بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَدِيمًا دَائِمًا، وَخَبِيرًا بِالأَسْرَارِ عَالِمًا، قَرَّبَ مَنْ شَاءَ فَجَعَلَهُ صَائِمًا قَائِمًا، وَطَرَدَ مَنْ شَاءَ فَصَارَ فِي بَيْدَاءِ الضَّلالِ هَائِمًا، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ وَإِنْ يَأْبَى الْعَبْدُ رَاغِمًا، وَيَقْبَلُ تَوْبَةَ التَّائِبِ إِذَا أَمْسَى نَادِمًا،
أَحْمَدُهُ حَمْدًا مِنَ التَّقْصِيرِ سَالِمًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي رُفِعَ إِلَى قَابِ قَوْسَيْنِ ثُمَّ عَادَ غَانِمًا، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي لَمْ يَزَلْ رَفِيقًا مُلائِمًا، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ مُسِرًّا كَاتِمًا، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ مَظْلُومًا وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا، وَفِيهِ أُنْزِلَ: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [سورة الزمر/ الآية 9]، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ فِي الْعُلُومِ بَحْرًا وَفِي الْحُرُوبِ صَارِمًا، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَاجْعَلْ ذِكْرَ الآخِرَةِ لِقُلُوبِنَا مُلازِمًا، وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ تَوْفِيقًا جَازِمًا، وَذَكِّرْنَا رَحِيلَنَا قَبْلَ أَنْ نَرَى الْمَوْتَ هَاجِمًا، وَاقْبَلْ صَالِحَنَا وَاغْفِرْ لِمَنْ كَانَ آثِمًا.
أما بعد:
فقد وصلنا في كتاب حلية البشر من أذكار سيد البشر إلى قوله:
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ». وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ معناه إذا دخل في الصباح:«اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا الْبَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ خَبَرُ أَصْبَحْنَا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ: أَصْبَحْنَا مُلْتَبِسِينَ بِحِفْظِكَ، أَوْ مَغْمُورِينَ بِنِعْمَتِكَ، أَوْ مُشْتَغِلِينَ بِذِكْرِكَ، أَوْ مُسْتَعِينِينَ بِاسْمِكَ، أَوْ مَشْمُولِينَ بِتَوْفِيقِكَ، أَوْ مُتَحَرِّكِينَ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، وَمُتَقَلِّبِينَ بِإِرَادَتِكَ وَقُدْرَتِكَ.
مجاز الحذف:
هذا الأسلوب في لغة العرب يقال له مجاز الحذف كقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [سورة يوسف/ الآية 82]، أي اسأل أهل القرية وراكبي العير.اهـ ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [سورة الفجر/ الآية 22]، قَالَ المُفَسِّرُ الخَازِنُ: فَلَا بُدَّ مِن تَأوِيلِ الآيَةِ، فَقِيلَ فِي تَأوِيلِهَا: وَجَاءَ أَمرُ رَبِّكَ بِالمُحَاسَبَةِ وَالجَزَاءِ، وَقِيلَ: جَاءَ أَمرُ رَبِّكَ وَقَضَاؤُهُ، وَقِيلَ: وَجَاءَ دَلَائِلُ ءَايَاتِ رَبِّكَ.اهـ وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فيما نقله النسفي في التفسير: أَمرُهُ وَقَضَاؤُهُ.اهـ قَالَ ابنُ كَثِيرٍ: “رَوَى البَيهَقِيُّ عَنِ الحَاكِمِ عَن أَبِي عَمرِو بنِ السَّمَّاكِ عَن حَنبَلٍ أَنَّ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ تَأَوَّلَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، أَنَّهُ: جَاءَ ثَوَابُهُ”، ثُمَّ قَالَ البَيهَقِيُّ: وَهَذَا إِسنَادٌ لَا غُبَارَ عَلَيهِ.اهـ هذا كله يقال له في اللغة مجاز الحذف، كما وَرَدَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: ((يَا ابن ءَادَمَ مَرِضتُ فَلَم تَعُدنِي)).اهـ
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: قَد فَسَّرَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَعنَى المَرَضِ، وَأَنَّ المُرَادَ بِهِ مَرَضُ العَبدِ المَخلُوقِ.اهـ وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَمُلَّا عَلِيٌّ القَارِي وَالمُنَاوِيُّ: قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَضَافَ المَرَضَ إِلَيهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَالمُرَادُ العَبدُ تَشرِيفًا لِلعَبدِ وَبِكَ أَمْسَيْنَا أي ندخل في المساء ذاكرين لك يا رب شاكرين لنعمك متوكّلين عليك وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وقيل معناه: يَسْتَمِرُّ حَالُنَا عَلَى هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَسَائِرِ الْحَالَاتِ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ البخاري عن حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» أَيْ: لَا أَنْفَكُّ عَنْهُ وَلَا أَهْجُرُهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنْتَ تُحْيِينِي وَأَنْتَ تُمِيتُنِي. فمعناه إذًا: كل ما ذُكر من أفعالنا وأحوالنا هو منك يا رب هو بخلقك، وهذا دليل لأهل السنة أنّ أحوال العباد وأفعالَهم كلَّها بخلق الله عزّ وجلّ، فليس العبد خالقًا لفعله ولا لحركته ولا لسكونه ولا لأحواله المختلفة، لا خالقَ إلا الله عزّ وجلّ. رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى العَجزَ وَالكَيسَ»، أَي حَتَّى البَلَادَةَ وَالذَّكَاءَ، وَهَذِ الأحاديث كلها تدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ خَلَقَ الأَفعَالَ كُلَّهَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيءٍ مِنَ الطَّاعَةِ وَالعِصيَانِ وَالنَّفعِ وَالضُّرِّ بِخَلقِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ كَمَا قَالَ الزَّركَشِيُّ.اهـ وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 162-163]، فَأَخبَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِأَنَّ صَلَاةَ العَبدِ وَنُسُكَهُ وَمَحيَاهُ وَمَمَاتَهُ مِلكٌ لَهُ وَخَلقٌ لَهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيرُهُ، فَأَعلَمَنَا أَنَّهُ لَا فَرقَ فِي ذَلِكَ بَينَ الأَفعَالِ الِاختِيَارِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالنُّسُكِ وَبَينَ مَا يَتَّصِفُ بِهِ العَبدُ مِمَّا لَيسَ بِاختِيَارِهِ كَالحَيَاةِ وَالمَوتِ، فَسَاقَ اللهُ تَعَالَى الأَشيَاءَ الأَربَعَةَ مَسَاقًا وَاحِدًا لِلمُبَالَغَةِ فِي البَيَانِ وَلِيُفهِمَنَا أَنَّهُ لَا فَرقَ بَينَهَا مِن حَيثُ أَنَّ اللهَ خَلَقَهَا وَكَوَّنَهَا.اهـ
وقد شَذَّت طَائِفَةٌ عَن مُعتَقَدِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَهُمُ المُعتَزِلَةُ فَقَالُوا: الإِنسَانُ هُوَ يَخلُقُ عَمَلَهُ الِاختِيَارِيَّ، فَإِذَا فَكَّرَ الإِنسَانُ أَو أَطبَقَ عَينَهُ عَمدًا أَو حَرَّكَ يَدَهُ أَو رِجلَهُ أَو قَالَ كَلِمَةً كُلُّ ذَلِكَ عَلَى زَعمِهِمُ العَبدُ يَخلُقُهُ وَلَيسَ اللهُ، وَهَذَا كُفرٌ، بَل كُلُّ أَعمَالِ العَبدِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ إِذَا كَانَتِ اختِيَارِيَّةً فَهِيَ عِندَهُم خَلقٌ للعَبدِ وَلَيسَ مَخلُوقًا للهِ، وَهَذَا عَينُ الإِشرَاكِ بِاللهِ، لِأَنَّهُم جَعَلُوا بِذَلِكَ لِلعَالَمِ مُدَبِّرَينِ مُدَبِّرًا للأَجسَامِ وَهُوَ اللهُ وَمُدَبِّرًا للأَعمَالِ الِاختِيَارِيَّةِ وَهُوَ العَبدُ عِندَهُم، وَهَذَا يُنَافِي إِفرَادَ اللهِ بِالأُلُوهِيَّةِ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ» أَيِ: الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالتَّفَرُّقُ بَعْدَ الْجَمْعِ. مشركو مكّة كانوا يُنكِرون البعث ولذلك النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يُكثِرُ من ذكر اليوم الآخر، كان المشركون يقولون ما أخبر الله عنهم في القرآن الكريم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 29]. وكانوا لأجل اعتقادهم الفاسد هذا يقولون: “أرحام تدفع، وأرض تبلع، ومن مات فات، وصار إلى الرفات، ولا عود بعد الفوات”. وردت عليهم الآيات الكريمة بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ/ الآية 3].وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ» هو مِن أوّل مواقف يوم القيامة البَعثُ،
الإيمان بالبعث:
فَقَبلَ النَّفخَةِ الأُولَى يُرسِلُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً مِن قِبَلِ الشَّامِ فَتَمُرُّ تَحتَ إِبطِ المُسلِمِينَ فَيَمُوتُونَ فَلَا يَبقى مُوَحِّدٌ عَلَى وَجهِ الأَرضِ ثمَّ تَأتِي النَّفخَةُ الأُولَى، وَالَّذِي يَنفُخُ فِي الصُّوَرِ هُوَ سَيِّدُنَا إِسرَافِيلُ عَلَيهِ السَلَامُ، فَتَتَقَطَّعُ مِنهَا قُلُوبُ الكُفَّارِ ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة يس/ الآية 50] أَي مِنَ القُبُورِ، ثُمَّ تَأتِي النَّفخَةُ الثَّانِيَةُ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس/ الآية 52] وَبَين النَّفخَتَينِ أَربَعُونَ عَامًا. وَقَد وَرَدَ فِي أَمرِ البَعثِ أَنَّهُ يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ يَشبِهُ المَنِيَّ يَومَ القِيَامَةِ وَيَختَلِطُ بِالتُّرَابِ وَمِن عَجبِ الذَّنَبِ تُعَادُ الأَجسَادُ الَّتِي أَكَلَهَا التُّرَابُ وَتُبعَثُ كما روى الطبراني، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 104] وَقَالَ أَيضًا: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [سورة نوح/ الآية 17-18]، فَفِي البخاري عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَا بَينَ النَّفخَتينِ أَربَعُونَ»، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، أَربَعُونَ يَومًا؟ قَالَ: أَبَيتُ[1]، قَالُوا: أَربَعُونَ شَهرًا، قَالَ: أَبَيتُ، قَالُوا: أَربَعُونَ سَنَةً، قَالَ: أَبَيتُ، «ثُمَّ يُنزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنبُتُونَ كَمَا يَنبُتُ البَقلُ»، وَجَاءَ فِي حَدِيثِهِ ﷺ عند الطبراني:«ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ مَاءً مِن تَحتِ العَرشِ يُمنِي كَمَنِيِّ الرِّجَالِ».اهـ وَروى السبكي في الطبقات عَنِ المُزَنِيِّ قَالَ: أَنشَدَنِي الشَّافِعِيُّ مِن قِيلِهِ:
| شَهِــدتُ بِأَنَّ اللهَ لَا رَبَّ غَيرُهُ | وَأَشهَدُ أَنَّ البَعثَ حَقٌّ وَأُخلِصُ |
الإيمان بالحشر:
ثُمَّ كُلُّ شَخصٍ أَوَّلَ مَا يَخرُجُ مِنَ القَبرِ يَكُونُ مَعَهُ مَلَكَانِ مَلَكٌ خَلفَهُ وَمَلَكٌ أَمَامَهِ يَسُوقَانِهِ إِلَى حَيثُ أَمَرَهُمُ اللهُ أَن يَأخُذُوهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [سورة ق/ الآية 19-21]، قَالَ الطبري: “أَحَدُ المَلَكَينِ يَسُوقُهُ إِلَى المَحشَرِ وَالآخَرُ يَشهَدُ عَلَيهِ بِعَمَلِهِ”.اهـ وَمِن مَشَاهِدِ يوم القيامة الحَشرُ، وَيَكُونُ بَعدَ البَعثِ، فَبَعدَ إِعَادَةِ الأَجسَادِ الَّتِي أَكَلَهَا التُّرَابُ وَخُرُوجِ النَّاسِ مِن قُبُورِهِم تَسُوقُ المَلَائِكَةُ النَّاسَ مِن أَمَاكِنِهِم إِلَى أَرضِ المَحشَرِ، وَهِيَ بَرُّ الشَّامِ كَمَا وَرَدَ فِي بَعضِ الأَخبَارِ، وَيَكُونُ النَّاسُ فِي هَذَا المَوقِفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحوَالٍ: قِسمٌ كَاسُونَ طَاعِمُونَ رَاكِبُونَ عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ وَهُمُ الأَنبِيَاءُ وَالأَولِيَاءُ وَالمُتَّقُونَ، وَقِسمٌ يَمشُونَ حُفَاةً عُرَاةً وَهُمُ المُؤمِنُونَ العُصَاةُ، وَقِسمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ تَجُرُّهُمُ المَلَائِكَةُ جَرًّا إِلَى أَرضِ المَحشَرِ وَهُمُ الكُفَّارُ، فَيَمكُثُونَ فِي أَرضِ المَحشَرِ لِانتِظَارِ الحِسَابِ.
متن الحديث الذي بعده:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للهِ وَالْحَمْدُ للهِ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَسُوءِ الْكِبَرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ»وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَمْسَى أي دخل في المساء، وهو ما بعد غروب الشمس قَالَ: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للهِ أَيْ: دَخَلْنَا فِي الْمَسَاءِ وَدَخَلَ فِيهِ الْمُلْكُ كَائِنًا للهِ وَمُخْتَصًّا بِهِ، أَوِ الْجُمْلَةُ وقيل أَيْ: أَمْسَيْنَا وَقَدْ صَارَ، بِمَعْنَى: كَانَ وَدَامَ الْمُلْكُ للهِ.اهـ وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ، لا، بل هذا بيان أنّ المساء دخلَ والملك كلّه لله عزّ وجلّ. فالمالك على الحقيقة لكلّ شيء في هذا العالم هو الله وحده لا شريك له سبحانه، فمن فهم واعتقد هذا المعنى يعلم أنّ كلّ حركاتِه وسكناتِه مِلكٌ لله عز وجل، ولهذا ولغيره لا يجوز وصف الله بالظلم، فالظلم هو التصرّف في ملك الغير، وكلّ شيء هو ملك لله وهو عزّ وجلّ يتصرّف في ملكه كيف يشاء، ومن نسب الظّلم إلى الله بأيّ لفظ من الألفاظ لا يكون مسلمًا، فلذلك قال الفقهاء: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: “اللهُ يَظْلِمُكَ كَمَا ظَلَمْتَنِي” أو قال: “الله يظلمك” خَرَجَ الْقَائِلُ مِنَ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ الظُّلْمَ إِلَى اللهِ تَعَالَى. وَالظُّلْمُ عُرِّفَ بِأَنَّهُ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ، وَبِأَنَّهُ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِمَا لا يَرْضَى، فَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: اللهُ يَظْلِمُكَ خَرَجَ مِنَ الدِّينِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لا آمِرَ لَهُ وَلا نَاهٍ وَكُلُّ شَىْءٍ فِي الْعَالَمِ مُلْكُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَالْعِبَادُ يُسْأَلُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ .وَتَعَالَى فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الآية 46] فَمَنْ زَعَمَ خِلافَ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْءَانَ وَنَقَضَ التَّوْحِيدَ وَالْحَمْدُ للهِ يقال لقولنا “الحمد لله”: الحمدلة، قَالَ القُرطُبِيُّ: المَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ قَولُهُمْ: بَسْمَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ: بِسْمِ اللهِ. وَمِثْلُهُ حَوْقَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. وَهَلَّلَ، إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَسَبَّحَ إِذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ. وَحَمْدَلَ، إِذَا قَالَ: الْحَمْدُ للهِ. وَحَيْصَلَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. وَحَيْفَلَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ. وَطَبْقَلَ، إِذَا قَالَ: أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ. وَدَمْعَزَ، إِذَا قَالَ: أَدَامَ اللهُ عِزَّكَ.اهـ
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ، وَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ حِينَ عَطَسَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ اللَّهُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 28]. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 39]. وَقَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النمل/ الآية 15]. وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [سورة الإسراء/ الآية 111]. وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [سورة فاطر/ الآية 34]. وكذلك قال تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[سورة يونس/ الآية 10]. فَهِيَ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ. لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ كلمة التوحيد، هي التي جاء بها كلّ الأنبياء، ففي موطأ الإمام مالك أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»، ومن أراد الوقاية من الخلود الأبدي في النّار فليثبت على التوحيد ويتعلمه ولا يترك نفسه دون أن يتعلم فبذلك تكون الوقاية من الخلود الأبدي في النار، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم/ الآية 6] وَجَاءَ فِى تَفْسِيرِ الآيَةِ فِى مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلَهُمُ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ بِتَعَلُّمِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِيهِمْ ذَلِكَ؛ أَىْ مَعْرِفَةِ مَا فَرَضَ اللَّهُ فِعْلَهُ أَوِ اجْتِنَابَهُ أَىِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَنَصُّ كَلامِهِ رضي الله عنه: “عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ” اﻫ وَذَلِكَ كَىْ لا يَقَعَ مَنْ أَهْمَلَ التَّعَلُّمَ فِى التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَالْكُفْرِ وَالضَّلالِ فَيَخْلُدَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ إِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ وَقُودًا لَهَا أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْخَاتِمَةِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَنْ يُشَبِّهُ اللَّهَ تَعَالَى بِشَىْءٍ مَا لَمْ تَصِحَّ عِبَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَعْبُدُ شَيْئًا تَخَيَّلَهُ وَتَوَهَّمَهُ فِى مُخَيِلَتِهِ وَأَوْهَامِهِ إِذْ كُلُّ مَا يَتَخَيَّلُهُ يَكُونُ مُشَابِهًا وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لِمَا رَءَاهُ وَأَلِفَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَيَحْكُمُ عَلَى مَا لَمْ يَرَهُ بِحُكْمِ مَا رَءَاهُ وَهَذَا هُوَ الْوَهْمُ الَّذِى لا يَصِحُّ بِنَاءُ الِاعْتِقَادِ عَلَيْهِ بَلِ الْعِبْرَةُ وَالِاعْتِبَارُ فِى ذَلِكَ بِالْعَقْلِ لا بالتَّخَيُّلِ وَالْوَهْمِ فَإِنَّ الْوَهْمَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَاتِّبَاعُ حُكْمِ الْعَقْلِ يَقُودُ إِلَى الصَّوَابِ أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى الأُفُقِ عِنْدَ الْبَحْرِ مَثَلًا صَوَّرَ الْوَهْمُ لَكَ انْتِهَاءَ الْبَحْرِ عِنْدَ مَدَى نَظَرِكَ، وَحَكَمَ عَقْلُكَ بِمَا عَرَفْتَ مِنْ أَدِلَّةٍ أَنَّهُ لا يَنْتَهِى عِنْدَ ذَلِكَ، وَصَوَّرَ لَكَ الْوَهْمُ أَيْضًا أَنَّ السَّمَاءَ تُلاقِى الْمَاءَ عِنْدَ مَدَى الْبَصَرِ وَأَنَّ الشَّمْسَ تُبَاشِرُهُ إِذَا غَابَتْ وَإِذَا أَشْرَقَتْ، وَحَكَمَ عَقْلُكَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ أَنْ تَتْبَعَ حُكْمَ الْعَقْلِ لا مَا يُصَوِّرُهُ الْوَهْمُ. وَالْعَقْلُ يَحْكُمُ بِأَنَّ الْخَالِقَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ جِسْمًا لَهُ كَمِّيَّةٌ وَلا يُتَصَوَّرُ وَلا يُتَخَيَّلُ فَمَنِ اعْتَقَدَ خِلافَ ذَلِكَ فَقَدْ تَبِعَ الْوَهْمَ وَخَالَفَ حُكْمَ الْعَقْلِ فَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ فَهَلَكَ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِىُّ: “لا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ” اﻫ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ كَيْفَ يَعْبُدُهُ وَيَقُومُ بِطَاعَتِهِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمْدَةِ السَّالِكِينَ: “فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَوَّلًا أَنْ تَعْرِفَ الْمَعْبُودَ ثُمَّ تَعْبُدَهُ وَكَيْفَ تَعْبُدَ مَنْ لا تَعْرِفُهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِ ذَاتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ فِى نَعْتِهِ فَرُبَّمَا تَعْتَقِدُ اعْتِقَادًا فِى صِفَاتِهِ شَيْئًا مِمَّا يُخَالِفُ الْحَقَّ فَتَكُونُ عِبَادَتُكَ هَبَاءً مَنْثُورًا” اهـ
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ الله تعالى لا يعجزه شيء، يجب علينا أَن نعتقد جازمين أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَلَا يُعجِزُهُ شَيءٌ، وَلَا يُمَانِعُهُ مِن تَكوِينِ مَا سَبَقَت بِهِ إِرَادَتُهُ أَحَدٌ، مُتَّصِفٌ بِالقُدرَةِ التَّامَّةِ، وَقُدرَتُهُ سُبحَانَهُ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ لَهُ إِجمَاعًا أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ يُؤَثِّرُ اللهُ بِهَا فِي المُمكِنَاتِ، أَي فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ فِي العَقلِ وُجُودُهُ تَارَةً وَعَدَمُهُ تَارَةً أُخرَى، فَبِالقُدرَةِ يُوجِدُ الأَشيَاءَ وَيُعدِمُها، وَيُحيِى وَيُمِيتُ، وَيَخلُقُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِفَةِ القُدرَةِ للهِ تَعَالَى مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ قَولُهُ تَعَالَى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة/ الآية 20]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى جَمِيعِ المَقدُورَاتِ، وَقَد عُلِمَ بِبَدِيهَةِ العَقلِ وَصَرِيحِ النَّصِّ استِحَالَةُ صُدُورِ الأَفعَالِ مِن عَاجِزٍ لَا قُدرَةَ لَهُ، وَمِنَ الحَدِيثِ مَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ وَغَيرُهـُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ، فَلَمَّا صَلَّى الرَّكعَتَينِ قَبلَ الفَجرِ قَالَ: «سُبحَانَ ذِي القُدرَةِ وَالكَرَمِ»، فَدَلَّ هَذَا الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِالقُدرَةِ وَأَنَّ قُدرَتَهُ تَعَالَى تَامَّةٌ. فَمَن أَنكَرَ صِفَةَ القُدرَةِ للهِ تَعَالَى أَو صِفَةً أُخرَى مِن صِفَاتِ اللهِ الثَّلَاثَ عَشرَةَ الوَاجِبَةِ لَهُ إِجمَاعًا فَقَد كَفَرَ، وَسَوَاءٌ في هَذَا الحُكمِ مَن كَانَ لَم يَتَعَلَّمِ الصَّوَابَ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ فَأَخطَأَ لِجَهلِهِ، وَمَن كَانَ تَعَلَّمَ الصَّوَابَ ثُمَّ نَسِيَهُ، أَو تَغَيَّرَ اعتِقَادُهُ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِثلَ هَذِهِ المُخَالَفَةِ مُنَاقِضَةٌ لِأَصلِ مَعنَى الشَّهَادَتَينِ، لِذَلِكَ فَليُحذَر مِمَّا شَاعَ عِندَ بَعضِ العَوَامِّ مِن فهم بعضهم الفاسد لحديث وفيهِ: أَنَّ نَبَّاشًا لِلقُبُورِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ كَانَ يَنبُشُ القُبُورَ وَيَسرِقُ مَا فِيهَا، فَلَمَّا حَضَرَتهُ الوَفَاةُ قَالَ: “لَإِن قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدٌ”، فَيَقُولُ بَعضُ الجَهَلَةِ إِنَّهُ شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ وَمَعَ ذَلِكَ غَفَرَ اللهُ لَهُ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ وَلَا يَجُوزُ اعتِقَادُهُ، بَل مَن شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى فَقَد كَفَرَ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [الآية 48]، وَإِن صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَيَكُونُ مَعنَى (قَدَرَ) فِي قَولِ النَّبَّاشِ أَي ضَيَّقَ عَلَيَّ فِي قَبرِي، فَإِنَّ (قَدَرَ) تَأتِي بِمَعنَى ضَيَّقَ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [سورة الطلاق/ الآية 7]، وَكَذَلِكَ قَولُ اللهِ تَعَالَى عَن يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 87]، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى، فَهَذَا لَا يَلِيقُ بِنَبِيٍّ كَرِيمٍ مُرسَلٍ إِلَى النَّاسِ لِيَأمُرَهُم بِالتَّصدِيقِ بِقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى، بَل مَعنَاهُ ظَنَّ أَن لَن نُضَيِّقَ عَلَيهِ، وَاللهُ أَعلَمُ. رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أي من الأمور التي هي خير وقدرتها في هذه الليلة وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا أي خير اليوم الذي يأتي بعد هذه الليلة يا رب العالمين وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا يستعيذ بالله أن يصيبه مكروه ويصيبه شرّ في دينه ودنياه، ويدعو ربَّه عزّ وجلّ أن يصرفه عنه رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ الكسل هو ضعف الهمة في الخير، ولا ينبغي على الواحد منّا أن يصيبه الكسل بل ينبغي لطالب الآخرة أن يكون بعيدًا عن الكسل في الفضائل والخيرات، حال رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ صَرَفَ أَوْقاتَهُ وَأَنْفاسهُ وَأَيّام عُمُرِهِ فِى طاعَةِ رَبِّهِ، فَكَأَنَّهُ خُلِقَ للآخِرَةِ فقط لا للدُّنْيا. وكثير من الصحابة كذلك، وهذا فيه إشارة إلى أن نبقى معلقي القلب بأمور الآخرة، فإذا أنهيت وأديت العبادة في وقتها فاشغل فكرك وقلبك بالعبادة التي بعدها، لا تُفْرِغ قلبك من شَغْلِهِ بطاعة الله ولو بالتفكير والترتيب والتخطيط لذلك، وكان هذا حالَ الصالحين، فقد كان خالد بن الوليد رضي الله عنه: لَا يَنَامُ، وَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا يَنَامُ، فلهذا كان رضي الله عنه ينتقل من نصر إلى نصر، لا يهدأ ولا يطمئن إلا على صهوة جواده في الجهاد ونصر الإسلام ليلا ونهارا، وكان هذا حالَ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ فِي ”الْمُجَالَسَةِ” عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَثْبُتُ لَهُمُ الْعَدُوُّ فُوَاقَ نَاقَةٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ [2]. وقَالَ هِرَقْلُ وَهُوَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ لَمَّا قَدِمَتْ مُنْهَزِمَةُ الرُّومِ:وَيَلَكُمُ! أَخْبِرُونِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، أَلَيْسُوا هُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ؟! قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَأَنْتُمْ أَكْثَرُ أَمْ هُمْ؟ قَالُوا: بَلْ نَحْنُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا فِي كُلِّ مَوْطِنٍ. قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ تَنْهَزِمُونَ كُلَّمَا لَقِيتُمُوهُمْ؟! فَقَالَ واحدٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَقُومُونَ اللَّيْلَ، وَيَصُومُونَ النَّهَارَ، وَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَتَنَاصَفُونَ بَيْنَهُمْ [3]، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّا نَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَنَزْنِي، وَنَرْكَبُ الْحَرَامَ، وَنَنْقُضُ الْعَهْدَ، وَنَظْلِمُ، وَنَأْمُرُ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ، وَنَنْهَى عَمَّا يُرْضِي اللَّهَ، وَنُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ. فَقَالَ: أَنْتَ صَدَقْتَنِي.اهـ
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وكان يقال له عالم الشام: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْغَسَّانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بِنَاحِيَةِ الْأُرْدُنِّ تَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا أَنَّ دِمَشْقَ سَتُحَاصَرُ،فَذَهَبْنَا نَتَسَوَّقُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِيهَا إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا بِطْرِيقُهَا فَجِئْنَاهُ فَقَالَ: أَنْتُمَا مِنَ الْعَرَبِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. فَقَالَ: لِيَذْهَبْ أَحَدُكُمَا فَلْيَتَجَسَّسْ لَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَرَأْيِهِمْ، وَلِيَثْبُتِ الْآخَرُ عَلَى مَتَاعِ صَاحِبِهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُنَا، فَلَبِثَ مَلِيًّا ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ رِجَالٍ دِقَاقْ، يَرْكَبُونَ خُيُولًا عِتَاقْ، أَمَّا اللَّيْلُ فَرُهْبَانْ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَفُرْسَانْ، يَرِيشُونَ النَّبْلَ[4] وَيَبْرُونَهَا، وَيُثَقِّفُونَ الْقَنَا[5]، لَوْ حَدَّثْتَ جَلِيسَكَ حَدِيثًا مَا فَهِمَهُ عَنْكَ لِمَا عَلَا مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ. قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: أَتَاكُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ. وهذا وصف الصحابة والتابعين الذين فتحوا البلاد ونشروا الإسلام شرقًا وغربًا، رضيَ اللهُ عنهُم وجزاهُم اللهُ عنِ المسلمينَ خيرَ الجزاءِ، هؤلاءِ الصحابةُ الذينَ عَلَّقُوا قلوبَهم بالآخرةِ وبمَا عندَ اللهِ وبِنُصْرَةِ هذَا الدينِ، هَكَذَا رَبَّاهُمُ النبيُّ ﷺ وتَرَكَهُم عَلَى هذَا ولم يَرَوا منهُ ﷺ تعلقًا بهذهِ الدُّنيا الفانيةِ فَرَبَّاهم بحَالِهِ ومقالِهِ ﷺ،
فقدْ روَى البخاريُّ فِي صحيحِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلاَثُ مِائَةٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ.اهـ
هؤلاءِ همُ الذينَ كانتِ الآخرةُ همَّهُم وليس الدّنيا فتحقَّقَ فيهم قولُ نبيِّنا ﷺ الذي رواهُ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ يَقُولُ: «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ. وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ» وَالْهَرَمِ وَسُوءِ الْكِبَرِ أي طولِ العمر مع سوء العمل والعياذ بالله، وجاء في الحديث: عَنْ عَبْدِ الله بنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ الله: مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ».
روى ابن أبي الدنيا عن شُرَيْحٍ، قال حَدَّثَنِي جَلِيسٌ كَانَ لِبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ لِي بَكْرٌ: «دَعَوْتُ اللهَ عز وجل فِي لَيْلَةِ جُمُعَةٍ فَأَكْثَرْتُ وَكُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي غَدًا إِذَا تَوَجَّهْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ رَجُلًا أَنْتَفِعُ بِصُحْبَتِهِ فَخَرَجْتُ أُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَصْحَبْنِي أَحَدٌ حَتَّى إِذَا صِرْتُ إِلَى الْجِدَارَيْنِ إِذَا شَيْخٌ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصِفُ حُسْنَ وَجْهِهِ أَوْ حُسْنَ بَيَاضِهِ أَوْ طِيبَ رِيحِهِ؟ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: يَا هَذَا أَيُّ شَيْءٍ خَيْرٌ؟ فَتَبَسَّمَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ. ثُمَّ مَرَّ يُمَاشِينِي مَا أُكَلِّمُهُ وَلَا يُكَلِّمُنِي فَلَمَّا صِرْنَا فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مُزْدَحِمُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ بِيَدِهِ فَأَدَارَنِي فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. قَالَ: ثُمَّ لَمْ أَرَهْ».
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ هذهِ النارُ العظيمةُ التي هيَ أعظمُ عذابٍ خَلَقَهُ اللهُ تعالى للكافرينَ ولبعضِ عصاةِ المسلمينَ، فقدْ قالَ ﷺ: «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ» والحديثُ رواهُ الترمذيُّ. أوقدَ عليها كمَا قالَ النبيُّ ﷺ ثلاثةَ آلافِ سنةٍ فهيَ مخلوقةٌ الآنَ وموجودةٌ تحتَ الأرضِ السابعةِ كمَا صحَّ في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ الذي يرويهِ الحاكمُ في المستدركِ أنَّها تحتَ الأرضِ السابعةِ منفصلةٌ عنها ولها أرضُها وسقفُها، ويؤتَى بقطعةٍ منها يومَ القيامةِ إلى أرضِ المحشرِ يَجُرُّهَا سبعونَ ألف ملكٍ ليراها الكفارُ فيرتاعوا مِنْ منظرِها المخيفِ كمَا روى البيهقيُّ في شعبِ الإيمانِ، نسألُ اللهَ أنْ يُسَلِّمَنَا. وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى الكَافِرِيْنَ النَّارَ فِيْهَا خَالِدِيْنَ، وَكَتَبَ العَذَابَ فِيْهَا عَلَى بَعْضِ العُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ» مِمَّا يَجِبُ الإِيْمَانُ بِهِ عَذَابُ الْقَبْرِ فَهُوَ حَقٌّ يَكُوْنُ لِلْكُفَّارِ وَلِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِيْنَ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ، لِأَنَّ اللهَ قَدْ يَعْفُو عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الكَبَائِرِ فَلَا يَمَسُّهُمُ العَذَابُ،
وَعَذَابِ القَبْرِ ثَابِتٌ فِي النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ:
فمن القرآن قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر/ الآية 46] فَأَخْبَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَيْ أَتْبَاعَ فِرْعَوْنَ الَّذِيْنَ اتَّبَعُوْهُ عَلَى الكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَقَارِبُهُ، فَهُم يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ فِي البَرْزَخِ أَيْ فِي مُدَّةِ القَبْرِ، فَالبَرْزَخُ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إِلَى البَعْثِ، فَهُم يُعْرَضُوْنَ عَلَى النَّارِ عَرْضًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلُوْهَا حَتَّى يَمْتَلِئُوا رُعْبًا، وَيَكُوْنُ عَرْضُهُم عَلَى النَّارِ مَرَّتَيْنَ كُلَّ يَوْمٍ: أَوَّلَ النَّهَارِ مَرَّةً وَءَاخِرَ النَّهَارِ مَرَّةً. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [سورة طه/ الآية 124] فَالضَّنْكُ أَصْلُهُ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ وَهُوَ مَصْدَرٌ، ثُمَّ يُوصَفُ بِهِ فَيُقَالُ: مَنْزِلٌ ضَنْكٌ وَعَيْشٌ ضَنْكٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَعِيشَةٌ ذَاتُ ضَنْكٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الضِّيقَ الْمُتَوَعَّدَ مُفَسَّرٌ بِأَنَّهُ عَذَابُ الْقَبْرِ عَلَى ما نَقَلَهُ جَمْعٌ مِنَ الْمُفَسِّرِيْنَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيْحِهِ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي تَفْسِيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ». ومن الحديث فالأَحَادِيْثُ النَّبَوِيَّةُ الكَثِيْرَةُ الَّتِي وَرَدَ فِيْهَا اسْعِتَاذَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ نَحْوُ حَدِيْثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاَةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ»رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ. وأحاديث عذاب القبر بلغت حدّ التّواتر كما قَالَ ذَلِكَ الكَتَّانِيُّ فِي نَظمِ المُتَنَاثِر في الحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ، وَنَصَّ عَلَى الإِجمَاعِ الحَافِظُ البَغدَادِيُّ فِي الفَرقُ بَينَ الفِرَقِ. وَقَالَ الحَافِظُ الزَّبِيْدِيُّ الْمَاتُرِيْدِيُّ فِي شَرْحِ الإِحْيَاءِ مَا نَصُّهُ: “الأَصْلُ الثَّالِثُ عَذَابُ القَبْرِ وَنَعِيْمُهُ: وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ قُرْءَانًا وَسُنَّةً وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ ظُهُوْرِ البِدَعِ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ” اهـ.
نسأل الله أن يجيرنا من عذاب القبر،
وأذكر هنا بعض القَصص والأخبار التي ذكرها الفقهاء للعِظَة والاعتبار:
فقد رَوَى البَيْهَقِيُّ فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ القَبْرِ أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، إِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ عَلَى جَنَاحِ فِرَاقِ الدُّنْيَا، فَمُرْنِي بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ وَأَذْكُرُكَ بِهِ، فَقَالَ: “إِنَّكَ بَيْنَ أُمَّةٍ مُعَافَاةٍ فَأَقِمِ الصَّلَاةَ وَأَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ إِنْ كَانَ لَكَ، وَصُمْ رَمَضَانَ وَاجْتَنِبِ الْفَوَاحِشَ، ثُمَّ أَبْشِرْ، فَأَعَادَ الرَّجُلُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: اجْلِسْ ثُمَّ اعْقِلْ مَا أَقُولُ لَكَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ يَوْمٍ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا عَرْضَ ذِرَاعَيْنِ فِي طُولِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ؟ أَقْبَلَ بِكَ أَهْلُكَ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُحِبُّونَ فِرَاقَكَ، وَجُلُسَاؤُكَ وَإِخْوَانُكَ فَأَتْقَنُوا عَلَيْكَ الْبُنْيَانَ، ثُمَّ أَكْثَرُوا عَلَيْكَ التُّرَابَ، ثُمَّ تَرَكُوكَ، ثُمَّ جَاءَكَ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ جَعْدَانِ، أَسْمَاؤُهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، فَأَجْلَسَاكَ ثُمَّ سَأَلَاكَ مَا أَنْتَ؟ أَمْ عَلَى مَاذَا كُنْتَ؟ أَمْ مَاذَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَإِنْ قُلْتَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ قَالُوا قَوْلًا فَقُلْتُ قَوْلَ النَّاسِ، فَقَدْ وَاللَّهِ رَدِيتَ وَهَوِيتَ، فَإِنْ قُلْتَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ فَآمَنْتُ بِهِ وَبِمَا جَاءَ مَعَهُ، فَقَدْ وَاللَّهِ نَجَوْتَ وَهُدِيتَ، وَلَنْ تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ إِلَّا بِتَثْبِيتٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ مَا تَرَى مِنَ الشِّدَّةِ وَالتَّخْوِيفِ”.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الجَوْزِيِّ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الحِكَايَاتِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ لَقِيَ رَجُلًا زِنْدِيْقًا قَدْ نَحَلَ جِسْمُهُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَأَذَابَهُ الْخَوْفُ، وَكَانَ السُّنِّيُّ قَوِيًّا سَمِيْنًا، فَقَالَ لَهُ الزِّنْدِيْقُ: يَا هَذَا، صِفْ لِي بَعْضَ مَا تَعْتَقِدُهُ، فَقَالَ: أَعْتَقِدُ الْمَوْتَ وَغَصَصَهُ وَسَكَرَاتِهِ وَأَهْوَالَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الزِّنْدِيْقُ مَقَالَتَهُ صَاحَ صَيْحَةً عَظِيْمَةً ثُمَّ وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ لَهُ: زِدْنِي، فَقَالَ: ثُمَّ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ الْقَبْرُ وَظُلْمَتُهُ وَاللَحْدُ وَضَجْعَتُهُ وَمُنْكَرٌ وَنَكِيْرٌ، قَالَ: وَمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، فَقَالَ: مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يَطَآنِ فِي شُعُوْرِهِمَا وَيَحْفِرَانِ الأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا وَبِيَدِهِمَا عَمُوْدٌ مِنْ حَدِيْدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لَقَلَعَهَا مِنْ أُصُولهَا، يَسْأَلَانِ العَبْدَ فِي قَبْرِهِ، قَالَ: وَثُمَّ مَا بَعْدَ ذَلِك، قَالَ: هَوْلُ الْبَعْثِ وَالنُّشُوْرِ وَالحِسَابُ وَالْمِيزَانُ وَالصِّرَاطُ، قَالَ: وَمَا الصِّرَاطُ، قَالَ: هُوَ جِسْرٌ مَنْصُوْبٌ عَلَى جَهَنَّم أَرَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، عَلَيْهِ حَسَكٌ وَكَلَالِيْبُ، قَالَ: وَمَا جَهَنَّمُ، قَالَ: دَارُ الْعَذَابِ، وَهِيَ سَوْدَاء مُظْلِمَةٌ مَنْ دَخَلَهَا طَالَ حَزَنُهُ، قَالَ لَهُ الزّنْدِيْقُ: لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ قِلَّةِ عَقْلِكَ، هَذَا كُلُّهُ تَعْتَقِدُهُ وَأَنْتَ سَمِيْنٌ، فَوَاللَّهِ مَا أُصَدِّقُ أَنَا بِشَىْءٍ مِنْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ إِلَّا بِالْمَوْتِ وَحْدَهُ وَقَدْ أَطَالَ حُزْنِي وَأَذَابَ جِسْمِي.
وَحَكَى أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي الدُّنْيَا أَخْبَارًا فِي ذَلِكَ كَثِيْرَةً مِنْهَا: أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَكَانَ لَهُ أَخٌ ضَعِيفُ الْبَصَرِ، قَالَ أَخُوهُ: فَدَفَنَّاهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ وَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى الْقَبْرِ، فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ يَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَسَمِعْتُ صَوْتَ أَخِي وَعَرَفْتُهُ وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ، فَقَالَ: اللَّهُ رَبِّي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي، ثُمَّ ارْتَفَعَ شَبِيْهُ سَهْمٍ مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ إِلَى أُذُنِي فَاقْشَعَرَّ جِلْدِي فَانْصَرَفْتُ.
وَيُحْكَى أَنَّهُ قِيْلَ لِنَبَّاشٍ يَنْبِشُ القُبُوْرَ فَيَسْرِقُ الأَكْفَانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَانَ تَابَ بَعْدَهَا: مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: نَبَشْتُ رَجُلًا فَإِذَا هُوَ مُسَمَّرٌ بِالْمَسَامِيْرِ فِي سَائِرِ جَسَدِهِ وَمِسْمَارٌ كَبِيْرٌ فِي رَأْسِهِ وَءَاخَرُ فِي رِجْلَيْهِ.
وَقِيْلَ لِنَبَّاشٍ ءَاخَرَ: مَا كَانَ سَبَبُ تَوْبَتِكَ؟ قَالَ: كَانَ عَامَّةُ أَيْ أَكْثَرُ مَنْ كُنْتُ أَنْبُشُ كُنْتُ أَرَاهُ مُحَوَّلًا عَنِ القِبْلَةِ.
وَعَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ أَحَدِ أَكَابِرِ التَّابِعِيْنَ الزُّهَّادِ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي الْمَقَابِرِ إِذْا هَاتِفٌ يَهْتِفُ مِنْ وَرَائِي وَهُوَ يَقُوْلُ: يَا ثَابِتُ، لَا يَغُرَّنَّكَ سُكُوْنُهَا، فَكَمْ مِنْ مَغْمُوْمٍ فِيْهَا، قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَلَم أَرَ أَحَدًا.
وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ».
والله تعالى أعلم وأحكم
[1] قَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: “أَي لَا أَدرِي أَنَّ الأَربَعِينَ الفَاصِلَ بَينَ النَّفخَتَينِ أَيُّ شَيءٍ أَيَّامًا أَو شُهُورًا أَو أَعوَامًا وَأَمتَنِعُ عَنِ الكَذِبِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَالإِخبَارِ عَمَّا لَا أَعلَمُ”.اهـ
[2] أي لا يصمد العدو في وجوههم مقدار فواق الناقة أي مقدار حلب الناقة أي لا يصمد العدو أمامهم ولو وقتا قليلا.
[3] أي يأخذون الحقّ لبعضهم البعض ولو من قوي لضعيف ولو من شريف لغير ذلك.
[4] يعملون لها ريشا.
[5] يقوّمونها.