شرح دعاء الاستفتاح في الصلاة ومعانيه الجميلة

حلية البشر مدة الدرس ٥٨:٥١

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين الذي ألهم الذاكرين ذكره والشاكرين شكره والحامدين حمده وأثابهم من فضله واستخدمهم في طاعته وتقبل أعمالهم بنعمته. يرفع من يشاء إلى رفيع الدرجات باتباع سيد الكائنات. والصلاة والسلام على الهادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

أما بعد،

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:

الحديث

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَبَّرَ فِى الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: ((أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ)).

الشرح والتعليق على الحديث

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَبَّرَ فِى الصَّلاةِ كَبَّر في الصلاة، أي قال: “الله أكبر”، والمقصود تكبيرة الإحرام، وهي من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة بدونها، فالعلماء يقولون في كتاب الصلاة: يَقُولُ المصلي بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ كَكُلِّ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ: “اللَّهُ أَكْبَرُ” وَهُوَ ثَانِي أَرْكَانِهَا، ومِمَّا هُوَ لازِمٌ لا يَصِحُّ التَّكْبِيرُ بِدُونِهِ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ جَمِيعَ حُرُوفِهِ، وَأَنَّ كُلَّ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَالتَّشَهُّدِ فِي الْجُلُوسِ الأَخِيرِ وَالصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ فِيهِ وَالسَّلامِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ.

وَالتَّكْبِيرُ هُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ لا يَمُدَّ الْبَاءَ بِحَيْثُ يَكُونُ اللَّفْظُ “أَكْبَار” فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلاةَ أَيْ لا تَنْعَقِدُ الصَّلاةُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الأَكْبَارَ فِي اللُّغَةِ جَمْعُ «كَبَرٍ» وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ وَكَانَ جَاهِلًا بِالْمَعْنَى لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْمَعْنَى وَقَالَ ذَلِكَ عَمْدًا خرج عن الإسلام وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خروج عن الإسلام مَعَ الْعِلْمِ بِالْمَعْنَى وَالتَّعَمُّدِ لِلنُّطْقِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَلْيُحْذَرْ ذَلِكَ فِي الأَذَانِ أَيْضًا.

وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ لا يَمُدَّ الأَلِفَ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ لَفْظِ الْجَلالَةِ فَلَوْ قَالَ: “ءَاللَّهُ أَكْبَرُ” لَمْ تَنْعَقِدْ صَلاتُهُ وَيَحْرُمُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ، وَإِنْ فَهِمَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الِاسْتِفْهَامُ وَنَطَقَ بِهِ عَمْدًا فَقَدْ خرج عن الإسلام، أَمَّا إِنْ كَانَ مُوَحِّدًا وَلا يَفْهَمُ مِنْهُ الشَّكَ هَلِ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ أَمْ لا فَلا يخرج عن الإسلام لَكِنَّهُ قَبِيحٌ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ هَلِ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ قَدْرًا وَعِلْمًا أَمْ لَيْسَ أَكْبَرُ؟

وَيُشْتَرَطُ أَنْ لا يَزِيدَ وَاوًا قَبْلَ لَفْظِ الْجَلالَةِ فَلَوْ قَالَ: “وَاللَّهُ أَكْبَرُ” لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، كَذَلِكَ لَوْ زَادَ وَاوًا بَيْنَ لَفْظِ الْجَلالَةِ وَ(أَكْبَرُ)، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْدَلَ هَمْزَةَ أَكْبَرُ بِالْوَاوِ فَقَالَ: “اللَّهُ وَكْبَر”. 

سَكَتَ هُنَيْهَةً أَيْ قَلِيلًا مِنَ الزَّمان، وَهُوَ تَصْغِير هَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ أي قبل أن يقرأ الفاتحة فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، قِيلَ: هُوَ اسْمٌ تَقْدِيرُهُ أَنْتَ مُفْدًى بِأَبِي، وَقِيلَ فِعْلٌ، أَيْ فَدَيْتُكَ بِأَبِي، وَحُذِفَ هَذَا الْمُقَدَّرُ تَخْفِيفًا؛ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَعِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِهِ أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ سُكُوتٌ يَقْتَضِي بَعْدَهُ كَلَامًا مَعَ قِصَرِ الْمُدَّةِ فِيهِ، بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ أي بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة مَا تَقُولُ؟ قَالَ: ((أَقُولُ: اللَّهُمَّ أي يا الله بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذه الألفاظ ليعلمنا عليه الصلاة والسلام أن ندعو بهذا، وهو عليه الصلاة والسلام يستحيل عليه الكفر وكبائر الذنوب والمعاصي الصغيرة التي فيها خسة ودناءة نفس كما ثبت في عقائد أهل السنة والجماعة، ولا يجوز نسبة هذه الذنوب له عليه الصلاة والسلام، وأما الآيات التي وردت في القرآن الكريم في سورة عبس لا تخالف هذا الأصل وهذه القاعدة التي ذكرناها، قال الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١ أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣ أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤ أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ ٥ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦ وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ} [سورة عبس/ الآية 1-10]، فقد أَخْرَجَ التِّرْمِذِىُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَزَلَتْ فِى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى، واسْمُهُ عَمْرُو بنُ قَيْسٍ وَهُوَ ابْنُ خَالِ خَديِجَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ عَبَسَ: أَىْ قَطَبَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، قَالَهُ الزَّبِيدِىُّ. 

وَتَوَلَّى أَىْ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ ﷺ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ.   

﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ قَالَ الْقَسْطَلانِىُّ فِى شَرْحِ الْبُخَارِىِّ وَغَيْرُهُ: لِأَجْلِ أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِى مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وَكَرَّرَ ذَلِكَ. وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَىْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَشْغُولٌ بِذَلِكَ أَىْ بِدَعْوَتِهِمْ إِلَى الإِسْلامِ. وَقَدْ قَوِىَ طَمَعُهُ فِى إِسْلامِهِمْ وَكَانَ فِى إِسْلامِهِمْ إِسْلامُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ. قَالَهُ الْقُرْطُبِىُّ. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ قَطْعَهُ لِكَلامِهِ فَعَبَسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ فَعُوتِبَ فِى ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُنَاجِيهِمْ فِى أَمْرِ الإِسْلامِ هُمْ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأَبُو جَهْلٍ عَمْرُو بنُ هِشَامٍ وَأُبَىُّ وَأُمَيَّةُ ابْنَا خَلَفٍ عَلَى خِلافٍ فِى بَعْضِهِمْ. 

وَجَاءَ لَفْظُ الأَعْمَى إِشْعَارًا بِعُذْرِهِ فِى الإِقْدَامِ عَلَى قَطْعِ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ لِلْقَوْمِ وَلِلدِّلالَةِ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مِنَ الرِّفْقِ بِهِ وَالصَّغْوِ لِمَا يَقْصِدُهُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ. 

قَالَ الثَّوْرِىُّ: فَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا رَأَى ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَبْسُطُ لَهُ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: “مَرْحَبًا بِمَنْ عَاتَبَنِى فِيهِ رَبِّى” وَيَقُولُ لَهُ: “هَلْ مِنْ حَاجَةٍ”، وَاسْتَخْلَفَهُ مَرَّتَيْنِ عَلَى صَلاةِ النَّاسِ فِى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِى غَزْوَتَيْنِ مِنْ غَزَوَاتِهِ ﷺ وَكَانَ يُؤَذِّنُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ بِلالٍ وَغَيْرِهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أَىْ مَا الَّذِى يَجْعَلُكَ دَارِيًا بِحَالِهِ لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ مِنَ الآثَامِ بِمَا يَتَلَقَّفُ مِنْكَ، قَالَ الْبَيْضَاوِىُّ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ بِأَنَّ إِعْرَاضَهُ ﷺ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ لِتَزْكِيَةِ غَيْرِهِ.

﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ أَىْ أَوْ يَتَّعِظُ بِمَا يَتَعَلَّمُهُ وَيَسْمَعُهُ مِنْ مَوْعِظَتِكَ فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ.

﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قَالَ بَعْضٌ: الْمُرَادُ مَنْ كَانَ ذَا ثَرْوَةٍ وَغِنًى، قَالَ الرَّازِىُّ فِى تَفْسِيرِهِ: “وَهُوَ فَاسِدٌ هَهُنَا لِأَنَّ إِقْبَالَ النَّبِىِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِثَرْوَتِهِمْ وَمَالِهِمْ حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَمَّا مَنْ أَثْرَى فَأَنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ” ثُمَّ قَالَ: “الْمَعْنَى مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الإِيمَانِ وَالْقُرْءَانِ بِمَا لَهُ مِنَ الْمَالِ” وَرُوِىَ عَنْ عَطَاءٍ قَرِيبٌ مِنْهُ وَالْمُرَادُ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِيهِمْ فِى شَأْنِ الإِسْلامِ ثُمَّ قُتِلُوا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ عَلَى الْكُفْرِ. قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأَبُو جَهْلٍ عَمْرُو بنُ هِشَامٍ وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ يَوْمَ بَدْرٍ أَمَّا أُبَىُّ بنُ خَلَفٍ فَقَدْ رَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَرْبَةٍ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَتَلَهُ.

﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أَىْ تَتَعَرَّضُ لَهُ بِالإِقْبَالِ عَلَيْهِ بِوَجْهِكَ.

﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ أَىِ الْكَافِرُ، وَهَذَا تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ الْكُفَّارِ. وَالْمَعْنَى لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ فِى أَنْ لا يَتَزَكَّى بِالإِسْلامِ مَنْ تَدْعُوهُ إِلَيْهِ إِذِ الْهُدَى بِيَدِ اللَّهِ وَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَبَعْدَ ذَلِكَ نَزَلَ الأَمْرُ بِالْقِتَالِ.

﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أَىْ يَأْتِيكَ مُسْرِعًا طَالِبًا لِلْخَيْرِ وَالْعِلْمِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أَىْ يَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أَىْ تَتَشَاغَلُ. كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُبَاعَدَةِ إِنَّمَا هِيَ فِي الزَّمَانِوَالْمَكَانِ، وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْتِقَاءَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مُسْتَحِيلٌ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَبْقَى لَهَا مِنْهُ اقْتِرَابٌ بِالْكُلِّيَّةِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ قلنا معنى خطاياي فيما يتعلق بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،

 أما معنى قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ‌ضَآلّٗا ‌فَهَدَىٰ} [سورة الضحى/ الآية 7] أَىْ لَمْ تَكُنْ تَدْرِى الْقُرْءَانَ وَتَفَاصِيلَ الشَّرَائِعِ فَهَدَاكَ اللَّهُ أَىْ أَرْشَدَكَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْقُرْءَانِ وَشَرَائِعِ الإِسْلامِ، قَالَ تَعَالَى: {ما ‌كُنتَ ‌تَدۡرِي ‌مَا ‌ٱلۡكِتَٰبُ ‌وَلَا ‌ٱلۡإِيمَٰنُ} [سورة الشورى/ الآية 52]  مَعْنَاهُ مَا كُنْتَ تَعْلَمُ الْقُرْءَانَ وَلا تَفَاصِيلَ الإِيمَانِ، فَالرَّسُولُ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْىِ كَانَ مُؤْمِنًا بِرَبِّهِ مُعْتَقِدًا تَوْحِيدَهُ تَعَالَى بِمَا أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقِيلَ إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ صَبِىٌّ صَغِيرٌ فِى شِعَابِ مَكَّةَ فَرَدَّهُ اللَّهُ إِلَى جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ مَجَازٌ عَنْ زَوَالِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ أَثَرِهَا، وَلَمَّا كَانَ الدَّنَسُ فِي الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْوَانِ وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ. قال ابن الجزري: الدنس بفتح الدال المهملة والنون: الوسخ، يريد المبالغة في التطهير من الخطايا والذنوب اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ قِيلَ: خَصَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مَاءَانِ مَقْطُورَانِ عَلَى خِلْقَتِهِمَا لَمْ يُسْتَعْمَلَا، وَلَمْ تَنَلْهُمَا الْأَيْدِي، وَلَمْ تَخُضْهُمَا الْأَرْجُلُ، كَسَائِرِ الْمِيَاهِ الَّتِي خَالَطَتِ التُّرَابَ، وَجَرَتْ فِي الْأَنْهَارِ، وَجُمِعَتْ فِي الْحِيَاضِ، فَهُمَا أَحَقُّ بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عَبَّرَ بِهَا عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مُنَقِّيَةٍ يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ، 

وَهَذَا كُلُّهُ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ، أَوْ دُعَاءٌ لَهُمْ.

نذكر حديثا آخر من حلية البشر:

الحديث

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ قَالَ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ)).

الشرح والتعليق على هذا الحديث:

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ أي بدأ بالصلاة بعد التكبير وقبل القراءة قَالَ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ قَالَ المُنَاوِيُّ: سُبحَانَ اللهِ: أَي أُنَزِّهُهُ عَن كُلِّ سُوءٍ، فَسُبحَانَ: عَلَمٌ لِلتَّسبِيحِ أَيِ التَّنزِيهِ البَلِيغِ. وفي هذه المعاني والألفاظ يروى عن أَبُو مُسلِمٍ الخَولَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَهُوَ مِن كِبَارِ التَّابِعِينَ مَرَّةً كَانَ يُسَبِّحُ بِالسُّبحَةِ ثُمَّ نَامَ فَصَارَتِ السُّبحَةُ تَدُورُ فِي يَدِهِ وَهُوَ نَائِمٌ وَتَقُولُ: سُبحَانَكَ يَا مُنبِتَ النَّبَاتِ وَيَا دَائِمَ الثَّبَاتِ، ثُمَّ استَيقَظَ فَنَادَى زَوجَتَهُ قَالَ: يَا أُمَّ مُسلِمٍ تَعَالَي وَانظُرِي إِلَى أَعجَبِ الأَعَاجِيبِ، فَلَمَّا جَاءَت سَكَتَتِ السُّبحَةُ.اهـ 

وَيَا دَائِمَ الثَّبَاتِ: مَعنَاهُ الَّذِي وُجُودُهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ.

وفي صحيح مسلم عَن جَابِر بن عبد الله رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يَأكُلُ أَهلُ الجَنَّةِ فِيهَا وَيَشرَبُونُ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمتَخِطُونَ وَلَا يَبُولُونَ، وَلَكِن طَعَامُهُم ذَلِكَ جُشَاءٌ كَرَشحِ المِسكِ يُلهَمُونَ التَّسبِيحَ وَالْحَمْدَ كَمَا يُلهَمُونَ النَّفَسَ))

 إذًا: “سُبْحَانَ اللَّهِ” مَعْنَاهُ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ، أَيْ أَنَّنَا نُنَزِّهُ اللَّهَ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَالْجَهْلِ وَالْخَوْفِ وَالتَّغَيُّرِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ لِأَنَّ صِفَاتِ الْخَلْقِ حَادِثَةٌ كَمَا أَنَّ ذَوَاتِهِمْ حَادِثَةٌ أَيْ وُجِدَتْ بَعْدَ الْعَدَمِ السَّابِقِ وَاللَّهُ ذَاتٌ لَمْ يَسْبِقْهُ الْعَدَمُ وَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ مِنْ حَيَاةٍ وَقُدْرَةٍ وَمَشِيئَةٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَعِلْمٍ وَكَلامٍ وَبَقَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهَا عَدَمٌ فَمَنِ اعْتَقَدَ خِلافَ هَذَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِخَالِقِهِ. 

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا بَيَانُ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: “وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ”. 

وَمَعَانِي الْبَشَرِ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا مَنْفِيَّةٌ عَنِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: {‌لَيۡسَ ‌كَمِثۡلِهِۦ ‌شَيۡءٞۖ} [سورة الشورى/ الآية 11]. وَقَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ يُكَفِّرُونَ الْمُجَسِّمَ أَيْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لَطِيفٌ أَوْ كَثِيفٌ وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ. بَلْ قَالَ أَحْمَدُ: “مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ كَافِرٌ” كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْخِصَالِ الْحَنْبَلِيُّ وَبِحَمْدِكَ قِيلَ الْوَاوُ بِمَعْنَى “مَعَ”، أَيْ: أُسَبِّحُكَ مَعَ التَّلَبُّسِ بِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ أَيْ: كَثُرَتْ بَرَكَةُ اسْمِكَ إِذْ وُجِدَ كُلُّ خَيْرٍ مِنْ ذِكْرِ اسْمِكَ، وَقِيلَ: تَعَاظَمَ ذَاتُكَ،

جَاءَ فِي صحيح البخاري من حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ للهِ تِسعَةً وَتِسعِينَ اسمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَن أَحصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ))، وَالمُرَادُ بِإِحصَائِهَا أَن يَكُونَ مُستَظهِرًا لَهَا مَعَ اعتِقَادِ مَعَانِيهَا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِهَذَا الحَدِيثِ: “وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَيسَ فِيهِ حَصرٌ لِأَسمَائِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَيسَ لَهُ أَسمَاءٌ غَيرُ هَذِهِ التِّسعَةِ وَالتِّسعِينَ، وَإِنَّمَا مَقصُودُ الحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ التِّسعَةَ وَالتِّسعِينَ مَن أَحصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، فَالمُرَادُ الإِخبَارُ عَن دُخُولِ الجَنَّةِ بِإِحصَائِهَا، لَا الإِخبَارُ بِحَصرِ الأَسمَاءِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ الذي رواه البزار في مسنده قَولُهُ ﷺ: ((أَسأَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ سَمَّيتَ بِهِ نَفسَكَ أَوِ استَأثَرتَ بِهِ فِي عِلمِ الغَيبِ عِندَكَ))، 

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ غَيرِ هَذِهِ التِّسعَةِ وَالتِّسعِينَ اسمًا أَنَّهُ وَرَدَ غَيرُ هَذِهِ الأَسمَاءِ فِي نُصُوصٍ شَرعِيَّةٍ أُخرَى قُرءَانِيَّةٍ وَحَدِيثِيَّةٍ ثَابِتَةٍ، وَمِنهَا: الأَحَدُ، وَالرَّبُّ، وَالقَاهِرُ، وَالكَافِي، وَالدَّائِمُ، وَالمُحِيطُ، وَالمُبِينُ.اهـ 

وهنا أنبه على أمر وهو:

يَجِبُ تَعظِيمُ أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى بِأَيِّ لُغَةٍ كُتِبَت، عَدَّ العُلَمَاءُ مِنَ الكُفرِ الفِعلِيِّ إِلقَاءَ لَفظِ الجَلَالَةِ (اللهِ) فِي القَاذُورَاتِ أَو أَيِّ اسمٍ مِن أَسمَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ العِلمِ بِوُجُودِ الِاسمِ فِيهَا مُستَخِفًّا، فَيَجِبُ تَعظِيمُ أَسمَاءِ اللهِ بِأَيِّ لُغَةٍ كُتِبَت مِثلُ لَفظِ: (God) بِاللُّغَةِ الإِنجلِيزِيَّةِ، وَهَذَا مِن تَعظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: {‌ذَٰلِكَۖ ‌وَمَن ‌يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} [سورة الحج/ الآية 32]،

قال ابن خلكان في “وفيات الأعيان” إنّ بشرًا الحافي أصاب في الطريق ورقة متكوب فيها اسم الله تعالى وقد وطئتها الأقدام، فالتقطها واشترى طيبًا فطيّب به الورقة ووضعها في شق حائط، فرأى في النوم كأن قائلًا يقول: يا بشر، طيّبتَ اسم الله، ليُطيّبَن اسمك في الدنيا والآخرة،

وَتَعَالَى جَدُّكَ أَيْ: عَظَمَتُكَ؛ أَيْ: عَلَا وَرُفِعَتْ عَظَمَتُكَ عَلَى عَظَمَةِ غَيْرِكَ، الْعُلُوُّ: الرِّفْعَةُ. 

وهذا مثل ما جاء في قوله تعالى: {وَأَنَّهُۥ ‌تَعَٰلَىٰ ‌جَدُّ ‌رَبِّنَا} [سورة الجن/ الآية 3]. الْجَدُّ فِي اللُّغَةِ: الْعَظَمَةُ وَالْجَلَالُ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَنَسٍ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا حَفِظَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ جَدَّ فِي عُيُونِنَا، أَيْ عَظُمَ وَجَلَّ. 

فَمَعْنَى: ‌جَدُّ ‌رَبِّنا أي عظمته وجلاله، قاله عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ أَيْضًا: غِنَاهُ. وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدٌّ، وَرَجُلٌ مَجْدُودٌ أَيْ مَحْظُوظٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الذي رواه البخاري: ((‌وَلَا ‌يَنْفَعُ ‌ذَا ‌الْجَدِّ ‌مِنْكَ ‌الْجَدُّ)) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْخَلِيلُ: أَيْ ذَا الْغِنَى، مِنْكَ الْغِنَى، إِنَّمَا تَنْفَعُهُ الطَّاعَةُ. 

وليس المعنى نسبةَ التوالد لله عز وجل والعياذ بالله أو نسبة الجد لله والعياذ بالله كما يظن بعض الجهلة، 

وهنا أنبه على أمر مهم: 

هُنَاكَ حَدِيثٌ سَاقِطٌ شَدِيدُ الضَّعفِ لَيسَ صَحِيحًا هُوَ: “الخَلقُ عِيَالُ اللهِ وَأَحَبُّهُم إِلَى اللهِ أَنفَعُهُم لِعِيَالِهِ”، وَلَو صَحَّ هَذَا الحَدِيثُ لَكَانَ مَعنَاهُ فُقَرَاءُ اللهِ، كَمَا قَالَ المُنَاوِيُّ عِندَ شَرحِ هَذَا الحَدِيثِ: أَي فُقَرَاؤُهُ وَهُوَ الَّذِي يَعُولُهُم.اهـ 

أَمَّا أَن يُحمَلَ عَلَى مَعنَى البُنُوَّةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ مُرُوقٌ مِنَ الدِّينِ وَتَكذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ وَهُوَ نِسبَةُ نَقصٍ لِلبَارِئِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَو قَالَ القَائِلُ: أَنَا أَنسُبُ البُنُوَّةَ للهِ مَجَازًا فَالحُكمُ وَاحِدٌ، فَقَد قَالَ المُفَسِّرُ القَاضِي ابنُ عَطِيَّةَ الأَندَلُسِيُّ عَمَّن يَنسُبُ البُنُوَّةَ للهِ وَلَو مَجَازًا بِزَعمِهِ: “وَيُقَالُ إِنَّ بَعضَهُم يَعتَقِدُهَا بُنُوَّةَ حُنُوٍّ وَرَحمَةٍ، وَهَذَا المَعنَى أَيضًا لَا يُحِلُّ أَن تُطلَقَ البُنُوَّةُ عَلَيهِ، وَهُوَ كُفرٌ” وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ هذا فيه إثبات وحدانية الله عز وجل وهي كلمة التوحيد التي جاء بها كلّ أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، قَدِيمًا كَانَ البَشَرُ جَمِيعُهُم عَلَى دِينِ الإِسلَامِ، فِي زَمَنِ نَبِيِّ اللهِ ءَادَمَ كَانُوا كُلُّهُم عَلَى الإِسلَامِ لَم يَكُن بَينَهُم كَافِرٌ وَإِنَّمَا حَدَثَ الشِّركُ وَالكُفرُ بِاللهِ تَعَالَى بَعدَ النَّبِيِّ إِدرِيسَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَحَفِظَ اللهُ تَعَالَى أَنبِيَاءَهُ مِنَ الشِّركِ وَحَذَّرَ أُمَمَهُم مِنَ الشِّركِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {‌وَلَقَدۡ ‌أُوحِيَ ‌إِلَيۡكَ ‌وَإِلَى ‌ٱلَّذِينَ ‌مِن ‌قَبۡلِكَ} [سورة الزمر/ الآية 65]، يَعنِي الرُّسُلَ الَّذِينَ جَاءُوا بَعدَ إِدرِيسَ {لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ}، أَي لَئِن أَشرَكَ وَاحِدٌ مِن أُمَّتِكَ {لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ}، أي عملُه {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ}، يَعنِي الَّذِي أَشرَكَ يَكُونُ مِنَ الخَاسِرِينَ، فَهَذَا التَّحذِيرُ لِأُمَمِ الأَنبِيَاءِ وَلَيسَ لِلأَنبِيَاءِ، فَالأَنبِيَاءُ هُم صَفوَةُ الخَلقِ، اللهُ تَعَالَى فَضَّلَهُم عَلَى العَالَمِينَ وَحَفِظَهُم مِنَ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا. 

وَالمَبدَأُ أي الأساس الجَامِعُ لِجَمِيعِ أَهلِ الإِسلَامِ مِن لَدُن ءَادَمَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَحدَهُ أَي أَن لَا يُشرَكَ بِهِ شَيءٌ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ لَا يَصِحُّ إِيمَانُهُم إِلَّا أَن يُؤمِنُوا بِنَبِيِّ عَصرِهِم، هَذَا المَبدَأُ جَمَعَ أَهلَ الإِسلَامِ كُلَّهُم، هَذَا المَعنَى يَشمَلُهُم لِأَنَّهُم كُلَّهُم يَعبُدُونَ اللهَ وَحدَهُ قَالَ تَعَالَى: {‌وَمَآ ‌أَرۡسَلۡنَا ‌مِن ‌قَبۡلِكَ ‌مِن ‌رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ} [سورة الأنبياء/ الآية 25]، وَقَد وَرَدَ عند الترمذي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((خَيرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَومِ عَرَفَةَ وَخَيرُ مَا قُلتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبلِي: لَا إِلهَ إِلَّااللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ))، فَكُلُّ أَنبِيَاءِ اللهِ تَعَالَى دَعَوا إِلَى تَوحِيدِ اللهِ.

وَمَعنَى كَونِ اللهِ تَعَالَى وَاحِدًا فِي ذَاتِهِ أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى لَيسَ مُرَكَّبًا مِن أَجزَاءٍ، وَمَعنَى أَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي الصِّفَاتِ أَنَّهُ لَيسَ لَهُ تَعَالَى قُدرَتَينِ وَعِلمَينِ وَإِرَادَتَينِ، بَل لَهُ تَعَالَى قُدرَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ وَعِلمٌ وَاحِدٌ وَهَذَا يُقَالُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، وَمَعنَى نَفيِ التَّعَدُّدِ فِي الصِّفَاتِ نَفيُ أَن يَكُونَ لِأَحَدٍ صِفَةٌ تُشبِهُ صِفَةً مِن صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَمَعنَى أَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي الأَفعَالِ أَنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ مِنَ المَخلُوقَاتِ مُشَارِكًا للهِ فِي أَفعَالِهِ.

والله تعالى أعلم وأحكم