بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اركَعُوا وَاسجُدُوا وَاعبُدُوا رَبَّكُم وَافعَلُوا الخَيرَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾
سُورَةُ الحَجِّ: 77
حَثَّ الشَّارِعُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى فِعلِ الخَيرَاتِ حَثًّا بَلِيغًا، وَقَد فَتَحَ لَنَا أَبوَابًا مِنَ الخَيرِ كَثِيرَةً، وَجَعَلَ أَوقَاتًا مُبَارَكَةً تُضَاعَفُ فِيهَا الحَسَنَاتُ إِلَى أَضعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، وَكُلُّ هَذَا مِن رَحمَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِنَا، فَهُوَ أَعطَانَا نِعمَةَ الإِسلَامِ ثُمَّ دَلَّنَا عَلَى طُرُقِ الرُّقِيِّ فِي الدَّرَجَاتِ وَالوُصُولِ إِلَى أَعلَى الرُّتَبِ، وَمِن أَعظَمِ هَذِهِ الأَبوَابِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “الصَّلَاةُ خَيرٌ مَوضُوعٌ، فَاستَكثِر أَو أَقِلَّ“، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الأَوسَطِ، وَسَنَذكُرُ فِي هَذَا البَابِ نَوعًا مِن أَنوَاعِ صَلَاةِ النَّفلِ، وَهِيَ صَلَاةُ التَّسَابِيحِ أَوِ التَّسبِيحِ، فَمَا هِيَ هَذِهِ الصَّلَاةُ، وَمَا حُكمُهَا، وَكَيفَ تُؤَدَّى.
كيفية صلاة التسبيح
صَلَاةُ التَّسبِيحِ صَلَاةُ أَربَعِ رَكَعَاتٍ يُقرَأُ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى الصَّلَاةِ العَادِيَّةِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الأَذكَارِ فِي مَوَاضِعَ مُعَيَّنَةٍ مِنهَا، وَقَد بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَيفِيَّتَهَا فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَعَنهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلعَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ: “يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّاهُ، أَلَا أُعطِيكَ، أَلَا أَمنَحُكَ، أَلَا أَحبُوكَ، أَلَا أَفعَلُ بِكَ عَشرَ خِصَالٍ إِذَا أَنتَ فَعَلتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللهُ لَكَ ذَنبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأَهُ وَعَمدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، عَشرَ خِصَالٍ: أَن تُصَلِّيَ أَربَعَ رَكَعَاتٍ، تَقرَأُ فِي كُلِّ رَكعَةٍ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغتَ مِنَ القِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكعَةٍ وَأَنتَ قَائِمٌ قُلتَ: سُبحَانَ اللهِ، وَالحَمدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ خَمسَ عَشرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَركَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنتَ رَاكِعٌ عَشرًا، ثُمَّ تَرفَعُ رَأسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشرًا، ثُمَّ تَهوِي سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنتَ سَاجِدٌ عَشرًا، ثُمَّ تَرفَعُ رَأسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشرًا، ثُمَّ تَسجُدُ فَتَقُولُهَا عَشرًا، ثُمَّ تَرفَعُ رَأسَكَ فَتَقُولُهَا عَشرًا، فَذَلِكَ خَمسٌ وَسَبعُونَ فِي كُلِّ رَكعَةٍ، تَفعَلُ ذَلِكَ فِي أَربَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ استَطَعتَ أَن تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَومٍ مَرَّةً فَافعَل، فَإِن لَم تَفعَل فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِن لَم تَفعَل فَفِي كُلِّ شَهرٍ مَرَّةً، فَإِن لَم تَفعَل فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِن لَم تَفعَل فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةً“، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه وَالحَاكِمُ وَغَيرُهُم.
حكم صلاة التسبيح
ذَكَرَ الفُقَهَاءُ وَعُلَمَاءُ الحَدِيثِ صَلَاةَ التَّسبِيحِ فِي كُتُبِهِم وَأَفرَدُوا لَهَا أَبوَابًا، وَعَدَّ بَعضُهُم هَذِهِ الصَّلَاةَ مِنَ الصَّلَوَاتِ المَسنُونَةِ الَّتِي يُثَابُ فَاعِلُهَا عَلَيهَا وَصَحَّحُوا حَدِيثَهَا، كَالشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ فِي أَسنَى المَطَالِبِ وَتُحفَةِ الطُّلَّابِ، وَابنِ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ، حَيثُ صَرَّحَ ابنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ يُثَابُ مُصَلِّي صَلَاةِ التَّسبِيحِ وَأَنَّهَا سُنَّةٌ لَا بِدعَةٌ قَبِيحَةٌ.
قَالَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي تُحفَةِ الطُّلَّابِ فِي أَثنَاءِ عَدِّهِ لِأَنوَاعِ صَلَاةِ النَّفلِ: وَمِنهُ صَلَاةُ التَّسَابِيحِ أَربَعَ رَكَعَاتٍ، يَقُولُ فِي كُلٍّ مِنهَا بَعدَ القِرَاءَةِ: سُبحَانَ اللهِ وَالحَمدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ خَمسَ عَشرَةَ مَرَّةً، وَيَقُولُ أَيضًا فِي كُلٍّ مِنَ الرُّكُوعِ وَالرَّفعِ مِنهُ وَالسَّجدَتَينِ وَالجُلُوسِ بَينَهَمُا وَجِلسَتَيِ الِاستِرَاحَةِ وَالتَّشَهُّدِ عَشرًا، وَذِكرَ جِلسَتَيِ التَّشَهُّدِ مِن زِيَادَتِي، فَذَلِكَ خَمسٌ وَسَبعُونَ مَرَّةً فِي كُلِّ رَكعَةٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابنُ خُزَيمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَفِيهِ: “إِنِ استَطَعتَ أَن تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَومٍ مَرَّةً فَلتَفعَل، فَإِن لَم تَفعَل فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِن لَم تَفعَل فَفِي كُلِّ شَهرٍ مَرَّةً، فَإِن لَم تَفعَل فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِن لَم تَفعَل فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةً“.
لَكِن لَم يَعُدَّ بَعضٌ مِنَ العُلَمَاءِ صَلَاةَ التَّسبِيحِ مِنَ الصَّلَوَاتِ المَسنُونَةِ نَظَرًا لِضَعفِ حَدِيثِهَا المَروِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَمِنهُمُ النَّوَوِيُّ فِي المَجمُوعِ حَيثُ قَالَ: قَالَ القَاضِي حُسَينٌ وَصَاحِبَا التَّهذِيبِ وَالتِّتِمَّةِ وَالرُّويَانِيُّ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الجَنَائِزِ مِن كِتَابِهِ البَحرِ: يُستَحَبُّ صَلَاةُ التَّسبِيحِ لِلحَدِيثِ الوَارِدِ فِيهَا، وَفِي هَذَا الِاستِحبَابِ نَظَرٌ، لِأَنَّ حَدِيثَهَا ضَعِيفٌ، وَفِيهَا تَغيِيرٌ لِنَظمِ الصَّلَاةِ المَعرُوفِ، فَيَنبَغِي أَلَّا يُفعَلَ بِغَيرِ حَدِيثٍ، وَلَيسَ حَدِيثُهَا بِثَابِتٍ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.اهـ
لَكِن قَدِ استَنَدَ العُلَمَاءُ الَّذِينَ استَحَبُّوا صَلَاةَ التَّسبِيحِ بِأَنَّ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُؤخَذُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعمَالِ، حَيثُ إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ الوَارِدَ لَيسَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ، فَأَخَذَ بِهِ بَعضُ العُلَمَاءِ وَاستَحَبُّوا صَلَاةَ التَّسبِيحِ.
وَبِالجُملَةِ لَم يُنكِر أَحَدٌ عَلَى مُؤَدِّي صَلَاةِ التَّسبِيحِ شَيئًا فِيمَا نَعلَمُ، إِنَّمَا كَانَ الخِلَافُ بَينَ العُلَمَاءِ فِي هَل هِيَ مُستَحَبَّةٌ أَم لَا، فَبِالتَّالِي لَا يَنبَغِي الإِنكَارُ عَلَى مَن يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ إِذَا لَم يَفعَل شَيئًا يُبطِلُ صَلَاتَهُ، لَكِنَّ أَبوَابَ الخَيرِ كَثِيرَةٌ، وَقَدَ فَتَحَ اللهُ لَنَا أَبوَابًا مِنَ الخَيرِ الثَّابِتَةِ مِن فِعلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصحَابِهِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.