الملك المظفر حاكم إربل أبو سعيد كوكبري

الملك المظفر حاكم إربل أبو سعيد كوكبري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:

قال الله تعالى

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾

سورة الأحزاب: 23

ويقول الحبيب المصطفى ﷺ

مَن سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُهَا وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا بَعدَهُ مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أُجُورِهِم شَيءٌ

رواه مسلم

ومن هؤلاء الرجال الصادقين الذين دافعوا عن الإسلام وسنوا في الإسلام سنة حسنة الملك العادل ملك إِربِل أبو سعيد كُوكبرِي الملقب بمُظَفَّرِ الدين.

اسمه ونسبه

هو السلطان الملك المعظم مُظَفَّر الدين أبو سعيد كُوكبرِي بن علي بن بِكتِكِين بن محمد التُّرُكمَانِيُّ، أحد الملوك الذين كان مُلكُهم عِزًا للإسلام والمسلمين، وكان له أعمال جليلة وءاثار حسنة منها أنَّه أولُ من احتفل بمولِدِ النبي ﷺ، فكان يوزع فيه العَطَايَا والهِبَاتِ على المسلمين إظهارًا لفرحه بنبي ءاخر الزمان سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

مولده

ولد الملك المظفر في إِربِلَ وهي قلعَةٌ حَصِينَة ومدينة كبيرة تابعة  للمُوصِل تبعد عنها مسيرة يومين، ولد ليلة السابع والعشرين من محرم سنة خمسمائة وتسع وأربعين للهجرة، وتملك إربل بعد وفاة والده وكان له أربع عشرة سنة.

صفاته وأخلاقه

كان مظفر الدين من أكثر الملوك تدينًا وأجودهم برًا، وكان عالمًا تقيًا شجاعًا.

قال فيه ابن خِلِّكَان

وأما سيرته فكان له في فعل الخير عجائب لم نسمع أن أحدًا فعل في ذلك مثل ما فعله

وفيات الأعيان

وكان يحب الصدقة وكان له في كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرقها على المحتاجين في عدة مواضع في البلد.

وإذا نزل من الرَّكُوبِ يكون قد اجتَمَع جَمعٌ كثِير عندَ الدار فيُدخِلُهم إليه ويَدفَع لكل واحِدٍ كِسوَةً على قَدرِ الفصل من الصيف والشتاء ومعها شيء من الذهب.

وكان لا يتعاطى المنكر ولا يُمَكِّنُ من إدخاله إلى البلد.

وذكر ابن خِلِّكَان عنه أيضًا

أنه كان متواضعًا، خَيِّرًا، يحب الفقهاء والمحدثين، وربما أعطى الشعراء، وما نُقل أنه انهزم في حرب

وفيات الأعيان

مآثره

كان للملك المظفر رحمه الله ءاثارٌ حسنة، فقد بنى دارًا للنساء الأرامل ودارًا للأيتام ودارًا للضعفاء.

وكان رحمه الله يدخل إلى “البيمارستان” (شيء يشبه المستشفى) ويَقِفُ على كل مَرِيض ويسأله عن مبيتِهِ وكيفيَّةِ حاله وما يشتَهِيه، وكان له دارُ مَضيَفٍ يُدخِلُ إليها كلَّ قادم على البلد من فقيه وفقير وغيرهما، وإذا عزم الإنسانُ على السفر أعطاه نفقةً تليق بمِثلِه.

وكان يُسَيِّر في كل سنة دَفعَتَين من جماعةٍ من أصحابه وأُمَنَائِه إلى بلاد الساحل ومعهم جملةٌ مُستَكثِرَةٌ من المال يُفَكُّ بها أسرى المسلمين من أيدي الكفار.

وله بمكة ءاثار جميلة، وهو الذي عمّر الجامع المُظَفَّرِيَّ بِسَفحِ قَاسيُونَ، كما ذكر ذلك السيوطي في “الحاوي للفتاوى”.

ومن ءاثاره الحسنة أيضًا أنه أول من أحدث الاحتفال بمولد الرسول ﷺ وجمع لهذا كثيرًا من العلماء فيهِم من أهل الحديث والصوفية الصادقين، فاستحسن ذلك العملَ العلماءُ في مشارق الأرض ومغاربها كالحافظ أحمد بن حجر العسقلاني وتلميذه الحافظ السخاوي، وكذلك الحافظ السيوطي.

عمله المولد

إن الوصف يقصر عن الإحاطة باحتفال الملك المظفر بمولد النبي ﷺ، فكان يعمله في كل سنة، مرة في الثامن من شهر ربيع الأول ومرة في الثاني عشر.

وكان إذا اقترب المولد أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئًا كثيرًا يزيد على الوصف وزَفَّهَا بجميع ما عنده من الطُّبُول حتى يَأتِيَ بِهَا المَيدَان، ثم يَشرَعُون في نَحرِهَا وينصِبُون القُدُور ويطبخون الأنواع المختلفة من الطعام.

وقيل إن الخلق كانوا يقصدونه في المولد من العراق والجزيرة وكانَت تُنصَبُ قِبَابُ الخَشَبِ له ولأُمَرَائِه وَتُزَيَّنُ، وفيها كان يُمدَحُ الرسول ﷺ، وينزل كل يوم عند العصر فيقف على كل قبة ويتفرج، ويفعل ذلك أيامًا، ويتكلم الوُعَّاظث في المَيدَان، وكان ينفق أموالاً جَزِيلَةً، وقد جمع له ابن دحية “كتاب المولد” فأعطاه ألف دينار. قال ابن شهبة في “تاريخ الإسلام” بعد كلام طويل وثناء جميل: (قال جماعة من أهل إربل: كانت نفقته على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وعلى الأسرى مائتي ألف دينار، وعلى دار المَضيَفِ مائة ألف دينار، وعلى الحرمين والسَّبِيلِ وعرفات ثلاثين ألف دينار، غير الصدقة في رمضان بقلعة إربل).

وفاته

قال ابن خِلِّكَان

مات ليلة الجمعة في الرابع عشر من رمضان سنة ثلاثين وستمائة، وحُمل في نعشٍ مع الحُجَّاج إلى مكة، وكان قَد أعَدَّ قُبَّةً تحت جبل يدفن فيها، فاتفق أن الوَفدَ رجعوا تلك السنة لعدم وجود الماء فَدُفِنَ بالكوفة رحمه الله تعالى عن عمر اثنتين وثمانين سنة

وفيات الأعيان

نسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته وأن يوصل له ثواب كل محتفل بهذه السُّنَّةِ العطرة إنه على ما يشاء قدير.

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين.

المصادر

هذه المسائل مجموعة وملخصة من:

  1. وَفيات الأعيان لابن خِلِّكَان.
  2. الحاوي للفتاوي للسيوطي.

نورُ مولدِ النبيِّ ﷺ

الخطبة الأولى الحمدُ للهِ الذي أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِإِظْهَارِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ البَشَرِ، وقَدَّرَ وِلَادَتَهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الشَّرِيْفِ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share