بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُم رَبُّهُم إِنَّهُم كَانُوا قَبلَ ذَٰلِكَ مُحسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ الليلِ مَا يَهجَعُونَ * وَبِالأَسحَارِ هُم يَستَغفِرُونَ﴾
كَم فِي المَقَابِرِ مِن أُنَاسٍ كَانُوا مِثلَنَا، يَأكُلُونَ كَمَا نَأكُلُ، وَيَشرَبُونَ كَمَا نَشرَبُ، والآنَ كَثِيرٌ مِنهُم فِي حَسرَةٍ وَنَدَامَةٍ، الكَثِيرُ مِنهُم يَتَمَنَّى لَو يَعُودُ إِلَى الدُّنيَا لِيَعمَلَ فِيهَا أَكثَرَ وَأَكثَرَ، لَكِن هَيهَاتَ هَيهَاتَ، لَا رُجُوعَ لَهُم، قَالَ إِبْرَاهِيْمُ التَّيْمِيُّ -وَهُوَ أَحَدُ التَّابِعِيْن- تَمَثَّلْتُ نَفسِي فِي الجَنَّةِ أَتَنَعَّمُ بِنَعِيمِهَا وَءَاكَلُ مِن ثِمَارِهَا وَأَشرَبُ مِن أَنهَارِهَا، وَتَمَثَّلْتُ نَفسِي فِي النَّارِ، أَتَعَذَّبُ بِعَذَابِهَا، وَءَاكُلُ مِن زَقُّومِهَا، وَأَشرَبُ مِن صَدِيدِهَا، ثُمَّ قُلتُ لِنَفسِي: يَا نَفسُ، مَاذَا تُرِيدِينَ، قَالَت: أُرِيدُ أَن أَعُودَ إِلَى الدُّنيَا فَأَعمَلَ أَكثَرَ، فَقُلتُ: أَنتِ فِي الأُمنِيَّةِ، فَاعمَلِي.
عَلَينَا أَن نُسَارِعَ لِلخَيرَاتِ وَعَمَلِ الطَّاعَاتِ، قَبلَ أَن نُوضَعَ فِي قُبُورِنَا وَيَجرِي عَلَينَا مَا جَرَى عَلَى كَثِيرٍ مِمَن كَانَ قَبلَنَا، فَالكَثِيرُ مِن أَهلِ المَقَابِرِ انشَغَلُوا فِي الدُّنيَا، مَاتُوا وَمَا زَالَ عِندَهُم عَمَلٌ دُنيَوِيٌّ يُؤَمِّلُونَ أَن يَعمَلُوهُ، فَهَا هُوَ المَيدَانُ، وَهَا هِيَ الدُّنيَا لَم تَنقَضِ بَعدُ وَالفُرصَةُ أَمَامَنَا، وَمِن أَفضَلِ الأَعمَالِ الَّتِي نَتَزَوَّدُ بِهَا لِقُبُورِنَا وَءَاخِرَتِنَا هِيَ الصَّلَاةُ، وَمِنهَا صَلَاةُ اللَّيلِ.
فضل الصلاة
الصَّلَاةُ عَمُودُ الدِّينِ، لَا يُضَيِّعُهَا إِلَّا مَحرُومٌ مَسَخَ اللهُ قَلبَهُ، وَصَرَفَهُ عَن طَرِيقِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، إِذ هِيَ شِعَارُ النبِّيِّينَ، وَدَواءُ الصَّالِحِينَ، نُورٌ وَرَحمَةٌ وَضِيَاءٌ وَبُرهَانٌ وَخَيرٌ وَنِعمَةٌ وَبَرَكَةٌ فِي الدُّنيّا وَالآخِرَةِ، وَالآيَاتُ وَالأحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى فَضلِهَا كَثِيرَةٌ، فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سَمَّى الصَّلَاةَ إِيمَانًا، فَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا وُجِّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الكَعبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيفَ بِالَّذِينَ مَاتُوا وَهُم يُصَلُّونَ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ؟ فَأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾، [البقرة: 143].
قَالَ البَيهَقِيُّ: وَلَيسَ مِنَ العِبَادَاتِ بَعدَ الإِيمَانِ الرَّافِعِ لِلكُفرِ عِبَادَةٌ سَمَّاهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِيمَانًا إِلَّا الصَّلَاةُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ فَضلِهَا مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “أَرَأَيتُم لَو أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُم يَغتَسِلُ مِنهُ كُلَّ يَومٍ خَمسَ مَرَّاتٍ، مَا تَقُولُونَ يبقى مِن دَرَنِهِ؟”، قَالُوا: لَا يُبقِي مِن دَرَنِهِ شَيءٌ، قَالَ: “فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ، يَمحُوا اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا“.
أهمية صلاة الليل
مِن أَفضَلِ الصَّلَاةِ بَعدَ المَفرُوضَاتِ الصَّلَاةُ فِي جَوفِ اللَّيلِ، فِفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “أَفضَلُ الصَّلَاةِ بَعدَ الصَّلَاةِ المَكتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوفِ اللَّيلِ“.
وَالآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى فَضلِهَا كَثِيرَةٌ، مِنهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ﴾ [سورة السجدة:16].
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
رَكعَتَانِ يَركَعُهُمَا العَبدُ فِي جَوفِ اللَّيلِ خَيرٌ لَهُ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا، وَلَولَا أَن أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضتُهُمَا عَلَيهِم
رَوَاهُ الدَّيلَمِيُّ
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
عَلَيكُم بِقِيَامِ اللَّيلِ، فَإِنَّهُ دَأبُ الصَّالِحِينَ قَبلَكُم، فَإِنَّ قِيَامَ اللَّيلِ قُربَةٌ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَكفِيرٌ لِلذُّنُوبِ، وَمطَرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ، وَمَنهَاةٌ عَنِ الإِثمِ
رَوَاهُ البَيهَقِيُّ
وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيتُ فِي النَّومِ كَأَنَّ مَلَكَينِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَجَعَلتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي: لَن تُرَاعَ ـ أَي لَا خَوفَ عَلَيكَ بَعدَ هَذَا ـ، فَقَصَصتُهَا عَلَى حَفصَةَ، فَقَصَّتهَا حَفصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: “نِعمَ الرَّجُلُ عَبدُ اللهِ لَو كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ”، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبدُ اللهِ بَعدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيلِ إِلَّا قَلِيلًا، كَانَ يُحيِي اللَّيلَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسحَرنَا؟ (يَعنِي هَل دَخَلنَا فِي وَقتِ السَّحَرِ) فَيَقُولُ: لَا، فَيُعَاوِدُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسحَرنَا؟ فَيَقُولُ: نَعَم، فَيَقعُدُ وَيَستَغفِرُ وَيَدعُو حَتَّى يُصبِحَ.
قيام الليل من شيم الصالحين
يُروَى أَنَّهُ كَانَ لِلحَسَنِ بنِ صَالِحٍ جَارِيَةٌ فَبَاعَهَا لِقَومٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي جَوفِ اللَّيلِ قَامَتِ الجَارِيَةُ فَقَالَت: يَا أَهلَ الدَّارِ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، فَقَالُوا: أَصبَحنَا؟ أَطَلَعَ الفَجرُ؟، فَقَالَت: وَمَا تُصَلُّونَ إلَّا المَكتُوبَةَ؟، قَالُوا: نَعَم، فَرَجَعَت إلَى الحَسَنِ فَقَالَت: يَا مَولَايَ، بِعتَنِي لِقَومٍ لَا يُصَلُّونَ إلَّا المَكتُوبَةَ، رُدَّنِي، فَرَدَّهَا.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بنُ سُلَيمَانَ تِلمِيذُ الشَّافِعِيِّ: بِتُّ فِي مَنزِلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَيَالِيَ كَثِيرَةً فَلَم يَكُن يَنَامُ مِنَ اللَّيلِ إلَّا يَسِيرًا.
وَقَالَ أَبُو الجُوَيرِيَةِ: لَقَد صَحِبتُ أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سِتَّةَ أَشهُرٍ فَمَا فِيهَا لَيلَةٌ وَضَعَ جَنبَهُ عَلَى الأَرضِ، وَيُروَى أَنَّه مَا كَانَ لَهُ فِرَاشٌ بِاللَّيلِ.
وَقَالَ أَحمَدُ بنُ أَبِي الحَوَارِيِّ: سَمِعتُ أَبَا سُلَيمَانَ يَقُولُ: بَينَا أَنَا سَاجِدٌ إِذ ذَهَبَ بِيَ النَّومُ، فَإِذَا أَنَا بِهَا – يَعنِي الحَورَاءَ مِنَ الحُورِ العِينِ- قَد ضَرَبَتنِي بِرِجلِهَا فَقَالَت: حَبِيبِي أَتَرقُدُ عَينَاكَ وَالمَلِكُ يَعلَمُ أَحوَالَ المُتَهَجِّدِينَ فِي تَهَجُّدِهِم؟، بُؤسًا لَعِينٍ آثَرَت لَذَّةَ نَومَةٍ عَلَى لَذَّةِ مُنَاجَاةِ العَزِيزِ، قُم فَقَد دَنَا الفَرَاغُ وَلَقِيَ المُحِبُّونَ بَعضَهُم بَعضًا، فَمَا هَذَا الرُّقَادُ؟، حَبِيبِي وَقُرَّةَ عَينِي، أَتَرقُدُ عَينَاكَ وَأَنَا أَتَرَبَّى لَكَ فِي الخُدُورِ مُنذُ كَذَا وَكَذَا؟، قَالَ: فَوَثَبتُ فَزِعًا وَقَد عَرِقتُ حَيَاءً مِن تَوبِيخِهَا إِيَّايَ، وَإِنَّ حَلَاوَةَ مَنطِقِهَا لَفِي سَمعِي وَقَلبِي.
فضل الثلث الأخير من الليل
جَعَلَ اللهُ أَوقَاتًا لِلأَسرَارِ وَالنَّفَحَاتِ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، مِنهَا الثُّلُثُ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ وَيُسَمَّى وَقتَ السَّحَرِ، فَإِنَّ أَسرَارَ هَذَا الوَقتِ مُجَرَّبَةٌ مَعرُوفَةٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّ بَعضَهُم قَالَ لِبَعضِ مَن يَشكُو لَهُ هَمَّهُ: عَلَيكَ بِسِهَامِ السَّحَرِ، أَيِ الدُّعَاءِ وَقتِ السَّحَرِ، فَإِنَّهُ نَافِعٌ مُجَرَّبٌ، وَفِي مِثلِ ذَلِكَ قَالَ الرَّسُولُﷺ: “افعَلُوا الخَيرَ دَهرَكُم، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحمَةِ اللهِ، فَإِنَّ للهِ نَفَحَاتٍ مِن رَحمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ”، رَوَاهُ السُّيُوطِيُّ.
فَمِثلُ هَذَا الوَقتِ تَنزِلُ فِيهِ الرَّحَمَاتُ الخَاصَّةُ، وَهَذَا المَعنِيُّ بِحَدِيثِ النُّزُولِ، نُزُولُ الرَّحمَةِ الخَاصَّةِ، لَا نُزُولُ التَّحَيُّزِ وَالحَرَكَةِ وَالجِهَةِ وَالمَكَانِ فِي حَقِّ اللهِ، فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ، فَفِي هَذَا الوَقتِ المُبَارَكِ يَغفِرُ رَبُّنَا لِلمُستَغفِرِينَ، وَيُعطِي السَّائِلِينَ، وَيَستَجِيبُ لِلدَّاعِينَ.
معنى حديث النزول والذي فيه الحث على قيام الليل
عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ
يَنزِلُ رَبُّنَا (أَي تَنزِلُ رَحمَتُهُ) تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلِّ لَيلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا حِينَ يَبقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟ مَن يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ
رَوَاهُ البُخَارِيُّ
فَيَجِبُ اعتِقَادُ أَنَّ النُّزُولَ الوَارِدَ فِي الحَدِيثِ لَيسَ نُزُولَ حَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فِي حَقِّ اللهِ، بَل هُوَ نَزُولٌ يَلِيقُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِن غَيرِ كَيفٍ وَلَا تَحَيُّزٍ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ.
هَذَا مَذهَبُ أَهلِ السُّنَّةِ مِن سَلَفٍ وَخَلَفٍ، وَإِنَّمَا اختَلَفَت طَرِيقَتُهُم فِي التَّعَامُلِ مَعَ مِثلِ هَذِهِ النُّصُوصِ الوَارِدَةِ التِي ظَاهِرُهَا فِيهِ نِسبَةُ المَكَانِ وَالتَّحَيُّزِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَذَهَبَ أَكثَرُ السَّلَفِ إِلَى إثبَاتِ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ مِن غَيرِ تَعيِينِ مَعنًى لَهُ، لَكِن مَع تَنزِيهِهِم للهِ عَن صِفَاتِ البَشَرِ، كَالكَيفِ وَالتَّحَيُّزِ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ، فَقَالُوا أَمِرُّوهَا ـ أَي هَذِهِ النُّصُوصَ ـ كَمَا جَاءَت بِلَا كَيفٍ.
وَذَهَبَ أَكثَرُ الخَلَفِ مِن أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ إِلَى تَعيِينِ مَعنًى لَهَا مِمَّا تَقتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ، مَعَ مُرَاعَاةِ أَن يُفِيدَ تَنزِيهَ اللهِ عَن صِفَاتِ الخَلقِ، كَتَأوِيلِ النُّزُولِ الوَارِدِ بِالحَدِيثِ بِنُزُولِ الرَّحمَةِ الخَّاصَّةِ.
وَكِلَا الفَرِيقَينِ يُنَزِّهُ اللهَ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ فِي الجِهَةِ والمَكَانِ وَالحَرَكَةِ وَالنُّزُولِ الحِسِّيِّ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ المُشَبِّهَةُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَحَمَلُوا هَذِهِ النُّصُوصَ عَلَى ظَاهِرِهِا وَاعتَقَدُوا حَقِيقَةَ النُّزُولِ الَّذِي هُوَ مِن صِفَاتِ البَشَرِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَكَذَّبُوا صَرِيحَ القُرءَانِ الكَرِيمِ، وَقَولُهُم هَذَا خُرُوجٌ مِنَ الإِسلَامِ.
الخاتمة
قَالَ الحَسَنُ البِصرِيُّ: إِنَّ العَبدَ لَيُذنِبُ الذَّنبَ فَيُحرَمُ بِهِ قِيَامَ اللَّيلِ، فَيَكُونُ قَد عُوقِبَ وَهُوَ لَا يَدرِي، فَكَيفَ بِمَن يُضَيِّعُ فِي كُلِّ يَومٍ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ المَفرُوضَاتِ وَالعِيَاذُ باللهِ تَعَالَى،فَلَا يَنبَغِي لِلعَاقِلِ المُكثِرِ مِن طَلَبِ عَمَلِ الآخِرَةِ، أَن يَغفُلَ عَنِ الصَّلَاةِ وخُصُوْصًا عَن قِيَامِ اللَّيلِ، فَإِنَّهُ دَأبُ الصَّالِحِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وَدَأبُ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، وَهُوَ مِن عَادَةِ نَبِيِّنَا الأَكرَمِ ﷺ.
اللهم اجعَلنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مُقِيمِي الصَّلَاةَ، وَاحشُرنَا فِي زُمرَةِ المُصَّلِّينَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ البَيهَقِيِّ.
- فَتْحِ الْبَارِي لِابْنِ حَجَرٍ.
- حِفظِ العُمُرِ لِابنِ الجَوزِيِّ.
- بُستَانِ الوَاعِظِينَ لِابنِ الجَوزِيِّ.
- التَّبصِرَةِ لِابنِ الجّوزِيِّ.
- قِصَرِ الأَمَلِ لِابنِ أَبِي الدُّنيَا.