بسم الله الرّحمن الرّحيم
وَبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ عَرَبًا وَعَجَمًا، وَأَزْكَاهُمْ مَحْتِدًا وَمَنْمًى، وَأَرْجَحِهِمْ عَقْلا وَحِلْمًا، وَأَوْفَرِهِمْ عِلْمًا وَفَهْمًا، وَأَقْوَاهُمْ يَقِينًا وَعَزْمًا، وَأَشَدِّهِمْ بِهِمْ رَأْفَةً وَرُحْمًا، زَكَّاهُ رُوحًا وَجِسْمًا، وَحَاشَاهُ عَيْبًا وَوَصْمًا، وَآتَاهُ حِكْمَةً وَحُكْمًا، وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَقُلُوبًا غُلْفًا وآذَانًا صُمًّا، فَآمَنَ بِهِ وَعَزَّرَهُ وَنَصَرَهُ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فِي مَغْنَمِ السَّعَادَةِ قَسْمًا، وَكَذَّبَ بِهِ وَصَدَفَ عَنْ آيَاتِهِ مَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقَاءَ حَتْمًا ﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، ﷺ صَلاةً تَنْمُو وَتُنْمَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا،
أما بعد:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى:
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَكَلَ أَوْ أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْمٍ
الشَّرحُ:
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَكَلَ أَوْ أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْمٍ أَيْ مَاذَا يُسَنُّ لِلشَّخصِ أَنْ يَقُولَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا عِندَ أُنَاسٍ، يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَدعُوَ لَهُمْ بِخَيرٍ، وَنَصُّ الدُّعَاءِ هُوَ مَا سَنَذكُرُهُ فِي هَذَا البَابِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الإِحسَانِ لِمَن أَحسَنَ لَكَ، وَهُنَا قَبلَ أَنْ أَشرَعَ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الأَذكَارِ وَأَشْرَحَهَا، أُبَيِّنُ أَنَّ الشَّرعَ الحَنِيفَ حَثَّنَا عَلَى مُكَافَأَةِ وَمُجَازَاةِ الإِحسَانِ بِالإِحسَانِ، فَإِذَا أَحسَنَ لَكَ أَخُوكَ المُؤمِنُ بِأَيِّ نَوعٍ مِنَ الإِحسَانِ فَجَازِهِ بِالإِحسَانِ إِحسَانًا كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [سورة الرحمن/ الآية 60]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة القصص/ الآية 77]، قِيلَ فِي تَفسِيرِهَا: ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أَيْ أَحْسِن بِطَاعَةِ اللَّهِ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ بِنِعْمَتِهِ، وَقِيلَ: أَحْسِنَ إِلَى النَّاسِ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، ﴿وَلا تَبْغِ﴾ ولا تطلب، ﴿الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ وكل مَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ طَلَبَ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقد قال بعض الشعراء:
| أَحْسِــنْ إِلَى النَّـاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلَوْبَهُمُ | فَطَالَمَــا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَــانَ إحْسَـانُ | |
| وَإِنْ أَسَـــــاءَ مُسِيْءٌ فَلْيَكُـــــنْ لَكَ | فِي عُرُوْضِ زَلَّتِهِ صَفْحٌ وَغُفْـرَانُ | |
| وَكُـنَّ عَلَى الدَّهْرِ مِعْوَانًا لِذِي أَمَلٍ | يَـــرْجُو نـــدَاكَ فَإِنَّ الحـرَّ مِعْوَانُ | |
| وَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِحَبْلِ الدِّيْنِ مُعْتَصِـمًا | فَإِنَّـــهُ الرُّكْنُ إِنْ خَانَتْكَ أَرْكَـــــانُ |
تَسْتَعْبِدْ قُلَوْبَهُمُ: أي تَملِكْ حُبَّهُم لَكَ
بعض صور الإحسان
وَلِلبِرِّ وَالإِحسَانِ ءَاثَارٌ عَظِيمَةٌ فَهُمَا مَكسَبَةٌ لِحُبِّ النَّاسِ وَوُدِّهِم، وَأَسهَلُ البِرِّ وَأَبسَطُهُ المُلَاطَفَةُ مَعَ النَّاسِ وَطِيبُ الكَلَامِ مَعَهُم. فَالإِحسَانُ إِلَى النَّاسِ هُوَ أَقصَرُ الطُّرُقِ إِلَى قُلُوبِهِم. فَلَا مَجلَبَةَ لِقُلُوبِ النَّاسِ كَالإِحسَانِ إِلَيهِم وَلَا مُنَفِّرَ لَهَا كَالإِسَاءَةِ إِلَيهِم.
وَإِنَّ كُلَّ صُوَرِ البِرِّ وَالإِحسَانِ إِلَى النَّاسِ مَدعَاةٌ لِحُسنِ التَّعَامُلِ بَينَهُم وَكَسبِ حُبِّهِم وَوُدِّهِم سَوَاءٌ كَانَ الإِحسَانُ فِي صُورَةِ تَقدِيمِ خِدمَةٍ أَو قَضَاءِ حَاجَةٍ أَو إِعطَاءِ صَدَقَةٍ أَو كَانَ فِي صُورَةِ تَوَاصُلٍ أَو تَرَاحُمٍ أَو تَعَاطُفٍ أَو مُلَاطَفَةٍ أَو مُدَارَاةٍ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
فَقُلُوبُ النَّاسِ تَتُوقُ إِلَى مَنْ يُحسِنُ إِلَيهِمْ وَتُحِبُّه لِأَنَّهَا مَجبُولَةٌ وَمَفطُورَةٌ عَلَى ذَلِكَ. كَمَا يَنبَغِي لِلمَرءِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ النَّاسِ أَنْ يَبَرَّ بِهِم وَيُحسِنَ إِلَيهِم وَأَنْ لَا يَمُنَّ عَلَيهِم إِحسَانَهُ، وأنْ لا يُكْثِرَ مِنَ اللَّوْمِ والعِتَابِ.
قال الشاعر:
| إذَا كُنْتَ في كُلِّ الأمُورِ مُعَاتِبًا | صَدِيقَـَكَ لمْ تَلْقَ الذي لا تُعَاتِبُهْ |
وَيَنبَغِي لَهُم بِدَورِهِم أَن لَا يَجحَدُوا ذَلِكَ الإِحسَانَ إِذَا قُدِّمَ لَهُم،
فَفِي كِتَابِ التَّرغِيبِ وَالتَّرهِيبِ لِلمُنذِرِيِّ: عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ رَضِي اللهُ عَنهُ قَالَ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((كُلُّ امرِئ في ظِلّ صَدقَتِه حتى يُقضَى بَينَ النّاس)) قَالَ يَزِيدُ: فَكَانَ أَبُو الخَيرِ مِرثدٌ لَا يُخطِئُهُ يَومٌ إِلَّا تَصَدَّقَ فِيهِ بِشَىءٍ وَلَو بِكَعكَةٍ أَو بِصِلَةٍ.
وَهَذَا الاحسان كَمَا قُلتُ أَمْرٌ حَثَّ عَلَيهِ الشَّرعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [سورة الرحمن/ الآية 60]. هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا تَوجِيهٌ وَضَبطٌ لِمَعنًى سَامٍ مِن مَعَانِي التَّعَامُلِ بَينَ البَشَرِ. اللهُ يُخْبِرُنَا أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ فَجَزَاؤُهُ الإِحْسَانُ.
وَأَوَّلُ الإِحْسَانِ بَينَ البَشَرِ وَأَعْظَمُهُ الإِحْسَانُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. تَأَمَّلْ مَاذَا فَعَلَ هَذَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِكَ، خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا، وَكَانَ يَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الجُوعِ، وَضُرِبَ فِي أُحُدٍ حَتَّى كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ وَجْهُهُ، وَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إِلَّا ثَبَاتًا.
وَكَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَتَقُولُ لَهُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «أَلَيْسَ اللهُ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟» فَيَقُولُ: ((أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مَعنَاهُ يَحصُلُ لَهُ انْتِفَاخٌ قَلِيلٌ بِالقَدَمَينِ يَزُولُ بِالمَشيِ، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى حَدِّ الإِيذَاءِ، لَا، بَلْ إِيذَاءُ النَّفسِ مُستَحِيلٌ أَنْ يَصدُرَ مِن نَبِيٍّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤذِيَ النَّبِيُّ نَفسَهُ، أَو أَنْ يَقُومَ لِدَرَجَةِ إِيذَاءِ النَّفسِ، لَا، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَيهِ بِالتَّالِي مَا هُوَ أَشَدُّ مِن ذَلِكَ كَمَا يَنسُبُ البَعضُ إِلَيهِ إِرَادَةَ الِانتِحَارِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
فالنبي صلى الله عليه وسلم الله أعطاه العصمة من الانتحار فلم يرد الانتحار جزما لأن هذا من الكبائر التي هو معصوم عنها قبل النّبوة وبعدها وهو معصوم من الهمّ على الانتحار كذلك.
وكذلك إن هذا ينافي العصمة، ثم إن الانتحار صفة ضعيف الشخصية ومن هو مصاب بخبل في عقله وتفكيره وهو عديم الحكمة ولا يليق كل هذا بمقام قائدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي عرف بالصدق والأمانة والذكاء والحكمة.
ثم كيف يريد الانتحار بزعمكم وعليه أمانة تبليغ الرسالة فهل على زعمكم شكّ في الله وفي الوحي الذي جاءه وقرر أن يكذب كلّ هذا بموته !!!!!
فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ لِيَصِلَ إِلَيْكَ هَذَا الدِّينُ سَلِيمًا. فَمَا جَزَاؤُنَا لَهُ؟ ﷺ.
إِنَّ جَزَاءَهُ أَنْ تَحْمِلَ هَذَا الدِّينَ وَتُعَلِّمَهُ النَّاسَ. قَالَ ﷺ: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ. آيَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ تَكُونَ عَالِمًا أَوْ خَطِيبًا، فَكُلُّ مَنْ عَلَّمَ جَاهِلًا أَوْ هَدَى ضَالًّا فَقَدْ أَحْسَنَ كَمَا أَمَرَ نَبِيُّنَا ﷺ. وَانْظُرْ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ كَانَ أَتْرَفَ شَبَابِ مَكَّةَ وَأَنْعَمَهُمْ، يَلْبَسُ أَحْسَنَ الثِّيَابِ وَيَتَطَيَّبُ بِأَغْلَى العُطُورِ. فَلَمَّا أَسْلَمَ وَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ مُعَلِّمًا، خَرَجَ وَحِيدًا وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَا تَرَكَ. وَذَهَبَ إِلَى مَدِينَةٍ لَا يَعْرِفُ فِيهَا أَحَدًا، فَمَا مَرَّتْ إِلَّا أَشْهُرٌ حَتَّى أَسْلَمَتِ المَدِينَةُ بِأَسْرِهَا تَقْرِيبًا عَلَى يَدَيْهِ. هَذَا هُوَ الإِحْسَانُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
ثُمَّ يَأْتِي الإِحْسَانُ إِلَى الوَالِدَيْنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة الإسراء/ الآية 23]، وَقَدْ سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ: «مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟» فَقَالَ: ((أُمُّكَ)). قَالَ: «ثُمَّ مَنْ؟» قَالَ: ((أُمُّكَ)). قَالَ: «ثُمَّ مَنْ؟» قَالَ: ((أُمُّكَ)). قَالَ: «ثُمَّ مَنْ؟» قَالَ: ((أَبُوكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. كَرَّرَهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الأُمَّ حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَأَرْضَعَتْ، وَكُلُّ مَرْحَلَةٍ مِنْهَا إِحْسَانٌ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي السُّورَةِ نَفْسِهَا: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [سورة الإسراء/ الآية 24] فَمِثلُ هَذَا الذُّلِّ لِلْوَالِدَيْنِ عِزٌّ، وَالتكبّر عَلَيْهِمَا ذُلٌّ.
وَتَعَلَّمَ رَجُلٌ هَذَا المَعْنَى حَقَّ التَّعَلُّمِ حِينَ كَانَ يَحْمِلُ أُمَّهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَيَطُوفُ بِهَا بَيْتَ اللهِ الحَرَامَ، ثُمَّ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «هَلْ أَدَّيْتُ حَقَّهَا؟» فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «لَا، وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ زَفَرَاتِ الطَّلْقِ». فَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الإِحْسَانَ إِلَى الوَالِدَيْنِ عَظِيمٌ، وَإِنَّمَا المَرْءُ يَجْتَهِدُ فِيهِ.
وَالإِحْسَانُ لَيْسَ مَحصُورًا فِي أَصْحَابِ القُرْبَى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا الحَدِيثُ مِنْ أَجْمَعِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا البَابِ، وَكَلِمَةُ ((كُلِّ شَيْءٍ)) تَشْمَلُ الغَرِيبَ وَالجَارَ وَالطِّفْلَ الَّذِي لَا تَعْرِفُهُ، بَلْ تَشْمَلُ البَهَائِمَ أَيْضًا. وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ اللهَ غَفَرَ لِامْرَأَةٍ كَانَتْ زَانِيَةً وَلَكِنَّهَا مُسْلِمَةٌ، فَلَمَّا رَأَتْ كَلْبًا يَلْهَثُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَلَتْ فِي بِئْرٍ وَمَلَأَتْ خُفَّهَا مَاءً وَسَقَتْهُ، فَغَفَرَ اللهُ لَهَا [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. فَإِذَا كَانَ الإِحْسَانُ إِلَى كَلْبٍ عَطِشَانَ يَغْفِرُ اللهُ بِهِ الذُّنُوبَ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَمْسَحُ دَمْعَةَ يَتِيمٍ وَيُطْعِمُهُ وَيُهَدِّئُهُ؟
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ. كُلُّ مَعْرُوفٍ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَالابْتِسَامَةُ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ. فَلَا تَحْتَقِرَنَّ مَعْرُوفًا وَإِنْ بَدَا صَغِيرًا فِي عَيْنَيْكَ، فَإِنَّكَ لَا تَعْلَمُ أَيَّ حَسَنَةٍ تَكُونُ سَبَبَ نَجَاتِكَ. وَهَذَا مَا حَثَّنَا اللهُ عَلَيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾. الإِحْسَانُ لَا يَضِيعُ، قَدْ يَتَأَخَّرُ رَدُّهُ، وَقَدْ يَأْتِيكَ مِنْ غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي تَنْتَظِرُهُ، لَكِنَّهُ لَا يَضِيعُ. وَاللهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الجَزَاءَ عَلَى العَمَلِ.
رَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِىُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ عِنْدَ أَبِيهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ أَخَذَ لَهُ بِالرِّكَابِ وَقاَلَ: ادْعُ اللَّهَ تَعَالَى لَنَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ وَارْزُقْهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ».
الشَّرحُ:
رَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِىُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ عِنْدَ أَبِيهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ أَخَذَ لَهُ بِالرِّكَابِ وَقاَلَ: ادْعُ اللهَ تَعَالَى لَنَا هُوَ يَطلُبُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَدعُوَ لَهُ وَمَا أَعظَمَهُ مِن طَلَبٍ، تَخَيَّلُوا مَعِي لَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَنَا وَأَنتَ مُقَابِلَهُ يَنظُرُ إِلَيكَ وَأُتِيحَت لَك فُرصَةٌ أَن تَطلُبَ مِنهُ شَيئًا ﷺ مَاذَا سَتَطلُبُ، مَاذَا سَتَطلُبُ مِن أَكرَمِ وَأَفضَلِ وَأَجوَدِ وَأَعظَمِ خَلقِ اللهِ ﷺ؟ هَذَا الصَّحَابِيُّ طَلَبَ الدُّعَاءَ وَلَم يَطلُبْ شَيئًا مَخصُوصًا بِعَينِهِ بَل طَلَبَ الدُّعَاءَ، لَوْ تَخَيَّلنَا هُنَا مَا هُوَ شُعُورُ هَذَا الصَّحَابِيُّ بَعدَ أَنْ سَمِعَ هَذَا الدُّعَاءَ مِنْ سَيِّدِ الخَلقِ ﷺ، هَنِيئًا لَهُ بِدَعوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأُبَشِّرُكُمْ بِأَمرٍ وَهُوَ إِنْ كُنَّا لَم نَلْتَقِ بِهِ عِيَانًا هَكَذَا فِي الدُّنيَا وَلَم نَلقَ مِنهُ مَا لَقِيَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم مِنَ الِاجتِمَاعِ بِهِ وَنَيلِ شَيءٍ مِن بَرَكَتِهِ وَدَعوَتِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَدعُو لَكُم يَدعُو لِأُمَّتِهِ بِالعُمُومِ وَبِالسَّائِرِينَ عَلَى نَهجِهِ عَلَى الخُصُوصِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَعرِفَتِهِ بِالفِتَنِ وَالبُعدِ عَنِ الدِّينِ الَّذِي سَيَصِلُ إِلَيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَقَد أَخبَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يُوجَدُ أُنَاسٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ سَيَبقُونَ ثَابِتِينَ عَلَى نَهْجِكَ يَا مُحَمَّدُ مَعَ شِدَّةِ الفِتَنِ وَالبَلَايَا، هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ اشْتَاقَ لَهُم عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُم فِي دُعَائِهِ فِي قِيَامِهِ لِلَّيلِ وَفِي سُجُودِهِ ﷺ، وَهَذَا يُعطِينَا دَافِعًا أَكبَرَ أَنْ نَثبُتَ عَلَى نَهجِهِ وَطَرِيقَتِهِ وَسُنَّتِهِ مَعَ اشْتِدَادِ الفِتَنِ وَالكُفرِ وَالضَّلَالِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، قَالَ المُفَسِّرُ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((وَدِدْتُ أَنَّا لَوْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا)) الْحَدِيثَ. فَجَعَلَنَا إِخْوَانَهُ، إِنِ اتَّقَيْنَا اللَّهَ وَاقْتَفَيْنَا آثَارَهُ. حَشَرَنَا اللَّهُ فِي زُمْرَتِهِ وَلَا حَادَ بِنَا عَن طَرِيقَتِهِ وَمِلَّتِهِ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ. وَطَلَبُ الدُّعَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ مِنْ بَابِ طَلَبِ اللُّطْفِ وَنَظَرِ الْمَرْحَمَةِ الشَّامِلَةِ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَبَ الدُّعَاءَ عِنْدَ رُكُوبِهِ لَا عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَكْلِهِ.
بركة دعاء النبي ﷺ
فَقَالَ: ((اللهم بَارِكْ لَهُمْ وَالبَرَكَةُ هِيَ الخَيرُ، فَدُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ بِالبَرَكَةِ يَشمَلُ البَرَكَةَ فِي العُمُرِ وَالبَرَكَةُ فِي المَالِ وَالبَرَكَةَ فِي الوَلَدِ، وَعَلَامَةُ الْبَرَكَةِ الْقَنَاعَةُ وَتَوْفِيقُ الطَّاعَةِ، وَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَرَكَةِ فَصَارَت ظَاهِرَةً فِي عُمُرِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ مِثلُ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ خَادِمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَفِي مُسلِمٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَ: ((قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ)) فِي غَيْرِ وَقْتِ فَرِيضَةٍ. فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ. ثُمَّ دَعَا لَنَا، أَهْلَ الْبَيْتِ، بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللّهِ خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللهَ لَهُ. قَالَ فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ)). قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْو الْمِائَةِ الْيَوْمَ. قَالَ بعض التابعين: خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِيْنَ، وَدَعَا لَهُ، وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيْهَ رَيْحَانٌ يَجِيْءُ مِنْهُ رِيحُ المِسْكِ. وَفِي البُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ: فَإِنِّي لَمِنْ أكثَرِ الأَنصَارِ مَالًا. وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسٍ أَنَّه دَفَنَ مِن أَولَادِهِ قَبلَ مَقدَمِ الحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ مِائَةً وَعِشرِينَ.
قَالَ أَنسٌ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ: مَا شَمِمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ وَلاَ مِسْكًا وَلاَ شَيْئًا أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللّهِ. وَلاَ مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ دِيبَاجًا وَلاَ حَرِيرًا أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللّهِ. قَالَ ثَابِتٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ: أَلَسْتَ كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَأَنَّكَ تَسْمَعُ إِلَى نَغَمَتِهِ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَقُولَ: يَا رَسُولَ اللهِ، خُوَيْدِمُكَ قَالَ: “خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَا غُلَامٌ لَيْسَ كُلُّ أَمْرِي كَمَا يَشْتَهِي صَاحِبِي أَنْ يَكُونَن مَا قَالَ لِي فِيهَا: أُفٍّ، وَمَا قَالَ لِي: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا، أَوْ أَلَا فَعَلْتَ هَذَا”.اهـ
وَمِمَّنْ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِي مَالِهِ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ بِبَرَكَةِ دَعوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَدَعَا ﷺ لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِالبَرَكَةِ، قَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ: “فَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوتُ أَنْ أُصِيبَ تَحتَهُ ذَهَبًا” – قَالَ ذَلِكَ لِمَا اسْتَقَرَّ لَدَيهِ مِنْ تَيسِيرِ اللهِ لَهُ وَإِفَاضَةِ الخَيرِ فِي أَيِّ شَيءٍ يُحَاوِلُهُ أَو يُنَاوِلُهُ، بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ -، وَفَتَحَ اللهُ عَلَيهِ وَمَاتَ فَأُحْضِرَ الذَّهَبُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِالفُؤُوسِ حَتَّى تَعِبَتْ فِيهِ الأَيدِي مِن كَثرَةِ العَمَلِ وَأَخَذَتْ كُلُّ زَوجَةٍ مِنْ أَزوَاجِهِ ثَمَانِينَ أَلفًا، وَكُنَّ أَربَعًا وَأَوصَى بِخَمسِينَ أَلفًا. رَوَاهُ البَيهَقِيُّ.
وَارْزُقْهُمْ وَالمُرَادُ مِنْ رِزقِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَهَذَا أَعَمُّ فِي دُعَائِهِ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا أَذكَارًا كَثِيرَةً لِزِيَادَةِ الرِّزقِ أَذكُرُ مِنهَا: قِرَاءَةَ سُورَةِ “الوَاقِعَةِ” كُلَّ لَيلَةٍ وَقْتَ المَغرِبِ. وَكَذَلِكَ كَثرَةُ الِاستِغفَارِ صَبَاحًا وَمَسَاءً يَقُولُ: (أَستَغفِرُ اللهَ) أَو (رَبِّ اغْفِرْ لِي). ثَلَاثَمِائَةِ مَرَّةٍ أَو أَكثَرَ صَبَاحًا وَمَسَاءً. الإِكثَارُ فِي كُلِّ يَومٍ مِنْ قَولِ (سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ). الإِكثَارُ مِنْ قَولِ (اللهُ اللهُ رَبِّي لَا أُشرِكُ بِهِ شَيئًا). (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ. مَائَةَ مَرَّةٍ).
وَاغْفِرْ لَهُمْ أَيْ: ذُنُوبَهُمْ. وَمَغفِرَةُ اللهِ شَامِلَةٌ المُؤمِنِينَ فِي الآخِرَةِ، فَلَا تَنسَوا هَذَا بِأَنْ تَلجَؤُوا إِلَى اللهِ فَإِنَّهُ يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، مَهمَا بَلَغَتِ الذُّنُوبُ إِلَّا الإِشرَاكَ بِاللهِ ، فَمَا دَامَ الوَاحِدُ مِنَّا ثَبَتَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَاتَ عَلَيهِ فَإِنَّهُ مُجَوَّزٌ غُفْرَانُ ذُنُوبِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ وَبَرَكَةِ كَلِمَةِ التَّوحِيدِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَالبَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاص سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: ((إِنَّ الله سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍ مِثْلُ مَدّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحافِظُونَ؟ فيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لاَ ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ يَا ربِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَع هَذِهِ السِّجِلاَّتُ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ. قالَ: فَتُوْضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالِبطَاقَةُ في كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلاَّتُ وَثَقُلَت البِطَاقَةُ، ولا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله شَيْءٌ)).وَالمَعنَى: لَا يُقَاوِمُهُ شَيءٌ مِنَ المَعَاصِي؛ بَلْ يَتَرَجَّحُ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ المَعَاصِي. وَدَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ السِّجِلَّ الَّذِي كُتِبَتْ فِيهِ الأَعمَالُ يُوزَنُ، وَمَا وَرَدَ فِي هَذَا الحَدِيثِ لَيسَ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حَادِثَةُ عَينٍ، لِشَخصٍ وَاحِدٍ يُكْرِمُهُ اللهُ بِرَحمَتِهِ، فَلَا يَنبَغِي أَنْ يَتَّكِلَ الإِنسَانُ عَلَى إِسلَامِهِ وَيَتَمَادَى فِي فِعلِ المَعَاصِي، وَإِنْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ أُخرَى بِالتَّكفِيرِ بِالتَّوحِيدِ عَلَى سَبِيلِ العُمُومِ، لَكِنْ قَدْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ أُخرَى أَيضًا بِأَنَّ بَعضَ عُصَاةِ المُوَحِّدِينَ يَدخُلُونَ النَّارَ حَتَّى يُطَهَّرُوا مِنْ مَعَاصِيهِم ثُمَّ يَخرُجُونَ مِنهَا إِلَى الجَنَّةِ.
وَارْحَمْهُمْ)) بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ. وَرَحمَةُ اللهِ تَعَالَى وَاسِعَةٌ، وَالرَّحَمَاتُ مِنهَا مَا هُوَ خَاصٌ وَمِنهَا مَا هُوَ عَامٌ، فَمِنَ الرَّحَمَاتِ مَا هُوَ خَاصٌّ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلمُؤمِنِينَ، كَالرَّحمَةِ الَّتِي تَنزِلُ عَلَى المُصَلِّي فِي أَثنَاءِ صَلَاتِهِ، فَقَد روى أحمد وأبو داود عَن حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: ((كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمرٌ صَلَّى)).اهـ وَفِي رِوَايَةٍ عند الطبراني: ((فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ)). وَهُوَ ﷺ الَّذِي حَثَّ عَلَيهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَاتِ وَالرَّحَمَاتِ، فَقَد روى أحمد وأبو داود عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالٍ: ((أَرِحنَا بِهَا يَا بِلَالُ)).اهـ وَمِنَ الرَّحَمَاتِ مَا هُوَ عَامٌّ يَعُمُّ المُؤمِنَ وَالكَافِرَ فِي الدُّنيَا، كَبَعضِ المَطَرِ يَنزِلُ فَيُصِيبُ المُؤمِنَ وَالكَافِرَ، فَلَيسَ المَطَرُ خَاصًّا بِالمُؤمِنِينَ فَقَط، فَشَربَةُ المَاءِ البَارِدِ رَحمَةٌ لِلكَافِرِ فِي الدُّنيَا. وَقَد روى الترمذي في سننه عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَو كَانَتِ الدُّنيَا تَعدِلُ عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنهَا شَربَةَ مَاءٍ)).اهـ
وفي رواية مسلم عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً فَأَكَلَ مِنْهَا – قَالَ النَّوَوِيُّ: الْوَطْبَةُ وَهُوَ الْحَيْسُ بِجَمْعِ التَّمْرِ الْبَرْنِي وَالْأَقِطِ الْمَدْقُوقِ وَالسَّمْنِ -، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ، فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: فَقَالَ أَبِي، وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ اللهَ لَنَا، فَقَالَ: ((اللهم بَارِكْ لَهُمْ فِي مَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ))، وفي رواية قال عبد اللَّه: فما زلت أتعرّف بركة تلك الدعوة.اهـ
وَهَذَا فِيهِ إِجَابَةُ دَعوَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَورًا، فَالنَّبِيُّ ﷺ مُجَابُ الدَّعوَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ: “مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ”، قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَيْ مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا مُوجِدًا لِمَا تُرِيدُ بِلَا تَأْخِيرٍ، مُنْزِلًا لِمَا تُحِبُّ وَتَخْتَارُ.اهـ
وَقَد لَا يَدعُو نَبِيُّنَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَمرٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَدعُوَ فَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلتَعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ مَنْ أَرسَلَهُ رَسُولُنَا ﷺ إِلَى المُقَوقِسِ مَلِكِ القِبطِ فِي مِصرَ فقَالَ لَهُ المُقَوقِسُ: إِنِّي سَأُكَلِّمُكَ بِكَلَامٍ وَأُحِبُّ أَنْ تَفْهَمَهُ مِنِّي قَالَ: قُلْتُ: هَلُمَّ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَاحِبِكَ أَلَيْسَ هُوَ نَبِيٌّ، قُلْتُ: بَلَى هُوَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: فَمَا لَهُ حَيْثُ كَانَ هَكَذَا لَمْ يَدْعُ عَلَى قَوْمِهِ حَيْثُ أَخْرَجُوهُ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى غَيْرِهَا، قَالَ: فَقُلتُ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، فَمَا لَهُ حَيْثُ أَخَذَهُ قَوْمُهُ فَأَرَادُوا أَنْ يَغْلِبُوهُ أَي يَقتُلُوهُ أَلَّا يَكُونَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُهْلِكَهُمُ اللهُ عز وجل حَتَّى رَفَعَهُ اللهُ الى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: أَنْتَ حَكِيمٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ هَذِهِ هَدَايَا أَبْعَثُ بِهَا مَعَكَ إِلَى مُحَمَّدٍ قَالَ: فَأَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ جَوَارٍ مِنْهُنَّ أُمُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَوَاحِدَةٌ وَهَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيِّ وَوَاحِدَةٌ وَهَبَهَا لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ.اهـ
مشيئة الله تعالى لا تتبدل ولا تتغير
وَلَكِنْ لِيُعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَلَوْ دَعَا دَاعٍ أَوْ تَصَدَّقَ مُتَصَدِّقٌ، وَيَدُلُّ على ذَلِكَ مَا وَرَدَ في صَّحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ: ((سَأَلتُ رَبِّي لأُمَّتِي ثَلاثًا فَأَعطَاني ثِنتَينِ وَمَنَعَني وَاحِدَةً، سَأَلتُهُ أَن لَا يُهلِكَ أُمَّتي بِالسَّنَةِ (أَيِ المَجَاعَةِ) العَامَّةِ فَأَعطَانِيهَا، وَسألتُهُ أَن لَا يُسَلِّطَ عَلَيهِم عَدُوًّا مِن غَيرِهِم فَيَستَأصِلَهُم فَأَعطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ أَن لَا يَجعَلَ بأسَهُم بَينَهُم فَمَنَعِيها، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي إِذَا قَضَيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ)).اهـ وَقَد دَلَّ القُرآنُ أَيضًا عَلَى مِثلِ هَذَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لَن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [سورة التوبة/ الآية 51]، وَقَولِهِ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُم إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [سورة الحديد/ الآية 22]، وَقَولِهِ: ﴿قُل لَو كُنتُم فِي بُيُوتِكُم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ القَتلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم﴾ [سورة آل عمران/ الآية 154]، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ الكَثِيرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ. فَمَا يَقَعُ وَمَا يَحصُلُ فِي الكَونِ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، مُسَطَّرٌ مَكتُوبٌ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ مَتَى يَمُوتُ فُلَانٌ وَكَم يعِيشُ فُلَانٌ، هَل يَكُونُ سَعِيدًا أَم شَقِيًّا، مُؤمِنًا أَو كَافِرًا، طَائِعًا أَو فَاجِرًا، مُوَسَّعًا عَلَيهِ فِي رِزقِهِ أَو مُقَتَّرًا عَلَيهِ فِيهِ.
فقد صح عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنتُ خَلفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومًا، فَقَالَ: ((يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِن بِاللهِ، وَاعلَم أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمَعَت عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَم يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَو اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقلَامُ وَجَفَّت الصُّحُفُ))، قَالَ التِّرمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَقَولُهُ ﷺ: ((رُفِعَتِ الأَقلَامُ وَجَفَّت الصُّحُفُ)) مَعَ مَا قَبلَهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ يَدُلُّ بِأَبلَغِ عِبَارَةٍ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، فَمَا أَرَادَ اللهُ حُصُولَهُ فِي الأَزَلِ سَوفَ يَكُونُ لَا مَحَالَةَ، وَمَا لَم يُرِد حُصُولَهُ لَن يَكُونَ. وَلَو أَنَّ جَمِيعَ البَشَرِ وَجَمِيعَ الجِنِّ اجتَمَعُوا وَعَاوَنُوا بَعضُهُم بَعضًا لِيَنفَعُوكَ أَو يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ مِن خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ فَلَن يَستَطِيعُوا أَن يَضُرُّوكَ أَو يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، أَي شَاءَ اللهُ تَعَالَى وُصُولَهُ إِلَيكَ وَقَدَّرَ اللهُ سُبحَانَهُ فِي الأَزَلِ أَن يَصِلَكَ مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ، فَإِن لَم يُرِدِ اللهُ وَلَم يَشَإِ اللهُ ذَلِكَ لَا يَستَطِيعُ أَحَدٌ أَن يُوصِلَ هَذَا النَّفعِ أَوِ الضَّرَرَ إِلَيكَ، لِأَنَّهُم أَسبَابٌ وَاللهُ هُوَ النَّافِعُ وَالمُعطِي وَالضَّارُّ وَالمَانِعُ عَلَى الحَقِيقَةِ.
قال النووي في شرحه لمسلم: وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ طَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَ الْفَاضِلِ وَدُعَاءِ الضَّيْفِ بِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَقَدْ جَمَعَ ﷺ فِي هَذَا الدُّعَاءِ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى النَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالطَّبَرَانِىُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتٍ قَالَ لَهُمْ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَغَشِيَتْكُمُ الرَّحْمَةُ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ»
الشَّرحُ:
وَرَوَى النَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالطَّبَرَانِىُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتٍ قَالَ لَهُمْ وَالدُّعَاءُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ مِنْ بَابِ المُكَافَأَةِ بِحُسنِ الصَّنِيعِ، وَهُوَ الَّذِي يُعَلِّمُنَا دَائِمًا أَنْ نُكَافِئَ المُحْسِنَ بِالإِحسَانِ، وَرَدَ فِي الحَدِيثِ عند الترمذي: ((مَنْ صُنِعَ إِلَيهِ مَعرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيرًا فَقَدْ أَبلَغَ فِي الثَّناء)). وَمَا أَعظَمَ وَفَضلَ انْتِشَارِ وَكَثرَةِ المَعرُوفِ بَينَ المُسلِمِينَ وَالتَّسَابُقِ لِهَذَا الأَمرِ، فَأَهلُ المَعرُوفِ فِي الدُّنيَا هُم أَهلُ المَعرُوفِ فِي الآخِرَةِ غَالِبًا، وَاسْمَعُوا إِلَى فَضْلِ كُلِّ هَذَا، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اطْلُبُوا المَعْرُوفَ منْ رُحَماءِ أُمَّتِي تَعِيشُوا فِي أكْنافِهِمْ وَلَا تَطْلُبُوه منَ الْقاسِيَةِ قُلوبُهُمْ فإِنّ اللّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، يَا عَلِيُّ إنّ اللهَ تَعالى خلَقَ المَعْرُوفَ وَخَلَقَ لَهُ أهْلًا فَحَبَّبَهُ إلَيْهِمْ وَحَبَّبَ إلَيْهِمْ فِعالَه وَوَجّهَ إِلَيْهِمْ طُلَّابَهُ كَمَا وَجَّهَ الماءَ فِي الأَرْضِ الجَدْبَةِ لِتَحْيا بِهِ ويَحْيا بهِ أهْلُها إنَّ أهْلَ المَعروفِ فِي الدُّنْيا هُمْ أهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ)). رَوَاهُ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نقلهُ السّيوطيُّ في الجامع الصّغير وحكم عَنْهُ بأنَّهُ صحيحٌ.
:((أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ المُرَادُ مِنهُ الدُّعَاءُ لِصَاحِبِ المَنزِلِ بِطَلَبِ كِتَابَةِ مِثلِ أَجرِ مَنْ أَفطَرَ عِندَهُ الصَّائِمُونَ الوَارِدِ فِيهِ الأَحَادِيثُ كَحَدِيثِ: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثلُ أَجرِه)) رواه الطبراني والنسائي. فَالجُملَةُ خَبَرِيَّةٌ مَبنًى دُعَائِيَّةٌ مَعنًى وَكَذَا مَا بَعدَهَا مِنَ الجُملَتَينِ، وَالمَعنَى لَفظُهَا خَبَرِيٌّ أَيْ أَنَّهُ يُخبِرُ أَنَّهُ أَفطَرَ عِندَكُمُ الصَّائِمُونَ وَالمُرَادُ الدُّعَاءُ لَهُمْ بِأَنْ يُفطِرَ عِندَكُمُ الصَّائِمُونَ وَتَنَالُونَ هَذِهِ البَرَكَاتِ وَالخَيرَاتِ وَالأُجُورَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي تَفطِيرِ الصُّوَّامِ، وَمِثلُ هَذَا كَقَولِنَا: صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَالمُرَادُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ فَهَذِهِ جُملَةٌ خَبَرِيَّةٌ وَيُرَادُ مِنهَا الدُّعَاءُ بِأَنْ يُصَلِّيَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَيْ بِأَنْ يَزِيدَ مُحَمَّدًا تَشرِيفًا وَتَعظِيمًا.
وَغَشِيَتْكُمُ الرَّحْمَةُ الْغِشَاءُ الْغِطَاءُ وَغَشِيَتْهُ غِشْيَانًا نَزَلَتْ عَلَيْكُمْ وَغَطَّتْكُمْ .
معنى قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾
وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ)) وَفِي رِوَايَةٍ: وَصَلَّتْ عَلَيكُمُ المَلَائِكَةُ، أَيْ دَعَتْ لَكُمْ بِالرَّحمَةِ وَالبَرَكَةِ، ((وَتَنَزَّلَتْ)) هَذَا يُقَالُ لَهُ تَأْنِيثُ اللَّفْظِ وَلَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقيًّا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 10]، فَيَجِبُ عَلَينَا أَنْ نُؤمِنَ جَازِمِينَ بِوُجُودِ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عَلَيهِم سَلَامُ اللهِ، وهم عِبَادٌ للهِ مُكرَمُونَ خَلَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِن نُورٍ، لَيسُوا ذُكُورًا وَلَيسُوا إِنَاثًا، لَا يَأكُلُونَ وَلَا يَشرَبُونَ وَلَا يَنَامُونَ، وَلَا أَحَدَ يَعلَمُ عَدَدَهُم إِلَّا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ: ((أَن تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ)).اهـ والملائكة هم المعنيون بقوله تعالى: ﴿فَالمُدَبِّرَاتِ أَمرًا﴾ [سورة النازعات/ الآية 5] وقوله تعالى: ﴿فَالمُقَسِّمَاتِ أَمرًا﴾ [سورة الذاريات/ الآية 4]، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرقًا﴾ [سورة النازعات/ الآية 1]. وَمِنهُم مَلَكُ المَوتِ: قال تعالى: ﴿قُل يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ المَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم﴾ [سورة السجدة/ الآية 11]، وَاسمُهُ عَزرَائِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ. قَالَ ابنُ حَجَرٍ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا وَلَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ.اهـ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ اسْمَ مَلَكِ الْمَوْتِ عَزْرَائِيلُ. وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى في وصفهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم/ الآية 6]، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ فَمَعْنَى غِلاظٌ أَنَّهُمْ لا يَرْحَمُونَ الْكَافِرَ، وَمَعْنَى شِدَادٌ أَيْ أَقْوِيَاءُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلائِكَةَ مَجْبُولُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ أَيْ لا يَخْتَارُونَ إِلَّا الطَّاعَةَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقُومُ بِمَا أُمِرَ بِهِ بِلا تَقْصِيرٍ، فَالْمَلائِكَةُ لَهُمْ وَظَائِفُ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِالْمَطَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِالنَّبَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِالرِّيحِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِالْجِبَالِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَظَائِفِ. والملائكة سكان السماوات وهم أهل السماء، وهذا معنى ما ورد في الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمٰنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ))، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عند أحمد والحاكم: ((يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ)) فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُفَسِّرُ الرِّوَايَةَ الأُولَى لِأَنَّ خَيْرَ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ بِالْوَارِدِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ:
وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ.
ثُمَّ الْمُرَادُ بِأَهْلِ السَّمَاءِ الْمَلائِكَةُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي أَمَالِيِّهِ عَقِيبَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَنَصُّ عِبَارَتِهِ: وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ((أَهْلُ السَّمَاءِ)) عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك/ الآية 16] الْمَلائِكَةُ. اهـ، لِأَنَّهُ لا يُقَالُ لِلَّهِ “أَهْلُ السَّمَاءِ”. وَ”مَنْ” تَصْلُحُ لِلْمُفَرَدِ وَلِلْجَمْعِ، وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَهِيَ: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [سورة الملك/ الآية 17] فَـ “مَنْ” فِي هَذِهِ الآيَةِ أَيْضًا أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَى الْكُفَّارِ الْمَلائِكَةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحِلَّ عَلَيْهِمْ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِتَسْلِيطِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ وَهُمْ يَجُرُّونَ عُنُقًا مِنْ جَهَنَّمَ إِلَى الْمَوْقِفِ لِيَرْتَاعَ الْكُفَّارُ بِرُؤْيَتِهِ.
وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي أَمَالِيِّهِ هَكَذَا لَفْظُهَا: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحِيمُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ)). لَوْ كَانَ اللَّهُ سَاكِنَ السَّمَاءِ كَمَا يَزْعُمُ الْبَعْضُ لَكَانَ اللَّهُ يُزَاحِمُ الْمَلائِكَةَ وَهَذَا مُحَالٌ، فَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ أَنَّهُ: ((أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ)) رَوَاهُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ.
وَالمَلَائِكَةُ قَدْ يَزُورُونَ بَعضَ الأَولِيَاءِ الصَّالِحِينَ، وَعِمْرَانُ بنُ الْحُصَيْنِ وهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الصَّحَابَةِ، الْمَلائِكَةُ كَانُوا يَزُورُونَهُ ثُمَّ ذَاتَ مَرَّةٍ اسْتَعْمَلَ الْكَيَّ مِنْ أَجْلِ الْبَوَاسِيرِ، وَالتَّدَاوِي بِالْكَيِّ مَكْرُوهٌ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَانْقَطَعَتْ عَنْهُ الْمَلائِكَةُ ثُمَّ بَعْدَ بُرْهَةٍ عَادُوا لِزِيَارَتِهِ.
والله تعالى أعلم وأحكم