شرح دعاء اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم | بيان آداب النوم

حلية البشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَجَعَلَ أُمَّتَنَا خَيْرَ أُمَّةٍ، وَبَعَثَ فِينَا رَسُولًا مِنَّا يَتْلُو عَلَيْنَا آيَاتِهِ، وَيُزَكِّينَا وَيُعَلِّمُنَا الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ الْجَمَّةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَكُونُ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهَا خَيْرَ عِصْمَةٍ، 

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لِلْعَالَمِينَ رَحْمَةً، وَفَرَضَ عَلَيْهِ بَيَانَ مَا أَنْزَلَ إِلَيْنَا، فَأَوْضَحَ لَنَا كُلَّ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَخَصَّهُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَرُبَّمَا جَمَعَ أَشْتَاتَ الْحِكَمِ وَالْعُلُومِ فِي كَلِمَةٍ، أَوْ شَطْرِ كَلِمَةٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَعَلَى مَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ وَمَشَى عَلَى دَربِهِ وَسُنَّتِهِ، وَنَشَرَ شَرعَهُ وَشَرِيعَتَهُ، صَلَاةً تَكُونُ لَنَا نُورًا مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. 

أَمَّا بَعْدُ:

مِن أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ:

مَا زِلنَا نَشرَحُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَكُنَّا شَرَحْنَا شَيئًا مِنهَا وَنُكمِلُ بِإِذنِ اللهِ، نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَهُ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ..

نَصُّ الحَدِيثِ:

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الصَّغِيرِ عَنْ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ مَضْجَعِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ الْمَغْرَمَ وَالْمَأْثَمَ، اللَّهُمَّ لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ وَلا يُخْلَفُ وَعْدُكَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ».

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:

إذًا الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم يعلّمنا ماذا نقول عند النّوم، وقبل شرح الحديث نقول: 

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي مُحكَمِ التَنزِيلِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، [سورة الروم:23].

سننٌ وآدابٌ عندَ النّوم:

وَقَد سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُنَنًا وَآدَابًا عِندَ النَّومِ، فمِنَ السُّنَنِ لِمَنْ أَرَادَ النَّومَ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنّه قال:«إذا كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ – أوْ قال: أمْسَيْتُمْ – فَكُفُّوا صِبْيانَكُمْ؛ فإنَّ الشَّياطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فإذا ذَهَبَ ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وأغْلِقُوا الأبْوابَ، واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَفْتَحُ بابًا مُغْلَقًا، وأَوْكُوا قِرَبَكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وخَمِّرُوا ءانِيَتَكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَليهَا شَيئًا، وأَطْفِئُوا مَصابِيحَكُمْ» متفق عليه. 

علَّم رَسولُ اللهِ ﷺ أُمَّتَه كيف يَتجنَّبون أذى الشَّيطانِ، فجاءتِ النَّصائحُ النَّبويةُ لتكونَ بمَنزلةِ قَوانينِ السَّلامةِ للمُحافَظةِ على مَصالحِ المسلمينَ، كما أخبر النبيُّ ﷺ في هذا الحديثِ فقال:«إذا كان جُنحُ اللَّيلِ» أو قال: «أمسَيْتُم»، والمعنى: إذا دخَلْتُم في المساءِ، وجُنْحُ اللَّيلِ: أوَّلُ ظلامِه.«فكُفُّوا صِبيانَكم» أي امنَعوهم مِنَ الانتشارِ ومِن الخروجِ من البُيوتِ في ذلك الوقتِ؛ لأنَّ هذا وقتُ انتشارِ الشَّياطينِ، تذهَبُ وتجيءُ مِن بدايةِ مَغِيبِ الشَّمسِ إلى مُضِيِّ وَقتٍ مِن اللَّيلِ بعد ذلك اترُكوهم، فقد خَشِيَ النبيُّ ﷺ على الصِّبيانِ عند انتشارِ الجِنِّ والشَّياطينِ أن تُلِمَّ بهم فتؤذِيَهم؛ فإنَّ الشيطانَ قد أعطاه اللهُ قوةً على هذا. 

والحِكمةُ في انتشارِهم حينئذٍ أنَّ حرَكتَهم في اللَّيلِ أمكَنُ منها لهم في النَّهارِ؛ لأنَّ الظَّلامَ أجمعُ للقُوى الشَّيطانيَّةِ من غيرِه، ويقالُ: إنَّ الشياطينَ تستعينُ بالظُّلْمةِ، وتَكرَهُ النُّورَ. 

وكذلك أمَر النبيُّ ﷺ بإغلاقِ الأبوابِ، وذِكرِ اسمِ الله عند إغلاقِها؛ لأنَّ الشَّيطانَ لا يَفتَحُ بابًا مُغلقًا؛ فإنَّ اللهَ لم يُعطِهِ القوَّةَ على ذلك، وإنْ كان أعطاهُ القدرةَ والقوَّةَ على غيرِ ذلك مِنَ الأمورِ، 

وأمَرَ أيضًا بإيكاءِ القِرَبِ، وهو شَدُّ رُؤوسِها بالرِّباطِ، 

وأمَرَ بتَخْميرِ الآنيةِ، وهو تَغطيتُها ولو بوضْعِ عُودٍ أو عصًا على عَرْضِها، مع ذِكْرِ اللهِ عند فِعلِ هذه الأشياءِ، وأمَرَ بإطفاءِ المصابيحِ مع ذِكرِ اللهِ عند إطفائِها؛ لأنَّ المصابيحَ كانت تُضاءُ بالنَّارِ، فأحيانا تَتسبَّبُ في إضرامِ النِّيرانِ.اهـ 

وَيُسَنُّ لِلمُؤمِنِ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ، 

أَمَّا لَو سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: هَلْ يَرقُد الشَّخصُ وَهُوَ جُنُبٌ؟ مَا الحُكمُ؟

فَالجَوَابُ: رُوِيَ عَن مَيمُونَةَ بنتِ سَعدٍ أَنَّهَا قَالَت: قُلتُ: يَا رسُولَ اللهِ هَل يَأكُلُ أحَدُنَا وهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ:«لَا يَأكُلُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَل يَرقُدُ الجُنُبُ؟ قَالَ:«مَا أُحِبُّ أَن يَرقُدَ وَهُوَ جُنُبٌ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَيُحسِنَ وُضُوءَهُ، وَإِنِّي أَخشَى أَن يُتَوَفَّى فَلَا يَحضُرَهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ» رَواهُ الطَّبَرَانِيّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ.

 سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَن حُكمِ النَّومِ وَالأَكلِ حَالَ الجَنَابَةِ، فَأَشَارَ ﷺ إِلَى الوُضُوءِ قَبلَ النَّومِ وَالأَكلِ حَالَ الجَنَابَةِ، وَبَيَّنَ الحِكمَةَ مِن ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الشَّخصَ قَدْ يُصَابُ بِشَيءٍ أَثنَاءَ نَومِهِ وَقَد يَمُوتُ فَلَا تَقتَرِبُ مِنهُ المَلَائِكَةُ وَمِنهُمْ سَيِّدُنَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ لِأَنَّ المَلَائِكَةَ تَبتَعِدُ عَنِ الوَسَخِ وَالرِّيحِ الكَرِيهِ بِخِلَافِ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهَا تَقتَرِبُ مِنْ ذَلِكَ: 

«اللَّهُمَّ أَيْ يَا اللهُ إِنِّى أَعُوذُ أَي أَحتَمِي بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ قال أحد الصّالحين رحمه الله:بِوَجهِكَ الكَريم، أي: ذاتِك. كَلِمَةُ الوَجهِ تَأتِي عَلَى مَعَانٍ عِدَّةٍ فِي لُغَةِ العَرَبِ، قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ فِي بَصَائِرِ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ: “الوَجْهُ: مُسْتَقْبَلُ كلِّ شىءٍ، وَالجَمعُ أَوْجُهٌ ووُجوهٌ. والوَجْهُ: نَفْسُ الشيء، وقيل: أَصْلهُ الجارِحَة، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاغسِلُوا وُجُوهَكُم﴾، [سورة المائدة:6]، وَلَمَّا كَانَ الوَجهُ أَوَّلَ مَا يَستَقبِلُكَ وَأَشرَفَ مَا فِي ظَاهِرِ البَدَنِ استُعْمِل فِي مُسْتَقْبَل كُلِّ شَيءٍ وَفِي أَشْرَفِهِ ومَبْدئه”. 

كَلِمَةُ الوَجهِ تُطلَقُ عَلَى مَعَانٍ عِدَّةٍ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ حَملُهَا عَلَى مَعنَى الجَارِحَةِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَلَا يَجُوزُ اعتِبَارُ مَعنَى الوَجهِ هُنَا العُضوَ الجَارِحَ كَمَا فِي الإِنسَانِ وَغَيرِهِ فَإِنَّ هَذَا مُستَحِيلٌ عَلَى الخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى مَعنَى الجَارِحَةِ فَهَذَا كَذَّبَ القُرآنَ، فَقَد نَصَّ القُرآنُ الكَرِيمُ عَلَى تَنَزُّهِ اللهِ تَعَالَى عَنْ مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، [سورة الشورى:11].وَهَذَا الحَالُ مَعَ آيَاتِ الصِّفَاتِ فَإِنَّهَا لَا تُحمَلُ عَلَى مَعنَى الجَارِحَةِ، 

وَقَد قَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ: وَفِي الْجُمْلَةِ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اسْتِوَاءَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ بِاسْتِوَاءِ اعْتِدَالٍ عَنِ اعْوِجَاجٍ وَلَا اسْتِقْرَارٍ فِي مَكَانٍ، وَلَا مُمَّاسَّةٍ لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، لَكِنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ بِلَا كَيْفٍ بِلَا أَيْنَ، وَأَنَّ إِتْيَانَهُ لَيْسَ بِإِتْيَانٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَنَّ مَجِيئَهُ لَيْسَ بِحَرَكَةٍ، وَأَنَّ نُزُولَهُ لَيْسَ بِنَقْلَةٍ، وَأَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَأَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِصُورَةٍ، وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بجَارِحَةٍ، وَأَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَتْ بِحَدَقَةٍ، وَإِنَّمَا هَذِهِ أَوْصَافٌ جَاءَ بِهَا التَّوْقِيفُ، فَقُلْنَا بِهَا وَنَفَيْنَا عَنْهَا التَّكْيِيفَ، فَقَدْ قَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، [سورة الشورى:11]، وَقَالَ: ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، [سورة الإخلاص:1]. وَقَالَ: ﴿هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، [سورة مريم:65].

 وأما قَولُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ﴾، [سورة القصص:88]. فَقَدْ فَسَّرَهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ بِقَولِهِ إِلَّا مُلكَهُ وَيُقَالُ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجهُهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجهُهُ. 

وَأَمَّا مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، [سورة الرحمن:27]، فَمَعنَى ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أَي ذَاتُهُ، 

وَأَوَّلَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، [سورة الفجر:22]، فَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِيْ عَمْرِو بْنِ السَّمَّاكِ عَنْ حَنْبَلٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ تَأْوَّلَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَىْ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وَقَالَ إِنَّ مَعْنَاهُ: جَاءَ ثَوَابُهُ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ ذَلِكَ أَيْضًا ابْنُ كَثِيْرٍ فِيْ تَارِيْخِهِ وَأَقَرَّهُ.اهـ 

وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فِيْ مَنَاقِبِ أَحْمَدَ: أَنْبَأَنَا الْحَاكِمُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُوْ عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمِّيْ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَقُوْلُ: اِحْتَجُّوا عَلَيَّ يَوْمَئِذٍ فَقَالُوْا: تَجِيْءُ سُوْرَةُ الْبَقَرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَجِيْءُ سُوْرَةُ تَبَارَكَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ إِنَّمَا يَأْتِيْ قُدْرَتُهُ، وَإِنَّمَا الْقُرْءَانُ أَمْثَالٌ وَمَوَاعِظُ.اهـ 

قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَىْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ فِيْ الْمَجِيْءِ الَّذِيْ وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالنُّزُوْلِ الَّذِيْ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ انْتِقَالًا مِنْ مَكَانٍ إِلَىْ مَكَانٍ كَمَجِيْءِ ذَوَاتِ الْأَجْسَامِ وَنُزُوْلِهَا وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ظُهُوْرِ ءَايَاتِ قُدْرَتِهِ. اهـ 

وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِنَّهُ قَالَ فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَىْ: ﴿يَأتِيهِمُ اللهُ﴾، [سورة البقرة:210]، قَالَ الْمُرَادُ بِهِ: قُدْرَتُهُ وَأَمْرُهُ، قال: وَقَدْ بَيَّنَهُ فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَىْ: ﴿أَو يَأتِيَ أَمرُ رَبِّكَ﴾، [سورة النحل:33]، وَمِثْلُ هَذَا فِيْ الْقُرْآنِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ قُدْرَتُهُ.اهـ 

وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: نَقَلَ الشَّيْخُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالتَّأْوِيْلِ فِيْ ثَلَاثَةِ أَحَادِيْثَ. ثُمَّ قَالَ الرَّازِيُّ: رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ تَأْتِيْ سُوْرَةُ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، فَأَجَابَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ وَقَالَ: يَعْنِيْ ثَوَابُ قَارِئِهِمَا، وَهَذَا تَصْرِيْحٌ مِنْهُ بِالتَّأْوِيْلِ.اهـ 

وَقَالَ الْإِمَامُ الزَّرْكَشِيُّ: وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ التَّأْوِيْلُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُوْدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ، 

وَبِكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ والكلِماتُ التّامّاتُ هي كلماتُ القرءان، ألفاظُ القُرءان والأذكارُ التي يُمجَّدُ اللهُ بها ويُقدَّسُ، الكلِماتُ التّامّاتُ هي الكلماتُ التي ما فيها نَقْصٌ. كَلَامُ اللهِ لَيسَ شَيئًا لَهُ أَبعَاضٌ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلِمَاتُ﴾، بِلَفظِ الجَمعِ لِلتَّعظِيمِ، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ لَهُ كَلَامًا مُتَجَزِّئًا، فِي القُرآنِ فِي مَوضِعٍ وَرَدَ: ﴿وََكَلِمَةُ اللهِ﴾، [سورة التوبة:40]، وَوَرَدَ: ﴿كَلِمَاتُ اللهِ﴾، [سورة لقمان:27]، بِلَفظِ الجَمعِ وَبِلَفظِ الإِفرَادِ، كَمَا أَنَّ اللهَ عَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ وَبِلَفظِ الإِفرَادِ، ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، [سورة الإخلاص:1]، هَذَا صَرِيحٌ فِي الإِفرَادِ، وَعَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحنُ نُحيِي المَوتَى﴾، [سورة يس:12]، وَهُوَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَكِن عَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ وَهُوَ وَاحِدٌ لَيسَ جَمعًا، وَعَبَّرَ بِلَفظِ: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾، [سورة الأبنياء:79]، وَهُوَ سُبحَانَهُ فَاعِلٌ وَاحِدٌ خَالِقٌ وَاحِدٌ، فَكَلامُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّابِتَةِ لِذَاتِهِ الأَزَلِىِّ الأَبَدِىِّ وَهُوَ أَىِ الْكَلامُ قَدِيمٌ أَزَلِىٌّ لا ابْتِدَاءَ لَهُ كَسَائِرِ – أَىْ بَاقِى – صِفَاتِهِ تَعَالَى مِنَ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَإِنَّهَا قَدِيـمَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّاتَ الأَزَلِىَّ لا تقُومُ بِهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً وَلا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْكَلامِ الأَزَلِىِّ وَلِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُبَايِنٌ أَىْ غَيْرُ مُشَابِهٍ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِى الذَّاتِ أَىْ ذَاتُهُ لا يُشْبِهُ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالصِّفَاتِ أَىْ صِفَاتُهُ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالأَفْعَالِ أَىْ فِعْلُهُ لا يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَخْلُوقَاتِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ أَىْ تَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ أَىِ الْكَافِرُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشَبِّهَةِ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ بِمَا لا يَلِيقُ بِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا أَىْ تَنَزُّهًا كَامِلًا، فاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ وَاحِدٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً، قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ: “وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ وَالْحُرُوفِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِلا ءَالَةٍ وَلا حُرُوفٍ، وَالْحُرُوفُ مَخْلُوقَةٌ وَكَلامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ”.اهـ 

مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ أَىْ مَالِكُ أَمْرَهَا مُتَصَرِّفٌ فِيهَا. أَيْ: هُوَ فِي قَبْضَتِكَ وَتَصَرُّفِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، [سورة هود:56]، وَقِيلَ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقُدْرَةِ أَيْ: مِنْ شَرِّ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَنْ الِاسْتِيلَاءِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ، 

ولَا بُدَّ مِنْ تَأوِيلِ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ عَلَى مَعنًى لَائِقٍ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِإِثبَاتِ التَّنزِيهِ وَنَفيِ التَّشبِيهِ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ سُبحَانَهُ، وَمِثلُهُ مَا رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا ‌أَخَذَهَا ‌الرَّحْمَنُ ‌بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أَوْ فَصِيلَهُ».اهـ قَالَ ابنُ حَجَرٍ: “قَالَ الخَطَّابِيُّ: ذِكرُ اليَمِينِ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَعنَاهُ حُسنُ القَبُولِ”. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ ﷺ: «وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ» الْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ هُنَا الْحَلَالُ، قَوْلُهُ ﷺ: «إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي ‌كَفِّ ‌الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ» قَالَ الْمَازِرِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِحَالَةَ الْجَارِحَةِ عَلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَشِبْهَهُ إِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَلَى مَا اعْتَادُوا فِي خِطَابِهِمْ لِيَفْهَمُوا فَكَنَّى هُنَا عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِأَخْذِهَا فِي الْكَفِّ وَعَنْ تَضْعِيفِ أَجْرِهَا بِالتَّرْبِيَةِ. 

قال الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُرْتَضَى وَيُعَزُّ يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ وَيُؤْخَذُ بِهَا اسْتُعْمِلَ فِي مِثْلِ هَذَا وَاسْتُعِيرَ لِلْقَبُولِ وَالرِّضَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا مَـا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَـــا عَرَابَــةُ بِالْيَمِينِ

قَالَ: وَقِيلَ: عَبَّرَ بِالْيَمِينِ هُنَا عَنْ جِهَةِ الْقَبُولِ وَالرِّضَا. 

قَالَ: وَقَدْ قِيلَ: فِي تَرْبِيَتِهَا وَتَعْظِيمِهَا حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ أَجْرِهَا وَتَضْعِيفُ ثَوَابِهَا.

 وَهَذَا الْحَدِيثُ نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَمحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُربِي الصَّدَقَاتِ﴾، [سورة البقرة:276]. 

قَولُهُ ﷺ: «كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ» قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْفَلُوُّ الْمُهْرُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ فُلِّيَ عَنْ أُمِّهِ أَيْ فُصِلَ وَعُزِلَ وَالْفَصِيلُ وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا فُصِلَ مِنْ إِرْضَاعِ أُمِّهِ.

 اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ أَيْ: تُزِيلُ وَتَدْفَعُ الْمَغْرَمَ قال أحد الصالحين: “الـمَغرَم، معناه: ثِقَلُ الدَّين”. وَالْمَأْثَمَ أَيْ: مَا يَأْثَمُ بِهِ الْإِنْسَانُ، أَوْ هُوَ الْإِثْمُ نَفْسُهُ اللَّهُمَّ لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ أَيْ: لَا يُغْلَبُ وَلَوْ فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ وَآخِرِهِ وَلا يُخْلَفُ وَعْدُكَ أَي مَا وَعَدتَ بِهِ يَا رَبِّ فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ، لَا تَخَلُّفَ لَهُ وَلَا مُمَانَعَةَ لِنَفَاذِهِ، فَاللهُ وَعَدَ المُؤمِنِينَ الجَنَّةَ وَتوعد الكَافِرِينَ بالنَّارَ، لَا تَخَلُّفَ لِوَعدِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِذَلِكَ عِندَ الدُّعَاءِ لَا يَنبَغِي أَنْ نَدعُوَ بِمَا فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ، حَتَّى الدُّعَاءُ يَحتَاجُ إِلَى عِلمٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأتِيَ شَخصٌ وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ أَدخِلِ الكَافِرِينَ الجَنَّةَ، أَوْ أَدخِلْ وَاحِدًا مِنهُمُ الجَنَّةَ أَوِ ارْحَمهُ بَعدَ المَوتِ، فَهَذَا فِيهِ مُنَاقَضَةٌ لِوَعدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاللهُ تَعَالَى لَا يَتَخَلَّفُ وَعدُهُ سُبحَانَهُ، الشَّخصُ الذِي يَعتَقِدُ أَنَّ للهِ وَلَدًا أَو زَوجَةً أَو شَبِيهًا أَو يَصِفُ اللهَ بِالجُلُوسِ وَالقُعُودِ وَالجِسمِيَّةِ وَصِفَاتِهَا إِذَا مَاتَ عَلَى اعتِقَادِهِ الفَاسِدِ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ، بَعضُ أَدعِيَاءِ العِلمِ فِي زَمَانِنَا سَمِعُوا عَنْ شَخصٍ مِنْ رُؤُوسِ الكُفرِ فِي هَذَا الزَّمَنِ مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ للهِ ابنًا وَزَوجَةً وَأَنَّهُ هُوَ بِزَعمِهِ يَغفِرُ لِلنَّاسِ وَيُعطِيهِم مَا يُسَمِّيهِ صُكُوكَ الغُفرَانِ، فَمَاتَ هَذَا وَهَلَكَ وَبَعضُهُمْ قَالَ اللهُ يَرحَمُهُ وَيَغفِرُ لَهُ وَاعتَبَرَهُ البَعضُ شَهِيدًا، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، هَذَا فِيهِ مُنَاقَضَةٌ لِوَعدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللهُ تَعَالَى لَا تَخَلُّفَ لِوَعدِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ: لَا يَأتِي شَخصٌ فَيَقُولُ: اللهُمَّ اغفِرْ لِإِبلِيسَ وَأَدخِلهُ الجَنَّةَ، فَإِنَّ اللهَ وَعَدَ وَوَعدُهُ حَقٌّ وَصِدقٌ وَوَاقِعٌ، وَعَدَ أَنَّهُ مِنْ أَهلِ النَّارِ، فَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.

 وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ بِفَتحِ الجِيمِ مِنْكَ الْجَدُّ فُسِّرَ الْجَدُّ بِالْغِنَى فِي أَكْثَرِ الْأَقَاوِيلِ أَيْ: لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى غِنَاهُ مِنْكَ أَيْ: بَدَلَ طَاعَتِكَ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مِنْكَ مَعْنَاهُ: عِنْدَكَ، فَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾، [سورة سبأ:37].

 وَقِيلَ الْجَدُّ هُوَ: الْحَظُّ وَالْبَخْتُ، رُوِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: جَدِّي فِي النَّخْلِ، وَقَالَ الْآخَرُ: جَدِّي فِي الْإِبِلِ، وَآخَرُ قَالَ: جَدِّي فِي كَذَا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ هَذَا الدُّعَاءَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يُنْجِيهُ حَظُّهُ مِنْكَ، إِنَّمَا يُنْجِيهُ فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ.

 وَقِيلَ، الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ أَيْ: لَا يَنْفَعُ مُجَرَّدُ النَّسَبِ بَلْ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [سورة الحجرات/ الآية 13]

 وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ ومَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُهُ الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ أن لم يوفقه الله، اللهم عونك وهدايتك:

إذا لم يكن عَوْنٌ من الله للفتى فأوَّلُ ما يجني عليه اجتهادُهُ
وإن كان عونُ الله للعبدِ واصلا تأَتَّى له من كُلِّ شيءٍ مِدادُهُ

قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 2]) سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ». أَيْ: أَجْمَعُ بَيْنَ تَنْزِيهِكَ وَتَحْمِيدِكَ وَتَقْدِيسِكَ وَتَمْجِيدِكَ.

نَصُّ الحَدِيثِ الآخَرِ:

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه فِى السُّنَنِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِى عَيَّاشٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. كَانَ لَهُ عَدْلُ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ فِى حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِى، وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ»

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:  

الرسول صلى الله عليه وسلم يُعلّمنا أنّ: «مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ أي دخَلَ في الصباح: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ هَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا أَنبِيَاءُ اللهِ وَجَاؤُوا بِهَا وَعَلَّمُوهَا لِلنَّاسِ، فَفِي مُوَطَّأِ الإِمَامِ مَالِكٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ ‌أَنَا ‌وَالنَّبِيُّونَ ‌مِنْ ‌قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ». 

وَهَذَا أَصلُ دِينِ الإِسلَامِ دِينِ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا الوِقَايَةُ مِنَ النَّارِ وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيهَا وَيَجِبُ حِفظُ التَّوحِيدِ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَجَاءَ فِى تَفْسِيرِ الآيَةِ فِى مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلَهُمُ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ بِتَعَلُّمِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِيهِمْ ذَلِكَ أَىْ مَعْرِفَةِ مَا فَرَضَ اللَّهُ فِعْلَهُ أَوِ اجْتِنَابَهُ أَىِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَنَصُّ كَلامِهِ رضي الله عنه: عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ اﻫ وَذَلِكَ كَىْ لا يَقَعَ مَنْ أَهْمَلَ التَّعَلُّمَ فِى التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَالْكُفْرِ وَالضَّلالِ فَيَخْلُدَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ إِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ وَقُودًا لَهَا أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْخَاتِمَةِ.

ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَنْ يُشَبِّهُ اللَّهَ تَعَالَى بِشَىْءٍ مَا لَمْ تَصِحَّ عِبَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَعْبُدُ شَيْئًا تَخَيَّلَهُ وَتَوَهَّمَهُ فِى مُخَيِلَتِهِ وَأَوْهَامِهِ إِذْ كُلُّ مَا يَتَخَيَّلُهُ يَكُونُ مُشَابِهًا وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لِمَا رَءَاهُ وَأَلِفَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَيَحْكُمُ عَلَى مَا لَمْ يَرَهُ بِحُكْمِ مَا رَءَاهُ وَهَذَا هُوَ الْوَهْمُ الَّذِى لا يَصِحُّ بِنَاءُ الِاعْتِقَادِ عَلَيْهِ بَلِ الْعِبْرَةُ وَالِاعْتِبَارُ فِى ذَلِكَ بِالْعَقْلِ لا بالتَّخَيُّلِ وَالْوَهْمِ، فَإِنَّ الْوَهْمَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَاتِّبَاعُ حُكْمِ الْعَقْلِ يَقُودُ إِلَى الصَّوَابِ. أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى الأُفُقِ عِنْدَ الْبَحْرِ مَثَلًا صَوَّرَ الْوَهْمُ لَكَ انْتِهَاءَ الْبَحْرِ عِنْدَ مَدَى نَظَرِكَ وَحَكَمَ عَقْلُكَ بِمَا عَرَفْتَ مِنْ أَدِلَّةٍ أَنَّهُ لا يَنْتَهِى عِنْدَ ذَلِكَ وَصَوَّرَ لَكَ الْوَهْمُ أَيْضًا أَنَّ السَّمَاءَ تُلاقِى الْمَاءَ عِنْدَ مَدَى الْبَصَرِ وَأَنَّ الشَّمْسَ تُبَاشِرُهُ إِذَا غَابَتْ وَإِذَا أَشْرَقَتْ وَحَكَمَ عَقْلُكَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ أَنْ تَتْبَعَ حُكْمَ الْعَقْلِ لا مَا يُصَوِّرُهُ الْوَهْمُ. 

وَالْعَقْلُ يَحْكُمُ بِأَنَّ الْخَالِقَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ جِسْمًا لَهُ كَمِّيَّةٌ وَلا يُتَصَوَّرُ وَلا يُتَخَيَّلُ فَمَنِ اعْتَقَدَ خِلافَ ذَلِكَ فَقَدْ تَبِعَ الْوَهْمَ وَخَالَفَ حُكْمَ الْعَقْلِ فَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ فَهَلَكَ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِىُّ: “لا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ”.اﻫ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ كَيْفَ يَعْبُدُهُ وَيَقُومُ بِطَاعَتِهِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ رَحِمَهُ اللهُ فِى رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمْدَةِ السَّالِكِينَ فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَوَّلًا أَنْ تَعْرِفَ الْمَعْبُودَ ثُمَّ تَعْبُدَهُ وَكَيْفَ تَعْبُدَ مَنْ لا تَعْرِفُهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِ ذَاتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ فِى نَعْتِهِ فَرُبَّمَا تَعْتَقِدُ اعْتِقَادًا فِى صِفَاتِهِ شَيْئًا مِمَّا يُخَالِفُ الْحَقَّ فَتَكُونُ عِبَادَتُكَ هَبَاءً مَنْثُورًا.اهـ 

كَانَ لَهُ عَدْلُ رَقَبَةٍ أَىْ مَا يُعَادِلُ ثَوَابَ عِتْقِ رَقَبَةٍ. 

رَغَّبَ الإِسلَامُ فِي الإِعْتَاقِ، وَلم يأتِ لِيَقْطَعَ الِاسْتِرْقَاقَ

الحُكمُ الشَّرعِيُّ الذِي نَقُولُ بِهِ: رَغَّبَ الإِسلَامُ فِي الإِعْتَاقِ، وَلَيسَ أَنَّ الإِسْلامَ جَاءَ لِيَقْطَعَ الِاسْتِرْقَاقَ، فَمَنْ قَالَ هَذَا فَقَدِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَيْفَ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كُلُّهُمْ كَانَ لَهُمْ رَقِيقٌ، فَقَدْ كَانَ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ نَحْوُ عِشْرِينَ أَمَةً اتَّخَذَهُنَّ فِرَاشًا فَوَلَدَ مِنْ بَعْضِهِنَّ أَوْلادًا وَبَعْضُهُنَّ كُنَّ حُبَالَى وَبَعْضُهُنَّ كُنَّ حَوَائِلَ، وَكَذَلِكَ كَانَ الأَمْرُ فِي عَهْدِ الأُمَوِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ وَفِي عَهْدِ الْعُثْمَانِيِّينَ أَيْضًا، وَمِنْ مَشَاهِيرِ الْمَشَايِخِ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ الْهِجْرِيِّ كَانَ لَهُ أَلْفُ جَارِيَةٍ. فَلا عِبْرَةَ بِمَا قَالَهُ بَعْضُ أَدْعِيَاءِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِمْ أَنَّ الإِسْلامَ جَاءَ لِيَقْطَعَ الرِّقَّ بِالتَّدْرِيجِ، هَذَا كَذِبٌ عَلَى شَرْعِ اللَّهِ، كَذَّبُوا قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [سُورَةَ الْمَعَارِج/ الآية 29] فِعِنْدَهُمْ كَأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، لَكِنْ فِي شَرْعِ اللَّهِ حُكْمُهَا مُسْتَمِرٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. هَذَا وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَةً لِي جَارِيَةً أَمْلِكُهَا، فَقَالَ: «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ اهـ. فَضَّلَ تَرْكَ جَارِيَتِهَا عَلَى الرِّقِّيَّةِ وَأَنْ تَهَبَهَا لِأَخْوَالِهَا فَتَكُونَ مِلْكًا يَنْتَفِعُونَ بِهَا عَلَى الإِعْتَاقِ لِمَا عَلِمَ مِنْ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ لِاسْتِخْدَامِ الرَّقِيقِ، فَمَاذَا يَقُولُ بعض أدعياء العلم الَّذِين قَالَوا إِنَّ الإِسْلامَ جَاءَ لِيَقْطَعَ الرِّقَّ. 

وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: مَتَى اسْتَعْبَدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْرَارًا!!! فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى عُمَرَ. بَلِ الَّذِي ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ إِمَاءٌ وَعِبِيدٌ، وَابْنُهُ كَذَلِكَ.

 ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِرْقَاقَ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، مِنْهَا: أَنَّ الَّذِي يُجَامِعُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَمْدًا يُعْتِقُ عَبْدًا مَمْلُوكًا وَالَّذِي يَقْتُلُ مُسْلِمًا خَطَأً كَذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ دَفْعُ الدِّيَةِ وَعِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ حَلَفَتْ ذَاتَ مَرَّةٍ أَنَّ قَرِيبًا لَهَا لا يَدْخُلُ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ أَغْضَبَهَا بِسَبَبِ كَلامٍ تَكَلَّمَهُ فِيهَا، ثُمَّ النَّاسُ تَوَسَّطُوا لِقَرِيبِهَا هَذَا حَتَّى سَمَحَتْ لَهُ، ثُمَّ كَفَّرَتْ عَنْ يَمِينِهَا. أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقِيقًا أَيْ زَادَتْ فِي الإِعْتَاقِ مِنْ بَابِ التَّطَوُّعِ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ قال أحد الصالحين رحمه الله: “معناه: كأنّه أَعتَق رقَبةً مِن أشرَفِ الأنسابِ، عَبدًا مملوكًا مِن ذُرِّيةِ إسماعيلَ، مِن أشرَفِ أنسابِ البشَرِ، مِن ذُرِّيّةِ إسماعيلَ لأنّ قُرَيشًا منهم. قرَيشٌ أفضَلُ قَبائلِ العرَب يَنتسِبُون إلى إسماعيلَ، فالّذي يُعتِقُ رقِيقًا منهم له مَزِيّةٌ. ذُرِّيّةُ إسماعيلَ عليه السّلامُ بَعدَ إسماعيلَ بِزَمانٍ دخَل فيهِم الكفرُ، بعضُ قَبائلِهم إذا قُوتِلُوا لِكفرِهم فسُبِيَ منهُم وأُسِرَ مِنهُم يَدخُلُهم الرِّقُّ، فالّذي يُعتِقُ واحدًا مِن هؤلاءِ له مَزِيَّةٌ، كالّذي يَذبَحُ للأُضحِيّة ناقةً نَفِيسَةً جمَلًا جيّدًا له سِعرٌ كَبِيرٌ يكُون له أجرٌ زائِدٌ، كذلك هذا له أجرٌ زائِدٌ”. 

وسيد ولد آدم على الإطلاق كان من وَلَدِهِ وهو مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ الَّذِي سَادَتْ بِهِ الْعَرَبُ، وَمَلَكَتْ جَمِيعَ الْبِلَادِ غَرْبًا وَشَرْقًا، وَأَتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَمْ يُؤْتِ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِشَرَفِ رَسُولِهَا عَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ وَبَرَكَةِ رِسَالَتِهِ وَيُمْنِ بِشَارَتِهِ وَكَمَالِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ. وَعُمُومِ بَعْثَتِهِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ. 

وإسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الذبيح الذي أُمرَ أبوه إبراهيم بذبحه، وَهَذَا اخْتِبَارٌ مِنَ اللَّهِ عز وجل لِخَلِيلِهِ فِي أَنْ يَذْبَحَ هَذَا الْوَلَدَ الْعَزِيزَ الَّذِي جَاءَهُ عَلَى كِبَرٍ، وَقَدْ طَعَنَ فِي السِّنِّ بَعْدَ مَا أُمِرَ بِأَنْ يُسْكِنَهُ هُوَ وَأُمَّهُ فِي بِلَادٍ قَفْرٍ، وَوَادٍ لَيْسَ بِهِ حَسِيسٌ وَلَا أَنِيسٌ وَلَا زَرْعٌ وَلَا ضَرْعٌ، فَامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، وَتَرَكَهُمَا هُنَاكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمَا فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَرَزَقَهُمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبَانِ، ثُمَّ لَمَّا أُمِرَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ هَذَا، تنفيذًا لأَمْرِ رَبِّهِ، وَهُوَ بِكْرُهُ وَوَحِيدُهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ أَجَابَ رَبَّهُ وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ وَسَارَعَ إِلَى طَاعَتِهِ، ثُمَّ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ؛ لِيَكُونَ أَطْيَبَ لِقَلْبِهِ وَأَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهُ قَسْرًا وَيَذْبَحَهُ قَهْرًا، قَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، [سُورَةُ الصافات:102]. فَبَادَرَ الْغُلَامُ الْحَلِيمُ يَبَرُّ وَالِدَهُ الْخَلِيلَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، [سُورَةُ الصافات:102].وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَايَةِ السَّدَادِ وَالطَّاعَةِ لِلْوَالِدِ وَلِرَبِّ الْعِبَادِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، [سُورَةُ الصافات:103]. قِيلَ: أَسْلَمَا أَيِ اسْتَسْلَمَا لِأَمْرِ اللَّهِ وَعَزَمَا عَلَى ذَلِكَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ نُودِيَ: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، [سُورَةُ الصافات:104-105]. أَيْ قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنِ اخْتِبَارِكِ وَطَاعَتِكَ وَمُبَادَرَتِكَ إِلَى أَمْرِ رَبِّكَ وَبَذْلِكَ وَلَدَكَ لِلْقُرْبَانِ، كَمَا نَجَّيتُكَ بِبَدَنِكَ مِنَ النِّيرَانِ، وَكَمَا مَالُكَ مَبْذُولٌ لِلضِّيفَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾، [سُورَةُ الصافات:106]. أَيِ الِاخْتِبَارُ الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، [سُورَةُ الصافات:107]. أَيْ وَجَعَلْنَا فِدَاءَ ذَبْحِ وَلَدِهِ مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ كَبْشٌ أَبْيَضُ أَعْيَنُ أَقْرَنُ رَآهُ مَرْبُوطًا بِسَمُرَةٍ فِي ثَبِيرٍ. قَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَبْشٌ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ وَكَانَ عَلَيْهِ عِهْنٌ أَحْمَرُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِيرٍ كَبْشٌ أَعْيَنُ أَقْرَنُ لَهُ ثُغَاءٌ فَذَبَحَهُ، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنْهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَذَبَحَهُ بِمِنًى وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ قال أحد الصالحين: “معناهُ: يُكتَبُ له عَشرُ حسَناتٍ مُمَيّزاتٍ وتُمحَى عنه عَشرُ كبائِرَ” وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ أي: أمانٍ مِنَ اللهِ وَحِفظٍ حَتَّى يُمْسِى وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ». وفي رواية: فرأَى رَجلٌ فِيما يَرَى النّائِمُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أبا عَيّاشٍ حَدَّثَنا عَنكَ بكذا وكذا، فقال: «صَدَقَ أبو عَيّاش». وهذا حديثٌ صحِيحٌ أخرجَه أَحمَدُ.

والله تعالى أعلم وأحكم