بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾
(سورة الإسراء (9
أَرسَلَ اللهُ تَعَالَى الرُّسُلَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِم أَجمَعِينَ لِيُبَلِّغُوا النَّاسَ مَصَالِحَ دِينِهِم وَدُنيَاهُم وَأَحكَامَ شَرِيعَتِهِم، فَلَا بُدَّ مِن تَصدِيقِهِم فِيمَا يُبَلِّغُونَ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَالتَّسلِيمِ لَهُم، فَهَذَا مِن كَمَالِ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى وَالإِيمَانِ بِهِ، وَمِن جُملَةِ مَا يَجِبُ التَّسلِيمُ لَهُم فِيهِ أُمُورُ الحَلَالِ وَالحَرَامِ وَالأَمرِ وَالنَّهيِ، وَمِمَّا أَخبَرَ بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ تَحرِيمُ صِيَامِ النِّصفِ الثَّانِي مِن شَهرِ شَعبَانَ إِلَّا فِي حَالَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَتَحرِيمُ صِيَامِ يَومِ الشَّكِّ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ.
حكم الصيام في النصف الثاني من شعبان
لَا يَصِحُّ وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ النِّصفِ الأَخِيرِ مِن شَعبَانَ، وَهُوَ مِنَ اليَومِ السَّادِسَ عَشَرَ إِلَى ءَاخِرِ شَعبَانَ، أَمَّا اليَومُ الخَامِسَ عَشَرَ فَيُسَنُّ صَومُهُ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا صِيَامَ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ
رَوَاهُ البُخَارِيُّ
لَكِنِ استَثنَى العُلَمَاءُ حَالَاتٍ مُعَيَّنَةً يَجُوزُ فِيهَا صَومُ النِّصفِ الثَّانِي مِن شَعبَانَ، وَمِن هَذِهِ الحَالَاتِ:
- إِذَا وَصَلَهُ بِمَا قَبلَهُ، كَأَن بَدَأَ الصِّيَامَ مِنَ اليَومِ الخَامِسَ عَشَرَ أَو مَا قَبلَهُ وَاستَمَرَّ إِلَى مَا بَعدَهُ وَلَم يُفطِر يَومًا، فَإِذَا أَفطَرَ يَومًا حَرُمَ بَعدَ ذَلِكَ أَن يَعُودَ إِلَى الصَّومِ.
- أَو كَانَ صَومُهُ لِلنِّصْفِ الأَخِيرِ مِن شَعبَانَ لِقَضَاءِ أَيَّامٍ فَاتَتهُ أَوْ نَذرٍ أَو وِردٍ وَهُوَ مَا يُعتَادُ صَومُهُ تَطَوُّعًا، كَمَنِ اعتَادَ صَومَ الِاثنَينِ وَالخَمِيسِ، أَوِ اعْتَادَ صَوْمَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ.
ما هو يوم الشك
يَومُ الشَّكِّ هُوَ يَومُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعبَانَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ الَّذِينَ لَا يَثبُتُ الصِّيَامُ بِشَهَادَتِهِم كَالصِّبيَانِ وَنَحوِهِم كَالفَسَقَةِ وَالعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ بِرُؤيَةِ الهِلَالِ.
حكم صيام يوم الشك
لَا يجُوزُ صَومُه لوُرُودِ النَّهيِ عَن ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِيْ صَحِيْحِهِ: وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ. وَفِيْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: مَن صَامَ اليَومَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَد عَصَى أَبَا القَاسِمِ. رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ.
وَإِنَّمَا يَحرُمُ صَومُ يَومِ الشَّكِّ وَصَومُ مَا بَعدَ نِصفِ شَعبَانَ لِمَنْ لَم يُوَافِقْ عَادَةً لهُ، وَأَمَّا مَن وَافَقَ عَادَةً لَهُ كَأَنْ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِن ءَاخِرِ كُلِّ شَهرٍ فَصَامَ فَلَا يَضُرُّهُ، وَلَكِنْ لَا يَصُومُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ، وَلَا يَحرُمُ صِيَامُهُ إِذَا وَصَلَ مَا بَعدَ النِّصفِ مِن شَعبَانَ بِمَا قَبلَهُ، كَأَنْ صَامَ الخَامِسَ عَشَرَ وَوَصَلَ الصِّيَامَ إِلَى يَومِ الشَّكِّ فَلَا بَأسَ.
الخاتمة
يَنبَغِي لِمَن آمَنَ بِيَومِ القِيَامَةِ أَن يُعِدَّ زَرعَهُ فِي شَعبَانَ لِيَحصُدَ فِي رَمَضَانَ، وَذَلِكَ بِالتَّوبَةِ والاستِقَامَةِ وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ وَالخَطَايَا، فَرَمَضَانُ فُرصَةُ العُمُرِ، إِلَّا أَنَّهُ سَرِيعٌ، وَالعُمُرُ قَصِيرٌ لَا يَحتَمِلُ التَّسوِيفَ وَالتَّأجِيلَ، وَقَد رُوِيَ عَن بَعضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ شَعبَانُ أَغلَقَ حَانُوتَهُ وَتَفَرَّغَ لِقِرَاءَةِ القُرآنِ.
فَيَا مَن فَرَّطَ فِي الأَوقَاتِ الشَّرِيفَةِ وَضَيَّعَهَا، وَأَودَعَهَا الأَعمَالَ السَّيِّئَةَ وَبِئسَ مَا استَودَعَهَا.
مَضَى رَجَبٌ وَمَا أَحسَنتَ فِيهِ
وَهَذَا شَهرُ شَعبَانَ المُبَارَكْ
فَيَا مَن ضَيَّعَ الأَوقَاتَ جَهلًا
بِحُرمَتِهَا أَفِقْ وَاحذَرْ بَوَارَكْ
فَسَوفَ تُفَارِقُ اللَّذَّاتِ قَسْرًا
وَيُخلِي المَوتُ كَرهًا مِنكَ دَارَكْ
تَدَارَكْ مَا استَطَعتَ مِنَ الخَطَايَا
بِتَوبَةِ مُخلِصٍ وَاجعَلْ مَدَارَكْ
عَلَى طَلَبِ السَّلَامَةِ مِن جَحِيمٍ
فَخَيرُ ذَوِي الجَرَائِمِ مَن تَدَارَكْ
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- مَتنِ الغَايَةِ وَالتَّقرِيبِ لِأَبِي شُجَاعٍ وَشُرُوحَاتِهِ.
- المَجمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ.
- نِهَايَةِ المُحتَاجِ لِلرَّملِيِّ.