ الآية 67]، 

وهنا لننتبه جيدا لما سأذكر وأوضح معناه، فقد روى مسلم في صحيحه عَنْ عبيد الله السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ الله تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، 

قال الحافظ ابن الجوزي في «كشف المشكل»: وقال أبو سليمان الخطابي: يحتمل أن يكون ضحك رسول الله إنكارا قال: وقول من قال «تصديقا» ظنًّا منه، والظاهر أنّ ذلك من تخليط اليهود وتخريفهم، وأنّ ضحك رسول الله إنّما كان تعجبًا وإنكارًا. 

وقال القرطبي في المفهم قوله ((إن الله يمسك)) إلى آخر الحديث: “هذا كله قول اليهودي وهم يعتقدون التجسيم وأن الله شخص ذو جوارح كما يعتقده غلاة المشبهة من هذه الأمة، وضحك النّبي ﷺ إنّما هو للتعجب من جهل اليهودي، ولهذا قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، أي ما عرفوه حقّ معرفته ولا عظّموه حقّ تعظيمه فهذه الرواية هي الصحيحة المحققة، وأما من زاد: ((وتصديقا له)) فليست بشىء فإنّها من قول الراوي وهي باطلة؛ لأنّ النّبي ﷺ لا يصدّق المحال وهذه الأوصاف في حقّ الله محال؛ إذ لو كان ذا يد وأصابع وجوارح كان كواحد منّا فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجوز علينا، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلها إذ لو جازت الإلهية لمن هذه صفته لصحّت للدّجال وهو محال، فالمفضي إليه كذب فقول اليهودي كذب ومحال، ولذلك أنزل الله في الرد عليه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وإنّما تعجّب النبيُّ ﷺ مِن جهلِ اليهوديّ، فظنّ الرّاوي أنّ ذلك التعجّب تصديق، وليس كذلك”. 

فَارْحَمْهَا أَيْ: بِالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا بِأَنْ رَدَدْتَ الْحَيَاةَ إِلَيَّ وَأَيْقَظْتَنِي مِنَ النَّوْمِ، وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَإِنْ رَدَدْتَهَا)) أَيْ رُوحِي الْمُمَيَّزَةَ بِرَدِّ تَمْيِيزِهَا الزَّائِلِ عَنْهَا بِنَوْمِهَا فَاحْفَظْهَا أَيْ: مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُخَالَفَةِ. مَعْنَاهُ فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، إِنْ تَوَفَّيْتَنِي فَارْحَمْنِي وَإِنْ أَبْقَيْتَنِي حَيًّا فَارْحَمْنِي بِمَا تَحْفَظُ بِهِ أَيْ: مِنَ التَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ وَالْأَمَانَةِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» أَيِ: الْقَائِمِينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَعِبَادِهِ، 

قال ملا علي القاري: وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ يَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» قِيلَ: أَنْفَعُ هَيْآتِ النَّوْمِ الِابْتِدَاءُ بِالْأَيْمَنِ ثُمَّ الِانْقِلَابُ إِلَى الْيَسَارِ ثُمَّ إِلَى الْيَمِينِ، وَفِيهِ نَدْبُ الْيَمِينِ فِي النَّوْمِ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ إِلَى الِانْتِبَاهِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْقَلْبِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَيُعَلَّقُ فَلَا يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ بِخِلَافِ النَّوْمِ عَلَى الْأَيْسَرِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ يَسْتَقِرُّ فَتَكُونُ الِاسْتِرَاحَةُ لَهُ أَبْطَأَ لِلِانْتِبَاهِ، ثُمَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا دُونَهُ ﷺ لِأَنَّهُ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ، فَلَا فَرْقَ فِي حَقِّهِ عليه الصّلاة والسّلام بَيْنَ النَّوْمِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُؤْثِرُ الْأَيْمَنَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، وَلِتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ، وَلِمُشَابَهَتِهِ بِحَالِ الْمَوْتِ وَوَضْعِهِ فِي الْقَبْرِ.

 الله تعالى يحفظ من شاء بما يشاء، وهذا معنى ما جاء في وصية النبي ﷺ لابن عباس، حيث قال له: «احفظ الله يحفظك» رواه الترمذي: مَعْناهُ احْفَظ أَوامِرَ الله، أَدِّ ما أَمَرَكَ الله، عَلَى الوَجْهِ الذي أَمَرَك! وَاجتَنِب ما حَرَّمَ الله عَلَى الوَجْهِ الذي نَهاكَ. «احْفَظِ اللَّهَ» أَيْ احْفَظ حُدُودَ الله أي الأمور التي حدَّها الله لكم، وَاحْفَظ أَوامِرَه وَطَبِّقْها عَلَى نَفْسِك.

 ما ثَمَرَةُ هذا الحِفْظ لِلواحِدِ مِنّا لأَوامِرِ اللهِ وَاجْتِنابِ مَناهِيه؟؟ الثَّمَرَةُ وَالنَّتِيجَةُ جاءَت فى قَوْلِهِ ﷺ: «يَحْفَظْك». «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْك»، أَيْ يَحْفَظْكَ فِى دِينِك ويَحْفَظْكَ فِى دُنْياك وَيَحْفَظْكَ فِى نَفْسِك وَيَحْفَظْكَ فِى مالِكَ وَيَحْفَظْكَ فِى أَهْلِكَ وَوَلَدِك وَيَحْفَظْكَ وَيحفَظ دُوَيْرَةَ أَهْلِك، يَعني الناس الذينَ هُم بِجِوارِك قَدْ يُحْفَظُونَ بِصَلاحِ هذا الإِنْسان وَحِفْظِهِ لأَوامِرِ اللهِ تعالى. 

إِنْ حَفِظْتَ أَوامِرَ الله «يَحْفَظْك») وَيُنْقِذْكَ مِنَ الهَلَكات، وَيَنْفَعْكَ بِأَنْواعٍ مِنَ البركات وَلِذا نَجِد أَنَّ سَفِينَة وَهُوَ صَحابِيٌّ جَليل كانَ مَوْلى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَيْ فِى مَقامِ الخادِمِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بِرِسالَة لِيُوصِلَهَا إِلَى إِنْسان وَهُوَ فِى الطَّرِيق، أَضاعَ طَرِيقَه وَالصّحراءُ واسِعَة، فَسَخَّرَ اللهُ لَهُ أَسَدًا فَصارَ هذا الأَسَدُ يُهَمْهِمُ، يُصْدِرُ صَوْتًا، فَكَلَّمَهُ سَفِينَةُ؛ كَلَّمَهُ وَكَأَنَّهُ يَعْقِلُ وَيَفْهَم، وَقالَ لَه: أَنا سَفِينَةُ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِنِّي فِى حاجَةِ رَسُولِ اللهِ، مَعناهُ أَرْسَلَنِي الرّسول لِقَضاءِ أَمْرٍ ما، فَأَنا خَرَجْتُ تَنْفِيذًا لأَمْرِهِ ﷺ. فَجَعَلَ هذا الأَسَدُ يَمْشِي أَمامَه يَدُلُّهُ عَلَى الطّرِيق حَتَّى وَصَلَ إِلَى مُفْتَرَقِ طَرِيقٍ فَوَدَّعَه وَهَمْهَمَ بِصَوتِهِ ثُمَّ تَمَسَّحَ بِهِ وتَرَكَه، بَعْدَ أَنْ دَلَّه عَلَى طَرِيقِ مَسِيرِهِ. حِينَ وَقَع فِى هذه الشِّدَّة، وهذا الضِّيق، اللهُ تعالَى هَيَّأَ لَهُ هٰذا الحَيَوانَ الْمُفْتَرِسَ وَسَخَّرَهُ لَهُ بِقُدْرَتِهِ سُبحانَه حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الطّرِيقِ وَنَجَى مِنَ الهَلَكَة وَما ذاكَ إِلّا لأَنَّهُ خَرَجَ ساعِيًا لِتَنْفِيذِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ! 

«احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْك»! ومما يلزم المؤمن حفظه رأسه وبطنه، كما في حديث ابن مسعود المرفوع: «الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَتحْفَظَ البَطْنَ وَمَا حَوَى» خرجه الإمام أحمد والترمذي. وحفظ الرّأس وما وعى، يدخل فيه السمع والبصر واللسان من المحرمات. وحفظ البطن وما حوى: يتضمن حفظ القلب عن الإصرار عَلَى محرم. وقد جُمع ذلك كله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء/ الآية 36]. ويدخل أيضًا في حفظ البطن وما حوى: حفظه من إدخال الحرام إِلَيْهِ من المأكولات والمشروبات.ومما يجب حفظه من المنهيات: حفظ اللسان والفرج، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «‌مَنْ ‌حَفِظَ ‌مَا ‌بَيْنَ ‌لَحْيَيْهِ وَرِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» خرجه الحاكم وخرّجه البخاري من حديث سهل بن سعد عن النبي ﷺ ولفظه: «‌مَنْ ‌يَضْمَنْ ‌لِي ‌مَا ‌بَيْنَ ‌لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ له الجنة». وقد أمر الله بحفظ الفروج خاصة ومدح الحافظين لها، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [سورة النور/ الآية 30]. وقال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 35]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 5 – 6]. وهذا مثل ما جاء في قوله عزّ وجلّ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية [سورة الرعد/ الآية 11]. قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه. 

وقال علي رضي الله عنه: إنّ مع كلّ رجل ملكين يحفظانه ممّا لم يُقَدَّرْ أن يصيبه، فإذا جاء القَدَرُ خليا بينه وبينه، وإنّ الأجل جنة حصينة. 

وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءك، إلا شيئًا قد أذن الله فيه فيصيبه. 

ومن حفظ الله للعبد: أن يحفظه في صحة بدنه وقوته وعقله وماله. قال بعض السَّلف: العالم العامل لا يخرف، وقال بعضهم: من جمع القرآن وعمل به متع بعقله. وتأوّل ذلك بعضهم عَلَى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [سورة التين/ الآية 5] وهو أرذل العمر ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [سورة التين/ الآية 6]. وقال محمد بن المنكدر: إنّ الله ليحفظ بالرّجل الصّالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ من الله وسَتره. 

متن الحديث الذي بعده

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى الدَّعَوَاتِ وَالطَّبَرَانِىُّ وَالْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَبِى زُهَيْرٍ الأَنْمَارِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِى، اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبِى وَأَخْسِئْ شَيْطَانِى وَفُكَّ رِهَانِى وَاجْعَلْنِى فِى النَّدِىِّ الأَعْلَ»، وَفِى رِوَايَةٍ: «وَاجْعَلْنِى فِى الْمَلَإِ الأَعْلَ» وَقَالَ الْحَاكِمُ: هذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث:

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى الدَّعَوَاتِ وَالطَّبَرَانِىُّ وَالْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَبِى زُهَيْرٍ الأَنْمَارِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِى أَيْ: بِاسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي حَالَ كَوْنِ وَضْعِهِ لِلَّهِ؛ أَيْ: لِلتَّقَوِي عَلَى عِبَادَتِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبِى النّبي ﷺ يدعو بمثل هذه الأدعية تعليمًا لأمّته عليه الصّلاة والسّلام، أمّا هو ﷺ فكبقية الأنبياء، كُلَّ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ يَجِبُ أَنَّ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِالصِّدْقِ فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ يُنَافِى مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ، وَتَجِبُ لَهُمُ الأَمَانَةُ فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْخِيَانَةُ فَلا يَغُشُّونَ النَّاسَ إِنْ طَلَبُوا مِنْهُمُ النَّصِيحَةَ وَلا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَتَجِبُ لَهُمُ الْفَطَانَةُ فَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ أَذْكِيَاءُ تَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْغَبَاوَةُ أَىْ ضَعْفُ الْفَهْمِ؛ لِأَنَّ الْغَبَاوَةَ تُنَافِى مَنْصِبَهُمْ لِأَنَ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ لِيُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ وَيُقِيمُوا الْحُجَّةَ عَلَى الْكُفَّارِ الْمُعَانِدِينَ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ أَىْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الِاتِّصَافُ بِالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَضَى، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا الرَّذَالَةُ وَهِىَ أَخْلاقُ الأَسَافِلِ الدُّونِ فَلَيْسَ فِى الأَنْبِيَاءِ مَنْ هُوَ رَذِيلٌ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلَى النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ بِشَهْوَةٍ مَثَلًا وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَسْرِقُ وَلَوْ حَبَّةَ عِنَبٍ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ السَّفَاهَةُ وَهِىَ التَّصَرُّفُ بِخِلافِ الْحِكْمَةِ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ سَفِيهٌ يَقُولُ أَلْفَاظًا شَنِيعَةً تَسْتَقْبِحُهَا النَّفْسُ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْبَلادَةُ فلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ بَلِيدُ الذِّهْنِ عَاجِزٌ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ يُعَارِضُهُ وَلا ضَعِيفُ الْفَهْمِ لا يَفْهَمُ الْكَلامَ مِنَ الْمَرَّةِ الأُولَى إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُكَرَّرَ عَلَيْهِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْجُبْنُ أَمَّا الْخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ فَلا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ كَالنُّفُورِ مِنَ الْحَيَّةِ إِذَا تَفَاجَأَ بِهَا الإِنْسَانُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [سورة طه/ الآية 21]،وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ سَبْقُ اللِّسَانِ فِى الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَادِيَّاتِ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا كُلُّ مَا يُنَفِّرُ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ كَالأَمْرَاضِ الْمُنَفِّرَةِ وَذَلِكَ كَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الْجِسْمِ وَتَجِبُ لَهُمُ الْعِصْمَةُ – أَىِ الْحِفْظُ التَّامُّ بِلا انْخِرَامٍ – مِنَ الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا فَالأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الْوُقُوعِ فِى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِى الْكَبِيرَةِ وَمِنَ التَّلَبُّسِ بِالذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ كَسَرِقَةِ حَبَّةِ عِنَبٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِى وهِىَ الصَّغَائِرُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلا دَنَاءَةٌ كَمَا حَصَلَ مَعَ سَيِّدِنَا ءَادَمَ لَكِنْ إِنْ حَصَلَ مِنْهُمْ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُنَبَّهُونَ فَوْرًا لِلتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِىَ بِهِمْ – أَىْ بِالأَنْبِيَاءِ – فِيهَا – أَىْ فِى تِلْكَ الصَّغِيرَةِ – غَيْرُهُمْ مِنْ أُمَمِهِمْ فَيَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلُوا لِأَنَّهُمْ قُدْوَةٌ لِلنَّاسِ وَأَخْسِئْ شَيْطَانِى أَىِ اجْعَلْهُ مَهْزُومًا، يُقال: خَسَأْتُ الكَلبَ فانْخسَأَ، أي: زجَرتُه مُستهِينًا بِه فانزَجَر، والمعنَى اجعَلْه مَطْرُودًا عَنّي كالكَلبِ الـمَهِين. كل واحد من الناس له قرين من الجنّ ولكن قرين النّبي ﷺ أسلم وهذه خصوصية للنّبي ﷺ، ولهذا فقد ورد في الشريعة الاستعاذة من الشيطان الرجيم، فالتَّعَوُّذُ مُستَحَبٌّ لِكُلِّ قَارِئٍ لِلقُرآنِ وَلَيسَ وَاجِبًا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَو فِي غَيرِهَا، وَيُستَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ رَكعَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يُستَحَبُّ فِي الرَّكعَةِ الأُولَى، فَإِن تَرَكَهُ فِي الأُولَى أَتَى بِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَالِاستِعَاذَةُ لَيسَت مِنَ القُرآنِ إِجمَاعًا، وَتَكُونُ بِلَفظِ «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ» أَو بِغَيرِهَا مِنَ الأَلفَاظِ الوَارِدَةِ كَـ «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ»، وَلَا بَأسَ بِهَذَا، وَلَكِنَّ الِاختِيَارَ هُوَ الأَوَّلُ، وَيُستَحَبُّ البَدءُ بِهَا قَبلَ البَدءِ بِقِرَاءَةِ القُرآنِ وَهُوَ قَولُ الجُمهُورِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سَورَةُ النَّحلِ/ الآية 98]، وَتَقدِيرُ الآيَةِ عِندَ الجُمهُورِ إِذَا أَرَدتَ القِرَاءَةَ فَاستَعِذ،وَذَلِكَ كَحَدِيثِ: «إِذَا أَكَلتَ فَسَمِّ اللهَ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، أَي إِذَا أَرَدتَ الأَكلَ.اهـ وقولنا: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”: أَي مِنْ أَذَى الشَّيطَانِ وَهُوَ المُتَمَرِّدُ الطَّاغِي الكَافِرُ مِنَ الجِنِّ، وَيُطلَقُ وَيُرَادُ بِهِ أَبُوهُم إِبلِيسُ. والرجيم: بِمَعنَى المَرجُومِ، وَهُوَ البَعِيدُ مِنَ الخَيرِ المَطرُودُ المُهَانُ.اهـ 

تنبيه: إِبلِيسَ لَم يَكُنْ مِنَ المَلَائِكَةِ طَرفَةَ عَينٍ

فإِنَّ إِبلِيسَ اللَّعِينَ عِندَمَا اعتَرَضَ وَكَفَرَ أَمَرَهُ اللهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وَقَدْ كَانَ إِبلِيسُ قَبلَ ذَلِكَ الوَقتِ مُسلِمًا مُؤمِنًا مِنَ الجِنِّ يَعبُدُ اللهَ مَعَ المَلَائِكَةِ، وَذَلِكَ قَبلَ أَنْ يَكفُرَ وَيَعتَرِضَ عَلَى اللهِ، وَلَيسَ صَحِيحًا أَنَّهُ كَانَ طَاوُوسَ المَلَائِكَةِ وَلَا رَئِيسًا لَهُمْ كَمَا يَزعُمُ بَعضُ النَّاسِ.

 وقال الحسن البصري رحمه الله: “ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم عليه السلام أصل البشر” رواه ابن جرير عنه بإسناد صحيح.

وَفُكَّ رِهَانِى أَىْ سَلِّمْنِى مِنَ الْعُقُوبَةِ، معناه: خَلِّصْني مِن عِقال ما اقتَرفَتْ نَفسِي مِن الأعمالِ الّتي لا تَرْتضِيها بالعَفوِ عنها وَاجْعَلْنِى فِى النَّدِىِّ الأَعْلَ» قال ابن الأثير: بالتّشدِيد النادِي أي اجعَلْني معَ الملإ الأعلَى مِن الملائكةِ.اهـ وقال الـمُلّا عليّ في المرقاة: ويَحتمل أن يُرادَ بالـمَقَامِ الأعلَى الدَّرَجةُ الرَّفِيعةُ ومَقامُ الوَسِيلةِ الَّذِي قَالَ ﷺ: «إِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِعَبْدٍ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ»، أي: ذلكَ العَبدُ. وَيُروَى: «فِي النِّدَاءِ الْأَعْلَى»، وهو الأكثَرُ، والنِّداءُ مَصْدَرُ نادَيتُه، ومعناه: أنْ يُنَادَى بِهِ لِلتَّنْوِيهِ وَالرَّفْع.اهـ وَفِى رِوَايَةٍ: «وَاجْعَلْنِى فِى الْمَلَإِ الأَعْلَى» الْمَلائِكَةُ فِى السَّمَاءِ، وقد ورد في بعض الأحاديث الصحيحة التي تذكر قصة وفاة النبي ﷺ لفظ: «الرفيق الأعلى»،  فقد روى النسائي عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي حِجْرِي، فَجَعَلْتُ أَمْسَحُ وَجْهَهُ وَأَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ فَأَفَاقَ فَقَالَ: «بَلْ أَسْأَلُ اللهَ الرَّفِيقَ» والرفيق ها هنا جماعة يسكنون أعلى عليين، وفي رواية البخاري ومسلم: «اللهم الرّفيق الأعلى»، «الْأَعْلَى الْأَسْعَدَ مَعَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ».اهـ 

وروى البخاري عن عائشة قَالَتْ: وَكانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ – دلو صغير – أَوْ عُلْبَةٌ – قدح من خشب – فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» ثُمَّ نَصَبَ أُصْبُعَهُ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ يَقُولُ: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ فِي الْمَاءِ.اهـ فإنه لا يجوز أن يُعتقد أنّ الله موجود في الجهة الفوقية وأنّ النّبي يريد أن يصعد إلى مكان موجود فيه رب العالمين فمن اعتقد ذلك فقد شبّه الله بخلقه، ومن شبّه الله بخلقه لا يكون مؤمنًا. الجهات كلّها بخلق الله، والأرض والسّماء بخلق الله، فالله لا يحتاج إلى جهة ولا مكان، فعقيدة الرّسول أنّ الله موجود بلا مكان ولا يجري عليه الزمان 

وَقَالَ الْحَاكِمُ: “هذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ”.

والله تعالى أعلم وأحكم