ءاداب الولائم

الْـحَمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، لَهُ النِّعمةُ ولَهُ الفضلُ ولَهُ الثّـناءُ الْـحَسَنُ، وصلواتُ اللهِ الْبَرِّ الرّحيمِ والْملائكةِ المُقرَّبينَ على أشرفِ الْـخَلقِ وسيّدِ الْمُرسَلِينَ سيّدِنا مُحمّدٍ طهَ الأمينِ، وعلى ءالِهِ وصَحابـتِهِ الطّـيّبينَ الطّاهرينَ ومَن تبِعَهُم وسارَ على مِنوَالِهِم إلى يومِ الفصلِ والدِّينِ، أمّا بعدُ:

الاجتماع على قصعة (إناء) واحدة في الأكل

فقد رَوَى ابنُ حِبّانَ والطّبرانيُّ والبيهقيُّ عن جابرٍ رضِيَ اللهُ عنهُ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ:

قال رسول الله ﷺ

أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَى اللهِ مَا كَـثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِيْ

رَوَاه ابنُ حِبّانَ والطّبرانيُّ والبيهقيُّ

هذا الحديث فيه أنَّ الاجتماع على قصعة (إناء) واحدة في الأكل خيرٌ مِنَ الافتراقِ أي أن الأكل جماعةً خيرٌ مِنَ الأكلِ فُرادى، فالأحسنُ الاجتماعُ على الطّعامِ، والأحسنُ الأكلُ مِن قَصْعةٍ واحدةٍ لأنّ هذا أقربُ إلى التّواضُعِ، ولأن هذا أيضا أقرب إلى اجتماع الأحبابِ والأصحابِ حولَ مائدةِ الطّعامِ، وهو صورةٌ مِن صُوَرِ التّرابطِ بينَ النّاسِ، وبابٌ مِن أبوابِ التّواصُلِ بينهم.

وَرَوَى أبو داودَ أَنَّ بعضَ أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ؟! قَالَ: “فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُوْنَ؟” قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: “فَاجْتَمِعُوْا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوْا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيْهِ“.

وكانَ الصّحابةُ رِضْوانُ اللهِ تَعالى عليهِم يقولونَ: الاجتماعُ على الطّعامِ مِن مَكارِمِ الْأخلاقِ.

إكرام الضيف المدعو على الطعام

قال رسول الله ﷺ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوْا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِـيَامٌ، تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ بِسَلَامٍ

رواهُ ابْنُ ماجَهْ وغيرُهُ

فهذا الحديث فيهِ الحثّ على إكْرام الضَّيْفِ وأنَّه شىءٌ حَسَنٌ، فهُو مَظهَرٌ مِن مَظاهرِ تَكريمِ الْآخَرينَ، سواءٌ كانوا مِنَ الرَّحِمِ أمْ مِن غيرِهِ، وسواءٌ كانَ ذلكَ لِمُناسَبةٍ مُعيَّنةٍ أمْ لا.

وإنّ مِـمّا لا يَجهَلُهُ مُسلمٌ أنّ الْإسلامَ نَظَرَ إلى الطّعامِ وبَذلِهِ لِلآخَرينَ مِن وُجُوهٍ عديدةٍ

فالطّعامُ حاجة مُلِحّة لِلْإنسانِ لاستمرارِ حياتِهِ.

وإنّ دعوةَ النّاسِ إليه علامةٌ على كَـرَمِ الطَّبْعِ، وحَسَنةٌ يُـقدِّمُها الْإنسانُ إنْ قصد بِها ثواب اللهِ تَعالى.
ومِن هُنا كانَ إطعامُ الطّعامِ سُنّةً مُستحَبّةً لِسببٍ أو لغيرِ سببٍ.

أن يذهب المسلم إلى الطعام الذي دعي إليه

قال رسول الله ﷺ

لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَأْخُذَ عَصَا أخِيْهِ بِغَيْرِ طِيْبِ نَفْسٍ مِنْهُ

رواه ابن حبان

فمن الأدب أنْ يَذْهَبَ الْمُسْلِمُ إلى الطّعامِ الْذي دُعِيَ إليهِ، أمّا ما لَـمْ يُدْعَ إليهِ فليسَ مِنَ الْأدَبِ إلّا إنْ كانَ مُباحًا لِلْجميعِ.

وقد ذكر العلماء أن مِن مَعاصي الْبَدَنِ: (التَّطفُّلُ في الْوَلَائمِ) وهُوَ (الدُّخولُ بِغَيرِ إذْنٍ أو أَدْخَلُوهُ حَيَاءً)، أي أنْ يَحْضُرَ الْوَلائمَ الّتي لَـمْ يُدْعَ إليها أو دُعِيَ إليها اسْتِحياءً مِنَ النّاسِ أو أُدْخِلَ حَيَاءً.

وهذا الْحديثُ فيهِ أيضا تَحذيرٌ بَلِيغٌ مِنِ استعمالِ مالِ الْمُسْلِمِ الْقليلِ والْكثيرِ إذا كان بِغيرِ طِيْبِ نفْسِ صاحِبِهِ، بل مُجرَّدُ دُخولِ مِلْكِ مُسلمٍ بِغيرِ رِضَاهُ لا يَجوزُ.

قالَ الْإمامُ الْغزاليُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى: “ليسَ مِنَ السُّنّةِ أنْ يَقْصِدَ قومًا مُتربِّصًا لوقتِ طعامِهِم فَيَدْخُلَ عليهِم وقتَ الْأكلِ فإنّ ذلكَ مِنَ الْمُفاجَأَةِ وقد نُـهِيَ عنهُ، قالَ تَعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ ﴾ سورةَ الْأحزابِ” انتهى كلام الغزالي.

أن يقوم صاحب الطعام بمباسطة الحضور

أنْ يقومَ صاحبُ الطّعامِ أو مَن لَهُ شَأْنٌ وَوَجَاهَةٌ في النّاسِ مِـمّن حَضَرَ الْمائدةَ بِـمُباسَطةِ الْـحُضورِ بِـمَا يُـناسِبُ الْمَقامَ أوِ الْمُناسبةَ، وأنْ يَـتعهَّدَ بِشكلٍ خاصٍّ الْغريبَ الّذي قد يَغْلِبُ عليهِ الْـحَيَاءُ أوِ الْوَحْشَةُ.

وكذلكَ مِنَ الْمُستحَبِّ أنْ يَدورَ حديثٌ لطيفٌ بينَ الْـحُضُورِ، فالصّمتُ في مِثْلِ هذا وَحْشَةٌ ما بعدَها وَحْشَةٌ.

تنبيه: وليس صحيحًا ما يقولُهُ بعضُ النّاسِ: (لا كلامَ على طعامٍ)! بل يُسَنُّ بعضُ الْـحَديثِ لِمُخالَفةِ الْمَجُوسِ والْيَهُودِ؛ فإنّهُم لا يَـتكلَّمونَ عِندَ الطّعامِ.

كما أنّهُ مِن عاداتِنا أنّ صاحبَ الدَّعْوةِ لا يقومُ حتّى يقومَ الضَّيْفُ؛ لأنّهُ إنْ قامَ قبلَهُ يقومُ الضَّيْفُ عادةً ويَـترُكُ الطّعامَ. 

أن لا يحضر المدعو معه أحدا لم تنله الدعوة

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضِيَ اللهُ عنهُ أنه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ، وكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَـحَّامٌ فَقَالَ: اصْنَعْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً لَعَلِّيْ أَدْعُوْ النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَصَنَعَ لَهُ ثُمَّ أَتَاهُ فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “يَا أَبَا شُعَيْبٍ، إِنَّ رَجُلًا تَبِعَنَا فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ” قَالَ: لَا بَلْ أَذِنْتُ لَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فمن الأدب أنْ لا يُحْضِرَ الْمَدْعُوُّ معَهُ أحدًا لَـمْ تَنَلْهُ الدَّعْوةُ؛ فإنْ جاءَ معَهُ أو تَبِعَهُ فعلَيْهِ أنْ يَستأذِنَ صاحِبَ الْوَليمةِ في دُخُولِهِ ومُشاركتِهِ، فإنْ أذِنَ صَرَاحةً وبِرَضًا دَخَلَ وإلّا فلَا.

أن يرحب الرجل بضيوفه ويكرمهم

أنْ يُرَحِّبَ الرَّجُلُ بِضُيُوفِهِ ويكرمهم، ويُظْهِرَ الْفَرْحةَ والْبَشَاشةَ وطَلَاقةَ الْوَجْهِ عِندَ استقبالِـهِم، وهذا مأخوذ ومستفاد من حديث رسول الله ﷺ:

قال رسول الله ﷺ

مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ

مُتّفَقٌ عليهِ

ورَوَى الْبُخاريُّ في صحيحِهِ عن أبي هريرةَ رضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَجُلًا أتى النّبيَّ ﷺ فَبَعَثَ ﷺ إِلَى نِسائِهِ: “هَلْ عِنْدَكُنَّ مِنْ شَىءٍ؟” -وذلكَ لِيُكْرِمَ الضَّيْفَ- فَقُلْنَ: لَيسَ عِنْدَنا إِلّا الْماءُ -حُجُراتُ رَسولِ اللهِ ﷺ ليسَ فيها ما يُطْعَمُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلّا الْماءُ-.

فَقالَ ﷺ لِمَنْ يُجالِسُهُ مِنْ أَصْحابِهِ: “مَنْ يَضُمُّ هَذَا؟” أَوْ قالَ: “يُضَيِّفُ هَذَا” مَعْناهُ مَنْ يَضُمُّهُ إِلَى أَهْلِهِ مَعَهُ لِيُطْعِمَهُ مِـمّا عِنْدَهُ فِى دارِهِ أَوْ يُضَيِّفُهُ، أي يَجْعَلُهُ ضَيْفًا يَنْزِلُ بِدَارِهِ.

فقامَ رَجُلٌ مِنَ الْأنصارِ فَقالَ: أَنا يا رَسُولِ اللهِ، فَأَخَذَهُ وَسارَ بِهِ إِلَى أَهْلِهِ، فدَخَلَ دارَهُ وَكَلَّمَ زوْجَتَهُ فقالَ لَـهَا: أكْرِمِيْ ضَيْفَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقالَتْ هذهِ الْمَرْأَةُ: ليسَ عِنْدَنا إِلّا قُوتُ صِبْيَانِيْ -يَعْنـي طَعامٌ قَلِيلٌ لا يَكَفِي إلّا لِصِبْيَانِيْ- فقالَ لَها رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: هَيِّـئِـيْ طَعَامَكِ وأصْبِحِيْ سِرَاجَكِ ونَوِّمِيْ صِبْيَانَكِ إِذا أَرادُوا عَشاءً.

فَهيَّأَتْ طعامَها وأصْبَحَتْ سِرَاجَها ونوَّمَتْ صِبْيَانَها ثُمّ قامتْ كأنّها تُصْلِحُ سِرَاجَها فأطْفَأَتْهُ (لأَنَّ هذا الطّعامَ لا يَكْفِي الزّوجَ وَالزّوْجَةَ وَالضَّيْفَ، لا يَكْفِي الثّلاثَةَ) فجَعَلا يُرِيَانِهِ أَنَّهُما يَأْكُلانِ فباتا طاوِيَيْنِ (معناهُ صارا يُظْهِرانِ لِلضَّيْفِ أَنَّهُما يَأْكُلانِ مَعَهُ وهُـمَا لا يَأْكُلانِ، حتّى يَكْفِيَ هذا الطّعامُ الضَّيْفَ لِيَشْبَعَ! فَآثَرُوا الضَّيْفَ عَلَى أَنْفُسِهِم وَءاثَرُوا الضَّيْفَ عَلَى أَوْلادِهِم هذهِ الدّرَجَةُ هِيَ دَرَجَةٌ أَعْلَى مِنْ أَنْ يُحِبَّ الْإِنْسانُ لأَخِيهِ ما يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ لأَنَّ فِيها إِيْـثارَ الْغَيرِ عَلَى النَّفْسِ)

فلمَّا أصْبَحَ الرجل غَدَا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فَابْتَسَمَ لَهُ وَقالَ ﷺ: “ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ” أو “عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا” والضِّحْكُ هُنا الْمُرادُ بِهِ الرِّضَا لِصَنِيعِهِما وليسَ مَعناهُ التَّأَثُّرَ والانْفِعالَ لأن هذا من صفات المخلوقات وهو لا يجوز على الله تعالى، مَعناهُ اللهُ رَضِيَ عَنْهُ وَعَنْ زَوْجِهِ لأَنَّهُما ءاثَرَا هذا الضَّيْفَ عَلَى أَنْفُسِهِم، فالضِّحْكُ الْمُضَافُ إِلَى اللهِ تَعالى فَسَّرَهُ الْحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِيُّ فِي شَرْحِ صَحيحِ البُخارِيِّ بِالرِّضَا.

وأَنْزَلَ اللهُ تَعالى قَوْلَهُ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ سورةَ الْحشرِ.

ومعنى ﴿خَصَاصَةٌ﴾ أي حاجَةٌ، يَعْنِـي وَلَوْ كانَ بِـهِم حاجَةٌ إِلَى هذا الطَّعامِ، مَعَ هذا ءاثَرُوا ضَيْفَهُم عَلَى أَنْفُسِهِم.

الانتباه إلى الحدود الشرعية

الانتباهُ إلى الْحدودِ الشّرعيّةِ، فلا يجوزُ أنْ تُتّخَذُ الْوَلائمُ والدَّعَواتُ مَطِيّةً لِمَعصيةِ اللهِ تَعالى، وذلكَ نَحْوُ وَضْعِ الْـخَمرِ والْمُحرَّماتِ الْأُخْرى على الْمائدةِ.

وفي الْأصْلِ: إجابةُ الدَّعْوةِ -إذا كانت لِعُرْسٍ- واجبةٌ على مَن ليسَ لَهُ عُذْرٌ، أمّا إنْ وُجِدَ شىءٌ مِنَ الْمُنْكَراتِ فيها سَقَطَ الْوُجوبُ وامْتَنَعَ الْـحُضورُ، إلّا لِمَن يستطيعُ الْإنكارَ وتُسْمَعُ لَهُ الْكلمةُ، ويُرْجى مِن حُضورِهِ خِزْيُ الشّيطانِ وأعوانِهِ.

أن يدعو المدعو لصاحب الوليمة ويشكره

أنْ يدعُوَ الْمَدْعُوُّ لِصاحِبِ الْوَلِيمةِ ويَشْكُـرَهُ على إحسانِهِ إليهِ وإكرامِهِ؛ فإنّ ذلكَ مُستحَبٌّ.

فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: دُعِيَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى طعامٍ هو وأصحابُهُ، فلَمّا طَعِمُوا، قالَ نبيُّ اللهِ ﷺ: “أَثِـيْبُوْا أخَاكُمْ” قالوا: وما إِثابَتُهُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: “تَدْعُوْنَ اللهَ لَهُ فَإِنَّ فِيْ الدُّعَاءِ إِثَابَةً لَهُ“.

وقد دعا النّبيُّ ﷺ بِأَدْعِيَةٍ مُختلِفةٍ لِمَن أكَلَ عِندَهُم أو شَرِبَ.

فمِن ذلكَ قولُهُ ﷺ: “اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِيْ، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِيْ” رواهُ مسلمٌ.

ومِن ذلكَ أيضًا قولُهُ ﷺ: “اللَّهُمَّ بَارِكْ لَـهُمْ فِيْ مَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَـهُمْ وَارْحَمْهُمْ“.

فالنّبيُّ ﷺ كانَ يُلَبِّي الدَّعْوةَ ويَدْعُوْ اللهَ تَعالى لِمَن دَعَاهُ بِالْبرَكةِ.

فيَرْوِي عبدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ ضَيْفًا على والِدِهِ فقرَّبُوا إليهِ، أي: وضَعُوا لَهُ طعامًا وَوَطْبَةً وهُو طَعامٌ يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ حيثُ يُـخْرَجُ نَوَاهُ ويُعْجَنُ بِاللَّبَنِ، فَأكَلَ مِنها النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ جِيْءَ لَهُ ﷺ بِتَمْرٍ فكانَ يَأْكُلُهُ ويُلْقِي النَّوى بَيْنَ أُصْبَعَيْهِ السَّبَّابةِ والوُسْطَى، بِـمَعنى أنَّهُ ﷺ لا يُلْقِيْهِ في وِعَاءِ التَّمْرِ؛ لِئَلَّا يَـخْتَلِطَ بِالتَّمْرِ، ولا يَرْمِيْهِ على الْأرْضِ مُحافَظةً على نَظافةِ الْمكانِ، أي كانَ يَجمَعُها بيْنَ أصابِعِهِ لِيَرمِيَها بعدَ ذلكَ في مَحَلٍّ مُناسِبٍ.

ثُمَّ بعْدَ جَلْسَتِهِ ﷺ عِندَ أهلِ بَيتِ عبدِ اللهِ قامَ فرَكِبَ دابَّتَهُ لِيَنصرِفَ، فأمْسَكَ بُسْرٌ والِدُ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما بِلِجَامِ دابَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وطلَبَ مِنهُ أنْ يَدعُوَ اللهَ تَعالى لَهُ ولأهْلِهِ، فدعا ﷺ وقالَ: “اللَّهُمَّ بَارِكْ لَـهُمْ فِيْ مَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَـهُمْ وَارْحَمْهُمْ” فجَمَعَ ﷺ لَـهُم في هذا الدُّعاءِ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرةِ.

وفي الْحديثِ: تَعلِيمُ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ أدَبَ أكْلِ التَّمْرِ.

وفيهِ: طَلَبُ الدُّعاءِ مِن أهْلِ الْفضْلِ والصَّلاحِ.

وفيهِ: دُعاءُ الضَّيفِ لأهلِ بَيتِ الضِّيَافةِ بِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ.

وكذلكَ مِن جُمْلةِ الْأَدْعِيَةِ الّتي دعا بِـها ﷺ قولُهُ: “أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُوْنَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ“.

فقد رَوَى أبوداودَ وغيرُهُ عن أنَسٍ رضِيَ اللهُ عنهُ: أنّ النّبيَّ ﷺ أفْطَرَ عِندَ سعْدِ بْنِ عُبادَةَ رضِيَ اللهُ عنهُ، فلمَّا فَرَغَ -أيِ انْتَهَى- رسولُ اللهِ ﷺ مِنَ الأكْلِ، قالَ: “أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُوْنَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ“.

وقولُهُ: “أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُوْنَ” بِـمَعنى الدُّعاءِ بِالْـخيْرِ والْبَرَكةِ؛ لأنَّ إفطارَ الصَّائمينَ يَدُلُّ على اتِّساعِ الْحالِ وكَـثْرةِ الْـخيْرِ، وهُو أيضًا دُعاءٌ لَهُ بِأنْ يَـنالَ أجْرَ الصّائِمِ؛ لأنَّ مَنْ أَفْطَرَ عِندَهُ الصّائِمونَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ الْمَوْعودَ بهِ مَنْ فَطَّرَ صائِمًا.

وقولُهُ: “وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ” دُعاءٌ لَهُ بِصُحْبةِ الصَّالحينَ؛ لِكوْنِهِم عَوْنًا على الطَّاعةِ والْعِبادةِ؛ فَفِيْهِ فَوْزٌ ونَجاحٌ لَهُ؛ لأنَّ مَن أَكَلَ طعامَهُ الْأبْرارُ كانَ لَهُ أجْرُ الْإطْعامِ مَوْفورًا؛ لِكوْنِ الْآكِلِينَ لَهُ مِنَ الْأبْرارِ.

وقولُهُ: “وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ“، أي: اسْتَغْفَرَتْ لَهُ عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ومَنْ صَلَّتْ عليهِ الْملائِكةُ فقد فَازَ؛ لأنَّ دعْوتَهُم لَهُ بِالرّحْمةِ مَقْبولةٌ عِندَ اللهِ تَعالى بِإذنِهِ عزّ وجلّ، وهذا مِن عَظيمِ الشُّكْرِ لِصاحِبِ الطَّعامِ.

وفي الْحديثِ: تَعْليمُ النَّبيِّ ﷺ أُمَّتَهُ بِالدُّعاءِ لِمَن أطْعَمَهُم أو سَقَاهُم، وهذا مِنَ الْآدابِ النّبويّةِ.

وصلّى اللهُ تَعالى وسلَّمَ على سيّدِنا وحبيبِنا مُحمّدٍ وعلى ءالِهِ وصَحابـتِهِ الطّـيّبينَ الطّاهرينَ، وسلامٌ على الْمُرسَلِينَ وءاخِرُ دعْوانا أنِ الْـحَمدُ للهِ ربِّ الْعالمينَ.