شرح حديث أعوذ بكلمات الله التامات | أذكار الصباح والمساء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله اللطيفِ الرّؤوفِ المَنَّانِ، الْغَنِيِّ القويِّ السُّلْطَان، الحَلِيمِ الكَرِيم الرّحيم الرّحمن، المحيطِ عِلْمَاٍ بما يكونُ وما كان، يُعِزُّ وَيُذِلُّ، ويُفْقِرُ ويُغْنِي، وَكُلُّ مَا شاءَه كان. 

أحْمَدُه وهو الموصوف بالصّفاتِ الكاملةِ الحِسَان، وأشكرُه على نِعَمِهِ وبَالشُّكرِ يزيد العطاءُ والامْتِنَان، وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله وحْدَه لا شريكَ له المَلِكُ الدَّيَّان، وأشهد أنَّ محمّدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ المبعوثُ إلى الإِنس والجان، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعينَ لهم بإحسان ما توالت الأزمان، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، 

أمّا بعد: 

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر من أذكار سيد البشر إلى قوله:

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ لِمَنْ لَدَغَهُ عَقْرَبٌ: «أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّكَ». 

الشرح والتعليق على هذا الحديث:

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ لِمَنْ لَدَغَهُ عَقْرَبٌ: مَا يَعَضُّ بِمُؤَخَّرَتِهِ يُقَالُ لَدَغَةٌ، وَمَا يَعَضُّ بِفَمِهِ يُقَالُ لَسَعَةٌ. قال الدميري في كتابه حياة الحيوان: العقرب: دويبَّة من الهوام تكون للذكر والأنثى. وقد يقال للأنثى: عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، والذكر عُقرُبان بضم العين والراء، وكنيتها أم عِريَط، ومنها السود والخضر والصفر، وهن قواتل وأشدها بلاء الخضر. وهي كثيرة الولد. وقيل إنّ عامة هذا النوع، إذا حملت الأنثى منه، يكون حتفها في ولادتها، لأنّ أولادها إذا استوى خلقها، تأكل بطنها وتخرج، فتموت الأم. والعقرب أشد ما تكون، إذا كانت حاملا، ولها ثمانية أرجل، وعيناها في ظهرها. ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا النائم، حتى يتحرّك شيء من بدنه، فإنها عند ذلك تضربه. وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها، وهي يلدغ بعضها بعضا فتموت ومن شأنها، أنّها إذا لدغت الإنسان، فرّت فرار مسيء يخشى العقاب. ومن لطيف أمرها أنها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلدغها: «أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ وقد وردت عبارة: “كلمات الله” في كثير من أحاديثه ﷺ وفي القرآن الكريم، ففي الحديث الذي رواه الإمام مالك عن واحد من كبار التابعين وهو كعب الأحبار، الذي كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله ببعض المسائل في النّسك ويستشيره، قَالَ كعبٌ رضي الله عنه: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ ‌حِمَارًا[1]. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ؟ فَقَالَ:

أَعُوذُ بِوَجْهِ اللهِ العَظِيمِ، الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا، مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمُ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ.اهـ

وهو دُعَاءٌ نَافِعٌ لِلحِفظِ مِنَ السِّحرِ بِإِذنِ اللهِ. 

ومعنى أَعُوذُ: أي أَحتَمِي، بِوَجهِ اللهِ: بِذَاتِ اللهِ المُقَدَّسِ. لَا يُجَاوِزُهُنَّ: لَا يَغلِبُهُنَّ. بَرٌّ: طَائِعٌ. فَاجِرٌ: الكَافِرُ وَالفَاسِقُ. الحُسنَى: الكَامِلَةُ. ذَرَأَ وَبَرَأَ: خَلَقَ. 

و”كلمات الله” وردت في القرآن الكريم، حيث قال عزّ وجلّ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، [سورة الكهف:109]. وَالمَعنَى: قُل لَهُم يَا مُحَمَّدُ لَو كَانَ مَاءُ البَحرِ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي، 

قَالَ أَبُو عُبَيدَةَ: المِدَادُ مَا يُكتَبُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِالبَحرِ الجِنسُ، أَي لَو فُرِضَ البَحرُ مِدَادًا أَي حِبرًا يُستَمَدُّ لِكِتَابَةِ مَا يَدُلُّ أَي يُعَبِّرُ عَن كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لَهُ، وَكَلَامُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدٌ لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَلَا مُبتَدَأً وَلَا مُختَتَمًا وَلَا مُتَبَعِّضًا وَلَا مُتَجَزِّئًا وَلَا مُتَعَاقِبًا، 

صفة الكلام لله تعالى:

وَقَولُهُ: [لِكَلِمَاتِ] لَيسَ لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ مُتَعَدِّدٌ، بَل هُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ خَبَرٌ وَوَعدٌ وَوَعِيدٌ وَأَمرٌ وَنَهيٌ، وَإِنَّمَا عُبِّرَ عَنهُ هُنَا بِالكَلِمَاتِ لِلتَّعظِيمِ، لَيسَ لِأَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ، بَل عِلمُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدٌ وَقُدرَتَهُ وَاحِدَةٌ وَكُلُّ صِفَاتِهِ لَيسَت مُتَجَزِّئَةً وَلَا مُتَبَعِّضَةً.اهـ 

فكَلَامُ اللهِ لَيسَ شَيئًا لَهُ أَبعَاضٌ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: [كَلِمَاتُ] بِلَفظِ الجَمعِ لِلتَّعظِيمِ، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ لَهُ كَلَامًا مُتَجَزِّئًا، 

فِي القُرآنِ فِي مَوضِعٍ وَرَدَ: ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ﴾، [سورة التوبة: 40]، وَوَرَدَ: ﴿كَلِمَاتُ اللهِ﴾، [سورة لقمان:27]، بِلَفظِ الجَمعِ وَبِلَفظِ الإِفرَادِ، كَمَا أَنَّ اللهَ عَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ وَبِلَفظِ الإِفرَادِ، ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص:1]، هَذَا صَرِيحٌ فِي الإِفرَادِ، وَعَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحنُ نُحيِي المَوتِى﴾، [سورة يس:12]، وَهُوَ وَاحِدٌ، لَكِن عَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ وَهُوَ وَاحِدٌ لَيسَ جَمعًا، وَعَبَّرَ بِلَفظِ: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾، [سورة الأنبياء:79]، وَهُوَ سُبحَانَهُ فَاعِلٌ وَاحِدٌ خَالِقٌ وَاحِدٌ،

 وَمِن أَوضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الأَلفَاظَ المُنَزَّلَةَ عَلَى الأَنبِيَاءِ لَيسَت عَينَ كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ قَولُهُ تَعَالَى:﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، [سورة الكهف:109]. فَالكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ هِيَ تُعَبِّرُ عَن كَلَامِ اللهِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ، أَمَّا كَلَامُ اللهِ الأَزَلِيِّ فَلَيسَ حَرفًا وَلَيسَ صَوتًا وَلَيسَ لُغَةً، فَيُطلَقُ كَلَامُ اللهِ وَيُرَادُ بِهِ الكَلَامُ الأَزَلِيُّ الأَبَدِيُّ الَّذِي لَيسَ كَكَلَامِنَا، لَيسَ بِحَرفٍ وَلَيسَ بِصَوتٍ، وَيُطلَقُ وَيُرَادُ بِهِ اللَّفظُ المُنَزَّلُ عَلَى الأَنبِيَاءِ، فَهَذِهِ الكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ المُنَزَّلَةُ الأَربَعَةُ وَغَيرُهَا لَو فَرَضنَا البَحرَ مِدَادًا لَنَفِدَت قَبلَ أَن يَنفَدَ البَحرُ، فَبَيَّنَتِ الآيَةُ أَنَّ المُرَادَ غَيرُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، بَلِ المُرَادُ الكَلَامُ الذَّاتِيُّ الَّذِي لَيسَ حَرفًا وَلَيسَ صَوتًا، وَإِذَا قِيلَ القُرآنُ كَلَامُ اللهِ انصَرَفَ المَعنَى إِلَى صِفَةِ الكَلَامِ للهِ، وَكَلَامُ اللهِ تَعَالَى غَيرُ مَخلُوقٍ، فَكَلَامُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَو كَانَ حَرفًا وَصَوتًا لَكَانَ يُبدَأُ ثُمَّ يُختَمُ، هَذِهِ الكُتُبُ الأَربَعَةُ وَبَقِيَّةُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ لَا يَنفَدُ البَحرُ دُونَ نَفَادِ هَذِهِ الحُرُوفِ، لَو فَرَضنَا أَنَّ البَحرَ مِدَادٌ فَكُتِبَت هَذِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ بِهِ فَلَا بُدَّ أَن تَنقَضِيَ قَبلَ أَن يَنفَدَ البَحرُ، قَبلَ أَن يَنفَدَ هَذَا المِدَادُ الَّذِي هُوَ البَحرُ، فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ الَّذِي يَقُولُ اللهُ عَنهُ: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، لَيسَ هَذَا الكَلَامَ اللَّفظِيَّ لِأَنَّ هَذَا يَنفَدُ، إِنَّمَا ذَلِكَ الكَلَامُ الَّذِي لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا فَكُتِبَ بِهِ يَنفَدُ البَحرُ وَلَو مُدَّ هَذَا البَحرُ بِمِثلِهِ إِلَى سَبعَةِ أَبحُرٍ أَو إِلَى أَكثَرَ مِن ذَلِكَ هُوَ الكَلَامُ الَّذَاتِيُّ، هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ كَلِمَاتِ اللهِ الَّتِي هِيَ كَلَامُهُ الذَّاتِيُّ شَيءٌ لَيسَ حَرفًا وَصَوتًا، لَيسَ شَيئًا يَبدَأُ ثُمَّ يَنقَضِي ثُمَّ يَبدَأُ ثُمَّ يَنقَضِي كَمَا نَحنُ نَتَكَلَّمُ بِالقُرآنِ وَبِغَيرِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى الَّذِي يَجِبُ اتِّصَافُ اللهِ بِهِ عَقلًا وَنَقلًا هُوَ شَيءٌ غَيرُ هَذَا، وَأَمَّا هَذِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَهِيَ عِبَارَاتٌ عَن ذَلِكَ الكَلَامِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ الَّذِي لَا يَدخُلُهُ تَعَاقُبٌ أَوِ ابتِدَاءٌ ثُمَّ اختِتَامٌ وَانقِضَاءٌ.اهـ 

مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ هذا دليل لأهل السّنة والجماعة أنّ الله تعالى هو خالِق الخير والشّرّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، [سورة القمر:49]، وقال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيرًا﴾، [سورة الفرقان:2]، قال رسول الله ﷺ: «سيكون في أمتي أقوامٌ يكفرون بالله وبالقرءان وهم لا يشعرون» فقلت: يا رسول الله كيف يقولون؟ قال: «يُقِرّون ببعض القدر ويكفرونَ ببعض، يقولون: إنّ الخيرَ مِنَ الله والشرَّ من الشيطان» رواه الإمام أحمد بن الحسين أبي بكر البيهقي رحمه الله بإسناده إلى رافع بن خَدِيج صاحبِ رسول الله ﷺ. 

الإيمان بالقدر خيره وشره:

معناه الإيمان بأنّ كلّ ما دخل في الوجود من خير وشرّ هو بتقدير الله الأزلي، فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبته ورضاه، والشّرّ من أعمال العباد بتقدير الله وخلقه وعِلْمِه ولكن ليس بمحبته ولا برضاه. الله خالق الخير والشّرّ لكنّه يرضى الخير ولا يرضى الشّرّ. الله تعالى خالق أفعال العباد،ونيّاتهم ومشيئتهم شرّها وخيرها. وليعلم أنّه لا يجري شىء في هذا العالم إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى. 

والقدر هو جعل كل شىء على ما هو عليه، وقد قال رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» أي أنّ المخلوقات التي قدّرها الله وفيها الخير والشّر إنّما وجدت بتقدير الله الأزلي. وأمّا صفة الله القدر لا يوصف بأنّه شرّ. 

لَمْ يَضُرَّكَ هذه الأوراد التي يذكرها النبي ﷺ هي أسباب لدفع البلايا والذي يدفع البلاء في الحقيقة هو الله عزّ وجلّ. قَالَتْ جَارِيَةُ أَبِي مُسلِمٍ الخَولَانِيِّ لِأَبِي مُسلِمٍ: مَا ‌تَقُولُ عِندَ إِفطَارِكَ فَقَدْ سَمَمْتُكَ مِرَارًا فَلَمْ يَضُرَّكَ السُّمُّ، قَالَ: وَمَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَتْ أَنَا جَارِيَةٌ شَابَّةٌ وَأَنْتَ شَيخٌ كَبِيرٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَرِيْحَ مِنْكَ. قَالَ: إِنِّيْ لَأَقُولُ عِندَ إِفطَارِي: بِسمِ اللهِ خَيْرِ الأَسْمَاءِ، بِسمِ اللهِ رَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، بِسمِ اللهِ الذي لَا يَضُرُّ مَعَ اسمِهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ.

فإنّ اعتقادنا ما جاء في وصية النّبيّ ﷺ لابن عباس فيما رواه الترمذي، حيث قال له: «‌وَاعْلَمْ ‌أَنَّ ‌الأُمَّةَ ‌لَوْ ‌اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» إذا علم العبد أنَّه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ، وأنّ اجتهاد الخلق كلّهم جميعًا عَلَى خلاف المقدور غيرُ مفيد شيئًا البتّة، علم حينئذ أنّ الله تعالى وحده هو الضّارّ النافع والمعطي المانع، 

فأوجب ذلك للعبد توحيد ربّه عزّ وجلّ وإفراده أيضا بالعبادة والطّاعة؛ وإفراده بالاستعانة الخاصّة وذلك يشمل حال الشّدة وحال الرخاء. ثم ذكر بعد هذا كلّه الأصل الجامع الَّذِي تنبني عليه هذه المطالب، وهو: تفرّد الله سبحانه وتعالى بالضّرّ والنّفع والعطاء والمنع على معنى الخلق، وأنّه لا يصيب العبد من ذلك كلّه إلا ما سبق تقديره وقضاه له، وأنّ الخلق كلّهم عاجزون عن إيصال نفع أو ضرّ غير مقدَّر في الكتاب السابق. وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالعبادة، وأن تُقدم طاعته عَلَى طاعة الخلق، وأن يُتقى سخطه، وقد جاء في حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسُخْطِ اللهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللهِ، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يَؤْتِكَ اللهُ، إِنَّ رِزْقَ اللهِ لَا يَجُرُّهُ إِلَيْكَ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كُرْهُ كَارِهٍ» رواه البيهقي في شعب الإيمان. 

وقال بعضهم:

مَا قَدَّرَ اللهُ لي لَا بُـدَ يُدرِكُنِي مَنْ ذَا الَّذِي يَدفَعُ المَقدُورَ بِالحَذَرِ
اللهُ أَولَى بِنَــــا مِنَّا بِأَنفُسِــــنَا إِنْ نَحــــنُ إِلَّا مَمَالِيـــــكُ المُقتَدِرِ

وقال بعضهم:

دَبِّرْ فَلَيسَ بِمُغنٍ عَنــكَ تَدبِيرُ وَلَيسَ يَعدُوكَ بِالتَّدبِيــــرِ تَقدِيــــرُ
إِنَّ الأُمُـــورَ لَهَا رَبٌّ يُدَبِّرُهَا فَمَـــا قَضَى الرَّبُّ سَاقَتْهُ المَقَادِيرُ

الحديث الذي بعده:

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ فِى السُّنَنِ وَالْبُخَارِىُّ فِى الأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِى بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَىْءٍ وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِى وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ». قَالَ: «قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ».

الشرح والتعليق على هذا الحديث:

أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِى بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ أي أقولهن دائمًا بطريق الوِردِ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ إذا جاءني الصّباح والمساء قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَىْ خَالِقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، والنّبيّ ﷺ يرشد دائمًا للتفكّر في خلق السّموات والأرض لمّا في ذلك من تعظيم خالقهما عزّ وجلّ، فمن نظر بعقله إلى السموات والأرض يعظِّمُهُمَا فيعظِّمُ خالقَهمَا سبحانه، ولكن نحن بالغالب لا ننتبه إلى عظيم خلق السموات والأرض لأننا اعتدنا على رؤيتهما دائمًا، وفي القرآن الكريم كذلك حيث يقول عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، [سورة آل عمران:190-191]، سبب نزولها أنّ المشركين قالوا للنبيّ ﷺ: اجعل لنا الصّفا ذهبًا إن كنت صادقًا فنزلت هذه الآية.اهـ فَخَتَمَ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ سورةَ آل عمران بِالْأَمْرِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي آيَاتِهِ، إِذْ لَا تصدر إلا عن حيّ قيّوم قدير قدوس سَلَامٍ غَنِيٍّ عَنِ الْعَالَمِينَ، حَتَّى يَكُونَ إِيمَانُهُمْ مُسْتَنِدًا إِلَى الْيَقِينِ لَا إِلَى التَّقْلِيدِ. ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ فِي تَأَمُّلِ الدَّلَائِلِ. 

وَروى ابن حبان في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَامَ يُصَلِّي، فأتاه بلال يُؤْذِنُهُ بالصّلاة، فرءاه يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ: ((يَا بِلَالُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، وَلَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةً ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾)) ثُمَّ قَالَ: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا». قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَسْتَفْتِحَ قِيَامَهُ بِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْعَشْرِ الْآيَاتِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّفَكُّرِ وَالْعَمَلِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْعَمَلِ. 

وَروى الطبراني في المعجم الأوسط عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، ذَكَرَ تَعَالَى ثلاث هيئات لا يخلوا ابْنُ آدَمَ مِنْهَا فِي غَالِبِ أَمْرِهِ، فَكَأَنَّهَا تَحْصُرُ زَمَانَهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَ ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، أي ومضطجعين. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وَالْفِكْرَةُ: تَرَدُّدُ الْقَلْبِ فِي الشَّيْءِ، وَإِنَّمَا التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ وَانْبِسَاطُ الذِّهْنِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا قَالَ: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

 وَحُكِيَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا رَأَى الْكَوَاكِبَ غُشِيَ عَلَيْهِ،

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِهِ إِذْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ وَإِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لَكِ رَبًّا وَخَالِقًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ([2]) فَغَفَرَ لَهُ». وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ: مَا كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِهِ التَّفَكُّرَ. 

وَقَالَ الْحَسَنُ: الْفِكْرَةُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ يَنْظُرُ فِيهَا إِلَى حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ.

 وَمِمَّا يَتَفَكَّرُ فِيهِ مَخَاوِفَ الْآخِرَةِ مِنَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْجَنَّةِ، وَنَعِيمِهَا وَالنَّارِ وَعَذَابِهَا. 

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ، وَفِيهِ: ((فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَاتِ العشر الخواتم مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَقَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ[3] فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا ثُمَّ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً)) الْحَدِيثَ. فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى جَمْعِهِ بَيْنَ التَّفَكُّرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ ثُمَّ إِقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ بَعْدَهُ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ هِيَ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا.

 قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، أَيْ يَقُولُونَ: مَا خَلَقْتَهُ عَبَثًا وَهَزْلًا، بَلْ خَلَقْتَهُ دَلِيلًا عَلَى قُدْرَتِكَ وَحِكْمَتِكَ. وَالْبَاطِلُ: الزَّائِلُ الذَّاهِبُ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: أَلَا كلّ شي ما خلا الله باطل؛ أَيْ زَائِلٌ.

 عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ مَا تُشَاهِدُهُ يُقَالُ لَهُ شَهَادَةٌ وَمَا غَابَ عَنْكَ يُقَالُ لَهُ غَيْبٌ، فالله تعالى لا تخفى عليه خافية، وعلمه أزلي أبدي لا يتغير، وَمَا أَوْهَمَ تَجَدُّدَ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، [سورة الأنفال:66]، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلِمَ﴾ لَيْسَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ: ﴿الْآنَ﴾ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى خَفَّفَ عَنْكُمُ الآنَ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِي الأَزَلِ أَنَّهُ يَكُونُ فِيكُمْ ضَعْفٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾، [سورة محمد:31]، مَعْنَاهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نُمَيِّزَ أَيْ نُظْهِرَ لِلْخَلْقِ مَنْ يُجَاهِدُ وَيَصْبِرُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ اللَّهُ عَالِمًا قَبْلُ كَمَا نَقَلَ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بنِ الْمُثَنَّى، وَهَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، [سورة الأنفال:37]،لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا مَنْ هُوَ الْخَبِيثُ وَمَنْ هُوَ الطَّيِّبُ ثُمَّ عَلِمَ بَلِ الْمَعْنَى لِيُظْهِرَ لِعِبَادِهِ مَنْ هُوَ الْخَبِيثُ وَمَنْ هُوَ الطَّيِّبُ.

شمول علم الله وأنّه لا تخفى عليه خافية:

وممّا يدلّ على شمول علم الله وأنّه لا تخفى عليه خافية كثير من الوقائع والحوادث منها ما قال أهل السير:

كَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا أُصِيبَ أَصْحَابُ بَدْرٍ جَلَسَ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ. فِي الْحِجْرِ فَقَالَ صَفْوَانُ: قُبِّحَ لَكَ الْعَيْشُ بَعْدَ قَتْلَى بَدْرٍ. قَالَ: أَجَلْ واللَّه مَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ بَعْدَهُمْ، وَلَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ لَا أَجِدُ له قضاء وعيالا لَا أَدَعُ لَهُمْ شَيْئًا لَرَحَلْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَتَلْتُهُ، فَفَرِحَ صَفْوَانُ بِقَوْلِهِ وَقَالَ: عَلَيَّ دَيْنُكَ وَعِيَالُكَ أُسْوَةُ عِيَالِي فِي النَّفَقَةِ لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجَزُ عَنْهُمْ. 

فقَالَ عُمَيْرٌ لِصَفْوَانَ: اكْتُمْنِي أَيَّامًا. فَأَقْبَلَ عُمَيْرٌ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ وَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ وَأَخَذَ السَّيْفَ فَعَمَدَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ فَنَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ وَيَذْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّه عزّ وجلّ فِيهَا فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مَعَهُ السَّيْفُ فَزِعَ، وَقَالَ: هَذَا عَدُوُّ اللَّه الَّذِي حَرَّشَ بَيْنَنَا يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: هَذَا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مُتَقَلِّدًا السَّيْفَ وَهُوَ الْفَاجِرُ الْغَادِرُ يَا نَبِيَّ اللَّه لَا تَأْمَنْهُ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَدْخِلْهُ عَلَيَّ، فَخَرَجَ عُمَرُ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ثُمَّ يَحْتَرِسُوا مِنْ عُمَيْرٍ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ وَعُمَيْرٌ حَتَّى دَخَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَمَعَ عُمَيْرٍ سَيْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِعُمَرَ: تَأَخَّرْ عَنْهُ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عُمَيْرٌ قَالَ: أَنْعِمُوا صَبَاحًا – وَهِيَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ – فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: قَدْ أَكْرَمَنَا اللَّه عَنْ تَحِيَّتِكَ وَجَعَلَ تَحِيَّتَنَا تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهِيَ السَّلَامُ. فَمَا أَقْدَمَكَ يَا عُمَيْرُ؟ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى أَسِيرٍ مِنْ عِنْدِكُمْ فَفَادُونَا فِي أُسَرَائِنَا فَإِنَّكُمُ الْعَشِيرَةُ وَالْأَهْلُ. 

فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: فَمَا بَالُ السَّيْفِ فِي عُنُقِكَ؟ قَالَ عُمَيْرٌ: قَبَّحَهَا اللَّه مِنْ سُيوفٍ فَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئًا إِنَّمَا نَسِيتُهُ فِي عُنُقِي حِينَ نَزَلْتُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: فَمَاذَا شَرَطْتَ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ؟

فَفَزِعَ عُمَيْرٌ وَقَالَ: مَاذَا شَرَطْتُ لَهُ؟ قَالَ تَحَمَّلْتَ لَهُ بِقَتْلِي عَلَى أَنْ يَعُولَ بَنِيكَ وَيَقْضِي دَيْنَكَ، واللَّه تَعَالَى حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّه. كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّه نُكَذِّبُكَ بِالْوَحْيِ وَبِمَا يَأْتِيكَ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَفْوَانَ فِي الْحِجْرِ لم يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرَهُ، فَأَخْبَرَكَ اللَّه عزّ وجلّ بِهِ فَآمَنْتُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ.

فَفَرِحَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ حِينَ هَدَاهُ اللَّه تَعَالَى، وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لهو الْيَوْمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ وَلَدِي. وَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: اجْلِسْ يَا عُمَيْرُ نُوَاسِكَ. وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: عَلِّمُوا أَخَاكُمُ الْقُرْآنَ. وَأَطْلَقَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَسِيرَهُ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّه قَدْ كُنْتُ جَاهِدًا مَا اسْتَطَعْتُ عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللَّه تَعَالَى فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ وَهَدَانِي، فَأْذَنْ لِي فَأَلْحَقَ بِقُرَيْشٍ فَأَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّه وَإِلَى الْإِسْلَامِ لَعَلَّ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَهُمْ وَيَسْتَنْقِذَهُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ. 

فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ وَجَعَلَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ: أَبْشِرُوا بِفَتْحٍ يُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ. وَجَعَلَ يَسْأَلُ كُلَّ رَاكِبٍ قَدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ هَلْ كَانَ بِهَا مِنْ حَدَثٍ وَكَانَ يَرْجُو مَا قَالَ لَهُ عُمَيْرٌ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ صَفْوَانُ عَنْهُ فَقَالَ: قَدْ أَسْلَمَ. فَلَعَنَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَقَالُوا: صَبَأَ. وَقَالَ صَفْوَانُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَنْفَعَهُ بِنَفْعَةٍ أَبَدًا وَلَا أُكَلِّمُهُ مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً أَبَدًا. وقال موسى بن عقبة في قصة إسلام عمير بن وهب: فَلَمَّا قَدِمَ عُمَيْرٌ مَكَّةَ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ رَجُلًا شَهْمًا مَنِيعًا.

رَبَّ كُلِّ شَىْءٍ وَمَلِيكَهُ ربّ الشيء أي مالكه، وهنا العطف للتأكيد فهو عزّ وجلّ ربّ كلّ شيء ومالك كلّ شي، وكلمة الرّبّ، بأل التعريف لا تطلق إلا على الله عزّ وجلّ، لا يقال عن غير الله الرّب، لكن يقال في لغة العرب: ربّ الشيء على معنى مالكه، فالرسول قَالَ فيما رواه أحمد: «مَنْ ‌رَبُّ ‌هَذَا ‌الْجَمَلِ؟» أي من صاحب هذا الجمل؟، فكلمة ربّ الشيء تطلق على من يملكه، نقول في اللغة: ربّ الدار، أي مالكها وربّ السيّارة أي مالكها، ولكن لا نقول ربّ الأسرة فهم ملك لله عزّ وجلّ، والأسرة في اللغة ليس المقصود بها الزوجة والأولاد أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ هي كلمة التوحيد التي جاء بها كلّ أنبياء الله ودعوا أقوامهم إليها أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِى وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ أيْ: مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ، وَيُرْوَى بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: مَصَائِدِهِ وَحَبَائِلِهِ الَّتِي يَفْتَتِنُ بِهَا النَّاسُ، والنّبيّ ﷺ استعاذ هنا من شرّ النّفس ومن شرّ الشّيطان، وهما أشدّ أعدائك، نفسك والشّيطان وأحيانًا نفس الواحد تكون أشدّ عليه من الشّيطان والعياذ بالله، ينبغي على العاقلِ أن يحرصَ على شدةِ مغالبةِ النفسِ وقهرِها فإنّها في بعضِ الأحوالِ تكونُ أشدَّ أعداءِ الشخصِ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لبعضِ أصحابِه عند رجوعِه مِن بعضِ الغزواتِ: رجعتُم من الجهادِ الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ، وسمَّاه في بعضِ الرواياتِ فقال: جهادُ النفسِ والهوى، فسمَّى النبي ﷺ مقاتلةَ العدوِّ بالسّلاحِ والسّيفِ الجهادَ الأصغرَ مقارنةً بمجاهدةِ النفسِ والهوى فقد سمَّاه الجهادَ الأكبرَ لِمَا يجدُ الشخصُ عادةً مِن المشقةِ في مجاهدةِ نفسِه وهواه، فمحاسبةُ النّفسِ فيها نفعٌ للمسلمِ ورَفْعٌ للدرجاتِ وهي شديدةٌ إلا على مَن يسَّرَها اللهُ عليه، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، [سورة الحاقة:18].

وروي عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: “لَا يَكُونُ الرَّجُلُ تَقِيًّا حَتَّى يَكُونَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ مُحَاسَبَةً مِنَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ” 

وكان مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَقُولُ: “رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ لِنَفْسِهِ النَّفِيسَةِ: أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟ أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟ ثُمَّ ذَمَّهَا ثُمَّ خَطَمَهَا، ثُمَّ أَلْزَمَهَا كِتَابَ اللَّهِ؛ فَكَانَ لَهَا قَائِدًا”. وقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: ”مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الْجَنَّةِ، آكُلُ ثِمَارَهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا، وَأُعَانِقُ أَبْكَارَهَا، ثُمَّ مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي النَّارِ، آكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ صَدِيدِهَا، وَأُعَالِجُ سَلَاسِلَهَا وَأَغْلَالَهَا؛ فَقُلْتُ لِنَفْسِي: أَيْ نَفْسِي، أَيُّ شَيْءٍ تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ أُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا؛ فَأَعْمَلَ صَالِحًا قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتِ فِي الْأُمْنِيَةِ فَاعْمَلِي“. 

وروي عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: ”مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهِ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا مَعَ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيُحْمَدُ؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ، وَإِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ، وَحَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ”. 

وروي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ فَكَانَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ: أَنْ حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابٍ فِي الشِّدَّةِ؛ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى الرْضَا وَالْغِبْطَةِ، وَمَنْ أَلْهَتْهُ حَيَاتُهُ، وَشَغَلَتْهُ أَهْوَاؤُهُ عَادَ أَمْرُهُ إِلَى النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ فَتَذَكَّرْ مَا تُوعَظُ بِهِ. 

وجاء عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ”الْمُؤْمِنُ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ أَوْقَفَهُمُ الْقُرْآنُ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَلَكَتِهِمْ إنَّ الْمُؤْمِنَ أَسِيرٌ فِي الدُّنْيَا يَسْعَى فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ لَا يَأْمَنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ، وَفِي بَصَرِهِ، وَفِي لِسَانِهِ، وَفِي جَوَارِحِهِ، مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ”. 

قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو أُمَيَّةَ الْغِفَارِيُّ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ لَنَا، فَحَضَرَ عَدُوُّهُمْ، فَصِيحَ فِي النَّاسِ، فَهُمْ يَثُوبُونَ إِلَى مَصَافِّهِمْ، وَفِي يَوْمٍ شَدِيدِ الرِّيحِ، إِذَا رَجُلٌ أَمَامِي، رَأْسُ فَرَسِي عِنْدَ عَجُزِ فَرَسِهِ، وَهُوَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: أَيْ نَفْسِي، أَلَمْ أَشْهَدْ مَشْهَدَ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْتِ لِي: أَهْلُكَ وَعِيَالُكَ، وَأَطَعْتُكِ فَرَجَعْتُ، أَلَمْ أَشْهَدْ مَشْهَدَ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْتِ لِي: أَهْلُكَ وَعِيَالُكَ، فَأَطَعْتُكِ، فَرَجَعْتُ، وَاللَّهِ، لَأَعْرِضَنَّكِ الْيَوْمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَخَذَكِ أَوْ تَرَكَكِ، فَقُلْتُ: لَأَرْمُقَنَّهُ الْيَوْمَ فَرَمَقْتُهُ فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَكَانَ فِي أَوَائِلِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ الْعَدُوَّ حَمَلَ عَلَى النَّاسِ فَانْكَشَفُوا وَكَان فِي حُمَاتِهِمْ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَكَانَ فِي أَوَائِلِهِمْ، ثُمَّ حَمَلَ الْعَدُوُّ وَانْكَشَفَ النَّاسُ فَكَانَ فِي حُمَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، مَازَالَ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى رَأَيْتُهُ صَرِيعًا فَعَدَدْتُ بِهِ وِبَدَابَّتِهِ سِتِّينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ طَعْنَةً. قَالَ: «قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ أَيْ: كَمَا الْتَزَمْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ أَيْ: أَيْضًا لِزِيَادَةِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ».

والله تعالى أعلم وأحكم


[1] ليس معناه قلب الأعيان، بل أنّه يصير بليدا

[2] أي رحمه.

[3] ‌قال ابن حجر: شنّ معلقة أي قربة بالية، وكل سقاء خلق فهو ‌شن.