بر الوالدين وضبط النفس والغضب | دروس نبوية في حسن الخلق والرحمة

بر الوالدين

المقدمة

الحمد لله الذي خلق العالم من غير احتياج، وأنزل قرءانا عربيا قيما من غير اعوجاج، وشرع الإسلام دينا فانتشر في الأرض وراج، فكان لمن دخل فيه فخرا وعزّا وتاج، أحمده تعالى كلما هلل مهلل واعتمر معتمر وحجّ حاج، 

وأصلي وأسلم على سيدنا محمّد السّراج الوهّاج، مَن بِمولده ارتجّ إيوان كسرى ارتجاج، وصاح إبليس اللعين صيحة وهاج، وعلى صاحبه أبي بكر مصدقه في الإسراء والمعراج، وعلى عمر الذي انتشر عدله في الفجاج، وعلى عثمان الذي يبتهج بذكره أيما ابتهاج، وعلى علي الذي أدخل في دين الله أفواجًا وأفواج. 

أما بعد: 

الشرح

الثامن والعشرون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا عبد الله بن يزيد المقري قال: حدثنا حَيْوَة حدثني أبو عثمان الوليد بن أبي الوليد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله قال: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ (أَيْ: أَفْضَلُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَالِدِهِ، وَكَذَا الْوَالِدَةُ أَوْ هِيَ بِالْأُولَى) أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ (بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ: أَصْحَابُ مَوَدَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْوُدُّ: الْحُبُّ وَالْمُحِبُّ)» (وهذا الحديث يُفَسَّر بما روى البيهقي عن أبي أسيد وكان بدريا قال كنت عند النبي ﷺ جالسا فجاء رجل من الأنصار فقال يا رسول الله هل بقي من برّ والدي في موتهما شيء أبرهما به؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وانفاد عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهذا الذي بقى عليك.اهـ وثبت عن ابن عمر أنّه كان في سفر فمرّ به أعرابي فقال: ألست فلان بن فلان؟ قال: بلى. قال: فأعطاه حمارا، كان إذا مل راحلته يتروح بركوبه، وعمامتَه وكان يشدّ بها رأسه، فلمّا أدبر الأعرابي، قال له بعض أصحابه: إنّ هذا كان يرضى بدرهم أو درهمين فأعطيته حمارك الذي كنت تروح عليه إذا مللت راحلتك وعمامتك التي كنت تشدّ بها رأسك. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّ أبرّ الصّلة صلة الرجل أهل ودّ أبيه بعد ما تولّى.اهـ وروى البيهقي في الشعب عن النبي ﷺ قال: «مَنْ زارَ قبرَ أبويه أو إحداهما في كلّ جمعة غفر له وكتب برا»، وفي رواية قال رسول الله ﷺ: «إنّ الرّجل لَيموت والداه وهو عاقّ لهما فيدعو لهما من بعد مماتهما فيكتبه الله من البارّين»، وفي الشعب أيضًا عن الفضل بن الموفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لمّا مات أبي جزعت جزعًا شديدًا فكنت آتي قبره في كلّ يوم، ثمّ إنّي قصرت عن ذلك ما شاء الله، ثم إنّي أتيته يومًا فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج وكأنه قاعد في قبره متوشحا أكفانه عليه سحنة الموتى. قال: كأني بليت لمّا رأيته، فقال: يا بني ما بطأ بك عني. قال: قلت وإنك لتعلم بمجيئي؟! قال: ما جئت من مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فأسر بك ويسر من حولي بدعائك. قال: فكنت بعد آتيه كثيرا. 

وروى البيهقي عن أبي الدرداء هاشم بن محمد يقول سمعت رجلا من أهل العلم يقول إنّه كان يزور قبر أبيه فطال عليه ذلك، فقلت: أزور التراب، فاريت في منامي فقال: يا بني مالك لا تفعل بي كما كنت تفعله؟ فقلت: أزور التراب، فقال: لا تعجل يا بني فو الله لقد كنت تشرف علي فيبشرني بك جيراني ولقد كنت تنصرف فما أزال أراك حتى تدخل الكوفة. وروى البيهقي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: «ما الميّت في القبر إلا كالغريق المتغوّث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو أخ أو صديق فإذا لحقته كانت أحبّ إليه من الدّنيا وما فيها، وإنّ الله عزّ وجلّ ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال وإنّ هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم»).

التاسع والعشرون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): (هذا الحديث فيه الحثّ على صلة الرّحم عموما وأدخله البخاري رحمه الله في كتابه هنا في الكلام على برّ الوالدين؛ لأنّ الوالدين من أقرب الأرحام إلى الشخص) حدثنا علي بن عبد الله حدثنا أنس بن عياض حدثني عبد الله بن يزيد بن قسيط عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحِمَ شُجْنَةً (بضم الشين وكسرها وحُكِي الفتح والجمعُ شُجُون، والمراد أنّ الرَحِمَ قَرابةٌ مُشْتَبِكة كالعُروق المتداخِلة والأَغْصان المتشابِكة) وَقَالَ: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ مَنْ وَصَلَكِ وَأُدْخِلَ النَّارَ مَنْ قَطَعَكِ» (وقد أكّد الشّرع الحنيف على وجوب صلة الأرحام فقد قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [سورة محمد/ الآية 22]، قال البيهقي: فجعل قطع الأرحام من الإفساد في الأرض ثم أتبع ذلك الإخبار بأنّ ذلك مِن فِعل مَن حَقّت عليه لعنته فسلبه الانتفاع بسمعه وبصره فهو يسمع دعوة الله ويبصر آياته وبيناته فلا يجيب الدعوة ولا ينقاد للحقّ كأنه لم يسمع النداء ولم يقع له من الله البيان فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[سورة محمد/ الآية 23]، وقال في الواصل والقاطع: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ، وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [سورة الرعد/ الآية 19-23] وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [سورة الرعد/ الآية 25] فقرن وصل الرحم وهو الذي أمر الله به أن يوصل بخشيته والخوف من حسابه والصبر عن محارمه وإقام الصلاة وايتاء الزكاة لوجهه وجعل ذلك كله من فعل أولي الألباب، ثم وعد به الجنة وزيارة الملائكة إياهم فيها وتسليمهم عليه ومدحهم له، وقرن قطيعة الرحم بنقض عهد الله والإفساد في الأرض ثم أخبر أن لهم عند الله اللعنة وسوء المنقلب فثبت بالآيتين ما في صلة الرحم من الفضل وفي قطعها من الوزر والإثم).

الثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن سفيان بن حسين ومحمد سمعا الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه سمع النبي يقول: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» (أي لا يَدخُل المؤْمِنُ القاطِعُ لِرَحِمِهِ الجنّةَ مع الأوّلِين إن ماتَ بِلا تَوبةٍ بل يَدخُلها مع الآخِرين) (أمّا الذي لا يدخل الجنّة أبدا فهو الكافر، فالكافرون لا تنالهم رحمة الله بعد الموت، لا رحمة لهم ولا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون، فالإيمان شرط لقبول الأعمال الصالحة قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 18]. وقال رَسولُ الله ﷺ: «وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خَيْرًا» رواه الإمام أحمد. فمن لم يكن مؤمنا بأن كفر بالله فقد خسر الدّنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، والكُفْرُ نَقِيضُ الإيمانِ كَمَا أنَّ الظّلامَ نَقِيضُ النُّورِ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أبْوَابٍ: التَّشْبِيهُ وَالتَّكْذِيبُ وَالتَّعْطِيلُ. التَّشْبِيهُ: أي تَشْبِيهُ اللهِ بِخَلْقِهِ، كالذي يَصِفُ اللهَ بأنّهُ جالسٌ أو أنَّ له شكلًا وهيئةً أو يصِفه بأنّ له مكانًا أو جهَةً. التَّكْذِيبُ: أي تَكْذِيبُ مَا وَرَدَ في القرآن الكَرِيمِ أو ما جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى وَجْهٍ ثابتٍ كَإنْكَارِ بَعْثِ الأجْسَادِ وَالأرْوَاحِ معًا وَإنكارِ وُجُوبِ الصَّلاةِ والصّيامِ والزَّكَاةِ. التَّعْطِيلُ: وَهُوَ نَفْيُ وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَهُو أشَدُّ الكُفْرِ. والكَفِرُ نَوْعَانِ: إمّا كَافِرٌ أصْلِيٌّ أوْ مُرْتَدٌّ عَنِ الإسْلامِ. فَالَكَافِرُ الأصْلِيُّ: هُوَ مَنْ نَشَأ مِنْ أبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ على الكفر وَبَلَغَ على الكُفْرِ. أمَّا المُرتَدُّ: فَهُوَ الشّخْصُ الذي كَان مُسْلِمًا وَوَقَعَ في أحدِ أنْوَاعِ الرّدَّةِ. قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة/ الآية 65-66] وَالرّدّةُ: هيَ الخُرُوجُ عَنِ الإسْلام. فيَجِبُ على كلّ مُسْلِمٍ أنْ يَحْفَظَ إسْلامَهُ وَيَصُونَهُ عَنْ هذِهِ الرّدّةِ التي تُفْسِدُهُ وَتُبْطِلُهُ وتَقْطَعُهُ والعِيَاذُ باللهِ تَعالى. وَالرّدَّةُ ثَلاثةُ أقْسَامٍ كَما قَسَّمها العلماءُ: كُفْرٌ اعْتِقَادِيٌّ، وكُفْرٌ فِعْليٌّ، وكُفْرٌ قَوْلِيٌّ. وكُلُّ قِسْمٍ مِنْ أقْسَامِ الرّدّةِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ. الكُفْرُ الاعْتِقَاديٌّ: كَنَفْيِ وجودِ اللهِ تَعَالَى، أو اعْتِقَادِ أنّ الله عَاجِزٌ أو جَاهِلٌ أو اعتِقَادِ أنَّ اللهَ جِسْمٌ أوْ ضَوْءٌ أو رُوحٌ أو أنّه يَتَّصفُ بصفةٍ من صِفاتِ الخَلْقِ والعِيَاذُ بِاللهِ تَعالى، أو اعتِقَادِ أن شُرْبَ الخَمْرِ حَلالٌ أو أنّ السَّرِقَةَ حَلالٌ، أو اعْتقَادِ أنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِض الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ أو صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، أو الزَّكَاةَ أو الحَجَّ. الكُفْرُ الفِعْلِيُّ: كإلْقَاءِ المصْحَفِ أوْ أوْرَاقِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عَمْدًا فِي القَاذُورَاتِ، أو السُّجُودِ لِصَنَمٍ أوْ لِشَمْسٍ أوْ مَخْلُوقٍ آخَرَ على وَجْهِ العِبَادَةِ لَهُ، وَكَكِتَابَةِ الآيَاتِ القُرآنِيَّةِ بِالبَوْلِ. الكُفْرُ القَوْليٌّ: كَسَبّ اللهِ تَعَالى أوْ سَبّ نَبِيّ مِنَ الأنْبِيَاءِ أو مَلَكٍ مِنَ الملائِكَةِ أوْ سَبّ الإسْلامِ أو القُرْآنِ أو الاسْتِهْزاء بالصَّلاةِ أو الصّيَامِ، أو الاعتراض على اللهِ. قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يَرىَ بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» رواهُ الترمذيُّ. أيْ مَسَافَةَ سَبْعِينَ عَامًا في النُّزُولِ وَذَلِكَ مُنْتَهَى قَعْرِ جَهَنَّمَ وَهُوَ خَاصٌّ بالكُفَّارِ، وَهَذَا الحَدِيثُ دَلِيلٌ على أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الوُقُوعِ في الكُفْرِ مَعْرِفَةُ الحُكْمِ ولا انْشِرَاحُ الصَّدْرِ ولا اعْتِقَادُ مَعْنَى اللَّفْظِ ولا نيّة الكفر. وَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ: «أكثرُ خطايا ابنِ أدَمَ مِنْ لِسَانِهِ» رواهُ الطبراني. وَالقَاعِدَةُ: أنَّ كُلَّ اعتقادٍ أوْ فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ بِاللهِ أوْ كُتُبِهِ أوْ رُسُلِهِ أوْ مَلائِكَتِهِ أوْ شَعَائِرِهِ أوْ مَعَالِمِ دِينِهِ أوْ أحْكَامِهِ أوْ وَعْدِهِ أوْ وَعِيدِهِ كُفْرٌ فَلْيَحْذَرِ الإنْسانُ من ذلكَ جَهْدَهُ. وليُعلَم أنَّ مَنْ كَفَرَ لا يَرجِعُ إلى الإسلامِ إلا بالنُّطقِ بالشهادتين بعد رجوعه عن الكفر، فلا يرجع الكافر إلى الإسلام بقول أستغفِرُ اللهَ بل يَزيده ذلك كفرًا، ولا تنفعه الشَّهادتان ما دام على كفرِه لم يرجِع عنه).

الحادي والثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا أبو الوليد حدثنا سفيان بن عيينة عن الزُّهري عن ابن جبير عن أبيه عن النّبي مثله.

الثاني والثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (كنّا شرحنا هذا الحديث الشريف وتكلّمنا في معناه، وبيّنا فضيلة صلة الرّحم وبرّ الوالدين فإنّهما من أقرب الأرحام إلينا، وذكرنا أنّ معناه: الله يبارك لمن يصل رحمه في رزقه ويبارك له فيما تبقى من عمره، وليس معناه أن الله يغيّر مشيئته إذا وصل الرّجل رحمه فمشيئة الله لا تتغير بدعوة داع ولا بصدقة متصدّق ولا بصلة رحم ولا بغيرها من الأعمال، لأنّ المشيئة صفة ثابتة من صفات الله الواجبة له إجماعّا لا تتغير كباقي صفاته عزّ وجلّ، فصفاته أزلية أبدية).

الثالث والثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا حَجّاج بن مِنْهال حدثنا شعبة أخبرني محمد بن عبد الجبار سمعت محمد بن كعب أنّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يحدّث عن رسول الله قال: «إِنَّ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحمنِ (أي شُجنةٌ مِن خَلْقِ الرحمنِ، وصِلَتُها أثَرٌ مِن ءَاثارِ رَحمةِ الله. وسَبَق معنَى الشُّجْنة في الحديث 29) تَقُولُ: يَا رَبِّ إِنِّي ظُلِمْتُ (أي بلَحاق الإيذاء بي بِسَبب القَطِيعة) إِنِّي قُطِعْتُ يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، فَيُجِيبُهَا: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ (أي بحِرمانِه الثّوابَ مِن الله واستحقاقِه العذاب مِنهُ إن ماتَ بِلا تَوبةٍ مِن ذَنب القَطِيعة) وَأَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ» (أي بِثُبوتِ الثّوابِ لهُ مِن الله، وأمّا الاتّصالُ والانفِصالُ فَهُو على الله مُحالٌ، لأنّه سبحانه لَيْسَ جِسْمًا وَلاَ يُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وَلَيْسَ حَجْمًا وَلاَ يُشْبِهُ الأَحْجَامَ، لَيْسَ جِسْمًا كَثِيفًا كَالإِنْسَانِ وَالحَجَرِ وَالشَّجَرِ، وَلا جِسْمًا لَطِيفًا كَالهَوَاءِ وَالجِنِّ وَالـمَلاَئِكَةِ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ لاَ يُشْبِهُ الإِنْسَانَ وَلا النَّبَاتَ وَلا الجَمَادَاتِ، وَلا يُشْبِهُ الهَوَاءَ وَلا الرُّوحَ وَلا الضَّوْءَ وَلا الـمَلاَئِكَةَ وَلا الجِنَّ، فَهُوَ تَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا العَالَمِ بَلْ هُوَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وَمَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِخِلاَفِ ذَلِكَ أَيْ لاَ يُشْبِهُ ذَلِكَ، لاَ يُتَصَوَّرُ فِي الوَهْمِ وَلاَ يَتَمَثَّلُ فِى النَّفْسِ، غَايَةُ الـمَعْرِفَةِ بِاللهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلاَ كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ؛ أَىْ أَقْصَى مَا تَصِلُ إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ بِاللهِ تَعَالَى هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ لاَ كَالـمَوْجُودَاتِ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِى تَلِيقُ بِهِ وَالَّتِى لاَ تُشْبِهُ صِفَاتِ المـَخْلُوقِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى جِهَةٍ مِنَ الجِهَاتِ السِّتِّ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِى مَكَانٍ مِنَ الأَمَاكِنِ).

الرابع والثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدّمشقي حدّثنا سليمان بن عتبة حدثنا يونس بن ميسرة عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدّرداء رضي الله عنه عن النّبي قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَاقٌّ (أي لا يَدخُل مُؤمِنٌ عَاقٌّ لِوالِدَيهِ الجنّة مع الأوّلِين إن ماتَ بِلا تَوبةٍ بل يَدخُلها مع الآخِرين) وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ (أي لا يَدخُل الجنّة مع الأوّلِين مُؤمِنٌ دَاومَ وواظَبَ على شُرب الخَمر في الدُّنيا وماتَ بِلا تَوبةٍ مِن ذلك بل يَدخُلها مع الآخِرين) وَلَا مُكَذِّبٌ بِالقَدَرِ» (هؤلاء المكذّبون بقدر الله لا يدخلون الجنّة أبدا لأنّهم كذّبوا صريح القرآن ومن كان مكذبا للقرآن ليس مسلما، فهؤلاء المعتزلة كذبوا القرآن، فالْمُعْتَزِلَةُ يَعْتَقِدُونَ جُمْلَةً مِنَ الْعَقَائِدِ شَذُّوا فِيهَا عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهَا قَوْلُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ مَا شَاءَ حُصُولَ الْمَعَاصِي وَالشُّرُورِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْكُفْرُ وَالْمَعَاصِي بِغَيْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ إِنَّ الإِنْسَانَ هُوَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ بِقُدْرَةٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا وَلَيْسَ اللَّهُ يَخْلُقُهَا يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ حَرَكَاتِ الْعِبَادِ وَسَكَنَاتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَيْهَا فَبَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَيْهَا صَارَ عَاجِزًا، وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ بِنَفْيِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ وَحَيَاةٍ وَبَقَاءٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَكَلامٍ، فَهُمْ يَقُولُونَ اللَّهُ عَالِمٌ بِذَاتِهِ لا بِعِلْمٍ، قَادِرٌ بِذَاتِهِ لا بِقُدْرَةٍ، حَيٌّ بِذَاتِهِ لا بِحَيَاة،ٍ وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ. وَهَذِهِ الأَقْوَالُ الثَّلاثَةُ يَجِبُ تَكْفِيرُهُمْ بِهَا، وَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ لا يُكَفَّرُونَ بِهَا وَإِنْ كَانُوا يُفَسَّقُونَ بِهَا وَيُبَدَّعُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِلُوا إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ. فهذا مَا نَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ لا يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ مُخَالِفٌ وَهَذَا هُوَ قَوْلُ سَلَفِ الأُمَّةِ فَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ وَمَا خَالَفَهُ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ لِأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِلا خِلافٍ لِقَوْلٍ مُسْتَحْدَثٍ مُخَالِفٍ. وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْخَلَفِ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ وَلَمْ يَرْتَضُوا قَوْلًا سِوَاهُ). 

الخامس والثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا قيس بن حفص حدثنا عبد الواحد حدثنا الحسن بن عمرو الفُقَيمِيّ حدثنا مجاهد سمعت عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله : «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ (أي ليس الواصِلُ هُوَ الَّذِي يُبادِلُ أقارِبَه الصِّلَةَ عَلى نَحوِ ما قَدَّمُوا، فإنْ وَصَلُوه وصَلَهم وإنْ قَطَعُوه قَطَعَهم، لأنّهم إذا قَطَعُوه فقطعَهُم صارَ بذلك عاصيًا مِثلَهُم) وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي تقطَعُ رَحِمُهُ فَيَصِلُهَا» (أي بل الواصِلُ هو الَّذِي يَصِلُ رَحِمَه في حالِ صِلَتِهم إيّاه وفي حالِ قَطْعِهِم) (وقد روى البخاري عَنْ ‌أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: مَا لَهُ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرَبٌ مَا لَهُ – أي حاجة ما جاءت به -، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، ‌وَتَصِلُ ‌الرَّحِمَ، ذَرْهَا –  أي دعها -» قَالَ: كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ.اهـ وروى الطبراني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُعَمِّرُ بِالْقَوْمِ الدِّيَارَ، وَيُثْمِرُ لهم الْأَمْوَالَ» قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «‌بِصِلَتِهِمْ أَرْحَامَهُمْ»، ومما يبين أهمية صلة الرحم ما روى مسلم في صحيحه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ‌ذمّة ‌ورحما”. والرّحم كون هاجر أم إسماعيل منهم، والذّمة المراد منها المصاهرة لأنّ مارية أم إبراهيم ابن النبي ﷺ منهم). 

السادس والثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا سليمان بن بلال أخبرني معاوية بن أبي مُزَرِّد عن يزيد بن رُوْمان عن عُرْوة عن عائشة زوج النبي ورضي عنها، عن النّبي قال: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُه» (وقد روى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك، عن النّبي ﷺ سمعه يقول: “إِنَّ الصَّدَقَة وَصِلَةَ الرَّحِمِ يزِيدُ اللَّهُ بِهَا فِي الْعُمُرِ [أي يبارك لمن يصل رحمه في عمره]، وَيَدْفَعُ بِهَا ‌مِيتَةَ ‌السُّوءِ [أي تكون صلة الرحم سببا في حسن الختام له]، وَيَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا المكْرُوهَ وَالمحْذُورَ.اهـ وروى البزار عَن أَبِي سَلَمَة، عَن أبي هُرَيرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابًا يسيرًا وأدخله الجنة برحمته، قالوا: وما هي يا نبيّ الله بأبي أنت وأمّي؟ قال: تعطي من حرمك ‌وتصل ‌من ‌قطعك وتعفو عمّن ظلمك فإذا فعلت ذلك فإنّه يدخلك الجنة برحمته. وصلة الرّحم سبب في رفع الدّرجات، فقد روى الطبراني عَن عبَادَة بن الصَّامِت رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ: أَلا ‌أدلّكم ‌على ‌مَا ‌يرفع ‌الله ‌بِهِ ‌الدَّرَجَات؟ قَالُوا: نعم يَا رَسُول الله. قَالَ: تحلم على من جهل عَلَيْك وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك وَتُعْطِي من حَرمك وَتصل من قَطعك).

السابع والثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا سليمان هو ابن زيد المحاربي أبو إدام قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه عن النّبي قال: «إِنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِم قَاطِعُ رَحِمٍ» (وفي رواية لهذا الحديث قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: “لَا يُجَالِسُنَا الْعَشِيَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ، فَقَامَ فَتَى، فَأَتَى خَالَةً لَهُ، فَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ عَادَ، فَقَعَدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ”. وروي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: “إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ عَجَبًا! قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يُكَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُكَلِّمُونَهُ، فَجَاءَتْهُ صِلَتُهُ الرَّحِمِ، فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَلِّمُوهُ، فَإِنَّهُ كَانَ وَاصِلا لِلرَّحِمِ، فَكَلِّمُوهُ، وَصَافَحُوهُ”. وجاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يُذَكِّرُ، فَيَقُولُ: «أُذَكِّرُ اللَّهَ قَاطِعَ رَحِمٍ عِنْدَنَا لَمَّا قَامَ عَنَّا، فَإِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَذْكُرَ رَبَّنَا، وَأَنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُرْتَجُّ دُونَ كُلِّ قَاطِعٍ»).

الثامن والثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني عُقيل عن ابن شهاب أخبرني محمد بن مطعم عن جبير بن مطعم أخبره أنّه سمع النّبي يقول: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» (وقد بينا أن معناه: لا يدخلها مع الأولين إن لم يعف الله عنه، قال القرطبي في تفسيره في أوائل سورة النساء: اتفقت الأمة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطعها محرم. وفي بركة ما يوصل إليه بر الوالدين يروى أنه قد قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُمْ، وَأَتْقَاهُمْ، وَآمِرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ»، وكان أَبو أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اكْفُلُوا لِي بِسِتٍّ أَكْفُلُ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ، إِذَا حَدَّثَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَكْذِبْ، وَإِذَا وَعَدَ فَلَا يُخْلِفْ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ فَلَا يَخُنْ، غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ»، وروى البخاري في الأدب المفرد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: احْفَظُوا أَنْسَابَكُمْ، تَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا بُعْدَ بِالرَّحِمِ إِذَا قَرُبَتْ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً، وَلَا قُرْبَ بِهَا إِذَا بَعُدَتْ، وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً، وَكُلُّ رَحِمٍ آتِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَامَ صَاحِبِهَا، تَشْهَدُ لَهُ بِصِلَةٍ إِنْ كَانَ وَصَلَهَا، وَعَلَيْهِ بِقَطِيعَةٍ إِنْ كَانَ قَطَعَهَا).

التاسع والثلاثون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا حفص بن عمر النُّمَيري حدثنا شعبة عن محمد بن عبد الجبار سمعت محمد بن كعب يحدث أنّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «إِنَّ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ تَقُولُ: يَا رَبِّ إِنِّي قُطِعْتُ، يَا رَبِّ ظُلِمْتُ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، فَيُجِيبُهَا: أَلاَ تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ وَأَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ» (روى ابن أبي الدنيا عن النّبي ﷺ أنه قال: «بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ»، وروي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: “قِيلَ لِابْنِ مُحَيْرِيزٍ: مَا حَقُّ الرَّحِمِ؟ قَالَ: «تُسْتَقْبَلُ إِذَا أَقْبَلَتْ، وَتُتَّبَعُ إِذَا أَدْبَرَتْ». وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَحْلُمُ عَنْهُمْ، وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، وَأَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونَ، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ كَمَا تَقُولُ لَا تَزَالُ تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ – المَلّ: الرَّمادُ: أَيْ تَجعل وُجُوهَهُمْ كلَون الرَّمَادِ -، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ظَهِيرٌ»).

الأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: قال إبراهيم التَّيْمِي رحمه الله: مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الجَنَّةِ ءَاكُلُ مِنْ طَعَامِهَا وَأَشْرَبُ مِن شَرَابِهَا وَأُجَاوِرُ مَن فِيهَا وَأُصِيبُ مَن أَشْتَهِي، ثُمَّ قُلْتُ: أَيْ نَفْسُ تَمَنَّيْ، قالَتْ: أَتَمَنَّى أَنْ أَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَأَزْدَادَ مِنَ العَمَلِ كَيْمَا أَزْدَادَ مِنَ الثَّوَابِ. ثُمَّ مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي النَّارِ ءَاكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا وَأَشْرَبُ مِنْ حَمِيمِهَا وَأُجَاوِرُ مَنْ فِيهَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَيْ نَفْسُ تَمَنَّيْ، قَالَتْ: أَتَمَنَّى أَنْ أَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَأَتُوبَ كَيْمَا أَنْجُوَ مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ نَفْسُ فَأَنْتِ فِي أُمْنِيَّتِكِ فَاعْمَلِي. (ذكر الإمام البخاري رحمه الله هنا هذا الأثر المرويَّ عن إبراهيم التيمي لما فيه من التذكير بمحاسبة النفس، فبعد أن ذكر أحاديث عديدة عن برّ الوالدين والتحذير من عقوقهما، وذكر صلة الأرحام والتحذير من قطيعة الرحم، ذكر هذا الأثر ليذكّر القارئ أنك إذا كنت ملتزما بهذه المذكورات فاثبت على ذلك وازدد من هذه الفضائل وإذا كنت مقصّرًا فتدارك نفسك فأنت الآن في دار العمل ولست في دار الجزاء على العمل، وكأنه يقول: من كان حيًّا فليبادر إلى بر والديه وصلة الأرحام قبل فوات الأوان).


الحادي والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا ءادم حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنه قال النّبي ﷺ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم (أي يَومَ الجُمُعة) وَالإِمَامُ يَخْطُبُ (أي وكانَ مَجِيءُ أحَدِكُم حال كَونِ الإمام يَخطُب الجُمعةَ) فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ (أي نَدْبًا). قال البخاري: وبه نأخذ (أي خِلافًا لأبي حَنِيفةَ ومالِكٍ. قال الحافظ النّوويّ: “هذه الأحاديث كُلُّها صَرِيحةٌ في الدلالة لِمَذهبِ الشافعي وأحمدَ وإسحاق وفُقهاءِ المحَدِّثِينَ أنّه إذا دَخَل الجامعَ يومَ الجمعة والإمامُ يَخُطب استُحِبَّ له أنْ يُصَلِّي ركعتين تحِيَّةَ المسجد ويُكْرَه الجلوسُ قَبل أن يُصَلِّيَهُما وأنه يُستَحَبُّ أن يَتَجَوَّز فِيهِما لِيَسْمَع بَعْدَهما الخُطبة”) (وفي رواية زيادةُ: «وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهمَا» أي ليُخَفِّفهُما بالاقتصار على ما لا بُدَّ مِنهُ مِن الأعمالِ فِيهِما مِن غَيرِ إخلالٍ) (ومُناسبةُ ذِكر هذا الحديث في هذا الكتاب بيان أنّه إذا جاء المرء متأخِّرًا إلى الخُطبة وقد شَرَع الإمام فيها فلا يَترُك أداء رَكعتَينِ نَدْبًا بل لِيَفْعَلهُما مُخَفَّفَتَين فيُدرِكَ مِن ذلك الخَير ما استطاع، فكذلك بالنّسبة للوالِدَين أنّ مَن أدرَكهُما عِندَ الكِبَر وقد قَصَّر في بِرِّهِما قبل ذلك فليُعَجِّل بِنَيل رِضاهُما وأمّا إن لم يُدْرِكْهُما بأنْ مَاتَا فلْيُكثْرِ لَهُما مِن الدُّعاء والاستغفارِ والتَّصَدُّقِ عَنهُما وإهدائهما ثَوابَ الأعمالِ الصّالِحة). قال البخاري: قال سفيان بن عُيينة: «مَنْ لَا يَعْلَمُ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ عَالِمٌ» (أي هُو عالِمٌ بَحالِه أنّه يحتاج إلى أن يَتعَلَّم، فجَهلُه بَسيطٌ، ونَظِير هذا قول ابن مَسعُودٍ رضي الله عنه: «فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِمَا لَا يَعْلَمُ لاَ أَعْلَمُ» رواه البُخاريّ وابن حِبّان في صَحِيحَيهِما، وأمّا صاحِبُ الجَهل المرَكَّب فهو الذي لا يَعلَم ويَجهَلُ أنّه لا يَعلَم بل يَظُنُّ في نَفسِه أنّه يَعلَم فهذَا جاهِلٌ ويَجهَلُ أنّه جاهِلٌ.اهـ ورُوِي عَن جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّد قال: «الرِّجالُ أربعةٌ: رَجُلٌ يَعلَم ويَعلَم أنّه يَعْلَم فذاك عَالِمٌ فتَعَلَّمُوا مِنهُ، ورَجُل يَعْلَم ولا يَعْلَم أنه يَعْلَم فذَاكَ نائِمٌ فأَنْبِهُوه، ورَجُلٌ لاَ يَعْلَم ويَعْلَم أنّه لا يَعْلَمُ فذَاكَ جاهِلٌ فعَلِّمُوه، ورَجُلٌ لا يَعْلَمُ ولاَ يَعْلَم أنّه لَا يَعْلَم فذَاكَ أَحْمَقُ فاجْتَنِبُوه») (وذِكر هذا الحديث الذي نقله الإمام البخاري هنا وهذا الأثر المروي عن سفيان بن عيينة يدلّ على دقّة نظر الإمام البخاري رضي الله عنه وسعة فهمه وإدراكه ونظره إلى بواطن الألفاظ وعدم الوقوف فقط على ظواهرها، وهذا دأبه رضي الله عنه وأرضاه، فإنّ له فقهًا وطريقة في كتابة الأحاديث واستنباط المعاني الجلية والخفية منها، وقد ألّف بعض الفقهاء كابن المنير وغيره في بيان سبب وضع البخاري لبعض الأحاديث في بعض الأبواب في صحيحه وبيّنوا علاقة هذه الأحاديث لما ضمنه لها من الأبواب وسمّاها به، ولنأخذ هذا الحديث وهذا الأثر المروي عن سفيان مثالًا، فإنّ البخاري بعد أن نقل هذا الحديث والذي يظهر منه المعنى الفقهي فقط، وهو أراد معنى آخر ذكرناه، ذكر هذا الأثر عن سفيان وكأنّه يقول للقارئ: هذه المعاني الخفية لا يعرفها ولا يتوصّل إليها إلا من أراد الله به خيرًا من أهل العلم ففتح على قلبه وبصيرته بأن أدركها، فالزم طريق العلماء واعرف قدرك وازدد من علم الدّين فهو مفتاح هذه الخيرات والبركات والفتوح، وهذا من عجائب ما يذاق؛ أقصد ذوق القلب لا ذوقَ اللسان).