سر الرزق وصلة الرحم: دعاء بعزم يفتح أبواب البركة

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله المُتَفَضِّلِ على خَلْقِهِ بلَطيفِ صُنْعِهِ، البَرِّ بعبادهِ، المُتَكَرِّمِ عليهمْ بفَضْلِهِ، مَوْئلِ المؤمِنْين ومَوْلاهُمْ، ومَلَاذِ الآيِبْينَ به ومَلْجئِهم، الذي أمرَ بالدُّعاءِ، وجَعَلَهُ وَسِيلَةَ الرجَاءِ، فَكُلُّ مَنْ خَلَقَهُ يَفزَعُ في حاجتِهِ إليهِ، وَيتوكل عندَ الحوادِثِ والكَوارثِ عليه، سبحانَهُ مِنْ لطيفٍ لم تَخْفَ عليهِ مُضْمَرَاتُ القُلوبِ، ولم تَسْتَتر دوْنَهُ الغيوبِ، أحْمَده حَمْدَ الشاكرينَ، وأُوْمِنُ بهِ إيمانَ العارِفِينَ، وَأسألهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلى نَبِيهِ مُحَمدٍ، شَاهِدِ الصدْقِ لِدِينِ الحَق، دَلِيْلِ العِبادِ إلى سَبيلِ الرشادِ، وعَلى آلهِ الطيبينَ وأصحابِهِ المنتَخَبينَ وأنْ يُسَلِّمَ عَلَيْه وعَليهِمْ تَسْلِيمًا، أمّا بَعْدُ:

وصلنا في كتاب حلية البشر إلى:

بَابُ اسْتِحْبَابِ عَزِيمَةِ الْمَسْأَلَةِ لِلدَّاعِى إِذَا دَعَا

رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِى إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لا مُكْرِهَ لَه». أَىْ لا يُكْرِهُ اللَّهَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

بَابُ اسْتِحْبَابِ عَزِيمَةِ الْمَسْأَلَةِ لِلدَّاعِى إِذَا دَعَا: معنى عزيمة المسألة أن يَطْلُبَ من الله ما يريد في دعائه جَازِمًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، فلا يقلْ مثلا: إن شئت. ونحو ذلك من الألفاظ. قال ابن حجر: الْمُرَادُ بِالْمَسْأَلَةِ الدُّعَاءُ. وهذه الأحاديث التي سنشرحها فيها الحث على الدعاء والتوجّه إلى الله بالدعاء والإكثار منه.

رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أي حين يتوجه إلى الله بالدعاء اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ قِيلَ: مَنَعَ عَنْ قَوْلِهِ: إِنْ شِئْتَ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْقَبُولِ، وَاللَّهُ تَعَالَى كَرِيمٌ لَا بُخْلَ عِنْدَهُ، فَلْيَسْتَيْقِنْ بِالْقَوْلِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِى إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لا مُكْرِهَ لَهُ». أَيْ لا يُكْرِهُ اللَّهَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ. وفي رواية في البخاري: «فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ»، وَهُمَا بِمَعْنًى، قال ابن حجر: وَالْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ الذي إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ يَتَأَتَّى إِكْرَاهُهُ عَلَى الشَّيْءِ، فَيُخَفِّفُ الْأَمْرَ عَلَيْهِ، وَيَعْلَمُ بِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ إِلَّا بِرِضَاهُ، وَأَمَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلتَّعْلِيقِ فَائِدَةٌ، من هذه الحيثية.

وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ: فَإِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ: «فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ». وَحَمَلَ النَّوَوِيُّ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَهُوَ أَوْلَى.

 قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلدَّاعِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ، وَيَكُونَ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَابَةِ، وَلَا يَقْنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ فَإِنَّهُ يَدْعُو كَرِيمًا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا الدُّعَاءَ مَا يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ – يَعْنِي مِنَ التَّقْصِيرِ –.

وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيُلِحَّ، وَلَا يَقُلْ: إِنْ شِئْتَ كَالْمُسْتثْنِي وَلَكِنْ دُعَاءُ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ.اهـ

من هذا الحديث الشريف نعلم أمورًا:

الأمر الأول: أن الله لا يجب عليه شيء، مذهب أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الأصلح للعبد ليس بواجبٍ على الله تعالى، فالله تبارك وتعالى يفعل في ملكه ما يشاء فلا يجب عليه شىء، وهو سبحانه الذي أعان الكافر على كفره والطائع على طاعته بمعنى أنه خلق الكفر في الأول وأقدره عليه، وخلق الطاعة في الثاني وأقدره عليها. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة. وذهب جمهور المعتزلة  إلى أنه يجب على الله فعل الأصلح لعباده، وذهب بعضهم إلى وجوب رعاية المصلحة لا وجوب الأصلح وكلا المذهبين كفر، لأن القول بإيجاب شىء على الله يُنافي وصفه بالربوبية، وإنما يتصور الإيجاب على من له ءامر وناه، والله لا ءامر له ولا ناه، بل هو الآمر الناهي سبحانه، (لَا ‌يُسۡـَٔلُ ‌عَمَّا ‌يَفۡعَلُ ‌وَهُمۡ ‌يُسۡـَٔلُونَ) [سورة الأنبياء/ الآية 23]، ولو كان يجب على الله أن يفعل الأصلح لعباده لخلقنا في الجنة، ولو كان يجب على الله فعل الأصلح لما خلق في بعض عباده الكفر والمعصية لأنها ليست الأصلح لهم، وقد دلّت ءايات كثيرة على أن الله هو خالق أفعال العباد خيرًا كانت أو شرًّا.

قال بعض الحنفية: وإنما قلنا إن الوجوب عليه ينافي الألوهية لأن الوجوب عليه حكم من الأحكام، ولا يثبت الحكم بدون الحاكم، ولا حاكم عليه تعالى، فلا وجوب عليه أيضًا، ولأن القول بوجوب الأصلح عليه يوجب إبطال منته على عباده في الهداية لهم في الصحة والرزق لأنّ من أدّى حقًّا واجبًا عليه لا منّة له على المؤدّى عليه وهو باطل لقوله تعالى: (لَقَدۡ ‌مَنَّ ‌ٱللَّهُ ‌عَلَى ‌ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ) [سورة آل عمران/ الآية 164]، وقوله: (يَمُنُّونَ ‌عَلَيۡكَ ‌أَنۡ ‌أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ) [سورة الحجرات/ الآية 17]، والله تبارك وتعالى يثيب الطائع فضلًا منه ويعاقب العاصي عدلًا منه من غير أن يجب عليه شىء، والمعتزلة قالت بهذه المقالة الشنيعة لاعتقادهم أنّ الله لو لم يكن واجبًا عليه مراعاة الأصلح لكان ظالـمًا، وهذا مردود لأن الله تبارك وتعالى قال: (وَمَا ‌رَبُّكَ ‌بِظَلَّٰمٖ ‌لِّلۡعَبِيدِ) [سورة فصلت/ الآية 46]، ولأن الظلم هو التصرّف في ملك الغير بما لا يرضاه، ويقال مخالفة أمر ونهي من له الأمر والنهي، والله تبارك وتعالى يتصرّف في ملكه كما يريد ولا ءامر ولا ناهي له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ»

وقد ناظر إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه الجبائي شيخ المعتزلة في مسألة أنَّ الله تعالى لا يجب عليه فعل الأصلح لعباده، وكسره بكلماتٍ قليلةٍ حيث قال الأشعري: “ماذا تقول في ثلاثة: كافر، ومؤمن، وصبي”. فقال الجبائي: “الكافر في النار، والمؤمن في الجنة، والصبي في الجنة”. فقال الأشعري: “منزلة الصبي تكون كمنزلة المؤمن”؟ قال الجبائي: “لا، فالمؤمن استحقّ منزلة أعلى بأعماله”. فقال الأشعري: “فيقول الصبي: يا ربّ لِمَ لَمْ تحيني حتى أعمل مثلما عمل فأكون في منزلته”. فرد عليه الجبائي: “يقال للصبي لأنّ الله علم أنك لو بلغت لكفرت بعد ذلك ففعل ما هو الأصلح لك، فأماتك قبل البلوغ”. فقال الأشعري: “فيقول الكافر: يا ربّ فَلِمَ لَمْ تراعِ مصلحتي كما راعيت مصلحته”!!! فخرس الجبائي وانقطع.

الأمر الثاني: ويستحيل الظلم على الله عز وجل: شرعًا وعقلًا، أمّا شرعًا فلقوله تعالى: (إِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌لَا ‌يَظۡلِمُ ‌مِثۡقَالَ ‌ذَرَّةٖۖ) [سورة النساء/ الآية 40]، وقوله تعالى: (وَمَا ‌رَبُّكَ ‌بِظَلَّٰمٖ ‌لِّلۡعَبِيدِ) [سورة فصلت/ الآية 46]، وقوله تعالى: (إِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌لَا ‌يَظۡلِمُ ‌ٱلنَّاسَ ‌شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ) [سورة يونس/ الآية 44]، فيمدح سبحانه وتعالى بنفي الظلم عنه، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِيْ».

وأما عقلًا فلأنّ الظلم إنّما صار ظلمًا لأنّه منهيٌّ عنه، ولا يتصور في أفعاله تعالى ما ينهى عنه، إذ لا يتصور له ناه، ولأنّ العالم خلقه وملكه، والمتصرف في ملكه يستحيل وصفه بالظلم، وأيضًا فلا يتصور إلا على من يتصور في حقه الجهل، لأنّه وضع الشىء في غير موضعه، وأما من أحاط علمه بالأشياء ومواقعها فلا، والمخالف في هذه المسألة القدرية، قالوا: إن القديم يصح منه الظلم لكن لا يظلم لكونه قبيحًا. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

الأمر الثالث: وهذا الحديث فيه حثّ على الدعاء والعزم فيه بكل ثقة وإخلاص، وصدق نية وعزيمة صادقة، وقد كثر في هذه الأيام البلاء بأنواعه وألوانه، أقصد البلاء العام والبلاء الخاص الذي ينزل على المسلمين، فها هم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ولا سيما في أرض فلسطين وفي غزة يذبحون على أيدي اليهود المعتدين، وها هي الأمم تكالبت على أمة محمد ﷺ كتكالب الأكلة على قصعتها، وها نحن صرنا إلى زمان غربة الإسلام فقد كثر في هذا الزمان حصول ما أخبر به النبي ﷺ، فما أحوجنا للالتجاء إلى الله تعالى اقتداء بنبينا محمد ﷺ وبمن سار على منهاجه المبارك، فقد كان الصالحون من هذه الأمة من سلفنا الصالح إذا اشتدت عليهم الأحوال وضاقت عليهم الأزمان يلجأون إلى الدعاء ويستغيثون بالله لرفع هذا البلاء، امتثالا لقوله عز وجل: (أَمَّن ‌يُجِيبُ ‌ٱلۡمُضۡطَرَّ ‌إِذَا ‌دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ) [سورة النمل/ الآية 62]، فهو سبحانه القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، قادر أن يغيّر الحال إلى أحسن الأحوال وأن ينصر المسلمين ويرفع عنهم البلاء ويمكّن لهم في الأرض، قال تعالى: (قُلۡ مَن ‌يُنَجِّيكُم ‌مِّن ‌ظُلُمَٰتِ ‌ٱلۡبَرِّ ‌وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ * قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ) [سورة الأنعام/ الآية 63-64].

الحديث الآخر الذي سنشرحه اليوم

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولَ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِى».

«يُسْتَجَابُ أي إذا دعا الله تعالى، والمعنى أَيْ: يُجَابُ دُعَاؤُهُ.  وهذا ما ورد فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَٱسۡتَجَابَ ‌لَهُمۡ) [سورة آل عمران/ الآية 195] أَيْ: أَجَابَهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ: اسْتَجَبْتُكَ؛ أَيْ: أَجَبْتُكَ، قَالَ كَعْبُ الْغَنَوِيُّ:

وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى *** فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيــبُ

لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولَ قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِى قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يَسْأَمُ فَيَتْرُكُ الدُّعَاءَ، فَيَكُونُ كَالْمَانِّ بِدُعَائِهِ،

وفي رواية عند مسلم: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَمَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ». قِيلَ: يا رسول الله وَمَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: «يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ». وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَسْتَحْسِرُ: يَنْقَطِعُ،

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَدَبٌ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُلَازِمُ الطَّلَبَ، وَلَا يَيْأَسُ مِنَ الْإِجَابَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالِاسْتِسْلَامِ وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَأَنَا أَشَدُّ خَشْيَةً أَنْ أُحْرَمَ الدُّعَاءَ مِنْ أَنْ أُحْرَمَ الْإِجَابَةَ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: «مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ» رواه الترمذي في سننه.

قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُخْشَى عَلَى مَنْ خَالَفَ، وَقَالَ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي أَنْ يُحْرَمَ الْإِجَابَةَ.

لقد رغّب الله تعالى عباده بالدعاء وجعله بابًا من أبواب الفرج ولا سيما في أيام الشدة التي يعانيها المسلم. وقد كان من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم اللجوء إلى ربّه في شؤونه كلها وبخاصّة حين الشدائد بالدعاء والرّجاء ليستنّ به المسلمون من بعده وهو الذي أرسله الله ليبيّن للناس ما نزّل إليهم من ربّهم كما هو في كتاب الله تعالى.

قال الله تعالى: (وَقَالَ ‌رَبُّكُمُ ‌ٱدۡعُونِيٓ ‌أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [سورة غافر/ الآية 60]،قال القرطبي في تفسيره: يفسر الآية حديث الترمذي وأبي داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: «الدعاء هو العبادة»، فالمعنى وحّدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم، وهو قول أكثر المفسرين.

فحديث الترمذي: «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» الَّذِي يَدْعُو اللهَ مَعْنَاهُ هَذَا عِبَادَةٌ كَبِيرَةٌ. لَيْسَ كَمَا تَقُولُ الْمجسمة نفاة التوسل، الَّذِي يَقُولُ عِنْدَهَا: يَا عَلِيُّ يَا مُحَمَّدُ يَا عَبْدَ الْقَادِرِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ يَحْتَجُّونَ لِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ هَذَا.

الْحَدِيُث مَدْحٌ لِلدُّعَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي الْعِبَادَةِ لَهُ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ، الْعِبَادَةُ مَرَاتِبُ: الصَّلَاةُ عِبَادَةٌ، الصَّوْمُ عِبَادَةٌ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْءَانِ. فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ دُعَاءَ اللهِ الطَّلَبُ مِنَ اللهِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، هَذَا مَعْنَاهُ، لَيْسَ مَعْنَاهُ وَلَا بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ أَنَّ الَّذِي يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا جَيْلَانِيُّ أَوْ يَا عَلِيُّ كَافِرٌ. فإذا معنى الحديث الدعاء مخ العبادة هنا العبادة الحسنات معناه الدعاء فيه حسنات كثيرة.

وهنا ينبغي التنبيه لأمر مهم جدا في أمر العقيدة يتعلق بالدعاء وهو:  أنّ الشرع الحنيف أمرنا بالدعاء والتوجّه إلى الله تعالى في كل أمورنا صغيرِها وكبيرها لكن مع اعتقاد أنّه لو أُجيب الدعاء فإنّ ذلك بمشيئة الله وإن لم يستجب ويتحقق المراد فإنّ ذلك بمشيئة الله وتقديره، ولا يخرج شيء عن مشيئة الله عزّ وجلّ وتقديره.

فدلّ ما تقدّم على أنّ الله تعالى لا يغيّر شيئًا مما شاء في الأزل حصوله سواء بدعاء سيدنا محمد فمَن دونه صلى الله عليه وسلم أو بالصدقة، ويدل على هذا الأمر حديث البزار والبيهقي: «لَا ‌يَنْفَعُ ‌حَذَرٌ ‌مِنْ ‌قَدَرٍ»، قال البيهقي: معناه في ما كتب الله من القضاء المحتوم – يعني القضاء المبـرم – كما لا ينفع الدعاء والدواء في ردّ الموت إن جاء الأجل المحتوم،

ثمّ إنّ النفع يكون في الحذر والدعاء والدواء إذا كان القلم قد جرى بإلحاق النفع بأحد هؤلاء، والعبد ميسّر لما كُتِب له أو عليه من جميع ذلك لا يستطيع أن يعمل غيره. وعلى هذا يُحمل حديث ابن ماجه: «لَا ‌يَرُدُّ ‌الْقَدَرَ ‌إِلَّا ‌الدُّعَاءُ» على ما في إسناده من لين، وهو أن الله تعالى قد كتب ما يُصيب عبدًا من عباده من البلاء والحرمان وغير ذلك، وأنه إن دعا الله تعالى وأطاعه في صلة الرحم وغيرها لم يُصبه ذلك البلاء ورزقه كثيرًا وعمّره طويلًا. ويدل عليه كذلك حديث عمر في الطاعون عند البخاري حين قيل له: أفرارًا من قدر الله؟ فقال رضي الله عنه: نعم، نـفِـرّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيتَ لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوَتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيتَ الخصبة رعيتَها بقدر الله، وإن رعيتَ الجدبةَ رعيتَها بقدر الله؟ اهـ.

وفي صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري عن يحيى بن يَـعمر عن أبي الأسود الدؤلي قال، قال لي عمران بن الحصين: أرأيتَ ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيءٌ قُضيَ عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيّهم وثبتت الحجةُ عليهم؟ فقلتُ: بل شيء قُضيَ عليهم ومضى عليهم، قال فقال: أفلا يكون ظلمًا؟ قال: ففزعتُ من ذلك فزعًا شديدًا، وقلتُ: كلّ شيء خلق الله ومِلك يده، فلا يُـسأل عما يَفعل وهم يُسألون، فقال لي: يرحمك الله، إني لم أُرِد بما سألتك إلا لأحزرَ عقلك، إنّ رجلين من مُزَينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيتَ ما يعملُ الناسُ اليومَ ويكدحون فيه، أشيءٌ قضيَ عليهم ومضى فيهم من قدَر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيّهم وثبتت الحجةُ عليهم؟ فقال: «لا، بل شيءٌ قضيَعليهم ومضى فيهم،وتصديقُ ذلك في كتاب الله عز وجل: (فَأَلۡهَمَهَا ‌فُجُورَهَا ‌وَتَقۡوَىٰهَا) [سورة الشمس/ الآية 8]».

وهذا ما يدل عليه النقل والعقل إذ إن العقل يشهد أنّ للإنسان إرادةً لا يستطيع أن يفعل بها كل ما يريد إذ إنها تحت مشيئة الله تعالى، وهو ما يدل عليه قول  الله تعالى: (وَمَا ‌تَشَآءُونَ ‌إِلَّآ ‌أَن ‌يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ) [سورة التكوير/ الآية 29]، والعقل يشهد كذلك أنّ للإنسان أفعالًا يفعلها باختياره تغاير ما يفعله بغير اختياره كحركة النائم والمرتعش، فما يفعله باختياره هو محل التكليف، وكلّ ذلك على أي حال لا يخرج عن علم الله الأزلي الذي لا يتغيّر، (أَلَا ‌يَعۡلَمُ ‌مَنۡ ‌خَلَقَ ‌وَهُوَ ‌ٱللَّطِيفُ ‌ٱلۡخَبِيرُ) [سورة الملك/ الآية 14]  ولا عن إرادته الأزلية، (فَعَّالٞ ‌لِّمَا ‌يُرِيدُ) [سورة البروج/ الآية 16]، فالكل بإرادته تعالى ويوضح ذلك قول الله تعالى: (وَمَن ‌يُضۡلِلِ ‌ٱللَّهُ ‌فَمَا ‌لَهُۥ مِنۡ هَادٖ * وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ) [سورة الزمر/ الآية 36-37]، فمَن اهتدى فبفضل مِن الله عليه، ومن أضله الله فلسابق علمه تعالى بما يكون منه، لا تبديل لكلماته تبارك وتعالى.

فالقدَر ليس معناه الإجبار والقهر، وإنّما معناه إظهار ما سبق في علم الله تعالى من استعداد العبد، لا تبديل لحكمه ولا معقّب لأمره، فالعبد ينساق باختياره إلى ما علم الله أنّه يكون منه. ولا يجوز اعتقاد أن الله تعالى يُعصى قهرًا، بل الله تعالى لا يجري في ملكه إلا ما يريد، مَن هداه فبفضله ومَن أضلَّه فبعدله، لا إله غيره، ولا خالق سواه. وفي حديث البخاري عن ابن مسعود وغيره مرفوعًا: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ ‌فِي ‌بَطْنِ ‌أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ».

والقدر كما قال سيدنا علي رضي الله عنه: إنما هو أمر بين أمرين لا هو جبر ولا هو تفويض، رواه الحافظ ابن عساكر، أي أن الإنسان ليس كالريشة المعلقة التي يحركها الهواء يمنة ويسرة من غير اختيار ولا إرادة كما زعمت الجبرية، وليس مستقلًا عن مشيئة الله تعالى بحيث إنّه يفعل كلّ ما يريده كما زعمت المعتزلة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما رواه أبو داود في سننه «لِكُلِّ أُمَّةٍ ‌مَجُوسٌ وَمَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ»، اهـ. وفي هذا تشبيه بليغ لقول المجوس بمدبرين، النور للخير والظلمة للشر، فأشبهت القدرية المجوس في الشرك بالله تعالى، وهو ما فهمه الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه حين سُئِل عن تزويج القدري فقرأ قول الله تعالى: (وَلَعَبۡدٞ ‌مُّؤۡمِنٌ ‌خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٍ) [سورة البقرة/ الآية 221]رواه البيهقي، ومثل ذلك قال الإمام الشافعي في حفص الفرد بعد أن ناظره: “لقد كفرت بالله العظيم” كما أفاده السيوطي في كتاب تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، وهو قول الإمام أحمد بن حنبل في أبي شعيب المعتزلي وقد جاءه وهو في السجن رضي الله عنه يناظره كما في كتاب محنة أحمد للمقدسي، وهو قول من لا يحصى من السلف الصالح والأئمة المجتهدين كما ذكر الحافظ اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.

وفي فتح الباري شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني لصحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في باب “من بسِـط له في الرزق لصلة الرحم” من كتاب الأدب شارحًا مسألة القضاء المبرم والقضاء المعلق ما نصه عند حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَن سرّه أن يبسَـط له في رزقه وأن يُـنسَـأ له في أثره فليصِل رحمِـَه» ما نصه: “قوله وينسأبضم أوله وسكون النون بعدها مهملة ثم همزة أي يؤخر في أجله، وسمي الأجل أثراً لأنه يتبع العمر. قال زهير:

والمرء ما عاش ممدود له أمل *** لا ينقضي العمر حتى ينتهي الأثر

وأصله من أثر مشيه في الأرض فإن من مات لا يبقى له حركة فلا يبقى لقدمه في الأرض أثر، قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: (فَإِذَا ‌جَآءَ ‌أَجَلُهُمۡ ‌لَا ‌يَسۡتَأۡخِرُونَ ‌سَاعَةٗ ‌وَلَا ‌يَسۡتَقۡدِمُونَ) [سورة الأعراف/ الآية 34]، والجمع بينهما من وجهين:

أحدهما: أنّ هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه ذلك. ومثل هذا ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم فأعطاه الله ليلة القدر، وحاصله أنّ صلة الرحم تكون سببًا للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنّه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده والصدقة الجارية عليه والخلف الصالح.

ثانيهما: أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، وأما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى كأن يقال للملك مثلًا: إن عمر فلان مائة مثلًا إن وصل رحمه، وستون إن قطعها، وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله لا يتقدّم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ‌وَيُثۡبِتُۖ ‌وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ) [سورة الرعد/ الآية 39]، فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى فلا محو فيه البتة، ويقال له القضاء المبرم، ويقال للأول القضاء المعلق” اهـ. من فتح الباري في شرح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني.

وعلى ما تقدّم يدل قول الله تعالى: (وَإِيَّاكَ ‌نَسۡتَعِينُ) [سورة الفاتحة/ الآية 5]، وقوله تعالى: (ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ) [سورة الفاتحة/ الآية 6]، وقوله عز وجل: (رَبَّنَا ‌لَا ‌تُزِغۡ ‌قُلُوبَنَا ‌بَعۡدَ ‌إِذۡ ‌هَدَيۡتَنَا) [سورة آل عمران/ الآية 8]، فهذا كله يدل على أن الهداية والزيغ بيد الله لا بيد العبد، فلو كان الإنسان مستقلاً بإرادته عن إرادة الله تعالى فلأيّ غرض يستعين بالله في صلاته كل يوم سبع عشرة مرة، يقرأ الفاتحة في كل ركعة من الصلوات المفروضات سوى السنن والنوافل.

هذا وقد ثبت أن الإيمان بالقدر بمعنى ما قدّر الله تعالى على العباد من خير وشرّ وحلو ومرّ أنه بخلق الله تعالى وإرادته وعلمه لا يتغيّر من ذلك شيء، من أصول الإسلام وهو في كتاب الله تعالى: (وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ ‌فَمَا ‌لَهُۥ ‌مِنۡ هَادٖ * وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ) [سورة الزمر/ الآية 36-37].

وفي حديث البخاري ومسلم مرفوعًا: «اعْمَلُوا ‌فَكُلٌّ ‌مُيَسَّرٌ ‌لِمَا ‌خُلِقَ ‌لَهُ»، وفيه كذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: «فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ ‌بِعَمَلِ ‌أَهْلِ ‌الْجَنَّةِ ‌حَتَّى ‌مَا ‌يَكُونُ ‌بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا»، وفي حديث ابن عباس المشهور «رُفِعَتِ ‌الأَقْلَامُ ‌وَجَفَّتْ ‌الصُّحُفُ» رواه الترمذي.

وفي كتاب الله تعالى خطابًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أحبّ لعمه أبي طالب الهدى: (إِنَّكَ ‌لَا ‌تَهۡدِي ‌مَنۡ ‌أَحۡبَبۡتَ ‌وَلَٰكِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌يَهۡدِي ‌مَن ‌يَشَآءُۚ) [سورة القصص/ الآية 56] أي الله تعالى، وليس العبد، إذ إن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله وليست مشيئة الله تابعة لمشيئة العبد، يوضح ذلك ما في كتاب الله تعالى: (وَلَوۡ ‌أَنَّنَا ‌نَزَّلۡنَآ ‌إِلَيۡهِمُ ‌ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ) [سورة الأنعام/ الآية 111]، وكذلك قوله تعالى حكاية عن موسى: (إِنۡ ‌هِيَ ‌إِلَّا ‌فِتۡنَتُكَ ‌تُضِلُّ ‌بِهَا ‌مَن ‌تَشَآءُ ‌وَتَهۡدِي ‌مَن ‌تَشَآءُۖ) [سورة الأعراف/ الآية 155]، وما في صحيح مسلم من حديث جبريل الطويل الذي في آخره: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ ‌يُعَلِّمُكُمْ ‌دِينَكُمْ» وقد سأله عليه السلام عن الإيمان: «وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، وفي رواية عند النسائي: «وَحُلْوِهِ ‌وَمُرِّهِ»، وفي رواية مسلم: «وَتُؤْمِنَ ‌بِالْقَدَرِ ‌كُلِّهِ»، وكذلك ذكرها جميعًا بالإسناد المتصل الإمام البيهقي في كتاب القدر.

فما كان وما يكون وما سـيكون إنما هو بخلق الله تعالى وبعلمه الذي لا يتغيّر وبإرادته التي لا يغلبها مغالب إذ هو تعالى القاهر فوق عباده والغالب على أمره والحافظ للعرش وما دونه، جميع الخلائق مقهورون بقدرته، لا تتحرّك ذرّة إلا بإذنه، ليس معه مدبّر في الخلق ولا شريك في الملك، (لَا ‌يُسۡـَٔلُ ‌عَمَّا ‌يَفۡعَلُ ‌وَهُمۡ ‌يُسۡـَٔلُونَ) [الأنبياء: 23]  سبحانه، وهو المنـزّه عن الظلم، (وَمَا ‌رَبُّكَ ‌بِظَلَّٰمٖ ‌لِّلۡعَبِيدِ) [سورة فصلت/ الآية 46]، إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه كما في القاموس للفيروزآبادي (817هـ)، والظلم فعل الجاهل بعواقب الأمور والله منـزّه عن ذلك إذ هو المتصرّف في ملكه ولا تخفى عليه خافية ولا ينازعه في ذلك منازع؛ لأن فعله تعالى لا يخلو من حكمة إذ لم يخلق الله تعالى شيئًا عبثًا.

ثم إن الله تعالى بيّـن سبب إرسال الرسل بقوله عز وجل: (رُّسُلٗا ‌مُّبَشِّرِينَ ‌وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ) [سورة النساء/ الآية 165]، وذلك منه تعالى فضل وليس ذلك بواجب عليه تعالى، (قُلۡ ‌إِنَّ ‌ٱلۡفَضۡلَ ‌بِيَدِ ‌ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُ) [سورة آل عمران/ الآية 73]،(وَٱللَّهُ ‌يَخۡتَصُّ ‌بِرَحۡمَتِهِۦ ‌مَن ‌يَشَآءُ) [سورة البقرة/ الآية 105]، وذلك لقيام الدليل على وجوده عزّ وجلّ بما هو مشاهد من مخلوقاته على ما فيها من تباين ما يدلّ على كمال قدرته تبارك وتعالى، (إِنَّ ‌فِي ‌خَلۡقِ ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ ‌وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ) [سورة آل عمران/ الآية 190].

والله تعالى أعلم وأحكم