مقدمة
الحمدُ للهِ الذي خلقَ الأَرَضِيْنَ والسّماواتِ، وجعلَ النورَ والظلماتِ، وجعلَ المؤمنينَ فِي الجنةِ درجاتٍ، وفَضَّلَ الأنبياءَ بعضَهُم علَى بعضٍ وخَصَّ محمدًا ﷺ بأعلى المقاماتِ، وَشَرَعَ أحكامًا وعباداتٍ، وشَرَعَ الحجَّ منهُ أركانٌ وسننٌ وواجباتٌ، طوافٌ وسعيٌ ووقوفٌ بأرضِ عرفاتٍ، فمبيتٌ بمزدلفةَ ومِنًى ورميٌ للجمراتِ، وطوافٌ للوداعِ وهناكَ عندَ الملتَزَمِ تُسْكَبُ العَبَرَاتُ وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لَهُ فلَا ذاتُهُ سبحانَهُ يشبهُ الذواتِ، ولا حَكَتْ صفاتُهُ الصفاتِ،
وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُهُ سيّدُ الساداتِ، شهادةً تُنَالُ بهَا الحسناتُ، وتُحَطُّ بِهَا الخطيئاتُ، والصّلاةُ والسّلامُ على سيدِنَا محمدٍ الذي جعلَ اللهُ زيارَتَهُ مِنْ أنجَحِ المساعي وأفضلِ القُرُبَاتِ، اللهم صلِّ وسلِّمْ على سيّدِنَا محمَّدٍ وعلى ءالِهِ وصَفْوَةِ صَحْبِهِ، أتمَّ صلاةٍ كلَّمَا وَقَفَ حاجٌّ فِي أرضِ عرفاتٍ، وكلَّمَا هَبَّتْ مِنْ طيبةَ النَسَمَاتُ،
أما بعد:
الشرح
الخامس والستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن الأعمش والحسن بن عمرو وفِطْر عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال سفيان: ولم يرفعه الأعمش إلى النبي ﷺ ورفعه الحسن وفطر إلى النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا تَوَلَّتْ رَحِمُهُ (أي أدبَرَت عنه وَقَطَعتْهُ) وَصَلَهَا».
السادس والستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا عيسى بن عبد الرحمن عن طلحة عن عبد الرحمـن بن عَوْسَجة عن البراء رضي الله عنه قال: جاء أعرابيٌّ فقال: يَا نَبِيَّ اللهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الجَنَّة، قال: «لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ (أي إنَّك وإِنْ كُنتَ جِئْتَ بعِبارةٍ قَصِيرةٍ إِلاَّ أنَّك قَد أطْنَبتَ في مَعانِي طلَبِكَ أو سَأَلْتَ عَن أمرٍ ذِي طُولٍ وعَرْضٍ. وقال القاضِي عِياضٌ: «اللاَّمُ مُوَطِّئة لِلقَسَم، ومعنَى الشَّرطِيّة: إِنّك إنْ قَصَّرْت في الخطبةِ فقَد أطَلْتَ في الطَّلَب إِذْ سأَلْتَ عَن أَمرٍ ذِي طُولٍ وعَرْضٍ»)، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ (أي أَعتِق ذَا نَسَمةٍ أي ذَا رُوحٍ مِمّا مَلَكَتْ يَمِينُك، ذَكرًا كانَ أو أُنثى)، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ (أي عَنِ الرِقّ)» قالَ: أَوَلَيْسَتَا وَاحِدًا؟ قال: «لَا (قال الْمُظهِرِيُّ في «المفاتِيح»: «يَعنِي ليسَ إِعتاقُ النَّسَمة وفَكُّ الرَّقَبة واحدًا، بل المرادُ بالنَّسَمة هَهُنا التَّفَرُّدُ بإِعتاقِ الرَّقَبة، وفَكُّ الرَّقبة في سائِر مواضِع الإعتاق»)، عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تُعْتِقَ النَّسَمَةَ، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ عَلَى الرَّقَبَةِ (أي بالسَّعْي في تَخلِيصِها مِن الرِقّ كأَداءِ القِسطِ عن العَبْد المكاتَب ونحوِ ذلك، وقد جاء تَفسِيرُ ذلك في رِوايةِ الطَّيالِسِيّ والحاكِم وغَيرِهما بِلَفْظ: «وفَكُّ الرقَبةِ أنْ تُعِينَ في ثَمَنِها»)، وَالْمَنِيحَةُ الوَكُوفُ (أيْ أَنْ تُعْطِيَ غيرَك النّاقةَ الغَزِيرةَ اللَبَنِ لِيَنْتَفِعَ بِلَبَنِها ثم يَرُدَّها علَيك) وَالفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ (أي الإِحسانُ إِلَى القَرِيبِ الظّالِم لكَ بالقَطِيعةِ وغَيرِها)، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ (أي فإنْ عجَزَتْ عَمّا مَرّ) فَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ (لو أن كثيرًا من المسلمين كانوا ينهون عن المنكرات لتوقفت معاصٍ كثيرة، لكان ارتدع ناسٌ كثيرون عن فعل كثيرٍ من المعاصي، لكن إنكارُ المنكر في هذه الأيام صار نادرًا نادرًا أليس جاء في الحديث: «بَلْ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ العَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ: وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ. قَالَ: «بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْكُمْ». يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يُكلمُ الصحابة، الصحابةُ في أيامِهِم الذي يأمرُ بالمعروف يجدُ من يُعينُهُ، الذي ينهى عن المنكر يجدُ من يُعينُهُ، النبيُّ قال لهُم أما فيما بعد سيأتي أيام فيها دنيا مؤثرة الناس يؤثرون الدنيا على الآخرة الأغلب ليس الكُل، وكُلُ صاحب ذي رأي يُعجبُ برأيه يعني لا يقبلُ النصيحة لو كلمتَهُ لا يُصغي إليك، إذا كان الواحد منكم وصل إلى تلك الأيام التي ذكرها النبيُّ فإنّهُ إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر في تلك الأيام يكونُ لهُ من الأجر كأجر ما يُشبهُ أجر خمسينَ من الصحابة في هذا الموضوع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بكل شىء. لماذا له هذا الثواب؟ لشدّة الصعوبة في الأيام التي وصفها الرسولُ وهي أيامُنا هذه نحن وصلنا إليها، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “القابِضُ فيها على دينِهِ كقابضٍ على جمر” هي أيامُنا هذه لو أردت أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بين أقاربِكَ تجدُ مُضايقة، الذي يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر في هذه الأيام ثوابُهُ عظيمٌ جدًا)، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ (قال أحد الصالحين رحمه الله: «مَن أَحَبَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقتَدِ بهِ، الرَّسُولُ كَانَ كَثِيرَ الصَّمْتِ فَاقْتَدُوا بِهِ وَإِلَّا فَإِنَّكُم عَلَى خَطَرٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَثُرَ كَلَامُهُ يَكْثُرُ سَقَطُهُ وَهَذَا السَّقطُ قَدْ يَكُونُ مَعْصِيَةً أَوْ كُفرًا، فَمَنْ أَطَالَ الصَّمْتَ حَفِظَ نَفْسَهُ مِنْ هَذَا وَمِنْ هَذَا. أشْفِقُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ وَعَلَى غَيْرِكُمْ»، وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَصْلَتَانِ مَا إِنْ تَجَمَّلَ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِمَا حُسْنُ الْخُلُقِ وَطُوْلُ الصَّمْتِ»، فطُولُ الصَّمْتِ يُنْجِي صَاحِبَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ المهَالِكِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، لأَنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ يَجُرُّ إِلى المهَالِكِ فِي الدِّينِ وَفِي الدُّنْيَا. مَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ يُقَلِّل الكَلامَ إِلا مِنْ خَيْرٍ، أَمَّا مِنَ الخَيْرِ فَيُكْثِرُ، مَا عَلِمَهُ خَيْرًا قَبْلَ النُّطْقِ بِهِ يُكْثِرُ، أَمَّا مَا لَمْ يَعْلَمْهُ خَيْرا فَيَكُفُّ عَنْهُ وَلا يَسْتَحِي الشَّخْصُ المسْلِمُ مِنْ إِطَالَةِ السُّكُوتِ. بَعْضُ النَّاسِ إِذَا رَأَوْا شَخْصًا لا يَتَكَلَّمُ يَقُولُونَ عَنْهُ غَبِيٌ لَوْ كَانَ يُحْسِنُ الكَلامَ كَانَ تَكَلَّمَ. لا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ هَذَا بَلْ هُوَ يَلْتَزِمُ السُّكُوتَ إِلا بِمَا يَرَاهُ خَيْرًا يَتَكَلَّمُ، هَذَا يَنْجُو، وَأَمَّا الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَيَتَكَلَّمُ حَتَّى لا يُقَالَ عَنْهُ غَبِيٌّ، حَتَّى لا يُقَالَ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ فَهْمٌ كَانَ تَكَلَّمَ، إِنْ قَالُوا لَهُ غَبِيٌّ مَاذَا عَلَيْهِ؟ مَا عَلَيْهِ ضَرَرٌ. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَكَلَّفُونَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا حَتَّى لا يُقَالَ عَنْهُمْ هَذَا مَا عِنْدَهُ فَهْمٌ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ فَهْمٌ كَانَ تَكَلَّمَ)».
السابع والستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام رضي الله عنه أخبره أنّه قال لرسول الله ﷺ: أَرأَيْتَ أُمورًا كُنتُ أَتَحَنَّثُ أو أَتَحَنَّتُ بِهَا فِي الجاهِلِيّةِ (أي أتَّقِي بها الحِنْثَ وهو الإثمُ، ومرادُه كُنتُ أتعبَّدُ وأتبَرَّرُ أي أطلبُ البِرَّ بِها، ولا شَكَّ أنَّهُ لا ثواب له بالتقرُّب إلى الله وهو على حال الكفر، سواء كان مِن كفّار الجاهلية الذِين لم تبلُغهم الدعوة وقتئذٍ أو كان مِنَ الكُفّارِ المكلَّفِين والدليل من القُرءَانِ على أنّ الكافِرَ لا يُثابُ علَى ذَلِك قولُ الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 23]) مِن صِلَةٍ (أي للرَّحِم) وعَتاقَةٍ وصَدَقةٍ (وكانَ تَصَدَّق بمائةِ رَقَبةٍ فِي الجاهِلّيةِ وحَمَل علَى مائةِ بَعِيرٍ) هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ (أي هل يُكتَب لي بَعد إِسلامِي أجرٌ علَى مَا عَمِلتُه مِن عَمَل البِرّ حِينَ كنتُ مُشرِكًا، والجوابُ أنّه لا يُكتَب له شَىءٌ إِلَّا ما يَعْمَلُه حالَ إِسلامِه خالِصًا للهِ تَعالَى) قال حَكِيمٌ: قال رسول الله ﷺ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ» (قال بدر الدين العَينيّ الحَنَفِيُّ في «عُمدةِ القَارِي» ما حاصله: «هذا اللَّفظُ ظاهِرُه خِلافُ ما تَقْتضِيه الأصولُ مِن أنّ الكافِرَ لا تَصِحُّ منه قُربةٌ ولا يُثابُ علَى ذلك، فإذا تَقَرَّر هذا فاعْلَم أنّ الحَدِيثَ مُتَأوَّل على وُجوه مِنها أنَّك اكتَسَبْتَ خِصالًا جَمِيلةً وأنْتَ تَنْتَفِع بتِلك الخِصالِ في الإسلامِ إن بَقِيت علَيها وتَكُونُ تِلكَ العادَاتُ تَمهِيدًا لكَ ومَعُونةً علَى فِعلِ الخَير والطّاعاتِ فَتُثابُ علَى ما تَعْمَلُه مِن البِرّ حالَ إِسلامِكَ»، ويَدُلّ على هذا التَّوجِيه المَفهُومُ مِن قولِ الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [سورة النساء/ الآية 124]، فدَلّ تَقيِيدُ العَمل بِكَون عامِلِه على الإيمان حتَّى يُثابَ بالجنَّة على أنّه لا اعْتِدادَ بِعَملٍ صالحٍ مِمَّن لم يكُن مؤمِنًا، وأمّا القَولُ بأنّه بَعدَ إِسلامِه يُكتَب له ثوابٌ عَلى مَا عَمِلَه في الجاهِلِيّة مِن إحسانٍ فلاَ يَصِحُّ وليس قولاً مُعتَمدًا، بل قال أحد الصالحين في شأْنِ هذا القَولِ الضَّعِيف: «الاحتِياطُ أنْ لا يُعْتَقَدَ هذَا لأنّهُ يُخالِفُ الحَدِيثَ الآخَرَ الصَّحِيحَ: «وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ») (وقال حكيم أعتقت في الجاهلية أربعين عبدا، فقال رسول الله ﷺ: «أسلمت على ما سلف لك من خير» رواه مسلم. قال أحد الصالحين: فَهَذَا قَالَ بعضُهُم لِلْكَافِرِ الأصليِّ إذا أَسْلَمَ يُثَابُ عَلَى مَا كَانَ فَعَلَهُ قبلَ إسلامِهِ من نحوِ صلةِ الرَّحِمِ وإغاثةِ الْمَلْهُوفِ والصدقةِ لكنَّ الاحتياطَ أنْ لا يُعتَقَدَ هَذا، لأنَّهُ يُـخالِفُ الحديثَ الآخَرَ الصحيحَ: «وأمَّا الكافرُ فيُطعَمُ بحسناتِهِ في الدنيَا حتى إذا أفضَى إلى الآخرةِ لم يكنْ لهُ منهَا نصيبٌ». ويُفَسَّرُ حديثُ: «أسلمتَ على ما أسلفتَ» أنَّكَ بعدَ إِسلَامِكَ ما تعملُهُ بنيةٍ صحيحةٍ بعدَ إِسلَامِكَ مِـمَّا كنتَ تَعَوَّدْتَ عَملَهُ من الخيرِ كصلةِ الرحمِ وإغاثةِ الْمَلْهُوفِ والصّدقةِ الآنَ بعدَ إِسلَامِكَ تُثابُ عليهِ. بَعْضُ النَّاسِ وَهُمْ كُفَّارٌ يُكْرِمُونَ الضَّيْفَ ويُغِيثُونَ الْمَلْهُوفِينَ، هَؤلاءِ إن أَسْلَمُوا يُكْتَبُ لهم حسناتُهُم التي يَعْمَلُونَهَا بعدَ إِسلامِهِم وأَعمالُ الخيرِ التي كانوا يَعْمَلُونَهَا وَهُمْ على الكُفرِ كالصَّدَقةِ وقِرَى الضَّيْفِ وإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ والإِحْسَانِ إلى الْأَرَامِلِ، أَمّا إِن لم يُسْلِمْ فَمَهْمَا كَانَ يَرْحَمُ المساكينَ ويُغِيثُ الْمَلْهُوفِينَ وَيَعْطِفُ على الأَيتامِ فَلَيسَ لَهُ شَىْءٌ، فَمَنْ قَالَ إِنَّ لَهُ ثَوَابًا كَذَّبَ القُرْءَانَ. رَجُلٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعَانَ مِنْ عَشِيرَةِ أَبي بَكرٍ الصّدّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كانَ يَقري الضَّيفَ ويُغيثُ الْمَلْهُوفِينَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ، حتّى إِنَّهُ كانَ يَعمَلُ الطَّعامَ ويَضَعُهُ أَمامَ بيتِهِ على الشّارِعِ حتّى يأكُلَ مِنهُ المسافرونَ مِن دونِ أَن ينزِلوا، الرّاكِبُ مِن دونِ أَن ينزِلَ يأكُلُ ويمضي، جَعَلَ الطَّعامَ على جِفَانٍ عاليةٍ. عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عَنها سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَت: يا رَسُولَ اللهِ إنَّ ابْنَ عَمِّي ـ قالَت: ابنَ عمّي، لأَنَّهُ مِن عَشيرَتِها ـ عَبدَ اللهِ بْنَ جُدْعَانَ كانَ يقْرِي الضَّيْفَ ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَفعَلُ ويَفْعَلُ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. قال: «لا، إنّه لم يقل يومًا ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين» معناهُ ما كانَ يؤمنُ بالآخرةِ، كانَ يعبدُ الوثنَ. عربُ الجاهليةِ كانوا يقولونَ الإنسانُ متى ما ماتَ وصارَ ترابًا لا عودةَ لهُ، ينكرونَ البعثَ. الرسولُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: «إنه لم يقُل يومًا ربّ اغفِر لي خطيئتي يومَ الدين» معناهُ ما كانَ يؤمنُ بالآخرةِ. هو هذا عبد الله بن جُدعان في أول أمرِه كانَ فَاتِكًا شِرِّيرًا، أبوهُ تبرأَ منهُ، قال له أمامَ العشيرةِ أنت لست ابني، نفاهُ فكرِهَ الحياة، فذهبَ إلى بعضِ جبالِ مكةَ يطلبُ الموتَ لتلسعَهُ حَيَّةٌ مثلًا في بعضِ الجبالِ فيموت، فوجدَ شَقًّا في جبلٍ فدخلَهُ على ظنِّ أنّهُ قد تلسَعُهُ حَيَّةٌ فيَموتُ فوَجَدَ ثعُبانًا كَبيرًا ظَنَّهُ ثُعبانًا حَقيقيًّا وهُو في الحقيقةِ لَيسَ كَذلِكَ، هُوَ صورَةُ ثُعبانٍ كَبيرٍ كُلُّهُ ذَهَبٌ وعَيناهُ جَوْهَرَتَانِ، ورأى كَوْمَ ذَهَبٍ وكَوْمَ فِضَّةٍ. ثُـمَّ إِنَّ عَبدَ اللهِ بنَ جُدعانَ ذَهَبَ إِلى قومِهِ، وصارَ يُوَزِّعُ عَليهِم من الذَّهَبِ، فَجَعلوهُ سَيّدًا لهم، بَعدَ هذا صارَ يَتَكَرَّمُ على النّاسِ ويُعطي أَقرِباءَهُ، عَمِلَ عَمَلًا كَثيرًا مِن عَمَلِ الخيرِ والإِحسانِ إلى النّاسِ، لَكِن لا يَنفَعُهُ، لأَنَّهُ فَعَلَهُ لِيَمْدَحَهُ النّاسُ وهُو لا يؤمِنُ بالآخِرَةِ لِذَلِكَ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ بِأنّهُ لا يَنفَعُهُ. أَمّا المؤمِنُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعمَلُها تَكونُ مُوافِقَةً للشَّرِعِ مَعَ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلى اللهِ أَي لَيسَ فيها رِياءٌ ولا سُمعَةٌ مَهما كانَت صَغيرةً فَهِي عِندَ اللهِ كَبيرةٌ، أَمّا مَن لا يُنزِّهُ اللهَ عَن مُشابهةِ خَلقِهِ ولا يعظِّمُ الله عز وجل ويوحده فَلا يَنفَعُهُ شَىءٌ مِن أَعمالِهِ في الآخِرَةِ).
الثامن والستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا عبد الرحمن بن شَرِيك حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق عن بُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ عن سليمان بن يَسار عن ميمونةَ زوج النبي ﷺ ورضي عنها أنَّهَا أَعْتَقَتْ جارِيةً لها فدَخَل عليها رسولُ الله ﷺ فذَكَرَتْ له فقال: «قَدْ ءَاجَرَكِ اللهُ (أي أعطاكِ الأجرَ والثَّوابَ)، أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأجْرِكِ» (وإنما كان إعطاؤها أخوالَها إيّاها أعظمَ لأجرِها لأنّ أخوالَها كانوا مُحتاجِينَ إلى خادِمٍ وقتَئِذٍ، فلو أَعطَتْهم إيّاها لكانَ ذلك صدقةً وصلةَ رَحِمٍ، وفي هذا دليلٌ على أنّ رسول الله ﷺ كان يُفضِّل تَركَ الجارية على الرِّقِّ، فلَو كان الإسلام ءاتِيًا لِهَدْمِ الرِّقِّ على التَّدريج كما زَعَم بعضهم مِن أدعياءِ الدينِ والدعوةِ إلى الإسلامِ لَم يَقُل لَها: «لَوْ أَعطَيْتِهَا أَخْوَالَكَ»، ويكفي في الرَّدِّ علَيهم صريحُ قولِ الله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 5-6] فإمّا أن يقُولوا بِنَسْخِها ولا دَلِيلَ لهُم على ذلك أو أن يَنقَطِعُوا، وحُكمُ الاسترقاقِ باقٍ إلى يومِ القيامةِ ولا نَسْخَ لشىء مِن أحكام الشَّرِيعة بَعد وفاة النَّبِيّ ﷺ. ثُمّ إِنّ الاسترقاقَ تتعلَّقُ به أحكامٌ شرعية، منها أنّ الذي يُجامِع في نهار رمضان عمدًا يُعْتِق عبدًا مملوكًا، والذي يَقتُل مُسلِمًا خطأ كذلكَ فرضٌ عليه دَفعُ الديةِ وعِتقُ رقَبةٍ مُؤمِنة. الصَّحابةُ أفْهَمُ بدِين الله مِن كُلِّ مَن جاء بَعدَهُم ما قَطَعُوا الاستِرقاقَ بَعد وفاة النَّبي ﷺ ولا قَلَّلُوا، وكذلك التابِعُون كان مِنهُم مَن له أكثَرُ مِن اثْنَيْ عَشَر ألفَ رَقِيقٍ وقَد طَلَب مِنهُ سَيِّدُنا عُمَر أن يَبِيعَهُم لِيَسْتَعِين بهم في الجِهاد، فتَبَرَّع الرجُلُ فأَعَدَّهُم عُمَر رضي الله عنه للجِهادِ في سبيل الله. قال أحد الصالحين: «والعَجَب العُجاب قَولُ بَعضِ العَصْرِيِّين: “الإسلامُ جاء لِيَقْطَع الرِّقَّ بِالتَّدْرِيج”، ولو فَهِم أبو بكر ما يَفْهَمُ هَؤلاءِ ما اسْتَرَقَّ نِساءَ الْمُرْتَدِّين وصِبْيانَهُم، ولا وافَقَهُ سَيِّدُنا علِيٌّ علَى استِرقاقِ امرأَةٍ مُسْلِمة ثم ارْتَدَّت معَ قَوْمِها فأَخَذَها حِصَّةً له مِن الغَنِيمة مِلْكَ يَمِين ثُمّ اتَّخَذَهَا سُرِّيّةً فوَلَد مِنها الإمامَ الجَلِيلَ مُحَمَّد ابنَ الحَنَفِيَّة، فهَؤُلاءِ لاَ يَعْلَمُون ما يَأْتُون ومَا يَذَرُون، أَلَم يَعْلَمُوا أنّ عَلِيًّا رَضِيَ الله عنه عِندَما تُوُفِّي كان تَحْتَه تِسْعَ عَشْرَة سُرِّيّةً مِنهُنّ مَن وَلَدْنَ مِنهُ ومِنْهُنّ مَن كُنَّ حُبَالى مِنهُ ومِنهُنّ مَن كُنَّ حَوائِلَ، وكانَ عَلِيٌّ مِن أَوْرَعِ عِباد اللهِ وأَزْهَدِهِم في الدُّنيا ولَم يَفْعَل ذَلِك إِلّا وَهُوَ يَرَى أنّ ذَلِك مُوافِقٌ لِدِين اللهِ لَيسَ فِيه أَدْنَى مُخالَفَةٍ» اهـ. ثُمّ لَو كان الأمرُ كَمَا زَعَم بعض أدعياء العلم فمَتَى كان سيُلغَى الرِّقُّ علَى زَعمه وقَد صَحَّ أنّ الرِّقَّ موجودٌ مِن شَرِيعةِ نُوحٍ إلى شَرِيعةِ محمَّد عليهما وعلَى ما بيَنهُما مِن الأنبياء أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلام، فهل عَلَى زَعم فيصَل مَولَوِيّ سيُلغَى الرِّقُّ في الآخِرة؟! ثُمّ إبراهيم عليهِ السَّلام كانت لهُ هاجَرُ أمةٌ مملوكةٌ وولَدَ مِنها إسماعيل عليه السَّلامُ وكذلك سيّدُنا محمَّد ﷺ كانت له ماريةُ جاريةٌ مملوكةٌ وولَدَ مِنها ذَكَرًا سَمَّاه إبراهيمَ).
التاسع والستون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا عبد الله بن صالح حدثني بكر بن مضر عن عمرو وهو: ابن الحارث عن بكير عن كريب مولى ابن عباس رضي الله عنهما أنّ ميمونةَ زوج النبي ﷺ أَعتقت وَلِيدة (أي أَمَةً مَملُوكةً) لها فقال لها: «لَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكَ» (ويؤيد معنى هذا الحديث ما رواه البخاري في صحيحه في بَاب إِذَا وَقَفَ أَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ وَمَنِ الْأَقَارِبُ: وَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي طَلْحَةَ اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ قَالَ اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ قَالَ أَنَسٌ فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَكَانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي وَكَانَ قَرَابَةُ حَسَّانَ وَأُبَيٍّ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ فَيَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرَامٍ وَهُوَ الْأَبُ الثَّالِثُ وَحَرَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ فَهُوَ يُجَامِعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّ إِلَى سِتَّةِ آبَاءٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ فَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ فَهُوَ إِلَى آبَائِهِ فِي الْإِسْلَامِ) (وروى ابن أبي شيبة عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: «الصَّدَقَةُ عَلَى غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ»).
السبعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثني بشر بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا معاوية ابن أبي مُزَرِّد سمعت عمي سعيد بن يسار يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ (أي أَتَمَّ خَلْقَهُ، وهو تعالَى لا يَشغَلُه شأْنٌ عن شأْنٍ، وليس معناه أن الله يجري عليه زمان أو يشغله أمر عن آخر، فهو سبحانه لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان) قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ (أي مَقامِي هذا هو مَقامُ الْمُسْتَجِير بِكَ مِن قَطِيعَتِي) قَالَ: نَعَمْ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قالَ: فَهُوَ لَكِ» قال رسول الله ﷺ: «فاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾[سورة محمد/ الآية 22-23] (أي لَعَلَّكُم إن أعرَضتُم عن الإيمان أن تَعُودوا إلى أمر الجاهليّة مِن البَغيِ والعُدوان وقَطِيعة الرَّحِم)» (روى ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَنِ اتَّقَى رَبَّهُ وَوَصَلَ رَحِمَهُ نُسِئَ لَهُ فِي عُمُرِهِ، وَثَرَا مَالُهُ وَأَحَبَّهُ أَهْلُهُ» وروى عَنْ زَوْجِ دُرَّةَ، عَنْ دُرَّةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَتْقَى النَّاسِ؟ قَالَ: «آمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ»).
الحادي والسبعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث عن عَقِيل عن ابن شهاب سمعت عروة يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: فَرَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ إلى خَدِيجةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَرْجُفُ بَوادِرُهُ (وهِيَ اللَّحمةُ الَّتِي بَين الكَتِف والعُنُق، وهذا الأمر الذي حصل مع النبي ﷺ هو من باب الخوف الطبيعي الذي يحصل مع الإنسان فلا يُشعِرُ بالجبن فالنبي ﷺ أشجع خلق الله)، فَدَخَلَ وَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» (أي دَثِّرُونِي بالثِيَابِ يَعْنِي غَطُّونِي ولُفُّوْنِي بِهَا. وقَالَ أحد الصالحين رحمه الله: «الرَّسُولُ كَانَ فِي أَوَائِلِ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيهِ يَزَّمَّلُ أَيْ يَتَغَطَّى بِثِيَابِهِ مِن أَثَرِ نُزُولِ الوَحْيِ. الوَحْيُ لَهُ ثِقَلٌ، صَوْتُ جِبْرِيلَ عِنْدَ الوَحْيِ يَصِيرُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ. فالنَّبِيُّ تَأَثَّرَ فَتَزَمَّلَ أَي تَغَطَّى بالثَّوْبِ فِي بَدْءِ الأمْرِ» اهـ، وثِقَل الوَحيِ لَهُ أَثَرٌ يَظهَرُ علَى الجَسد كالتَّعَرُّق وغيرِ ذلِكَ) فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ (أي كُشِف عَنهُ ما بِهِ وذَهَب عَنهُ الرَّوعُ) قالَ ﷺ لِخَدِيجَةَ: «أَشْفَقْتُ عَلَى نَفْسِي» (أي خَشِيتُ على نَفْسِي) قَالَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لاَ يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا (أي لَا يُهِينُكَ لِمَا جَعَلَهُ الله فِيكَ مِن مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَجَمِيلِ الصِّفَاتِ وَمَحَاسِنِ الشَّمَائِلِ) إِنَّكَ لَتَصْدُقُ الحَدِيثَ (أي تَتَكَلَّمُ بِصِدْقِ الكَلامِ ولَوْ كَذَبُوكَ أَوْ كَذَّبُوكَ) وَتَصِلُ الرَّحِمَ (أي تُحْسِنُ إلَى قَرَابَتِكَ بِشَتَّى أَصْنافِ الإِحْسَانِ) وَتَحْمِلُ الكَلَّ (أي تُعِينُ الضَّعِيفَ العَاجِزَ عنِ تَحْصِيلِ مَصَالِحِه بِنَفْسِهِ وَتَرْفَعُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الثِّقَلِ) وَتَقْرِي الضَّيْفَ (أَي تُكْرِمَهُ وتُهَيِّئ لَهُ طَعَامَهُ ونُزُلَهُ) وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ (أي تُعِينُ بِمَا تَقْدِرُ عَلَى مَا يَقَعُ مِن حَوَادِثَ وَنَوَازِلَ وَتَقِفُ مِن ذَلِكَ فِي جَانِبِ الْحَقِّ فَتُنَاصِرُ الْمَظْلُومَ) (وقول خديجة هذا فيه دليل على أن من طبع على أفعال الخير لا يصيبه مكروه. ومن كان هذا حاله فيرجى له ما دام يفعلها أن لا يصيبه مكروه، لأن النبي ﷺ لما أن طبع على تلك الأوصاف الحميدة حكم له بأنه لا يصيبه مكروه للعادة التي أجراها الله تعالى لمن كان ذلك حاله وقد قال ﷺ: «مَصَانِعُ الْـمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ»)، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ (أي مَضَتْ مَعَهُ) إِلَى وَرَقَةَ بنِ نَوْفَلِ بنِ أَسَدٍ (وكَانَ وَرَقةُ ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، فَخُوَيْلِدٌ أبُوهَا ونَوْفَلٌ أبُو وَرَقَةَ أخَوَانِ ابْنَا أَسَدٍ، قال أحد الصالحين: «لَمَّا أَخَذَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ إِلَى وَرَقَةَ بنِ نَوْفَلٍ كَانَتْ دَخَلَتْ فِي الإِسْلاَمِ، كانَتْ مُؤْمِنَةً، الرَّسُولُ كَانَ دَعَاهَا إِلَى الإِسْلاَمِ») وَكَانَ تَنَصَّرَ (وكان قد خرج في الجاهلية هو وزيد بن عمرو بن نفيل للشام وتركا دين المشركين ولكنه تنصَّرَ، وفي “صفة الصفوة” لابن الجوزي، عن عروة بن الزبير، عن أبيه أن ورقة بن نوفل كان يمر ببلال، وهو يُعَذَّب فيقول له: أحد أحد يا بلال، ثم أقبل على أمية بن خلف وهو يصنع ذلك ببلال فقال له: والذي نفسي بيده، لئن قتلتموه على هذا لأتخذنَّهُ حنانًا [أي موضع بركة ورحمة فأتمسح به متبركًا]، فهو كان قد اعْتَنَقَ النَّصْرانِيَّةَ بِالشَّامِ حِينَ تَرَكَ عِبَادَة الأَوْثَانِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسَافَرَ إِلَى الشَّامِ واتَّصَلَ بِالرُّهْبَانِ وَدَرَسَ عَلَيْهِم وَأَخَذَ عَنْهُم النَّصْرَانِيَّةَ) شَيْخٍ أَعْمَى يَقْرَأُ الإِنْجِيلَ بِالعَرَبِيَّةِ (وذَلِكَ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْكِتَابَاتِ وَالأَلْسِنَةِ الثَّلاَثَةِ الْعَرَبِيَّة والعِبْرَانِيَّةِ والسُّرْيَانِيَّةِ، وبَلَغَ فِي تَمَكُّنِهِ مِن مَعْرِفَةِ دِيْنِ النَّصَارَى وَكِتَابَتِهِم مَبْلَغًا بَعِيدًا. وَكَانَ وَرَقَةُ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ كَبِيرًا فِي السِنِّ فَقَدَ بَصَرَهُ وَقْتَ الكِبَرِ)، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اسْمَعْ مِن ابْنِ أَخِيكَ (أي مِن مُحَمَّدٍ ﷺ ووَجْهُ القَرَابَةِ أنَّ الأَبَ الثَّالِثَ لِوَرَقَةَ عَبْدُ العُزَّىْ هُوَ أخُو عَبْدِ مَنَافٍ الأبِ الرَّابِعِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ)، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فأَخْبَرَهُ خَبَرَ مَا رَأَىَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ (يَعْنِي بِذَلِكَ جِبْرِيْلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والنَّامُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الْخَيْرِ، ومُقَابِلُهُ الجَاسُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ، يُقاَلُ: نَمِسْتُ السِّرَّ أَيْ كَتَمْتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا سُمِّيَ جِبْرِيلُ نَامُوسًا لأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْوَحْيِ الَّذِي لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى (ولَمْ يَصِفْ وَرَقَةُ جِبْرِيلَ بأنَّهُ الْمَلَكُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى عِيْسَى بَلْ قَال: «نَزَّلَهُ عَلَى مُوسَى» لأِنَّ وَرَقَةَ كَانَ قَدْ تَنَصَّرَ، وَالنَّصَارَى لاَ يَقُولُونَ فِي عِيْسَى إِنَّه نَبِيٌّ يَأْتِيهِ جِبْرِيل بالوَحْيِ إِنَّمَا يَقُولُونَ إنَّ الْمَسِيحَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ ويُخْبِرُ بِمَا فِي غَدٍ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا مِن مَذْهَبِ النَّصَارَى عَدَلَ وَرَقَةُ عَن ذِكْرِ عِيسَى إِلَى ذِكْرِ مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ لاعْتِقَادِهِ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَنْزِلُ علَى مُوسَى)، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا (أي يَا لَيْتَنِي أَكُوْنُ فِي نُبُوَّتِكَ حِيْنَ يَنْتَشِرُ أَمْرُهَا رَجُلًا شَابًّا قَوِيًّا حَتَّى أُبَالِغَ فِي نُصْرَتِكَ وَيَكُونَ لِي كِفَايَةٌ تَامَّةٌ لِذَلِكَ)، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا (ثُمَّ أَضْرَبَ عَن تَمَنِيْهِ الْمُحَالَ وهُوَ أنْ يَعُودَ شَابًّا لِيُظَاهِرَهُ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ الآنَ شَيْخًا هَرِمًا كَفِيْفَ البَصَرِ، وَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ حَيًّا وَلَو علَى حَالَتِهِ الرَّاهِنَةِ مِنَ الضَّعْفِ لِيَنْصُرَهُ وَيُسَاعِدَهُ ويَحُضَّ النَّاسَ عَلَى اتِّبَاعِهِ) حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ (أي قُرَيْشٌ مِن مَكَّةَ وفِيهِم أَقَارِبُكَ مِن الكُفَّارِ)، قَالَ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» (استغرب الرسول ﷺ أنهم سيخرجونه مع أنهم يحبونه وهو سيأتيهم بهذا الخير من عند الله، فالمتوقع أن يحبوه زيادة ويقبلوا منه الحق لأنهم يعرفونه بالصادق الأمين) قَالَ: نَعَمْ، لَم يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ قَطُّ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. (هذه سُنَّةُ الله في الدّعاة إلى دينه، هم يعادَون ويحارَبون وهذا ما حصل مع نبينا ﷺ ومع أصحابه الكرام رضي الله عنهم، كم تأذَّى بلال وكم تأذَّى خباب بن الأَرَت وكم تأذَّى عمار بن ياسر وأمه وأبوه، الذَين قُتلوا لأجل هذا الدين، ولأجل أنهم جهروا بالتوحيد، خباب بن الأرت رضي الله عنه هو من السابقين الأولين إلى الإسلام، وممن يعذب في الله تعالى، كان سادس ستة في الإسلام. قال مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله، وأبو بكر، وَخبّاب، وصُهيب، وبلال، وعمار، وَسُمَيَّة أم عمار، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد، ثم صهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس. قال الشعبي: إنّ خَبَّابًا صبر ولم يُعْطِ الكفّار ما سألوا، فجعلوا يلزقون ظهره بالرَّضْف وهو الجمر، حتى ذهب لحم مَتْنِهِ. وفي البخاري ومسلم عن خبَّاب قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد ببُرْدٍ له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ فجلس محمرًا وجهه، فقال: «قد كان مِنْ قبلكم يؤخذ الرجل فيحفَرُ له في الأرض، ثم يجاء بالميشار فيجعل فوق رأسه، ما يصرفه عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب، ما يصرفه عن دينه، وَلَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون». وقال أبو صالح وهو من كبار التابعين: كان خبَّاب قَيْنًا أي حدادا يطبع السيوف؛ وكان رسول الله ﷺ يَألَفُهُ ويَأتِيه، فَأخْبِرَت مولاته بذلك؛ فكانت تأخذ الحديدة المحماة فتضعها على رأسه؛ فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «اللهم انصر خبابًا»، فاشتكت مولاته أمُّ أنمار رأسها، فكانت تعوي مثل الكلاب، فقيل لها: اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة المحماة فيكوي بها رأسها. قال الشعبي: سأل عمر بن الخطاب خبابًا رضي الله عنهما عما لقي من المشركين فقال: يا أمير المؤمنين، انظر إلى ظهري. فنظر، فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل، قال خباب: لقد أوقِدَتْ نارٌ وسُحِبْتُ عليها فما أطفأها إلا وَدَك ظهري. قال زيد بن وهب: سرنا مع علي حين رجع من صِفِّين، حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا، فقال: ما هذه القبور؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك إلى صفين، فأوصى أن يدفن في ظاهر الكوفة، وكان الناس إنما يدفنون موتاهم في أفنيتهم، وعلى أبواب دورهم، فلما رأوا خبابًا أوصى أن يدفن بالظهر دَفَنَ الناس. فقال عليٌّ رضي الله عنه: رحم الله خبابًا؛ أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتلى في جسمه، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملًا، ثم دنا من قبورهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سلف فارط ونحن لكم تبع عما قليل لاحق، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، وأرضى الله عز وجل).
الثاني والسبعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا سليمان بن عبد الرحمـن حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء وغيره أنهما سمعا بلال بن سعد عن أبيه رضي الله عنهم أنه قال: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لِلْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِكَ؟ قال: «مِثْلُ الَّذِي لِي (أي مِن حيثُ كَونُه عادِلًا مُقسِطًا بَين الرَّعِيّةِ ولَيسَ مَعناهُ أنّه يَكونُ للخَلِيفةِ الَّذِي يأتي بَعد النبيّ محمَّدٍ مَنزِلةٌ كمَنزِلَتِه ومَرتَبَتِه في الآخِرة)، مَا عَدَلَ فِي الحُكْمِ، وَقَسَطَ فِي البَسْطِ (أي عَدَل في العَطايَا)، وَرَحِمَ ذَا الرَّحِمِ، فَمَنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنِّي (أي لَيسَ سائِرًا على طَرِيقتِي القَوِيمة) وَلَسْتُ مِنْهُ» (أي ولَسْتُ أرضَى طَرِيقَته هذِه، فطَرِيقَتِي ليسَت مِثلَ طَرِيقَتِه) قال: يُرِيدُ الطَّاعَةَ فِي طَاعَةِ اللهِ وَالْمَعْصِيَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
الثالث والسبعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه قال: أَعْتَقَ رَجُلٌ (يُدْعَى أبا مَذْكُورٍ بنَ سُلَيم أو ابنَ سُلَيمانَ أو ابنَ عَمّارٍ) مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ (يُقَالُ لَهُ يَعقُوبُ وكانَ قِبْطِيًّا، كمَا عِندَ البَيْهَقِيّ، ماتَ عامَ أَوَّلٍ في إِمارةِ ابنِ الزُّبَير) عَنْ دُبُرٍ (أي عِتقَ تَدبِيرٍ بآخِر حيَاتِه بأنْ قال له: أنتَ حُرٌّ بَعدَ مَوتِي) فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟» فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيمُ بنُ عَبدِ اللهِ النَّحَّامُ بِثَمَانِ مائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَفَعَها إِلَيْهِ (أي إلى أَبِي مَذكُورٍ العُذْرِيّ) ثُمَّ قَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا (أي بالإنفاق علَيها) فَإِنْ فَضَلَ شَىْءٌ (أي مِمّا تَملِكُ) فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِيْ قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ قَرَابَتِكَ (أي فأَنفِق علَى رَحِمِكَ) فَهَكَذَا وَهَكَذَا (أي بِتَنوِيع وُجوه الإنفاق وجِهاتها ابتغاءَ مرضاةِ الله تعالَى) يَقول: بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكِ وَعَنْ شِمَالِكَ» (قال الحافظ النَّوَوِيّ: «فِي هذا الحَدِيث فَوَائِدُ مِنهَا الابْتِداءُ فِي النَّفَقةِ بِالْمَذكُورِ علَى هذَا التَّرتِيب، ومِنها أنّ الحُقوقَ والفَضائِلَ إِذَا تَزَاحَمَتْ قُدِّمَ الأَوْكَدُ فالأَوْكَدُ، ومِنهَا أنّ الأَفْضَلَ فِي صَدَقةِ التَّطَوُّعِ أنْ يُنَوِّعَها في جِهاتِ الخَيرِ وَوُجُوهِ البِرِّ بِحَسَبِ الْمَصْلَحةِ وَلا يَنْحَصِرَ فِي جِهَةٍ بِعَيْنِهَا»).
الرابع والسبعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): (ذكره الإمام البخاري هنا لأنّ فيه التّحذير من قطيعة الأرحام) حدثنا ءادم بن أبي إِيَاس حدثنا شعبة قال ابن أبي ذِئْب حدثنا سعيد بن سمعان سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يَتَعَوَّذُ مِن إِمارَةِ الصِّبْيَانِ (وفي رواية أحمد أنه قال: تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ رَأْسِ السَّبْعِينَ، إِمَارَةِ الصِّبْيَانِ.اهـ أي يَتَعوَّذ مِن فِتْنةٍ تَنْشَأ مِن بَعدِ السَّبعِينَ مِن الهِجرةِ أو مِن وفاةِ النَّبِيّ ﷺ والحالُ أنَّ الصِّبْيانَ يَكُونونَ أُمَراءَ وَيُدَبِّرونَ أَمْرَ الأُمّة وهم أُغَيلِمَةٌ مِن قُرَيش. قال الحافِظُ فِي «الفتح»: «أوَّل الأَغْلِمةِ كانَ في سَنةِ سِتِّينَ، فإِنَّ يَزِيدَ بنَ مُعاوِيةَ استُخْلِف فِيهَا وبَقِي إلى سَنةِ أَرْبَعٍ وسِتِّينَ فمَاتَ ثُمَّ وُلِّيَ وَلَدُه مُعاويةُ وماتَ بعدَ أَشْهُر») وَالسُّفَهاءِ. فقال سعيد بن سَمْعان: فأخبَرَني ابن حَسْنة الجُهَنِي أنه قال لأبي هريرة: مَا ءَايَةُ ذَلِكَ؟ (أي ما علامة ظهورهم) قَالَ: أَنْ تُقْطَعَ الأَرْحَامُ، وَيُطَاعَ الْمُغْوِي (أي وَيُطاع الْمُهلِك الْمُضِلّ في ضلالَته)، وَيُعْصَى الْمُرْشِدُ (أي ويُخالَف الهادِي إلى الحقّ في هِدَايته).
الخامس والسبعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا محمد بن عبد الواحد بن عَنْبسة بن عبد الواحد حدثني جدي عن بَيان بن بِشْر عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يُنَادِي جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ «إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ (قال الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمٰنِ وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْءَانِ.اهـ معناه: الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ يَدْخُلُونَ فِى الْوِلايَةِ الْعَامَّةِ أَمَّا الْوِلايَةُ الْخَاصَّةُ فَهِىَ لِأَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ فَقَطْ، وأَشَدُّهُمْ طَاعَةً هُوَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِى هُوَ أَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْءَانِ أَىْ أَشَدُّهُمْ عَمَلًا بِالْقُرْءَانِ) وَالَّذِينَ ءَامَنُوا (أي وصالِحُ المؤمِنِين هُم أوليائي. قال التُّورِبِشْتِي «المعنى أَنِّي لا أُوَالِي أحَدًا بالقَرابَةِ وَإِنّما أُحِبُّ اللهَ سُبْحانَهُ وَأُوَالِي مَن وَالَى بِالإِيمانِ وَالصَّلاحِ.اهـ وهذا فيه رد على من يقول إن النبي كان يحب من أحسن إليه من الكافرين كأبي طالب، لا، بل النبي لا يحب الكافرين فهو يتولى المؤمنين فقط، والنبي يحب الإيمان للكافرين يحب أن يؤمن أبو طالب وغيره، ولكن الأمر من قبل ومن بعد لله رب العالمين، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء)، وَلَكِن لَهُم رَحِمٌ سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» (أي سأُعطِيهَا حَقَّها بالصِّلَةِ، فإِنَّ الْمَنْعَ عِندَ العَرَبِ يُبْسٌ وَالصِّلَةَ بَلٌّ).
السادس والسبعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): (ذكره الإمام البخاري هنا وختم به كتابه هذا، لأن فيه التحذير من فتنة النساء وكثير من عقوق الوالدين يحصل بسبب فتنة النساء) حدثنا ءادم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن سليمان التَّيمي قال: سمعت أبا عثمان النَّهْدِي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (لأنَّ الطِّباعَ كَثِيرًا مَا تَمِيلُ إِلَيهِنَّ وتَقَعُ فِي الحَرامِ لأجْلِهِنّ وتَسْعَى لِلقِتالِ وَالعَدَاوةِ بِسَبَبِهِنّ، فالفِتْنةُ بِهِنّ أَشَدُّ مِن الفِتنَةِ بِغَيرِهِنَّ في الإجمالِ ويَشْهَدُ لِذَلِك قَولُه تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 14]، ولَيسَ فِي الحَدِيثِ ذَمٌّ لِجَمِيع أفرادِ النِّساء بَل قَد مَدَح اللهُ تعالَى الصّالِحات مِن النِّساء فقال عَزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخر الآيةَ).
تمَّ الكتابُ بعونِ اللهِ وحمدِهِ ….
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين