شرح دعاء التهجد من حديث عائشة| اللهم أعوذ بمعافاتك من عقوبتك

حلية البشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ للَّهِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْعَدِيلِ الْمُنْعِمِ بِقَبُولِ الْقَلِيلِ، الْمُتَكَرِّمِ بِإِعْطَاءِ الْجَزِيلِ، تَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ، وَتَعَالَى عَمَّا يَعْتَقِدُ أَهْلُ التَّمْثِيلِ، نصب لِلْعَقْلِ عَلَى وُجُودِهِ أَوْضَحَ دَلِيلٍ، وَهَدَى إِلَى وُجُودِهِ أَبْيَنَ سَبِيلٍ، وَجَعَلَ لِلْحَسَنِ حَظًّا إِلَى مِثْلِهِ يَمِيلُ. 

أَحْمَدُهُ كُلَّمَا نَطَقَ بِحَمْدِهِ وَقِيلَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْمُنَزَّهُ عَنْ مَا عَنْهُ قِيلَ، وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ النَّبِيلِ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يُبْغِضُهُ إِلا ثَقِيلٌ، وَعَلَى عُمَرَ وَفَضْلُ عُمَرَ فَضْلٌ طَوِيلٌ، وَعَلَى عُثْمَانَ وَكَمْ لِعُثْمَانَ مِنْ فِعْلٍ جَمِيلٍ، وَعَلَى عَلِيٍّ وَجَحْدُ قَدْرِ عَلِيٍّ تَغْفِيلٌ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُسْتَسْقَى بِشَيْبَتِهِ فَإِذَا السُّحُبُ تَسِيلُ. وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الفصل والدين، 

أما بعد: 

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر في شرح الأذكار التي يقولها المصلي في أثناء التهجد في الليل إلى قوله:

وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِىُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: فَقَدْتُ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَالْتَمَسْتُهُ بِيَدِى فَوَقَعَتْ يَدِى عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».

الشرح والتعليق على الحديث: 

الراوية لهذا الحديث هي عائشة رضي الله عنها، دُرَّةٌ جليلةٌ مِنْ دُرَرِ النِّسَاءِ وَعَظِيمَةٌ مِنْ عُظَمَاءِ وَزَوجَاتِ أَفضَلِ الخَلقِﷺ، لَو أَرَدتُ بَسطَ الكَلَامِ فِي سِيرَتِهَا لَضَاقَ المَجلِسُ لَكِنَّنِي أَتَبَرَّكُ بِذِكرِهَا وَأَزدَلِفُ بِذَلِكَ نَظرَةً مِنْ قَلبِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍﷺ بِذِكرِ شَيءٍ قَلِيلٍ مِنْ فَضَائِلِ زَوجَتِهِ وَحَبِيبَتِهِ أُمِّنَا الطَّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ فَأَقُولُ: 

هِيَ عَائِشَةُ زَوْجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، الْعَتِيقَةُ بِنْتُ الْعَتِيقِ، حَبِيبَةُ الْحَبِيبِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبِ، الْمُبَرَّأَةُ مِنَ الْعُيوبِ، الْمُعَرَّاةُ مِنَ ارْتِيَابِ الْقُلُوبِ لِرُؤْيَتِهَا جِبْرِيلَ رَسُولَ عَلَّامِ الْغُيوبِ، عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، كَانَتْ لِلدُّنْيَا قَالِيَةً، وَعَنْ سُرُورِهَا لَاهِيَةً، وَعَلَى فَقْدِ أَلِيفِهَا وَحَبِيبِهَا وَزَوجِهَا بَاكِيَةً، كَانَ تِلمِيذُهَا التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ مَسرُوقٌ إِذَا حَدَّثَ عَنْهَا قَالَ: حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللهِ. الْمُبَرَّأَةُ فِي كِتَابِ اللهِ، 

وروي عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قالَ: سَمِعَتْ أُمُّ سَلَمَةَ الصَّرْخَةَ عَلَى عَائِشَةَ وَقتَ مَوتِهَا رَضِيَ اللهُ عَنهَا فَأَرْسَلَتْ جَارِيَتَهَا وَقَالَت لَهَا انْظُرِي مَا صَنَعَتْ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: قَدْ قَضَتْ أَي تُوُفِّيَتْ، فَقَالَتْ: (يَرْحَمُهَا اللهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا أَباهَا)، 

وَروى أبو نعيم في الحلية عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: كَيْفَ حُبُّكَ لِي؟ قَالَ: «كَعُقْدَةِ الْحَبْلِ» فَكُنْتُ أَقُولُ: كَيْفَ الْعُقْدَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: «هِيَ عَلَى حَالِهَا»، 

وَرُوِيَ عَنْ عَرِيبِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: وَقَعَ رَجُلٌ فِي عَائِشَةَ أَي طَعَنَ بِهَا فَقَالَ عَمَّارٌ: «اسْكُتْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا أَتَقَعُ فِي حَبِيبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنَّهَا لَزَوْجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ»، 

وعَن ابنِ أَبِي مُلَيكَةَ أَنَّ ذَكوَانَ أَبَا عَمرٍو حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يَستَأذِنُ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ فِي المَوتِ، قَالَ: فَجِئتُ وَعِندَ رَأسِهَا عَبدُ اللهِ ابنُ أَخِيهَا عَبدِ الرَّحمَنِ، فَقُلتُ: هَذَا ابنُ عَبَّاسٍ يَستَأذِنُ وَهُوَ مِن صَالِحِي بَنِيكِ يُوَدِّعُكِ وَيُسَلِّمُ عَلَيكِ، قالت: فَائذَن لَهُ إِن شِئتَ، قَالَ: فَجَاءَ ابنُ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا قَعَدَ قَالَ: أَبشِرِي، فَوَاللهِ مَا بَينَكِ وَبَينَ أَن تُفَارِقِي كُلَّ نَصَبٍ وَتَلقَي مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالأَحِبَّةَ إِلَّا أَن تُفَارِقَ رُوحُكِ جَسَدَكِ، وَلَقَد كُنتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -يَعنِي: إِلَيهِ – وَلَم يَكُن يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، سَقَطَت قِلَادَتُكِ لَيلَةَ الأَبوَاءِ، وَأَصبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِيَلقِطَهَا، فَأَصبَحَ النَّاسُ لَيسَ مَعَهُم مَاءٌ، فَأَنزَلَ اللهُ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَكَانَ ذَلِكَ مِن سَبَبِكِ، وَمَا أَنزَلَ اللهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الرُّخصَةِ، ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى بَرَاءَتَكِ في كتابه، فَأَصبَحَ لَيسَ مَسجِدٌ مِن مَسَاجِدَ يُذكَرُ فِيهَا اللهُ إِلَّا بَرَاءَتُكِ تُتلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، قَالَت: دَعنِي عَنكَ يَا ابنَ عَبَّاسٍ، فَوَاللهِ لَوَدِدتُ أَنِّي كُنتُ نَسيًا مَنسِيًّا.

وقال أَبُو سَلَمَةَ، إِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ» قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ. رواه البخاري

وفي صحيح مسلم أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةَ، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا. فَتَكَلَّمَت عَمَا أَرسَلنَهَا فِيهِ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيْ بُنَيَّةُ! أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟» فَقَالَتْ: بَلَى. قَالَ: «‌فَأَحِبِّي ‌هَذِهِ».

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أُمِّ ذَرَّةَ وَكَانَتْ تَزُورُ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: بُعِثَ إِلَيْهَا بِمَالٍ قَالَتْ: أُرَاهُ ثَمَانِينَ أَوْ مِائَةَ أَلْفٍ. فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صَائِمَةٌ فَجَلَسَتْ تَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ فَأَمْسَتْ وَمَا عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ دِرْهَمٌ فَلَمَّا أَمْسَتْ قَالَتْ: (يَا جَارِيَةُ هَلُمِّي فِطْرِي – أَي أَعطِينِي شَيئًا أُفطِرُ عَلَيهِ-) فَجَاءَتْهَا بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ ذَرَّةَ: أَمَا اسْتَطَعْتِ مِمَّا قَسَمْتِ الْيَوْمَ أَنْ تَشْتَرِيَ لَنَا لَحْمًا بِدِرْهَمٍ نُفْطِرُ عَلَيْهِ قَالَتْ: (لَا تُعَنِّفِينِي لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ).

وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: (لَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَقْسِمُ سَبْعِينَ أَلْفًا وَإِنَّهَا لَتَرْقَعُ جَيْبَ دِرْعِهَا). فرضي الله عنها وجمعنا بها في جنات النعيم. 

فَقَدْتُ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ قال ابن علان: لعلها كانت ليلة النصف من شعبان، ففي جزء ابن الأخضر في فضائل شعبان، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لها: «أي ليلة هذه؟» قالت: الله ورسوله أعلم! قال: «هي ليلة النصف من شعبان»، قالت: فقام وصلى، فخفف القيام فقرأ الحمد لله وسورة خفيفة، وسجد إلى شطر الليل، وقام في الركعة الثانية فقرأ فيها نحو قراءته الأولى، وكان في سجوده إلى الفجر. قالت عائشة: فكنت أنتظره قائمة فلما طال علي ظننت أن الله عز وجل قد قبض رسوله فدنوت منه حتى مسست أخمص قدميه فتحرك فسمعته يقول في سجوده: أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك الخ، فقلت: يا رسول الله لقد سمعتك تقول في سجودك الليلة شيئًا ما سمعتك تذكره قط؟ قال: «وعلمت ذلك؟» قلت: نعم. قال:«تعلميهن وعلميهن، فإن جبريل أمرني أن أكررهن في السجود».

وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُوْمُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّىْ تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ، لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُوْلَ اللهِ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُوْنَ عَبْدًا شَكُوْرًا؟» معناه يحصل له انتفاخ قليل بالقدمين يزول بالمشي، ليس معناه أنه يصل إلى حدِّ الإيذاء، لا، بل إيذاء النفس مستحيل أن يصدر من نبي، فلا يجوز أن يؤذي النبي نفسه، أو أن يقوم لدرجة إيذاء النفس، لا، وكذلك لا يجوز عليه بالتالي ما هو أشدُّ من ذلك. 

وهذا يدل على أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم كان معلّق القلب بطاعة ربّه عزّ وجلّ ولم يكن معلق القلب بالنساء، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «حُبِبَّ إِليَّ من الدُنيا النساء والطّيبُ وجُعِلَت قُرّةُ عَيني في الصَّلاة»رواه الحاكم والنّسائي، فمعناه جُعِلَ فيَّ الميل الطبيعي لزوجاتي من غيرِ تعلُّقِ قلبٍ وتَتَبُّعٍ لذلك، وكذلك في أمر الطّيب، وأمّا من اتّهمه بأنه كان متعلّق القلب بالنّساء متتبعًا لشهواته فهو كافرٌ، وأما قوله عليه السلام:«وجُعلَت قُرةُ عيني في الصَّلاة» فمعناه غاية فرحي وأنسي وسروري في صلاتي لربّي، فهو ﷺ متعلّق القلب بمحبة الله وعبادته وطاعته. 

ومن هذا الحديث وغيره يظهر لنا أنّ النّبي ﷺ كان يحِبُّ الإكثار من الصلوات ويرتاح بها فهو القائل لبلال رضي الله عنه: «أرحنا بها يا بلال» رواه الطبراني. وليُعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَظَّمَ قَدْرَ الصَّلاةِ فَالْمُرَادُ مِنَ الْعَبْدِ التَّعَبُّدُ، وَهِيَ جَامِعَةٌ بَيْنَ خُضُوعِ بَدَنِهِ وَنُطْقِ لِسَانِهِ وَحُضُورِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عِبَادَةَ مَلائِكَتِهِ بَيْنَ سُجُودٍ وَرُكُوعٍ وَذِكْرٍ، وَذَلِكَ مَجْمُوعٌ فِي الصَّلاةِ. فَالشَّرْعُ عَظَّمَ أَمْرَ الصَّلاةِ وَضَرَبَ الأَمْثَالَ بِفَضْلِهَا، فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لا. قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا»، 

وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»، 

وفي مسلم مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ما من امرئ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»، 

وروى أحمد في مسنده عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ». 

وَقَدْ فَضَّلَ الشَّرْعُ تَقْدِيمَ الصَّلاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، أي على أول وقتها، وَفُضِّلَتِ الصَّلاةُ فِي الْجَمَاعَةِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:«صَلَاةُ ‌الْجَمَاعَةِ ‌تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ درجة»، 

وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ لَمْ تَفُتْهُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَائَتَيْنِ: بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ»، 

وَثبتَ الثَّوَابُ لِمُنْتَظِرِ الصَّلاةِ، فَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «‌لَا ‌يَزَالُ ‌أَحَدُكُمْ ‌فِي ‌صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ»، 

وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فَعَقَبَ مَنْ عَقَبَ وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْسِرُ ثِيَابَهُ عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ يَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبَادِي قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى» رواه أحمد في مسنده، 

وَقَدْ عُظِّمَ الصَّفُّ الأَوَّلُ فَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا لاسْتَهَمُوا»،

وَقَدْ أَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِخَفْضِ رَأْسِهِ اسْتِعْمَالا لأَدَبِ الْخِدْمَةِ فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صحيحه مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاةِ أَوْ لا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ»،

 وَأَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِالتَّثَبُّتِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فقد روى الترمذي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تجزئ صَلاةٌ لا يُقِيمُ فِيهَا الرَّجُلُ يَعْنِي صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»، 

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شَيْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:«إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى رَجُلٍ – أي لا ينظر إليه نظر رحمة – لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ وَفِي سُجُودِهِ»، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلاةِ إِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمُ الْمَعْبُودِ، وَتَعْظِيمُهُ لا يَكُونُ إِلا بِحُضُورِ الْقَلْبِ فِي الْخِدْمَةِ.

وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ مَنْ يَتَغَيَّرُ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وَيَقُولُ: أَتَرَوْنَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقِفَ؟! وَقَدْ كَانَ أَصحابُ التَّفَكُّرِ مِنَ السَّلَفِ يُشَاهِدُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ عِبْرَةً، فَيَذْكُرُونَ بِالأَذَانِ نِدَاءَ الْعَرْضِ، وَبِطَهَارَةِ الْبَدَنِ تَطْهِيرَ الْقَلْبِ، وَبِسَتْرِ الْعَوْرَةِ طلب ستر الْقَبَائِحِ مِنْ عُيُوبِ الْبَاطِنِ، وَبِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ صَرْفَ الْقَلْبِ إِلَى الْمَقْلَبِ. 

 قَالَ الْحَسَنُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا هَانَتْ عَلَيْكَ صَلاتُكَ فَمَا الَّذِي يَعِزُّ عَلَيْكَ؟ وَلَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ حُضُورَ الْقَلْبِ جَاءَ الْوَعْدُ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ عَلَيْهِ. 

ففي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَالْقِرَاءَةَ فِيهَا قَالَتْ: ‌حَفِظَكَ ‌اللَّهُ ‌كَمَا ‌حَفِظْتَنِي، ثُمَّ أُصْعِدَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَلَهَا ضَوْءٌ وَنُورٌ وَفُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ. وَإِذَا لَمْ يُحْسِنِ الْعَبْدُ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالْقِرَاءَةَ فِيهَا قَالَتْ: ضَيَّعَكَ اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي ثُمَّ أُصْعِدَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَعَلَيْهَا ظُلْمَةٌ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ثُمَّ تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَ». رواه الطبراني في مسند الشاميين 

فَالْتَمَسْتُهُ بِيَدِى أي صرت أتحسس أين هو عليه الصلاة والسلام، حتى لمسته وعرفت أنه قائم يصلي ويقوم الليل

وهنا أنبه لأمر مهم وهو حكم لمس الرجل بشرة امرأة أجنبية أَىْ غَيْرِ الْمَحْرَمِ وَغَيْرِ الزَّوْجَةِ فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ ‌بِمِخْيَطٍ ‌مِنْ ‌حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ»،

فقد عد الفقهاء أَنَّ مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ لَمْسَ الأَجْنَبِيَّةِ أَىْ غَيْرِ الْمَحْرَمِ وَغَيْرِ الزَّوْجَةِ عَمْدًا بِغَيْرِ حَائِلٍ مُطْلَقًا أَىْ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَذَا مَعَ اخْتِلافِ الْجِنْسِ وَذَلِكَ حَرَامٌ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ إِذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ كَرَجُلٍ مَعَ مِثْلِهِ وَامْرَأَةٍ مَعَ مِثْلِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ فِى أَثْنَاءِ حَدِيثٍ: «وَالْيَدُ زِنَاهَا ‌الْبَطْشُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْبَطْشُ هُنَا مَعْنَاهُ الْعَمَلُ بِالْيَدِ كَمَا قَالَ الْفَيُّومِىُّ فِى الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ – وَهُوَ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ – قَالَ: (بَطَشَتِ الْيَدُ إِذَا عَمِلَتْ فَهِىَ بَاطِشَةٌ). 

وَالأَخْذُ بِيَدِ الأَجْنَبِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ جِسْمِهَا بِلا حَائِلٍ أَوْ بِحَائِلٍ مَعَ الشَّهْوَةِ حَرَامٌ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ مُصَافَحَةُ الصَّبِىِّ الَّذِى بَلَغَ حَدًّا يُشْتَهَى فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ وَإِلَّا فَإِلَى أَنْ يَبْلُغَ سِنَّ الْمُرَاهَقَةِ. وَالْمُرَاهِقُ هُوَ الَّذِى قَارَبَ الْبُلُوغَ كَابْنِ ثَلاثَ عَشْرَةَ أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الأَجْنَبِىِّ مُصَافَحَةُ الصَّبِيَّةِ إِنْ كَانَتْ تُشْتَهَى وَإِلَّا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُصَافَحَةُ الْمُرَاهِقَةِ. 

وَمِنْ ضَلالاتِ طَائِفَةٍ نَبَغَتْ فِى هَذَا الْعَصْرِ تَحْلِيلُ مُصَافَحَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الأَجْنَبِيَّةَ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ مَعَ وُجُودِ هَذَا النَّصِّ، وَبِهَذَا يُنَادُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْجَهْلِ الْعَمِيقِ بِأُمُورِ الدِّينِ،. 

وَمِمَّا يَدُلُ عَلَى حُرْمَةِ مُصَافَحَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الأَجْنَبِيَّةَ أيضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «إِنِّى لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ» رَوَاهُ مالك في الموطأ والْبَيْهَقِىُّ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى. 

فَإِنِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نِسَاءِ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ. فَقُلْنَ: مَرْحَبًا بِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ، فَمَدَدْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَمَدَّ يَدَهُ. فَهَذَا كَانَ مِنْ بَابِ الإِشَارَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ صَافَحَهُنَّ كَمَا يَدَّعِي هؤلاء فَوَقَعَتْ يَدِى عَلَى قَدَمَيْهِ هنا قد يسأل سائل أليس لمس بشرة الرجل لزوجته أو العكس ينقض الوضوء، فما المعنى هنا؟ قال النووي رحمه الله: الرَّاجِحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا يُحْمَلُ هَذَا اللَّمْسُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فَوْقَ حَائِلٍ فَلَا يَضُرُّ.اهـ 

وقال ابن علان: يحتمل أنه كان من وراء حائل فلا دليل فيه لعدم النقض بلمس الأجنبية؛ لأن وقائع الأحوال متى طرقها الاحتمال سقط بها الاستدلال.

أما أصل المسألة فقد قال فقهاء الشافعية: ينقض لَمْسُ بَشَرَةِ الأَجْنَبِيَّةِ مَعَ كِبَرٍ لِكُلٍّ مِنَ اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ، وَالْمُرَادُ بِالْكِبَرِ بُلُوغُ حَدٍّ يُشْتَهَى فِيهِ أَوْ تُشْتَهَى فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ [أَمَّا بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ مَثَلًا فَلا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَمْسُهَا لِأَنَّهَا لا تُشْتَهَى عَادَةً] وَلا يَنْقُضُ إِلَّا لَمْسُ الْجِلْدِ فَلَوْ لَمَسَ سِنَّ الأَجْنَبِيَّةِ أَوْ شَعَرَهَا أَوْ ظُفْرَهَا لَمْ يَنْتَقِضِ الْوُضُوءُ وَلَكِنْ يَحْرُمُ لَمْسُ ذَلِكَ مِنَ الأَجْنَبِيِّ وَالأَجْنَبِيَّةِ مَعَ الْكِبَرِ.

 وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ قال النووي: فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ نَصْبَهُمَا فِي السُّجُودِ.اهـ قال ابن علان: فيه سن نصب القدمين، ويجب أن يكون رءوس أصابعهما للقبلة وَهُوَ سَاجِدٌ أي في حال سجوده عليه الصلاة والسلام. 

وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعُوذُ أعتصم وأحتمي بِمُعَافَاتِكَ النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله المعافاة والعافية، فإذا نزل البلاء تجده أصبر الناس صلى الله عليه وسلم فقد صح عنْ أبي إِبْراهيمَ عَبْدِ اللَّه بْنِ أبي أَوْفى رضي اللَّهُ عنهمَا أَنَّ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في بعْضِ أَيَّامِهِ التي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انْتَظرَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهمْ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لا تَتَمنَّوا لِقَاءَ الْعدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّه العَافِيَةَ، فَإِذَا لقيتُموهم فاصْبرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّة تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ» ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنا عَلَيْهِمْ» متفقٌ عليه. أمرهم أن يسألوا الله تعالى العافية، وهي السلامة من مكروهات الدنيا والآخرة.اهـ 

وقد قال الصديق: لأن أعافى وأشكر أحب إليّ من أن أبتلى وأصبر اهـ. 

قال النووي: وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع الآفات في البدن في الباطن والظاهر في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العافية لي ولأحبابي وللمسلمين اهـ. وقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا – يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ – مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ»، 

وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سَأَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ أَنْ يُعَلِّمَهُ دُعَاءً يَدْعُو بِهِ اخْتَارَ لَفْظَهَا فَقَالَ:«يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» رواه أحمد والترمذي. 

مِنْ عُقُوبَتِكَ أي يا رب اعف عنا دائما، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو بمثل هذه الدعوات ليعلمنا أن ندعو بها وإلا فهو مغفور له صلى الله عليه وسلم كما جاء في القرآن الكريم. هذه المقابلة في أحاديثه عليه الصلاة والسلام فيها سؤال الثواب وفيها الاستعاذة من العقاب، والثَّوَاب هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي يَجْزِيهِ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ فِي الآخِرَةِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِمَّا يَسُرُّهُ، وَأَمَّا الْعَذَابُ الأُخْرَوِيُّ فَهُوَ مَا يَسُوءُ الْعَبْدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ وَمَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ كَوَطْءِ بَعْضِ الْبَهَائِمِ بِأَقْدَامِهَا مَنْ كَانَ لا يُزَكِّيهَا فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ.اهـ 

والثواب بعد الموت والتخفيف من العذاب أو الإنقاذ منه لا يكون إلا للمؤمن، فلا راحة لكافر بعد الموت، فمن هنا يعلم أنه لَا يَجُوزُ اعتِقَادُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ الرَّحمَةَ لِكَافِرٍ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الكُفرِ كَمَا يَزعُمُ البَعضُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سَلُولٍ وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الكُفرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَقَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ فِي القُرءَانِ بِقَولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [سورة محمد/ الآية 34]، وَحَاشَا أَن يَطلُبَ الرَّسُولُ ﷺ المَغفِرَةَ لِكَافِرٍ مَاتَ عَلَى الكُفرِ، فَقَد ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ صَلَّى عَلَى عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سَلُولٍ لَمَّا مَاتَ وَلَكِنَّهُ لَم يَكُن يَعرِفُ بِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى النِّفَاقِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة التوبة/ الآية 84]، أَي مَاتُوا كَافِرِينَ بِاللهِ تَعَالَى فَلَا مَغفِرَةَ لَهُم وَلَا يَنتَفِعُونَ بِدُعَاءِ دَاعٍ بَعدَ مَوتِهِم. فَعَبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ ابنِ سَلُولَ رَأسُ المُنَافِقِينَ فِي المَدِينَةِ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ تَظَاهَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ النِّفَاقِ وَأَظهَرَ النَّدَمَ وَطَلَبَ قَمِيصَ النَّبِيِّ ﷺ لِيُكَفَّنَ بِهِ طَلَبًا لِبَرَكَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاعتَقَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِسلَامَهُ، ظَنَّهُ مُسلِمًا، فَهُوَ ﷺ أَجرَى الحُكمَ عَلَيهِ عَلَى ظَاهِرِ أَمرِهِ لِذَلِكَ عِندَمَا مَاتَ صَلَّى عَلَيهِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ لَم يَعلَم تِلكَ السَّاعَةَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ مَا زَالَ عَلَى الكُفرِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّهُ مَا زَالَ مُنَافِقًا يَعتَقِدُ الكُفرَ وَيُظهِرُ الإِسلَامَ، إِذ يَستَحِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَن يُصَلِّيَ عَلَى مُشرِكٍ وَيَستَغفِرَ لَهُ مَعَ عِلمِهِ بِكُفرِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [سورة التوبة/ الآية 113]، قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ: وَصَلَّى عَلَيهِ إِجرَاءً لَهُ عَلَى ظَاهِرِ حُكمِ الإِسلَامِ.اهـ وَقَالَ ابنُ عَطِيَّةَ الأَندَلُسِيُّ: وَمُحَالٌ أَن يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كَافِرٍ، وَلَكِنَّهُ رَاعَى ظَوَاهِرَهُ مِنَ الإِقرَارِ وَوَكَّلَ سَرِيرَتَهُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى أَن قَالَ: وَصَلَّى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَوضِعِ إِظهَارِهِ الإِيمَانَ وَمُحَالٌ أَن يُصَلِّيَ عَلَيهِ وَهُوَ يَتَحَقَقُ كُفرَهُ.اهـ 

فَقَد ثَبَتَ فِي قَوَاعِدِ عَقَائِدِ المُسلِمِينَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعصُومٌ مِنَ الكُفرِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الكَافِرِ مَعَ اعتِقَادِ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا تَكذِيبٌ لِلقُرآنِ وَذَلِكَ يُنَافِي العِصمَةَ، وَهَذَا أَيضًا تَلَاعُبٌ فِي الدِّينِ وَالرُّسُولُ مَعصُومٌ عَن ذَلِكَ، فَالرَّسُولُ ﷺ لَم يُصَلِّ عَلَيهِ إِلَّا لِاعتِقَادِهِ تِلكَ السَّاعَةَ أَنَّهُ ذَهَبَ عَنهُ النِّفَاقُ وَأَخلَصَ فِي إِسلَامِهِ وَإِيمَانِهِ. إِذَا قَالَ لَكَ قَائِلٌ: كَيفَ تَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَعلَم أَنَّهُ مُنَافِقٌ وَقَد أَوحَى اللهُ إِلَيهِ بِأَسمَاءِ المُنَافِقِينَ فِي المَدِينَةِ؟ فَقُل: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يُوحَ إِلَيهِ بِكُلِّ أَسمَاءِ المُنَافِقِينَ فِي المَدِينَةِ كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة التوبة/ الآية 101]

وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ والسَّخْطُ والسُّخْطُ: الكَراهيةُ لِلشَّيْءِ وعدُم الرِضا بِهِ، وإذا أطلق على الله كما جاء به الْحَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ يَسْخَطُ لَكُمْ كَذَا» أَيْ يكرَهُه لَكُمْ ويمنَعُكم مِنْهُ ويعاقبكُم عَلَيْهِ، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَةِ العُقوبة عَلَيْهِ. كما جاء في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير. 

وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ قال ملا علي القاري: إِذْ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مَعَكَ شَيْئًا، فَلَا يُعِيذُهُ مِنْكَ إِلَّا أَنْتَ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَالرِّضَاءُ وَالسَّخَطُ ضِدَّانِ مُتَقَابِلَانِ وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ وَالْعُقُوبَةُ فَلَمَّا صَارَ إِلَى ذِكْرِ مَا لَا ضِدَّ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ سبحانه وتعالى اسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْرُ لا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَيْ لَا أُطِيقُهُ وَلَا آتِي عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَا أُحِيطُ بِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَعْنَاهُ لَا أُحْصِي نِعْمَتَكَ وَإِحْسَانَكَ وَالثَّنَاءَ بِهَا عَلَيْكَ وَإِنْ اجْتَهَدْتُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى بُلُوغِ حَقِيقَتِهِ، وَرَدٌّ لِلثَّنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ وَالْإِحْصَارِ وَالتَّعْيِينِ، فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِصِفَاتِهِ لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الثَّنَاءَ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ وَكُلُّ ثَنَاءٍ أَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ وَبُولِغَ فِيهِ فَقَدْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ وَسُلْطَانُهُ أَعَزُّ وَصِفَاتُهُ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ وَفَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ أَوْسَعُ وَأَسْبَغُ.

والله تعالى أعلم وأحكم