مشيئة الله لا تتغير وقضاؤه لا يُرد

مشيئة الله لا تتغير وقضاؤه لا يُرد

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ

سورة التكوير: (29) 

خَلَقَ اللهُ عِبَادَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ الدُّنيَا، وََقَدَّرَ لَهُم أَرزَاقَهُم وَيَسَّرَ لَهُم مَعِيشَتَهُم فِيهَا عَلَى مَا يُوَافِقُ عِلمَهِ الأَزَلِيَّ ثُمَّ ابتَلَاهُم، فَسَعِدَ مَن صَبَرَ وَسَلَّمَ أَمرَهُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعِسَ وََهَلَكَ مَن اعتَرَضَ عَلَيهِ سُبحَانَهُ، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي يَبتَلِي، وَهُوَ الَّذِي يُعِينُ العَبدَ عَلَى البَلَاءِ، وَالوَاجِبُ عَلَينَا أَن نُسلِّمَ أَمرَنَا للهِ وَنَعتَقِدَ جَازِمِينَ بِقُلُوبِنا أَنَّ كُلَّ شيءٍ يَجرِي بِمَشِيئَتِهِ سُبحَانَهُ.

ما هي المشيئة؟

المَشِيئَةُ هُنَا هِيَ الإِرَادَةُ، وَهِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ مِن صِفَاتِ اللهِ الوَاجِبَةِ لَهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يُخَصِّصُ اللهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الأَشيَاءَ المُمكِنَةَ (أَيِ الَّتِي يَجُوزُ وُجُودُهَا وَعَدَمُ وُجُودِهَا مِثلُ هَذَا العَالَمِ) بِبَعضِ الصِّفَاتِ الجَائِزَةِ عَلَيهَا دُونَ بَعضٍ، كَأَن يُخَصِّصَ الأَشيَاءَ المَوجُودَةَ بِصِفَةِ الوُجُودِ بَدَلَ صِفَةِ العَدَمِ، وَيُخَصِّصَ مَثَلًا الشَّمسَ بِأَنَّهَا مُدَوَّرَةٌ بَدَلَ أَن تَكُونَ مُرَبَّعَةً أَو عَلَى شَكلٍ آخَرَ مِنَ الأَشكَالِ، وَيُخَصِّصَ زَيدًا بِأَنَّهُ طَوِيلٌ وَطُولُهُ كَذَا بَدَلَ أَن يَكُونَ أَطوَلَ أَو أَقصَرَ، وَهَكَذَا مَعَ كُلِّ شَيءٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى، فَاللهُ خَلَقَ الأَشيَاءَ وَخَصَّصَهَا بِصِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، كُلُّ مَخلُوقٍ لَهُ صِفَاتٌ اللهُ تَعَالَى خَصَّصَهُ بِهَا، وَهَذَا التَّخصِيصُ يَكُونُ بِصِفَةِ المَشِيئَةِ للهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَهُنَاكَ مَعنًى آخَرُ لِلإِرَادَةِ حَيثُ قَد تَأتِي الإِرَادَةُ بِمَعنَى المَحَبَّةِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ﴾، [سُورَةَ البَقَرَة: 185]، أَي يُحِبُّ اللهُ لَكُمُ اليُسرَ.

الدليل العقلي على وجوب المشيئة لله تعالى

بُرهَانُ وُجُوبِ الإِرَادَةِ أَيِ المَشِيئَةِ للهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لَم يُوجَدْ شَيءٌ مِن هَذَا العَالَمِ، لِأَنَّ العَالَمَ مِنَ الأَشيَاءِ المُمكِنَةِ أَي يَجُوزُ وُجُودُهُ وَيَجُوزُ عَدَمُهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لَيسَ وَاحِدٌ مِنهُمَا أَرجَحَ مِنَ الآخَرِ، فَوُجُودُهُ لَيسَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ عَقلًا، لَكِنَّ العَالَمَ مَوجُودٌ، فَعَلِمنَا أَنَّهُ مَا وُجِدَ إِلَّا لِأَنَّ شَيئًا خَصَّصَهُ بِالوُجُودِ بَدَلَ العَدَمِ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، أَوجَدَهُ وَخَلَقَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى فَثَبَتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِالمَشِيئَةِ، فَالمَشِيئَةُ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى الثَّابِتَةِ لَهُ إِجمَاعًا بِالقُرآنِ وَالحَدِيثِ وَإِجمَاعِ الأُمَّةِ كَمَا يَأتِي بَيَانُهُ إِن شَاءَ اللهُ.

شمول مشيئة الله للخير والشر

مَشِيئَةُ اللهِ تَعَالَى عِندَ أَهلِ الحَقِّ شَامِلَةٌ لِأَعمَالِ العِبَادِ جَمِيعِهَا سَوَاءٌ كَانَت خَيرًا أَم شَرًّا، فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِن أَعمَالِ الخَيرِ كَالطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ وَمِن أَعمَالِ الشَّرِّ كَالكُفرِ وَالعِصيَانِ فَقَد حَصَلَ بِمَشِيئَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَم يَخلُقِ الشَّرَّ أَحَدٌ غَيرُ اللهِ تَعَالَى لَا مِنَ العِبَادِ وَلَا مِن غَيرِهِم، وَقَد خَالَفَتِ المُعتَزِلَةُ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ وَقَالَت إِنَّ العَبدَ يَخلُقُ فِعلَهُ الَّذِي هُوَ شَرٌّ وَلَيسَ اللهُ خَالِقَهُ، وَبَعضُهُم قَالَ العَبدُ يَخلُقُ فِعلَهُ الِاختِيَارِيَّ، وَهَذَا كُفرٌ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ.

وَشُمُولُ المَشِيئَةِ لِكُلِّ الأَشيَاءِ وَالأَعمَالِ سَوَاءٌ كَانَت خَيرًا أَو شَرًّا يَدُلُّ عَلَى الكَمَالِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِجَلَالِ اللهِ سُبحَانَهُ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ يَقَعُ فِي مُلكِهِ مَا لَا يَشَاءُ لَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ العَجزِ، وَالعَجزُ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلأُلُوهِيَّةِ. 

إرادة الله أي مشيئته تابعة للعلم

إِنَّ إِرَادَةَ اللهِ نَافِذَةٌ فِي كُلِّ مَا أَرَادَهُ عَلَى حَسَبِ عِلمِهِ الأَزَلِيِّ، فَمَا عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ يَكُونُ وَيَحصُلُ فَقَد أَرَادَ أَن يَكُونَ وَيَحصُلَ فِي الوَقتِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ، وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَم يُرِد أَن يَكُونَ، فَلَا يَحدُثُ فِي العَالَمِ شَيءٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ، فَالإِرَادَةُ تَابِعَةٌ لِلعِلمِ وَلَيسَت تَابِعَةً لِلأَمرِ بِدَلِيلِ أَنَّ اللهَ أَمَرَ إِبرَاهِيمَ بِذَبحِ وَلَدِهِ إِسمَاعِيلَ وَلَكِنَّهُ لَم يَشَأ ذَبحَهُ، وَقَد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى كُلَّ النَّاسِ بِالإِيمَانِ وَلُزُومِ طَاعَتِهِ لَكِن لَم يَشَأ أَن يَحصُلَ ذَلِكَ مِنهُم كُلِّهِم.

فيتلخص من هذا أن الأشياء على أربعة أنواع:

  1. الأَوَّلُ: شَيءٌ قَد أَمَرَ اللهُ بِهِ وَشَاءَ أَيضًا حُصُولَهُ وَوُجُودَهُ، وَهُوَ إِيمَانُ المُؤمِنِينَ وَطَاعَةُ الطَّائِعِينَ.
  2. الثَّانِي: شَيءٌ قَد شَاءَ اللهُ حُصُولَهُ وَوُجُودَهُ وَلَم يَأمُر بِهِ، كَكُفرِ الكَافِرِينَ وَعِصيَانِ العَاصِينَ. 
  3. الثَّالِثُ: شَيءٌ قَد أَمَرَ اللهُ بِهِ وَلَم يَشَأ حُصُولَهُ، كَالإِيمَانِ بِالنِّسبَةِ لِلكَافِرِينَ وَالطَّاعَةِ بِالنِّسبَةِ لِلعَاصِينَ، أَمَرَ اللهُ الكَافِرِينَ بِالإِيمَانِ وَلَم يَشَأ وُجُودَهُ مِنهُم وَأَمَرَ العَاصِينَ بِطَاعَتِهِ وَلَم يَشَأ وُجُودَهَا مِنهُم.
  4. الرَّابِعُ: شَيءٌ لَم يَأمُرِ اللهُ بِهِ وَلَم يَشَأ وُجُودَهُ وَحُصُولَهُ، كَالكُفرِ وَالمَعَاصِي بِالنِّسبَةِ لِلمَلَائِكَةِ فَإِنَّ اللهَ لَم يَأمُرهُم بِالمَعَاصِي وَلَم يَشَأ وُجُودَهَا مِنهُم فَلَم يَعصُوا اللهَ تَعَالَى. 

وَالحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ مِنَ العِبَادِ مِن أَعمَالِهِم حَسَنِهَا وَقَبِيحِهَا إِنَّمَا وَقَعَ وَوُجِدَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا فَرقَ بَينَ مَا كَانَ مِن أَعمَالِهِمُ الِاختِيَارِيَّةِ أَو غَيرِ الِاختِيَارِيَّةِ، فَمَن شَاءَ اللهُ لَهُ السَّعَادَةَ فِي الأَزَلِ لَا بُدَّ أَن يَختَارَ الإِيمَانَ فَيَسعَدَ بِفَضلِ اللهِ وَعَونِهِ، وَمَن شَاءَ اللهُ لَهُ الشَّقَاوَةَ فَلَا بُدَّ أَن يَكفُرَ بِاختِيَارِهِ فَيَشقَى. 

التحذير من قول بعض الناس: إن الله شاء السعادة لجميع خلقه

مَنِ اعتَقَدَ أَو قَالَ: (إِنَّ اللهَ شَاءَ السَّعَادَةَ (أَيِ الإِيمَانَ وَالمَوتَ عَلَيهِ) لِجَمِيعِ خَلقِهِ فَخَالَفَ بَعضُ عِبَادِهِ مَشِيئَتَهُ فَضَلُّوا عَلَى رَغمِ مَشِيئَةِ اللهِ) فَقَد خَرَجَ مِن مِلَّةِ الإِسلَامِ، لِأَنَّ هَذَا القَولَ فِيهِ تَكذِيبٌ لِدِينِ اللهِ تَعَالَى وَفِيهِ نِسبَةُ العَجزِ إِلَى اللهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ جَعَلَ اللهَ مَغلُوبًا حَيثُ لَم تَتَنَفَّذ مَشِيئَتُهُ فِي هَؤُلَاءِ الكُفَّارِ بِزَعمِهِ، فَيَكُونُ القَائِلُ لِهَذَا الكَلَامِ قَد خَالَفَ قَولَ اللهِ تَعَالَى:﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، [سورة السجدة :١٣]، وَقَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورةالمائدة :٤١]، وَقَولَهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [سورة آل عمران: ١٧٦]، وَغَيرَ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ الكَثِيرَةِ الَّتِي تَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى شَاءَ وُجُودَ الكُفرِ مِنَ الكُفَّارِ وَلَم يَشَأ لَهُمُ الإِيمَانَ.

أعمال العباد كلها الاختيارية وغير الاختيارية تحصل بمشيئة الله وتقديره

عَقِيدَةُ المُسلِمِينَ أَنَّ كُلَّ مَا يَحصُلُ فِي هَذَا العَالَمِ إِنَّمَا يَحصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَتَقدِيرِهِ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَخلُقُهُ، لَا يَخلُقُهُ أَحَدٌ سِوَى اللهِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الأَجسَامُ وَالأَعمَالُ، فَنَحنُ مَخلُوقُونَ وَأَعمَالُنَا مَخلُوقَةٌ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، مَا كَانَ مِنهَا خَيرًا وَمَا كَانَ شَرًّا، مَا كَانَ مِنهَا اختِيَارِيًّا وَمَا كَانَ غَيرَ اختِيَارِيٍّ، كُلُّ هَذَا بِخَلقِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَالدَّلِيلُ مِنَ القُرءَانِ قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، [سورة الصافات: ٩٦]، فَأَثبَتَ فِي هَذِهِ الآيَةِ لِلعِبَادِ أَعمَالًا وَأَخبَرَ عَن نَفسِهِ بِأَنَّهُ خَالِقٌ لِأَعمَالِهِم.

وَالأَعمَالُ الِاختِيَارِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَقَعُ بِقَصدِ الإِنسَانِ كَتَحرِيكِ اليَدِ وَالرِّجلِ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَبِهَا يَكُونُ التَّكلِيفُ، وَغَيرُ الِاختِيَارِيَّةِ هِيَ الَّتِي تَكُونُ مِن غَيرِ قَصدٍ بَل بِالِاضطِرَارِ كَنَبضِ القَلبِ وَنَحوِ ذَلِكَ، فَالكُلُّ بِخَلقِ اللهِ تَعَالَى، قَالَ الشِّيرَازِيُّ فَإِن قِيلَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّا لَا نَخلُقُ أَفعَالَنَا وَهِيَ وَاقِعَةٌ بِحَسَبِ قَصدِنَا وَإِرَادَتِنَا؟ فَقُل: لِأَنَّا لَا نَعلَمُ عَدَدَ أَجزَائِهَا وَلَا نَقدِرُ عَلَى أَن نُعِيدَهَا دُونَ نَقصٍ أَو زِيَادَةٍ وَلَيسَت هَذِهِ صِفَةُ مَن يَخلُقُ وَيَختَرِعُ.

وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٦٢-١٦٣]، فَأَخبَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِأَنَّ صَلَاةَ العَبدِ وَنُسُكَهُ وَمَحيَاهُ وَمَمَاتَهُ مِلكٌ لَهُ وَخَلقٌ لَهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيرُهُ، فَأَعلَمَنَا أَنَّهُ لَا فَرقَ فِي ذَلِكَ بَينَ الأَفعَالِ الِاختِيَارِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالنُّسُكِ وَبَينَ مَا يَتَّصِفُ بِهِ العَبدُ مِمَّا لَيسَ بِاختِيَارِهِ كَالحَيَاةِ وَالمَوتِ، فَسَاقَ اللهُ تَعَالَى الأَشيَاءَ الأَربَعَةَ مَسَاقًا وَاحِدًا لِلمُبَالَغَةِ فِي البَيَانِ وَلِيُفهِمَنَا أَنَّهُ لَا فَرقَ بَينَهَا مِن حَيثُ أَنَّ اللهَ خَلَقَهَا وَكَوَّنَهَا.

تنبيه: الرد على من يقول بأن العبد يخلق فعله

شَذَّت طَائِفَةٌ عَن مُعتَقَدِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَهُمُ المُعتَزِلَةُ فَقَالُوا: الإِنسَانُ هُوَ يَخلُقُ عَمَلَهُ الِاختِيَارِيَّ، فَإِذَا فَكَّرَ الإِنسَانُ أَو أَطبَقَ عَينَهُ عَمدًا أَو حَرَّكَ يَدَهُ أَو رِجلَهُ أَو قَالَ كَلِمَةً كُلُّ ذَلِكَ عَلَى زَعمِهِمُ العَبدُ يَخلُقُهُ وَلَيسَ اللهُ، وَهَذَا كُفرٌ، بَل كُلُّ أَعمَالِ العَبدِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ إِذَا كَانَتِ اختِيَارِيَّةً فَهِيَ عِندَهُم خَلقٌ للعَبدِ وَلَيسَ مَخلُوقًا للهِ، وَهَذَا عَينُ الإِشرَاكِ بِاللهِ، لِأَنَّهُم جَعَلُوا بِذَلِكَ لِلعَالَمِ مُدَبِّرَينِ مُدَبِّرًا للأَجسَامِ وَهُوَ اللهُ وَمُدَبِّرًا للأَعمَالِ الِاختِيَارِيَّةِ وَهُوَ العَبدُ عِندَهُم، وَهَذَا يُنَافِي إِفرَادَ اللهِ بِالأُلُوهِيَّةِ.

معنى التغير واستحالة وصف الله به

التَّغَيُّرُ هُوَ انتِقَالُ الشَّيءِ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَقَد يَكُونُ الِانتِقَالُ مِن كَمَالٍ إِلَى نَقصٍ أَو مِن نَقصٍ إِلَى كَمَالٍ، قَالَ الجُرجَانِيُّ فِي التَّعرِيفَاتِ: ‌التَّغَيُّرُ: ‌هُوَ انتِقَالُ الشَّيءِ مِن حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ أُخرَى، وَقَالَ: التَّغيِيرُ: هُوَ إِحدَاثُ شَيءٍ لَم يَكُن قَبلَهُ.

وَمِن خِلَالِ تَعرِيفِ التَّغَيُّرِ يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّهُ يَستَحِيلُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِنُبَيِّنَ ذَلِكَ نَقُولُ: قَد قَامَتِ الأَدِلَّةُ العَقلِيَّةُ وَالنَّقلِيَّةُ عَلَى أَزَلِيَّةِ اللهِ تَعَالَى أَي أَنَّهُ تَعَالَى لَا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، وَلَمَّا كَانَ ذَاتُ اللهِ أَزَلِيًّا وَجَبَ أَن تَكُونَ صِفَاتُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ أَزَلِيَّةً كَالعِلمِ وَالقُدرَةِ وَالإِرَادَةِ وَغَيرِهَا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ يَحدُثُ فِي ذَاتِ اللهِ تَعَالَى حَوَادِثُُ أَي مَخلُوقَاتٌ لَوَجَبَ أَن يَكُونَ ذَاتُهُ حَادِثًا مَخلُوقًا، لِأَنَّ قِيَامَ الحَوَادِثِ بِذَاتِهِ مَعنَاهُ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالمُتَغَيِّرُ لَا يَكُونُ إِلَهًا، بَلِ المُتَغَيِّرُ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ مَخلُوقًا، فَلَمَّا ثَبَتَ فِي العَقلِ قِدَمُ اللهِ تَعَالَى وَأَزَلِيَّتُهُ ثُبُوتًا قَطعِيًّا وَجَبَ أَن تَكُونَ صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةً، وَهَذَا يَقتَضِي أَن لَا يَتَغَيَّرَ.

وَالمُتَغَيِّرُ مُنتَقِلٌ مِنْ كَمَالٍ إِلَى نَقصٍ أَوَ مِنْ نَقصٍ إِلَى كَمَالٍ وَكِلَا الأَمرَينِ مُحَالٌ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالمُتَغَيِّرُ أَيضًا مُحتَاجٌ لِمَنْ يُغَيِّرُهُ وَالمُحْتَاجُ عَاجِزٌ وَالعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَاهًا.

مشيئة الله صفة قديمة لا تتغير

بَعدَ أَن ثَبَتَ فِي المَبحَثِ السَّابِقِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيهِ التَّغَيُّرُ وَلَا يَجُوزُ عَلَى صِفَاتِهِ التَّغَيُّرُ ثَبَتَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى أَي إِرَادَتَهُ لَا يَجُوزُ عَلَيهَا التَّغَيُّرُ، فَهِيَ مِن جُملَةِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى الثَّابِتَةِ لَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾، [سورة ق: ٢٩]، وَمَا أَحلَى كَلَامَ الطَّحَاوِيِّ فِي هَذَا المَقَامِ حَيثُ قَالَ: «فَقَدَّرَ ذَلِكَ تَقدِيرًا مُحكَمًا مُبرَمًا، لَيسَ فِيهِ نَاقِضٌ وَلَا مُعَقِّبٌ وَلَا مُزِيلٌ وَلَا مُغَيِّرٌ وَلَا مُحَوِّلٌ وَلَا نَاقِصٌ وَلَا زَائِدٌ مِن خَلقِهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرضِهِ”.اهـ

فَعَقِيدَةُ أَهلِ الحَقِّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ الأَشيَاءَ تَصِيرُ مَوجُودَةً فِي أَوقَاتِهَا عَلَى حَسَبِ مَا اقتَضَتهُ حِكمَتُهُ البَالِغَةُ، فَكَانَت كَمَا عَلِمَ مِن غَيرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقصَانٍ وَلَا تَغيِيرٍ وَلَا تَبدِيلٍ، وَهَذَا مِن كَمَالِ الأُلُوهِيَّةِ.

وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ: «إِنَّ أَحَدَكُم يُجمَعُ خَلقُهُ فِي بَطنِ أُمِّهِ أَربَعِينَ يَومًا نُطفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضغَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرسَلُ إِلَيهِ المَلَكُ فَيَنفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤمَرُ بِأَربَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتبِ رِزقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ، فَوَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ إِنَّ أَحَدَكُم لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ فَيَدخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُم لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ فَيَدخُلُهَا»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ بِمَشِيئَةِ اللهِ الأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ، وَالشَّقِيَّ هُوَ الَّذِي شَقِيَ بِمَشِيئَةِ اللهِ الأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيءٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى حَصَلَ بِمَشِيئَتِهِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ.

وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي الأَسوَدِ الدُّؤَلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمرَانُ بنُ الحُصَينِ: أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ وَيَكدَحُونَ فِيهِ، أَشَيءٌ قَضَيَ عَلَيهِم وَمَضَى عَلَيهِم مِن قَدَرٍ مَا سَبَقَ، أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيهِم، فَقُلتُ بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى عَلَيهِم، قَالَ فَقَالَ أَفَلَا يَكُونُ ظُلمًا، قَالَ فَفَزِعتُ مِن ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وَقُلتُ: كُلُّ شَيءٍ خَلقُ اللهِ وَمِلكُ يَدِهِ، فَلَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ، فَقَالَ لِي يَرحَمُكَ اللهُ، إِنِّي لَم أُرِد بِمَا سَأَلتُكَ إِلَّا لِأَحزِرَ عَقلَكَ، إِنَّ رَجُلَينِ مِن مُزَينَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ وَيَكدَحُونَ فِيهِ، أَشَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى فِيهِم مِن قَدَرٍ قَد سَبَقَ، أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيهِم، فَقَالَ: «لَا، بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى فِيهِم، وَتَصدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ [سورة الشمس: 8]».

حديث ابن عباس: «رفعت الأقلام وجفت الصحف»

عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنتُ خَلفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِن بِاللهِ، وَاعلَم أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمَعَت عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَم يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَو اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقلَامُ وَجَفَّت الصُّحُفُ»، قَالَ التِّرمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. 

فَقَولُهُ ﷺ: «رُفِعَتِ الأَقلَامُ وَجَفَّت الصُّحُفُ» مَعَ مَا قَبلَهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ يَدُلُّ بِأَبلَغِ عِبَارَةٍ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، فَمَا أَرَادَ اللهُ حُصُولَهُ فِي الأَزَلِ سَوفَ يَكُونُ لَا مَحَالَةَ، وَمَا لَم يُرِد حُصُولَهُ لَن يَكُونَ.

وَلَو أَنَّ جَمِيعَ البَشَرِ وَجَمِيعَ الجِنِّ اجتَمَعُوا وَعَاوَنُوا بَعضُهُم بَعضًا لِيَنفَعُوكَ أَو يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ مِن خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ فَلَن يَستَطِيعُوا أَن يَضُرُّوكَ أَو يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، أَي شَاءَ اللهُ تَعَالَى وُصُولَهُ إِلَيكَ وَقَدَّرَ اللهُ سُبحَانَهُ فِي الأَزَلِ أَن يَصِلَكَ مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ، فَإِن لَم يُرِدِ اللهُ وَلَم يَشَإِ اللهُ ذَلِكَ لَا يَستَطِيعُ أَحَدٌ أَن يُوصِلَ هَذَا النَّفعِ أَوِ الضَّرَرَ إِلَيكَ، لِأَنَّهُم أَسبَابٌ وَاللهُ هُوَ النَّافِعُ وَالمُعطِي وَالضَّارُّ وَالمَانِعُ عَلَى الحَقِيقَةِ.

فَمَا يَقَعُ وَمَا يَحصُلُ فِي الكَونِ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، مُسَطَّرٌ مَكتُوبٌ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ مَتَى يَمُوتُ فُلَانٌ وَكَم يعِيشُ فُلَانٌ، هَل يَكُونُ سَعِيدًا أَم شَقِيًّا، مُؤمِنًا أَو كَافِرًا، طَائِعًا أَو فَاجِرًا، مُوَسَّعًا عَلَيهِ فِي رِزقِهِ أَو مُقَتَّرًا عَلَيهِ فِيهِ.

وَقَد دَلَّ القُرآنُ أَيضًا عَلَى مِثلِ هَذَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لَن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾، [سورة التوبة: 51]، وَقَولِهِ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُم إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، [سورة الحديد: 22]، وَقَولِهِ: ﴿قُل لَو كُنتُم فِي بُيُوتِكُم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ القَتلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم﴾، [سورة آل عمران: 154]، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ الكَثِيرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ.

معنى القضاء المعلق والقضاء المبرم

كُلُّ شَيءٍ مَكتُوبٌ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَالمُرَادُ: أَغلَبُ الأُمُورِ الَّتِي كُتِبَت فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ لَا بُدَّ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى مَا أَرَادَ اللهُ وَشَاءَ، لِأَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا كُتِبَت فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ عَلَى وَجهِ الإِبرَامِ، مَعنَاهُ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا يَستَطِيعُ أَحَدٌ أَن يَحُولَ دُونَ وُقُوعِهَا وَتَحقِيقِهَا، وَهُنَاكَ أُمُورًا كُتِبَت فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ عَلَى وَجهِ التَّعلِيقِ، فَمَا مَعنَى مَا كُتِبَ عَلَى وَجهِ التَّعلِيقِ؟

مثال توضيحي للقضاء المعلق

مِثَالُهُ أَن يُكتَبَ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ: إِن وَصَلَ زَيدٌ رَحِمَهُ يَكُونُ عُمُرُهُ ثَمانِينَ سَنَةً، وَإِن لَم يَصِل رَحِمَهُ يَكُونُ عُمُرُهُ سِتِّينَ سَنَةً، هَذَا اسمُهُ القَضَاءُ المُعَلَّقُ، وَاللهُ تَعَالَى يَعلَمُ أَيَّ الأَمرَينِ سَيَقَعُ، عَالِمٌ بِذَلِكَ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَأَرَادَ الشَّيءَ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ سَيَحصُلُ، لَكِنَّهُ كُتِبَ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ عَلَى وَجهِ التَّعلِيقِ لِحِكمَةٍ، فَالمَلَائِكَةُ يَكتُبُونَ هَذَا الشَّيءَ المُعَلَّقَ فِي صَحَائِفِهِم، ثُمَّ يَنتَظِرونَ، هَل يَصِلُ زَيدٌ رَحِمَهُ أَم لَا؟ فَإِن وَصَلَ رَحِمَهُ يَكونُ عُمُرُهُ ثَمانِينَ سَنَةً، وَإِن لَم يَصِل رَحِمَهُ يَكونُ عُمُرُهُ سِتِّينَ سَنَةً، وَمَثَلًا قَد يَكُونُ مَكتُوبًا عِندَهُم فُلَانٌ إِن دَعَا بِكَذَا يُعطَى كَذَا، وَإِن لَم يَفعَل لَا يُعطَى، وَهُم لَا يَعلَمُونَ مَاذَا سَيَكُونُ مِنهُ، فَإِن دَعَا حَصَلَ ذَلِكَ، وَالمَلَائِكَةُ تُقَارِنُ الَّذِي كَتَبَتهُ بِمَا وَقَع فَتَجِدُهُ وَقَعَ عَلَى حَسَبِ ما أَرادَ اللهُ وَعَلِم، فَتَزدَادُ المَلَائِكَةُ يَقِينًا عَلَى يَقِينِهِم بِكمَالِ عِلمِ اللهِ وَشُمُولِ إِرادَتِهِ لِكُلِّ شَيءٍ.

هَذَا مَعنَى القَضَاءِ المُعَلَّقِ أَوِ القَدَرِ المُعَلَّقِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ تَقدِيرَ اللهِ الأَزَلِيَّ الَّذي هُوَ صِفَتُهُ مُعَلَّقٌ عَلَى فِعلِ هَذَا الشَّخصِ أَو دُعَائِهِ، فَاللهُ يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ بِعِلمِهِ الأَزَلِيِّ، يَعلَمُ أَيَّ الأَمرَينِ سَيَختَارُ هَذَا الشَّخصُ وَمَا الَّذِي سَيُصِيبُهُ، وَكُتِبَ ذَلِكَ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ أَيضًا، فَالقَضَاءُ المُعَلَّقُ لَيسَ مُعَلَّقًا فِي عِلمِ اللهِ تَعَالَى، فَاللهُ عَالِمُ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، عِلمُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ.

 وَعَلَى مِثلِ هَذَا يُحمَلُ الحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ البَيهَقِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: “لَا يَنفَعُ حَذَرٌ مِن قَدَرٍ، وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمحُو بِالدُّعَاءِ مَا شَاءَ مِنَ القَدَرِ“، وَيَدُلُّ على ذَلِكَ مَا وَرَدَ في صَّحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ: «سَأَلتُ رَبِّي لأُمَّتِي ثَلاثًا فَأَعطَاني ثِنتَينِ وَمَنَعَني وَاحِدَةً، سَأَلتُهُ أَن لَا يُهلِكَ أُمَّتي بِالسَّنَةِ (أَيِ المَجَاعَةِ) العَامَّةِ فَأَعطَانِيهَا، وَسألتُهُ أَن لَا يُسَلِّطَ عَلَيهِم عَدُوًّا مِن غَيرِهِم فَيَستَأصِلَهُم فَأَعطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ أَن لَا يَجعَلَ بأسَهُم بَينَهُم فَمَنَعِيها، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي إِذَا قَضَيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ».اهـ

وَلِزِيَادَةِ البَيَانِ نَذكُرُ كَلَامَ ابنِ حَجَرٍ فِي فَتحِ البَارِي فِي بَابِ مَن بُسِطَ لَهُ فِي الرِّزقِ لِصِلَةِ الرَّحِمِ مِن كِتَابِ الأَدَبِ شَارِحًا مَسأَلَةَ القَضَاءِ المُبرَمِ وَالقَضَاءِ المُعَلَّقِ عِندَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرفُوعًا: «مَن سَرَّهُ أَن يُبسَطَ لَهُ فِي رِزقِهِ وَأَن يُنسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَليَصِل رَحمَِهُ»، قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ:

«قَولُهُ وَيُنسَأَ أَي يُؤَخَّرَ فِي أَجَلِهِ، قَالَ ابنُ التِّينِ: ظَاهِرُ الحَدِيثِ يُعَارِضُ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُم لَا يَستَأخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَستَقدِمُونَ﴾، [سورة الأعراف: 34]، وَالجَمعُ بَينَهُمَا مِن وَجهَينِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كِنَايَةٌ عَنِ البَرَكَةِ فِي العُمُرِ بِسَبَبِ التَّوفِيقِ إِلَى الطَّاعَةِ وَعِمَارَةِ وَقتِهِ بِمَا يَنفَعُهُ فِي الآخِرَةِ وَصِيَانَتِهِ عَن تَضيِيعِهِ ذَلِكَ.

ثَانِيهِمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَذَلِكَ بِالنِّسبَةِ إِلَى عِلمِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالعُمُرِ، وَأَمَّا الأَوَّلُ الَّذِي دَلَّت عَلَيهِ الآيَةُ فَبِالنِّسبَةِ إِلَى عِلمِ اللهِ تَعَالَى، كَأَن يُقَالَ لِلمَلَكِ مَثَلًا إِنَّ عُمُرَ فُلَانٍ مِائَةٌ مَثَلًا إِن وَصَلَ رَحِمَهُ وَسِتُّونَ إِن قَطَعَهَا، وَقَد سَبَقَ فِي عِلمِ اللهِ أَنَّهُ يَصِلُ أَو يَقطَعُ، فَالَّذِي فِي عِلمِ اللهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَالَّذِي فِي عِلمِ المَلَكِ هُوَ الَّذِي يُمكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقصُ، وَإِلَيهِ الإِشَارَةُ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَمحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾، [سورة الرعد: 39]، فَالمَحوُ وَالإِثبَاتُ بِالنِّسبَةِ لِمَا فِي عِلمِ المَلَكِ، وَمَا فِي أُمِّ الكِتَابِ هُوَ الَّذِي فِي عِلمِ اللهِ تَعَالَى فَلَا مَحوَ فِيهِ أَلبَتَّةَ، وَيُقَالُ لَهُ القَضَاءُ المُبرَمُ، وَيُقَالُ لِلأَوَّلِ القَضَاءُ المُعَلَّقُ».انتَهَى مُلَخَّصُ كَلَامِ ابنِ حَجَرٍ. 

تفسير بعض الآيات والأحاديث المتشابهة التي يوهم ظاهرها تغير القضاء والقدر

تفسير النبي ﷺ للآية: ﴿كل يوم هو في شأن﴾:

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَومٍ هُوَ فِي شَأنٍ﴾، [سورة الرحمن: ٢٩]، فَسَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَولِهِ: «يَغفِرُ ذَنبًا وَيُفَرِّجُ كَربًا وَيَرفَعُ قَومًا وَيَضَعُ ءاخَرِينَ»، رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ.

وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ، وَيُوَافِقُ هَذَا قَولٌ جَمِيلٌ يَتَرَدَّدُ بَينَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ: «سُبحَانَ الَّذِي يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ»، إِذِ التَّغَيُّرُ في المَخلُوقَاتِ وَلَيسَ في اللهِ وَصِفَاتِهِ، فَيَكُونُ مَعنَى الآيَةِ أَنَّ اللهَ يُغَيِّرُ في خَلقِهِ كُلَّ يَومٍ مَا شَاءَ.

معنى الآية: ﴿يَمحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾

قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَمحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ﴾، [سورة الرعد: ٣٩]، لَيسَ مَعنَاهُ المَحوَ وَالإِثبَاتَ في تَقدِيرِ اللهِ المُبرَمِ كَمَا قَدَّمنَا عِندَ ذِكرِ كَلَامِ ابنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَقَد فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ هَذَا بِالنَّاسِخِ وَالمَنسُوخِ، أَي أَنَّ اللهَ يَمحُو مَا يَشَاءُ مِنَ القُرءَانِ أَي يَرفَعُ حُكمَهُ وَيَنسَخُهُ بِحُكمٍ لَاحِقٍ، وَيُثبِتُ مَا يَشَاءُ مِنَ القُرءانِ فَلَا يَنسَخُهُ، وَمَا يُبَدَّلُ وَمَا يُثبَتُ كُلُّ ذَلِكَ في كِتَابٍ، وَهَذَا في حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ، أَمَّا بَعدَ وَفَاتِهِ فَلَا نَسخَ، قَالَ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ: هَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ في تأوِيلِ هَذِهِ الآيَة.

وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ فَمَعنَاهُ أَنَّ اللَّوحَ المَحفُوظَ مُشتَمِلٌ عَلَى المَمحُوِّ وَالمُثبَتِ، فَيُعلَمُ مِمَّا تَقَدَّم أَنَّ قَولَ العَوَامِّ: اللهم إِنَّا لَا نَسأَلُكَ رَدَّ القَضَاءِ… رَاجِعٌ إِلَى القَضَاءِ المُبرَمِ لَا المُعَلَّقِ، فَلَا تَعَارُضَ بَينَ هَذَا وَبَينَ الحَدِيثِ.

معنى الحديث «لا يرد القضاء شيءٌ إلا الدعاء»

قَولُهُ ﷺ: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ»، فَالقَضَاءُ هُنَا مَعنَاهُ القَضَاءُ المُعَلَّقُ وَلَيسَ المُبرَمَ المَحتُومَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ مَشيئَةُ اللهِ وَتَقدِيرُهُ وَعِلمُهُ لَا يَتَغَيَّرُ، فَدَلَّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُغَيِّرُ شَيئًا مِمَّا شَاءَ فِي الأَزَلِ حُصُولَهُ سَوَاءٌ بِالدُّعَاءِ أَو بِالصَّدَقَةِ أَو نَحوِ ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الأَمرِ حَدِيثُ البَزَّارِ وَالبَيهَقِيِّ: «لَا يَنفَعُ حَذَرٌ مِن قَدَرٍ»، قَالَ البَيهَقِيُّ: مَعنَاهُ فِي مَا كَتَبَ اللهُ مِنَ القَضَاءِ المَحتُومِ كَمَا لَا يَنفَعُ الدُّعَاءُ وَالدَّوَاءُ فِي رَدِّ المَوتِ إِن جَاءَ الأَجَلُ المَحتُومِ، فَاللهُ تَعَالَى قَد كَتَبَ مَا يُصِيبُ العَبدَ مِن عِبَادِهِ مِنَ البَلَاءِ وَالحِرمَانِ وَالمَوتِ وَغَيرِ ذَلِكَ فَكُلُّ ذَلِكَ حَاصِلٌ لَا مَحَالَةَ.

الدعاء في ليلة النصف من شعبان لا يرد القضاء

قَد عَلِمنَا مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَن يَعتَقِدَ الإِنسَانُ أَنَّهُ إِن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَو وَصَلَ رَحِمَهُ أَو دَعَا دُعَاءً فَإِنَّهُ سَوفَ يَنجُو مِمَّا قَدَّرَ اللهُ لَهُ أَن يُصِيبَهُ فَيَنبَغِي التَّحذِيرُ مِمَّا يَقُولُهُ بَعضُ النَّاسِ فِي لَيلَةِ النِّصفِ مِن شَعبَانَ، قَالُوا: إِنَّهُم إِن دَعَوُا اللهَ فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ يَذهَبُ عَنهُم شَيءٌ قَدَّرَ اللهُ أَن يُصِيبَهُم، وَهَذَا بِخِلافِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ اللهَ كَتَبَ قَدَرًا مُعَلَّقًا بِأَنَّ فُلَانًا إِن فَعَلَ كَذَا يُصِيبُ كَذَا مِن مَطَالِبِهِ أَو يُدفَعُ عَنهُ شَيءٌ مِنَ البَلاءِ وَإِن لَم يَفعَل كَذَا لَا يَنَالُ مَا طَلَبَهُ، فَهَذَا جَائِزٌ، لِأَنَّ المَلَائِكَةَ يَكتُبُونَهُ فِي صُحُفِهِم عَلَى وَجهِ التَّعلِيقِ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَلَقَّونَ مِن قِبَلِ اللهِ تَعَالَى، فَهَذَا لَا يُنَافِي الإِيمَانَ بِالقَدَرِ.

وَأَمَّا الَّذِي يَدعُو فِي لَيلَةِ النِّصفِ مِن شَعبَانَ بِنِيَّةِ أَن يَسلَمَ مِمَّا قَدَّرَ اللهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ يُصِيبُهُ لَا مَحَالَةَ فَهَذَا كَافِرٌ، لِأَنَّهُ جَعَلَ اللهَ مُتَغَيِّرَ المَشِيئَةِ وَالعِلمِ، وَتَغَيُّرُ العِلمِ وَالمَشِيئَةِ مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ. 

فائدة الدعاء

رَغَّبَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالدُّعَاءِ وَجَعَلَهُ بَابًا مِن أَبوَابِ الفَرَجِ وَلَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الشِّدَّةِ الَّتِي يُعَانِيهَا المُسلِمُ، وَقَد كَانَ مِن سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ اللُّجُوءُ إِلَى رَبِّهِ فِي شُؤُونِهِ كُلِّهَا وَبِخَاصَّةٍ حِينَ الشَّدَائِدِ بِالدُّعَاءِ وَالرَّجَاءِ لِيَستَنَّ بِهِ المُسلِمُونَ مِن بَعدِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَرسَلَهُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم مِن رَبِّهِم كَمَا هُوَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.

وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ»، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعُونِي أَستَجِب لَكُم﴾، [سورة غافر: 60]، قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: يُفَسِّرُ الآيَةَ حَدِيثُ التِّرمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ عَنِ النُّعمَانِ ابنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»، فَالمَعنَى وَحِّدُونِي وَاعبُدُونِي أَتَقَبَّل عِبَادَتَكُم وَأَغفِرُ لَكُم، وَهُوَ قَولُ أَكثَرِ المُفَسِّرِينَ.اهـ

قَالَ الغَزَالِيُّ في الإحيَاءِ: «فَإِن قُلتَ فَمَا فَائِدَةُ الدُّعَاءِ وَالقَضَاءُ لَا يُرَدُّ؟ فَالجَوَابُ: إِنَّ مِنَ القَضَاءِ رَدَّ البَلاءِ بِالدُّعَاءِ، فَالدُّعَاءُ سَبَبٌ لِرَدِّ البَلَاءِ وَاستِجلَابِ الرَّحمَةِ، كَمَا أَنَّ التِّرسَ سَبَبٌ لِرَدِّ السَّهمِ، وَالمَاءَ سَبَبٌ لِخُرُوجِ النَّبَاتِ».

لا يجوز أن يقال: كان الله يريد أن يخلق فلانة ذكرا ثم خلقها أنثى وعكسه

وَمِنَ الأَلفَاظِ الكُفرِيَّةِ قَولُ بَعضِهِم: كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يَخلُقَ فُلانَةَ ذَكَرًا ثُمَّ خَلَقَهَا أُنثَى وَقَولُ: كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يَخلُقَ فُلَانًا أُنثَى فَخَلَقَهُ ذَكَرًا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ نِسبَةَ الجَهلِ إِلَى اللهِ وَنِسبَةَ تَغَيُّرِ المَشِيئَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَاللهُ لَا يَجُوزُ عَلَيهِ التَّغَيُّرُ فِي ذَاتِهِ أَو فِي صِفَةٍ مِن صِفَاتِهِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ عَلامَةُ الحُدُوثِ وَالحُدُوثُ يُنَافِي الأُلُوهِيَّةَ. 

خاتمة: ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر على حياة العبد

إِذَا عَلِمَ العَبدُ أَنَّهُ لَن يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ أَو نَفعٍ أَو ضُرٍّ، وَأَنَّ اجتِهَادَ الخَلقِ كُلِّهِم جَمِيعًا عَلَى خِلَافِ المَقدُورِ غَيرُ مُفِيدٍ شَيئًا أَلبَتَّةَ، عَلِمَ وَأَيقَنَ حِينَئِذٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَحدَهُ هُوَ الضَّارُّ النَّافِعُ وَالمُعطِي المَانِعُ، فَأَوجَبَ ذَلِكَ لِلعَبدِ تَوحِيدَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِفرَادَهُ بِالعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، وَإِفرَادَهُ بِالِاستِعَانَةِ الخَاصَّةِ، وَذَلِكَ يَشمَلُ حَالَ الشِّدَّةِ وَحَالَ الرَّخَاءِ.

فَالأَصلُ الجَامِعُ الَّذِي تَنبَنِي عَلَيهِ هَذِهِ المَطَالِبُ هُوَ تَفَرُّدُ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِالضُّرِّ وَالنَّفعِ وَالعَطَاءِ وَالمَنعِ عَلَى مَعنَى الخَلقِ، وَأَنَّهُ لَا يُصِيبُ العَبدَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا مَا سَبَقَ تَقدِيرُهُ وَقَضَاهُ لَهُ رَبُّهُ، وَأَنَّ الخَلقَ كُلَّهُم عَاجِزُونَ عَن إِيصَالِ نَفعٍ أَو ضُرٍّ غَيرِ مُقَدَّرٍ فِي الكِتَابِ السَّابِقِ، وَهَذَا يَقتَضِي انقِطَاعَ العَبدِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالخَلقِ وَعَن سُؤَالِهِم وَاستِعَانَتِهِم وَرَجَائِهِم بِجَلبِ نَفعٍ أَو دَفعِ ضُرٍّ بِغَيرِ مَشِيئَةِ اللهِ، وَذَلِكَ يَستَلزِمُ إِفرَادَ اللهِ سُبحَانَهُ بِالعِبَادَةِ، وَأَن تُقَدَّمَ طَاعَتُهُ عَلَى طَاعَةِ الخَلقِ، وَأَن يُتَّقَى سَخَطُهُ، وَقَد جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرفُوعًا: «إِنَّ مِن ضَعفِ اليَقِينِ أَن تُرضِيَ النَّاسَ بِسُخطِ اللهِ، وَأَن تَحمَدَهُم عَلَى رِزقِ اللهِ، وَأَن تَذُمَّهُم عَلَى مَا لَم يَؤتِكَ اللهُ، إِنَّ رِزقَ اللهِ لَا يَجُرُّهُ إِلَيكَ حِرصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كُرهُ كَارِهٍ»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ، وَقَالَ بَعضُهُم: 

مَا قَدَّرَ اللهُ لِي لَا بُدَّ يُدرِكُنِي
مَن ذَا الَّذِي يَدفَعُ المَقدُورَ بِالحَذَرِ

اللهُ أَولَى بِنَا مِنَّا بِأَنفُسِنَا
إِن نَحنُ إِلَّا مَمَالِيكٌ لِمُقتَدِرِ

وَشَكَا رَجُلٌ إِلَى الفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ الفَقرَ فَقَالَ لَهُ الفُضَيلُ: أَمُدَبِّرًا غَيرَ اللهِ تُرِيدُ؟!، وَقَالَ بَعضُهُم:

دَبِّر فَلَيسَ بِمُغنٍ عَنكَ تَدبِيرُ
وَلَيسَ يَعدُوكَ بِالتَّدبِيرِ تَقدِيرُ

إِنَّ الأُمُورَ لَهَا رَبٌّ يُدَبِّرُهَا
فَمَا قَضَى الرَّبُّ سَاقَتهُ المَقَادِيرُ

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرآنِ الكَرِيمِ
  2. صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِلإِمَامِ البُخَارِيِّ
  3. صَحِيحِ مُسلِمٍ لِلإِمَامِ مُسلِمٍ
  4. فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ 
  5. شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ
  6. شُعَبِ الإِيمَانِ لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ
  7. الِاعتِقَادِ وَالهِدَايَةِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ لِلبَيهَقِيِّ
  8. الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلبَيهَقِيِّ
  9. إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ لِلغَزَالِيِّ
  10. القَضَاءِ وَالقَدَرِ لِلبَيهَقِيِّ
  11. التَّعرِيفَاتِ لِلجُرجَانِيِّ