أسبابُ إجابة الدّعاء: أعمالٌ تفتحُ لك أبواب السماء

حلية البشر

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

 الْحَمد لله الْمُنعم على خلقه بجميل آلائه، المحسن إِلَيْهِم بلطيف عفوه وجزيل عطائه، الْمُحَققِ لمن دعاه حسن ظَنّه ورجائه، الَّذِي مَنَّ على عباده بِأَن فتح لَهُم بَابه وَأمرهمْ بِالدُّعَاءِ وَوَعدهمْ بالإجابة، ووفق مِنْهُم من شَاءَ بِلُطْفِهِ وحكمته؛ للتعرض لنفحات فَضله وَرَحمته، وهداه السَّبِيل إِلَيْهِ، وألهمه الطّلب تكرما مِنْهُ عَلَيْهِ، أَحْمَده وَالْحَمْد من نعمه، وأسأله الْمَزِيد من فَضله وَكَرمه، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ مُجيب الدُّعَاء، وَكَاشف الأسواء، وَأشْهد أَنّ مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، خَاتم الْأَنْبِيَاء ومبلغ الأنباء، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه البررة الأتقياء، صَلَاة دائمة بدوام الأَرْض وَالسَّمَاء، وَسلّم تَسْلِيمًا كثيرا، أمّا بعد:

وصلنا إلى:

بَابُ مَا يُرْجَى عَمَلُهُ لإِجَابَةِ الدُّعَاءِ

رَوَى مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ ‌كُلُواْ ‌مِنَ ‌ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٌ) [سورة المؤمنون/ الآية 51] وَقَالَ تَعَالَى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌كُلُواْ ‌مِن ‌طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ) [سورة البقرة/ الآية 172] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبُّ يَا رَبُّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَكْسَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ».

وهذه الأحاديث فيها بيان الحثّ على الدعاء بأدب وتذلل وافتقار وعدم سآمة، وَالدُّعَاءُ الطَّلَبُ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الشَّيْءِ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِهِ، وَدَعَوْتُ فُلَانًا سَأَلْتُهُ وَدَعَوْتُهُ اسْتَغَثْتُهُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى رِفْعَةِ الْقَدْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَيۡسَ ‌لَهُۥ ‌دَعۡوَةٞ ‌فِي ‌ٱلدُّنۡيَا ‌وَلَا ‌فِي ‌ٱلۡأٓخِرَةِ) [سورة غافر/ الآية 43]كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ، وَيُطْلَقُ الدُّعَاءُ أَيْضًا عَلَى الْعِبَادَةِ: (وَلَا ‌تَدۡعُ ‌مِن ‌دُونِ ‌ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ) [سورة يونس/ الآية 106]  وَقَالَ الرَّاغِبُ: يطلق الدُّعَاءُ عَلَى التَّسْمِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَّا ‌تَجۡعَلُواْ ‌دُعَآءَ ‌ٱلرَّسُولِ ‌بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ) [سورة النور/ الآية 63] وَمِنْهَا السُّؤَالُ: (ٱدۡعُونِيٓ ‌أَسۡتَجِبۡ ‌لَكُمۡۚ) [سورة غافر/ الآية 60] وَمِنْهَا الْقَوْلُ: (دَعۡوَىٰهُمۡ ‌فِيهَا ‌سُبۡحَٰنَكَ ‌ٱللَّهُمَّ) [سورة يونس/ الآية 10]، 

وَالنِّدَاءُ: (يَوۡمَ ‌يَدۡعُوكُمۡ) [سورة الإسراء/ الآية 52]، 

وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالتَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

وروي عن ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: «إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ».

وروي عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» رواه الطبراني في كتاب الدعاء والبيهقي في شعب الإيمان.

وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ: «مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ ‌صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ»،

 وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِمَّا ‌أَنْ ‌يُعَجِّلَهَا ‌لَهُ، ‌وَإِمَّا ‌أَنْ ‌يَدَّخِرَهَا ‌لَهُ».

وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: «مَا ‌مِنْ ‌مُسْلِمٍ ‌يَدْعُو ‌بِدَعْوَةٍ ‌لَيْسَ ‌فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا». وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

وحديثنا الذي نتكلّم في شرحه فيه كثير من آداب الدعاء والحث عليه وفيه بيان كيف ينبغي أن يدعو العبد ربه وكيف يتوجه إليه.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا».

قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ» أَنَّهُ سبحانَهُ وَتعالى مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِص، مَعْناهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبحانَهُ النَّقائِص. وَالنَّقائِصُ التي هِيَ فِي حَقِّ الخَلْقِ كَثيرَةٌ. كُلُّ هذه النّقائِص لا تَجُوزُ عَلَى الله. فلا يَجُوزُ عَلى اللهِ الظُّلم لأَنَّ الظُّلم نَقْص، وَلا يَجُوزُ عَلى اللهِ تعالى الزَّوْجَةُ وَالوَلَد لأَنَّ نِسْبَةَ هذا إِلَى الله شَتْمٌ وَسَبٌّ للهِ تعالى وَهُوَ نَقْص فلا يَجُوزُ عَلى اللهِ الشَّبِيه وَالْمَثِيل فِى ذاتِهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفاتِهِ سُبحانَه، لأَنَّه لو كانَ للهِ شَبِيهٌ أَوْ مَثِيل، لَأَدَّى هذا إِلَى أَنَّ اللهَ تعالى لَهُ أَمْثالٌ وَرَبُّنا سُبْحانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ المَثِيلِ فَقال: (لَيۡسَ ‌كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ) [سورة الشورى/ الآية 11]  وَلَوْ كانَ للهِ تعالى أَمْثالٌ وَأَشباه، لَما انْفَرَدَ سُبْحانَهُ بالأُلوهِيّةِ دُونَ أَشْباهِهِ وأَمْثالِهِ بَلْ لجازَتِ الأُلوهِيّة لأَشْباهِهِ وأَمْثالِهِ كَما جازَت لَه!! لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَبِيهَ لَه وَلا مَثِيلَ له وَلا كُفؤا لَه وَلا نَظِيرَ لَه وَلا نِدَّ لَه وَلا ضِدَّ لَه! إِذا قُلْنا: “اللهُ تعالى لا نِدَّ لَه”، كَما إِذا قُلنا: “اللهُ تعالى لا شَبِيهَ لَه”

وَإِذا قُلْنا: “اللهُ تعالى لا ضَدَّ لَه”، مَعناهُ أَنَّ اللهَ تعالى لا يُكافِئهُ احد وَلا يسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضُرَّهُ. “اللهُ تعالى لا ضَدَّ لَه”، مَعناهُ ليسَ للهِ تعالى مَنْ يُعارِضُهُ بِحَيثُ يُماثِلُ اللهَ أَوْ يُكافِئُهُ؛ فاللهُ تعالى مُنْفَرِدٌ بِأَنَّهُ سُبحانَهُ لا مَثِيلَ لَهُ وَلا شَبيه.

فَقَوْلُهُ “إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ” معناهُ أَنَّهُ سبحانَهُ وَتعالى مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِص، وَمُقَدَّس سبحانَه أَي مُطَهَّرٌ عَنْ كُلِّ الآفاتِ وَكلِّ المعايِب.

فَلا يَجُوزُ عَلَى اللهِ تعالى النِّسْيان الذي يَجُوزُ عَلَى الخَلْق لأَنَّها آفَة تَعْتَري البَشَر. لا يَجوزُ عَلَى اللهِ تعالى ما يَجوزُ عَلَى خَلْقِهِ مِنَ الجَهْل وَالمَرَض وَالضَّعْف وَالسِّنَة يَعْنِى النُّعاس والنَّوْم. لِذلِكَ اللهُ تعالَى نَزَّهَ نَفْسَهُ فِى ءايَةِ الكُرْسِيِّ عَنِ السِّنَةِ وَعَنِ النَّوْم فَقالَ سُبحانَه: (ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ‌ٱلۡحَيُّ ‌ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٌ) [سورة البقرة/ الآية 255]  مَعناهُ لا يَلْحَقُ اللهَ عَزَّ وَجَلّ السِّنَة وَالسِّنَة يَعْنِى النُّعاس وَالنُّعاسُ شىءٌ يُصِيبُ البَشَرَ يُصِيبُ الإِنسان مِنَ الضَّعْف. قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى حالَةِ النَّوْم يَمُرُّ بِحالَةِ النُّعاس. فَاللهُ بِما أَنَّهُ لا يُشْبِهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِه، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ السِّنَة أَيِ النُّعاس وَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّوْم. اللهُ تعالَى نَزَّهَ نَفْسَهُ فِى القُرءان عَنِ السِّنَةِ وَعَنِ النَّوْم كَما نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الزّوْجَة وَعَنِ الوَلَد نَزَّهَ نَفْسَهُ سبْحانَهُ عَنِ الاحْتِياج إِلَى ما يَحْتاجُ إِلَيْهِ سائِرُ البَشَرِ عادَةً مِنْ نَحْوِ الطُّعْمِ أَيِ الأكل فَقالَ سُبحانَه وَتعالى عنْ نَفْسِهِ (وَلَا ‌يُطۡعَمُ) [سورة الأنعام/ الآية 14]  مَعناهُ اللهُ تعالى لا يَجوزُ عَلَيْهِ ما يَجُوزُ عَلَى الخَلْقِ مِنَ الافْتِقارِ والاحْتِياجِ إِلَى الطّعام. بِما أَنَّ اللهَ تعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ هذه المذْكُوراتِ لِيُفْهِمَنا أَنَّهُ سُبحانَه وَتعالى كامِلُ الذّات، كامِلُ الصِّفات، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الآفاتُ وَالأَمْراضُ وَالمعايِبُ مُنَزَّهٌ عَنْها سُبحانَهُ وَتعالى.

وقَوْلُهُ ﷺ: «لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا» أَي أَنَّ اللهَ تعالى لا يَقْبَلُ شيئًا مِنْ أَقْوالِ العَبْد وَأعمالِهِ وأَمْوالِهِ إِلّا ما كانَ طَيِّبًا. فَلا يَقْبَلُ اللهُ مِنَ القَوْلِ إِلّا ما كانَ حَسَنًا طَيِّبًا مُوافِقًا لِشَرْعِ الله وَلا يَقْبَلُ اللهُ مِنَ أَعْمالِ العَبْدِ إِلّا عَمَلًا حَسَنًا طَيِّبًا مُوافِقًا لِشَرْعِ الله وَلا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةَ عَبْدٍ بِمال إِلّا أَنْ يَكُونَ هٰذا المالُ مِن حَلال فَلا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ مالٍ حَرام كَما أَنَّهُ لا يَقْبَلُ سبْحانَهُ عَمَلًا دَخَلَهُ شىءٌ خَبيثٌ كالرِّياءِ والعِياذُ بالله.

إِذا دَخَلَهُ الرِّياء وَهُوَ قَصْدُ مَدْحِ النّاس وَثنائِهِم عَلَى طاعَتِه مِنْ صَلاةٍ أَوْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نَحْوِ ذلك، فَهٰذا العَمَلُ لا يَقْبَلَهُ اللهُ، لأَنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ طَيّب بِسَبِبِ دخول الرّياء، لأَنّكَ لَمْ تبْتَغِ بِهِ وَجْهَ اللهِ وَحْدَهُ عَزَّ وَجَلّ. لِذلِكَ الإِنسانُ إِنْ جَمَعَ أَمْوالَهُ مِنْ حَرام فَتَصَدَّقَ بِهِ، لا يَكْسِبُ عَلَى صَدَقَتِهِ هذه أَدْنَى ثَواب لأَنَّ المالَ الحَرام مالٌ خَبيثٌ ليسَ بِطَيِّبٍ وَاللهُ تَعالى لا يَقْبَلُ إِلّا طَيِّبا.

نَسْمَعُ أَنَّ بَعْضَ النّاس فِى زَمانِنا يَقُولُ أَنا أَضَعُ المالَ فِى الرِّبا، فِى البُنُوك، وَأَشْرِطُ عَلَيْهِم جَرَّ المنْفَعَة، ثُمَّ هٰذه المنفَعَة، الفائِض، لا آكُلُهُ بَلْ أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الفُقراء أَوِ المحتاجِين أَوِ المساكِين. يُقالُ لِمِثْلِ هٰذا الإِنْسان: هٰذا المالُ الذي أَعْطَوْكَهُ زائِدًا عَلَى قَرْضِك، مالٌ خَبيثٌ! إِنْ تَصَدَّقْتَ بِهِ، لا تُثابُ عَلَيْه! فَكَما أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تأْكُلَ مالَ الرِّبا، لا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُطْعِمَهُ لِغَيرِك، وَلَوْ كانَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا! أَوْ يَتِيمًا لأَنَّ هٰذا المالَ كَالجَمْرَةِ الْمُشْتَعِلَة! الجَمْرَةُ الْمُشْتَعِلَةُ هَلْ يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُحْرِقَ بِها نَفْسَك؟؟ لا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُحْرِقَ بِها نَفْسَك لأَنَّ فِى إِحْراقِكَ لِنَفْسِكَ إِضْرارٌ بِها فكذلِك الجَمْرَةُ الْمُشْتَعِلَةُ لا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُحْرِقَ بِها غَيرَك.

يَتـَصَدَّرُ بَعْضُ الناسِ فِى زَمانِنا فَيُفتِي فَتاوَى ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطان. شَخْصٌ يَتَصَدَّرُ عَلَى الفَضائِيّات فِى أَيامِنا لَهُ كِتاب اسمُهُ الحَلالُ والحَرامُ فِى الإِسلام. فِى  كِتابِهِ هذا يَذْكُرُ فَتْوَى باطِلَة. يَقُول: يَجُوزُ للإِنْسان الذي أَخَذَ مالَ رِبَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلى فقراءَ أَوْ مَساكِين وَهذا كَلامٌ مَردُود، يَكْفِينا فِى رَدَّهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا»! مالُ الرِّبا مالٌ خَبيثٌ ليسَ طَيِّبًا، فَلا يَقْبَلُهُ اللهُ تعالى إِنْ أَعْطاهُ هذا الْمُرابِي لِفَقيرٍ أَوْ مِسْكِين.

الآن بعضُ النّاس قَدْ يَجِدُهُ يَبْخَلُ بِالمالِ الحلال وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالمالِ الحَرام وَرَبُّنا تعالى نَهانا فِى القُرءانِ فقال: (وَلَا ‌تَيَمَّمُواْ ‌ٱلۡخَبِيثَ ‌مِنۡهُ ‌تُنفِقُونَ) [سورة البقرة/ الآية 267]. (وَلَا ‌تَيَمَّمُواْ) معْناهُ لا تَقْصِدُوا بِجَمْعِكُم لِلْمالِ الخَبِيث، يَعنِى المال الحَرام (مِنۡهُ ‌تُنفِقُونَ) عَلَى أَنْفُسِكُم أَوْ عَلَى غَيرِكُم لأَنَّ مِثالَ هٰذا الإِنْسان الذي يَزْعُمُ أَنَّهُ لا يَأْكُلُ المالَ الحَرامَ، يَكْتَسِبُهُ مِنْ غَيرِ أَنْ يَطْعَمَه، بَلْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُرِيدُ إِعْطاءَهُ للفقراء وَالمساكِين، حالُهُ كَحالِ مَنْ قالَ فِى بَيتِ الشِّعر:

كَمُطْعِمَةِ الأَيْتامِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها *** لَكِ الوَيْلُ لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي!!

يَعْنِى بَعْضُ الزّانِيات اللاتي يَأْخُذْنَ أُجْرَةً عَلَى الزِّنى وَأُجْرَتُها عَلَى زِناها حَرام، لا شَكَّ وَلا رَيْب!! إِذا سُئِلَت لِماذا تَزْنِي وَتَأْخُذِينَ الأُجْرَةَ عَلَى الزِّنى، تَقول: “عِنْدِي أَيْتام، أُرِيدُ أَنْ أُطْعِمَهُم!” أَوْ “أُرِيدُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِبَعْضِ هٰذا المال عَلى الأَيْتام أَوِ المحْتاجِين”! هٰذا الشَاعِرُ ماذا قال؟

“كَمُطْعِمَةِ الأَيْتامِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها”: يَعْنِى مِنْ زِناها، “لَكِ الوَيْلُ” يَعْنِى لَكِ العَذابُ الشَّدِيدُ يَوْمَ القِيامَة، “لا تَزْنِي” لأَنَّ اللهَ نَهاكِ عَنِ الزِّنَى “وَلا تَتَصَدَّقِي” مِمّا تَكْتَسِبينَهُ مِنَ الزِّنَى، لأَنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ مِنَ الصَّدَقات إِلّا ما كانَ حَلالًا طَيِّبا!

فالإنسان يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ مالا مِنْ طَريقٍ أَحَلَّها الشَّرعُ وَأَنْ يَضَعَ هذا المال فِى وُجُوهٍ أَحَلَّها الشّرع.

إِنْ أَخَذْتَ المالَ مِنْ حَرام، فَعَلَيْكَ مَعْصِيَة باكْتِسابِكَ لِهذا الحَرام وَلَوْ أَنْفَقْتَهُ فِى بِناءِ مَسْجِد أَوْ إِطْعامِ فَقِير أَوْ إِعْطائِهِ لِيَتِيم عَلَيْكَ مَعْصِيَةٌ لأَنَّكَ تَصَرَّفْتَ بِمالٍ حَرام! وَإِنِ اكْتَسَبْتَهُ مِنْ طَرِيقٍ حَلال، أَحَلَّهُ اللهُ تعالى، وَأَنْفَقْتَهُ فِى مَوْضِعٍ حَرَّمَهُ الشّرع، أَيْضًا عَلَيْكَ مَعْصِيَة لأَنَّكَ أَنْفَقْتَ هذا المالَ الذي اكْتَسَبْتَهُ مِنْ حَلال فِى حَرام! كَيْفَ تَنْجُو يَوْمَ القِيامَة؟ بِأَنْ تَكْتَسِبَ المالَ مِنْ حَلال وَتَضَعَهُ فِى حَلال، أَنْ لا تَعْصِيَ اللهَ فِيه وَأَنْ تَشْكُرَ اللهَ تعالى أَنْ أَوْصَلَ هذا المالَ الحلالَ إِلَيك. كَيفَ يَكونُ شُكْرُكَ لِهذا المال الحلال الذي أَعْطاكَهُ الله تعالى؟؟ بِأَنْ تَصْرِفَهُ فِى وُجُوهِ الخَير. هٰكذا يَكونُ شُكْرُكَ للهِ تعالى عَلَى هٰذا المالِ الحَلال وَبِهذا تَكُونَ أَدَّيْتَ شُكْرًا.

ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ»، مَعْناهُ الْمُرْسَلُونَ مِنْ أَنْبِياءِ الله أَيْضًا أُمِرُوا بِأَنْ يأْكُلُوا المالَ الحلال كَما أُمِرَت أُمَمُهُم، كَما أُمِرَ المؤْمِنُونَ مِنْ أُمَمِ هؤلاءِ المرْسَلِين أَنْ يَأْكُلُوا الحلالَ الصِّرْف، كَذلِكَ الْمُرْسَلُونَ أُمِرُوا بِذٰلِكَ. فَهُم وَالمرسَلون عَلَى حَدٍّ سَواء بِعَدَمِ أَكْلِ المال الحَرام، عَلى أَنَّ الأَنبياء وَالمرسَلِينَ لا يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الناسِ بِالباطِل، عَلى أَنَّ الأَنبياء وَالمرسَلِينَ لا يَقَعُونَ فِى هذه المَعْصِيَة وَهِيَ أَكْلُ المالِ الحَرام! هٰذا لا يَحْصُلُ مِنْ نِبِيٍّ مِنْ أَنبياءِ الله وَلكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ المؤْمِنين بِما أَمَرَ بِهِ المرْسَلِين فَقال: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ ‌كُلُواْ ‌مِنَ ‌ٱلطَّيِّبَٰتِ ‌وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًا) [سورة المؤمنون/ الآية 51]  ما مَعْنَى ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ فِى هذا الموْضِعِ مِنْ قَوْلِهِ تعالى؟؟ الطِّيِّباتُ جَمْعُ طَيِّب وَالطَّيِّبُ هُنا مُرادُهُ الحَلال. كَلِمَة “طَيِّب” جاءَت فِى اللُّغَة بِمَعْنى الحَلال وَجاءَت فِى اللُّغَة بِمَعْنى الطَّعام الْمُشْتَهَى الْمُسْتَلَذّ. نَقُول: هٰذه الأَكْلَة طَيّبَة. ماذا نَقْصِدُ بِذلِك؟ لَذِيذَة! إِذا أَكَلْتَها تَسْتَلِذُّ بِها. وَهُنا قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أَيْ كُلُوا مِنَ الحَلال الصِّرف وَإِلّا فَالأَنْبِياءَ وَالمرْسَلِينَ عادَتُهُم أَنَّهُم زاهِدُونَ فِى الدُّنيا.

قَدْ يُوجَدُ عِنْدَهُم الطّعامُ الْمُشْتَهَى الْمُسْتَلذ الذي يسْتَطْيِبُهُ النّاس وَيَشْتَهُونَه، فَتَجِدُ الأَنْبِياءَ وَالمرْسَلِينَ يَكْسِرُونَ أَنْفُسَهُم وَيَأْكُلُونَ غَيْرَه مَعَ اسْتِطاعَتِهِم لأَنْ يَأْكُلُوا الطّعامَ الْمُشْتَهَى الْمُسْتَلذ، لِماذا؟ لأَنَّهُم لا يَتَنَعَّمُونَ! أَنْبِياءُ اللهِ جَمِيعًا لا يَتَنَعَّمُونَ وَإِنْ كانَ التَّنَعُّمُ مِنْ مالٍ حَلال جائِزًا ليسَ مُحَرَّمًا لَكِنَّهُم عَوَّدُوا أَنْفُسَهُم عَلَى التَّقَلُّل وَعَلى الزُّهد وَترِك التَّوَسُّع فِى المأْكُولاتِ وَالمشْروباتِ وَالملابِس لأَنَّ هذا يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَكْثَر وَلِذا أَوْصَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سيِّدَنا مُعاذَ بْنَ جَبَل رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ وَدَّعَهُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى ناحِيَة لِيَدْعُوَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلّ، قالَ لَهُ: «إِيَّاكَ ‌وَالتَّنَعُّمَ؛ فَإِنَّ عِبَادَ اللهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ» رواه أحمد في مسنده.

«إِيّاكَ وَالتَّنَعُّم» مَعْناه لا تَطْلُبِ التَّنَعُّمَ فِى المآكِل وَالمشارِبِ وَالملابِس وَإِنْ كانَ التَّنَعُّمُ مِنْ مالٍ حَلال جائِزًا، حَلال، لَكِن الإِكْثارُ مِنْ هٰذا التَّنَعُّمِ مَكْرُوهٌ فى الشَّرْع وَعِبادُ اللهِ الكُمَّل، أَولِياءُ الله، لا يَتَنَعَّمُون. صِفَتُهُم أَنَّهُم لا يَتَنَعَّمُون. وَلِذا نَسْمَعُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ سُلَيْمان الذي آتاهُ اللهُ الملْكَ الواسِع كَما لا يَخْفَى عَلَى واحِدٍ مِنْكُم، كانَ كُلَّ يَوْمٍ يَذْبَح لِقَوْمِهِ مائَةُ أَلْفِ شاة، يُطْعِمُهُم اللَّحم وَيَذْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثِينَ أَلْف بَقَرَة وَهُوَ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِير واللبَن الذي صارَ فِيهِ الحُمُوضَة وَلا يَأْكُلُ كَما أَطْعَمَ أُمَّتَه وَلَوْ أَراد، لأَكَلَ الذَّهَبَ واللآلِئ وَالجَواهِر، لأَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَهُ الجِنَّ يَجْلِبُونَ لَهُ مِنَ البِحارِ ما شاء مِنَ اللآلِئ وَالجَواهِر! وَمَعَ هذا كانَ يَعِيشُ عِيشَةَ الزُّهّاد.

سيِّدُنا عِيسَى عَلَيْهِ السلام، ما كانَ يَمْلِكُ بيتًا بَلْ كانَ يبيتُ حيثُ يُدْرِكُهُ المساء. إِنَ أَدْرَكَه المساء وَهُوَ فِى المسْجِدِ باتَ فِى المسجِد وَإِنْ أَدْرَكَه المساء وَهُوَ فِى البَرِّيَّةِ باتَ فِى البَرِّيَّة! لا يَمْلِكُ بيتًا وَكانَ يَأْكُلُ مِمّا تنْبِتُ الأَرْض مِنَ الحشائِش كالهُنْدَباء وَنَحْوِها. هذا طَعامُ نَبِيِّ اللهِ عِيسَى عَلَيْهِ السلام. وَكُلُّكُم سَمِع أَنَّ نَبِيَّنا ﷺ كانَ يَمُرُّ بِهِ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ وَلا يُوقَدُ فِى بَيْتِهِ نارٌ يَعْنِى للطّبِيخ. كانَ يَأْكُلُ الأَسْوَدين، التَّمْرُ وَالماء. يَعِيش شَهْرًا وَشَهْرَين لا يَأْكُلُ إِلّا التَّمْرُ وَالماء، مَعَ أَنَّ اللهَ تعالى أَعْطاهُ كِفايَتَه وَمَع ذلِك كانُ يُؤْثِرُ عِيشَةَ الزُّهْدِ عَلَى التَّوَسُّعِ فِى المطاعِم وَالمَشارِب لأَنَّ هٰذا أَقْرَبُ إِلَى اللهِ تعالى وَلِذا، لا بُدَّ أنْ يَكونَ معنَى قَولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أَيْ مِنَ الحَلال، لا مِنَ الطّعام الْمُشْتَهَى الْمُسْتَلَذّ الذي فِيهِ التَّنَعُّم، لأَنَّ الأَنبياء لا يَتَنَعَّمُون وَلأنَّ عِبادِ الله الكُمَّلَ، أَوْلِياءِ الله، لا يَتَنَعَّمُون!

سُمِّيَ الحَلالُ طَيِّبًا لأَنَّ اللهَ تعالى طَيَّبَهُ لآكِلِهِ وَمُتناوِلِه وَإِنْ لَمْ يَسْتَلِذَّ يَعْنِى وَإِنْ لَمْ يَجِد فِى أَكْلِهِ لَهُ لَذَّة لَكِنَّه حلال فَيَسْتَطْيِبُهُ لأَنَّهُ حَلال وَإِنْ لَمْ يَكُن فِيهِ لَذَّة. وَالحَرامُ خَبِيثٌ وَإِنْ كانَ مُشْتَهًا مُسْتَلَذًا عِنْدَ آكِلِهِ وَمُتناوِلِه.

أَلَسْتُم تَرَوْنَ أَنَّ لَحْمَ الخِنْزِير وَهُوَ مُحَرَّمٌ بالإِجْماع يَسْتَلِذُّ مَنْ يَأْكُلُه؟ لَكِنَّهُ وَبالٌ وَعُقُوبَةٌ عَلَى آكِلِهِ وَإِنْ كانَ يَشْتَهِيهِ وَيَسْتَلِذُّه.

وَقَدْ يَطْعَمُ الإِنْسانُ الصَّبِر وَالصَّبِر نَباتٌ مُرٌّ لَيسَ لَذِيذَ الطَّعْم لَكِنْ قَدْ يَأْكُلُهُ مُتَناوِلُهُ طَلَبًا للتَّداوِي وَهُوَ حَلالٌ بِالإِجْماع. فَالخِنْزِيرُ حَرامٌ بالإِجْماعِ مَعَ كَوْنِ آكِلِهِ يَشْتَهِيهِ وَيَسْتَلِذُّه وَالصَّبِر حَلالٌ بالإِجْماع مَعَ كَوْنِ آكِلِهِ لا يَسْتَلِذُّهُ وَلا يَسْتَطِيِبُه! لِذلِكَ قالَ بَعْضُ الشُّعَراء:

لإِنْ كانَ طَعْمُ الصَّبرِ مُرًّا فَعِفْتَهُ *** فَقَدْ يُجْتَنَى مِنْ غِبِّهِ الثَّمَرُ الحُلْوُ

 لإِنْ كانَ طَعْمُ الصَّبرِ مُرًّا فَعِفْتَهُ: يَعْنِى كَرِهْتَهُ لأَجْلِ مَرارَتِهِ.

وَلِيَحْرِصِ الواحِدُ مِنّا أَنْ يَكُونَ مَطْعَمُهُ حَلالًا لأَنَّ هذا اللَّحْمَ الذي يَنْمُو عَلَى بَدَنِك، إِنْ كانَ مِنْ حَرام، النّارُ أَوْلَى بِهِ! روى الطبراني في المعجم الكبير أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ – يَعْنِى عَلَى بَدَنِ آكِلِهِ – مِنْ ‌سُحْتٍ – أَيْ مِنْ حَرام – فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ»!!!

يروى أَنَّ بَعْضَ النّاس كانَ قاطِعَ طَرِيق سِنين مِنْ عُمُرِهِ يَأْخُذُ مِنَ المّارِّين أَمْوالَهُم غَصْبًا بالقُوَّة وَيَأكُلُ هذا المال ثُمَّ أَلْهَمَهُ اللهُ التَّوْبَةَ فَتابَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلّ  وَبالتّالِي، حَتَّى تَصِحَّ تَوْبَتُهُ، لا بُدَّ أَنْ يُرْجِعَ هذا المالَ لأَصْحابِهِ لَكِنَّهُ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ أَصْحابِ هذا المال لأَنَّهُم كانُوا يَمُرُّونَ بِهِ فِى أَسْفارِهِم فَأَيِسَ مِنَ الوُصُولِ إِلَيْهِم. فَتابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ وَعَقَّدَ قَلْبَهُ أَنَّهُ إِنْ وَصَلَ إِلَى أَصْحابِ هذا المال، أَنَّهُ يَرُدُّ لَهم أَمْوالَهُم. لَكِنْ زِيادَةً عَلَى تَوْبَتِهِ هذه وَعَقْدِ قَلْبِهِ، آثَرَ أَنْ يَصُومَ كُلَّ يَوْم. صارَ يَصُومُ كُلَّ يَوم. حِينَ سُئِلَ عَنْ هٰذا، فقال: لأَنَّ هٰذا اللحْمَ الذي نَمَى عَلَى بَدَنِي إِنَّما هُوَ مِنَ المال الحَرام فَأَنا بِصِيامِي هذا أُرِيدُ أَنْ أُذِيبَهُ. يَعْنِى حَتّى يَذْهَبَ هٰذا اللحْمُ الذي نَمَى عَلَى بَدَنِهِ مِنْ حَرام، كانَ يَصُومُ كُلَّ يَومٍ حَتَّى يَضْعُفَ بَدَنُهُ وَيَذْهَبَ هذا اللحْمُ عَنْ بَدَنِهِ.

لِذلِكَ يا أَحْبابَنا، «مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ ‌سُحْتٍ – أَيْ مِنْ حَرام – فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» رواه الطبراني في المعجم الكبير.

قال ﷺ: «ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ» وَقَدْ يَكُونُ سَفَر هَذا الرَّجُل لِحجّ أَوْ لِعُمرة أَو لِصِلَةِ رَحِم، يَعْنِى قَدْ يَكُونُ سَفَرُ هذا الرَّجُل فِى طاعَة «ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ» الأَشْعث هُوَ الذي تَلَبَّدَ شَعَرُهُ مِنَ الغُبار مِنْ كَثْرَةِ سَفَرِهِ وَطُولِ سَفَرِهِ وَلَوْ فِى الطّاعَة، تَلَبَّدَ شَعَرُهُ. «أَغْبَر» يَعْنِى أَصابَ وَجْهَهُ وَبَدَنَهُ وَثِيابَهُ الغُبار مِنْ طُولِ سَفَرِهِ،

«يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ»، يَعْنِى يسْأَلُ اللهَ تعالى وَإِنَّما يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السّماءِ لأنَّ السَّماءَ قِبْلَةُ الدُّعاء. الدّاعِي يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلى السَّماء، لِماذا؟ لأنَّ السَّماءَ قِبْلَةُ الدُّعاء، لا لأَنَّ اللهَ تعالى يسْكُنُ السَّماء! اللهُ تعالى خالِقُ السَّماءِ فَلا يَحْتاجُ إِلَيْها! كانَ قَبْلَ خَلْقِ السّمواتِ بِلا سماء وَبَعْدَ أَنْ خَلَقَ السّماء اللهُ تعالى لا يَتَغَيَّر! لا يَحُلُّ فِيها بَعْدَ خَلْقِها لأَنَّ سُبحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ السَّماءِ وَعَنْ سائِر خَلْقِهِ لا يَحتاجُ إِلَى شىءٍ مِنْ خَلْقِه أَزَلًا وَأَبَدا. فَلَمّا كانتِ السَّماءَ قِبْلَةُ الدُّعاء مَدَّ يَدَيْهِ وَرَفَعَهُما سائِلًا اللهَ سبحانَهُ وَتعالى، كَما أَنَّ المُصَلِّي يسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ فِى صَلاتِهِ، لِماذا؟ لأَنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةُ الْمُصَلِّي.

«يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ»، يَعْنِي يَسألُ الله ويدْعُو وَيَطْلُبُ مِنْه ويَتَذَلَّلُ له: «يَا رَبُّ! يَا رَبُّ!»، يَعْنِي يا رَبُّ أَعْطِنِي كَذا وَيا رَبُّ نَجِّنِي مِنْ كذا، يَسأَلُ اللهَ أَنْ يُعْطِيهِ أَشْياءَ تَنْفَعُه، وَيَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُنَجِّيَه مِمّا يَسُؤُهُ وَيَضُرُّه. «يَا رَبُّ! يَا رَبُّ!»

وَقالَ ﷺ: «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ» مَعْناهُ أَكَلَ طَعامًا حَراما فاسْتَقَرَّ فِى جَوْفِه! «وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ»، يَعْنِي مَشْرَبُهُ مَصْدَرُهُ مِنْ حَرام! «وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ» حَتّى اللِّباس الذي يَسْتُرُ بِهِ بَدَنَهُ اكْتَسَبَهُ مِنْ مالٍ حَرام! «وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ» يَعْنِي رَبَى لَحْمُهُ عَلَى بَدَنِهِ مِنْ مالٍ حَرام!

فَقالَ ﷺ: «فَأَنَّى يستجاب لِذلِك»!! مَعْناهُ مِنْ أَيْنَ يُسْتَجابُ لَه وَقَدْ أَكَلَ الحَرام وَشرِبَ حَرام وَلَبِسَ حَرام وَغُذِيَ بِالحَرام؟؟ مَعناهُ أَكْلُ الحَرام قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِى عَدَمِ اسْتِجابَةِ اللهِ تعالى لِدُعائِك! إِنْ أَكَلْتَ الحَرام وَشرِبْتَ الحَرام وَغُذِيَ بَدَنُكَ بالحَرام، إِنْ دَعَوْتَ، قَدْ لا يَسْتَجِيبُ اللهُ لَدُعائك! لأَنَّهُ مِنْ أَسْبابِ اسْتِجابَةِ الدُّعاء وَتَحْقِيقِ مُرادِك، إِذا سَأَلْتَ اللهَ عَزَّ وَجَلّ أَنْ لا تُدْخِلَ جَوْفَكَ إِلّا الحَلال الصِّرْف، الحَلال الْمُتَيَقَّن أَنَّهُ مِنْ مَصْدَرٍ أَحَلَّهُ الشَّرْعُ وَأَباحَه.

قَدْ يَقُولُ بَعْض الناس الآن: نَسأَلُ اللهَ وَنَسْأَلُ اللهَ مَرّاتٍ وَمَرّات وَلا نَرى اسْتِجابَةَ للدُّعاء، لا يُسْتَجابُ لَنا!! أَقُولُ لِمِثْلِ هذا: حَقِّقِ النَّظَرَ فِى مَكْسَبِك، فِى مَطْعَمِك، فِى مَشْرَبِك، مِنْ أَيْنَ يَصِلُ إَلَيْكَ هذا المال! هَلْ هُوَ مالٌ حَرام هَل هُوَ مالٌ فِيهِ شُبْهَةُ الحرام، أَمْ ماذا؟؟ ثُمَّ حَقِّقِ النَّظَرَ فِى نِيَّتِك وَفِى تَذَلُّلِك حالَةَ سُؤالِكَ للهِ سبْحانَه!

لذٰلِك سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاص الصّحابِيّ الجَليل سأَلَ رَسُول اللهِ ﷺ فقالَ لَه: “يا رَسُولَ الله، ادْعُو اللهَ لِي أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَة” فَأَرْشَدَهُ الرَسُول ﷺ إِلَى مِفْتاحِ اسْتِجابَةِ الدُّعاء فَقالَ لَه ﷺ: «يَا سَعْدُ ‌أَطِبْ ‌مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ». فَكانَ سَيِّدُنا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاص مُحَقِّقًا لِهذا الشّرط فاسْتَجابَ اللهُ تعالى دُعاءَ نَبِيِّنا ﷺ فِيه فَكانَ إِذا دَعَى سَعْدٌ، يَسْتَجِيبُ اللهُ تعالى لِدُعائِه وَهٰذا شىءٌ مَعْرُوف بينَ أَصْحابِ رَسُول اللهِ ﷺ أَنَّ سَعْدًا حَصَلَت مَعَهُ جُمْلَةُ حَوادِث تَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ كانَ مُجابَ الدَّعْوَة.

لذٰلِك إِذا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ مُجابَ الدَّعْوَة فانْظُر مَطْعَمَك، ما تُدْخِلُ إِلَى جَوْفِكَ وَبَطْنِك، ثُمَّ سَلِ اللهَ تعالى.

بَعْضُ الشُّعَراءِ يَقُول:

نَحنُ نَدْعُو الإلٰه فِى كُلِّ كَرْبٍ *** ثُمَّ نَنْساهُ عِنْدَ كَشْفِ الكُــــــروبِ

كَيْفَ نَرْجُو إِسْجابةً لــــــدُعاءٍ *** قد ســـَــــدَدْنا طَرِيقـَـها بِالذُّنُوبِ

وَهٰذا مُلاحَظٌ! بَعْضُ النّاسِ يَسْأَلُ اللهَ تَعالى عِنْدَ الكَرْب وَيَلْجَأُ إِلَى اللهِ عِنْدَ الشِّدَّة، فَإِذا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ وَشِدَّتَه، يَتْرُكُ سُؤالَ اللهِ عَزّ وَجَلّ!!! ثُمَّ قالَ:

كَيْفَ نَرْجُو إِسْجابةً لــــــدُعاءٍ *** قد ســـَــــدَدْنا طَرِيقـَـها بِالذُّنُوبِ

عَلَى أَنَّ فَضْلَ اللهِ تَعالى عَظِيم، قَدْ يسْتَجِيبُ اللهُ للعاصِي إِذا سَأَلَهُ وَدَعاه! لٰكِن كَثِيرًا ما تَكُونُ الذُّنُوبُ مانِعَةً مِنِ اسْتِجابَةِ اللهِ لِدُعاءِك وَكَثِيرًا ما يَكُونُ المالُ الحَرام حِجابًا لاسْتِجابَةِ اللهِ تعالى لِدُعاءِك.

لِذا يا أَحبابَنا الواحِدُ مِنّا سَيَأْكُلُ رِزْقَهُ لا محالة، فَحقِيقٌ بِهِ وَجَدِير أَنْ يَطْلُبَ رِزْقَهُ مِنَ الوُجُوه التي أَحَلَّها اللهُ عَزَّ وَجَلّ لأَنَّ المالَ الحَرام وَبالٌ على صاحِبِهِ فِى الدُّنيا والآخِرَة! إِيّاكَ وَالغَشَّ فِى البَيْع! إِيّاكَ وَالخِيانَة فِى مُعامَلاتِك! إِلْزَم شَرْعَ اللهِ تعالى وَلَوْ كانَ رِبْحُكَ قليلا، فَلا تَطْمَع فَتأْكُلَ أَمْوالَ الناسِ بِالباطِل لأَنَّ الطَّمَع إِذا كانَ فِى قَلْبِ الإِنْسان، أَكَلَ رأْسَ الفِيلِ وَلَمْ يشْبَع! مَنْ لَمْ يَقْنَع، بَلْ طَمِع، أَكَلَ رأْسَ الفِيلِ وَلَمْ يشْبَع! مَعْرُوفٌ أَنَّ رأْسَ الفِيلِ كَبيرٌ جِدًا. إِذا دَخَلَ عَلَيْكَ الطَّمَع، فاعْلَم أَنَّ الطَّمَعَ قَدْ يَكُونُ سَببًا فِى أَنْ تَأْكُلَ أَمْوالَ النّاس بِغَيرِ حَقٍّ، بِالغَشِّ وَالخِيانَةِ، وَالخِداع وَالتَّدْلِيس وَالاحْتِيال. نَسأَلُ اللهَ تعالى السّلامَةَ وَالأَمان!

وقالَ ﷺ فِيما رَواهُ البُخارِيُّ فِى صَحيحِه: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ – أَي مِنَ المال -، أَمِنَ ‌الْحَلَالِ ‌أَمْ ‌مِنَ ‌الْحَرَامِ»

وَهٰذا الزّمان الذي وَصَلْنا إِلَيْهِ مِصْداقُ قَوْلِهِ ﷺ!! البَعْضُ لا يُبالي!! الْمُهِمُّ أَنْ يَجْمَعَ المال! وَبَعْضُهُم قَدْ يَقُول: أَنا أَجْمَعُ المال، عِنْدِي أَوْلاد صِغار أُرِيدُ أَنْ أُطْعِمَهُم! فَيَلْجَأُ إِلَى الحَرام بِحُجَّةِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَترُكَ لأَوْلادِهِ الصِّغار تَرِكَة! يُقالُ لِمِثْلِ هٰذا الإِنسان: أَنْت اكْتَسِب المالَ مِنْ حَلال وَلا تَعِش عُمُرَكَ فِى هَمِّ أَوْلادِك مِنْ بَعْدِك! بَلْ أَنْقِذ نَفْسَكَ ما دُمْتَ حَيًّا مِنْ  النّار بِأَنْ تَكْتَسِبَ المالَ مِنْ حَلالٍ لا مِنْ حَرام واتْرُك أَوْلادَك لِرازِقِهِم،

فَإِنَّ الذي شَقَّ الأَشْداق لا يَتْرُكُها بِلا أَرزاق! ثُمَ إِن كانَ أَوْلادَك تَرَبَّوْا تَرْبِيَةً حَسَنَةً ونشأوا عَلَى تَقْوَى الله، فَوَعْدُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ للأَتْقِياء أَنَّهُ يَرْزُقُهُم مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُون! قالَ تعالى: (وَمَن ‌يَتَّقِ ‌ٱللَّهَ ‌يَجۡعَل ‌لَّهُۥ ‌مَخۡرَجٗا * وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُ) [سورة الطلاق/ الآية 2-3] إِذا كانَ أَوْلادُك عَلَى تَقْوَى وَصَلاح، فَوَعْدُ اللهِ لا يُخْلِفُهُ سبْحانَه! أَنَّ اللهَ تعالى يُوصِلُ إِلَيْهِمُ الرِّزْقَ مِنْ حَيثُ لا يَحْتَسِبُون! مِنْ حَيثُ لا يُظُنُّونَ أَنَّ الرِّزْقَ سيَصِلُ إِلَيْهِم! وَإِنْ كانَ أَبْناءُكَ فُسّاقٌ، لا يُبالُونَ بالْتِزامِ شَرْعٍ وَلا بِأَداءِ واجِب وَلا باجْتِنابِ مُحَرَّم فَلَا تَكُونُ مُعِينًا لَهُم بِما تَتْرُكُهُ لَهُم مِنْ مالٍ مِنْ بَعْدِك! لأَنَّهُم سَيَسْتَعْمِلُونَ هٰذا المالَ فِى فِسْقِهِم فَلَا تَكُنْ مُعِينًا لَهُم بَعْدَ وَفاتِكَ عَلَى فِسْقِهِم! لِذٰلِكَ فَكِّر فِى خَلاصِ نَفْسِكَ مِنَ الحَرام فَإِنَّ نَبِيِّنا ﷺ قال فيما رواه أحمد في مسنده: «إِنَّ ‌الْوَلَدَ ‌مَبْخَلَةٌ ‌مَجْبَنَةٌ»! ما مَعنَى «مَبْخَلَةٌ»؟ مَعناهُ كَثيرًا ما يَبْخَلُ الآباءُ عَنِ الإِنْفاقِ فِيما أَوْجَبَ الله، مِنْ زَكاةٍ وَنَحْوِ ذلِكَ، لأَجْلِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدَّخِرَ هذا المال لِوَلَدِهِ!! فَيَقَعُ فِيما حَرَّمَ الله بِتَرْكِ دَفْعِ الزَّكاة وَيَبْخَلُ عَنْ تَأْدِيَتِها بِحُجَّةِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدَّخِرَ هٰذا المال لِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ! لِذلِكَ قالَ ﷺ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: «إِنَّ ‌الْوَلَدَ ‌مَبْخَلَةٌ ‌مَجْبَنَةٌ»، «مَبْخَلَةٌ» مَعْناهُ يَدْعُو والِدَهُ إِلَى البُخْلِ بِما أَوْجَبَ اللهُ تعالى وَبِما آتاهُ الله، ثُمَّ هُوَ «مَجْبَنَة» لأَنَّ الوالِدَ قَدْ يَتَقاعَسُ عَنِ الخُرُوجِ للجِهاد فِى سبيلِ الله لأَجْلِ أَنَّهُ لا يُرِيدُ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنْ وَلَدِه. يَقُولُ فِى نَفْسِهِ إِنْ خَرَجْتُ لِلقِتال أُقْتَلُ فَأَبْتَعِدُ عَنْ وَلَدِي فَيَجْبُنُ عَنِ القِتال!!

اكْتَسِبِ الرِّزْقَ منَ الوُجُوهِ التي أَحَلَّها اللهُ تعالى لَك وَإِياكَ والحَرام. ما قسمه اللهُ لَكَ مِنْ رِزق لا بُدَّ أَنْ يَصِلَك وَلَن تَمُوت نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها وَأَجَلَها.

روى الطبراني في المعجم الكبير عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «أَنَّ نفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى ‌تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا» آخِرُ لُقْمَة هِيَ مِنْ رِزْقِك، لا بُدَّ أَنْ تَأْكُلَها قَبْلَ وَفاتِك. فاطْمَئِنَّ قَلْبًا وَأَرِحْ بالًا!

عَلِمْتُ أَنَّ رِزْقِي لَنْ يَأْكُلَهُ أَحَدٌ غَيرِي فَاطْمَأَنَّ قَلْبِي!

واحِد مِنَ التُّجّار الذينَ ما خَسِرَ فِى حَياتِهِ، كُلَّ ما باعَ واشْتَرَى رَبِح! كُلَّ ما باعَ واشْتَرَى رَبِح، سنين، وَكانَ ذا مالٍ واسِع. حَتَّى إِنَّهُ اشْتَهَى أَنْ يَخْسَرَ وَلَوْ مَرَّة! تَمَنّى أَنْ يَشْعُرَ ما شُعُور الخاسِر فِى تِجارَتِهِ. فَشَكَى أَمْرَهُ إِلَى بَعْضِ النّاس، فَقالُوا لَهُ: تَشْتَرِي تَمْرًا مِنَ الكُوفَة وَبِعْهُ فِى البَصْرَة! ليش؟ لأَنَّ تَمْرَ الكُوفَةِ قليل، لا يوجَد كَثير مِنَ النّخِيل فَعادَةً يَكون غالي. والبَصْرَة فِيها نَخِيلٌ كَثِير فَلِكَثْرَةِ النّخِيل فَعادَةً يَكون التَّمر فِيه رَخِيص، فاشْتَرَى تَمر مِنَ الكُوفَة وَأَخَذَهُ إِلَى البَصرة لِيَبِيعَهُ وَهُوَ يَتَمنَّى أَنْ يَخْسَر، فَذلِكَ العام، لَمْ تُنْتِج أَشْجارُ البصرَة كما كانت تُنْتِج! فباعَ التَّمْرَ وَرَبِحَ كَثِيرًا!!

لِذلِكَ يا أَحبابَنا، ما قَسَمَهُ اللهُ تعالى لَكَ مِنَ رِزق، لا بُدَّ أَنْ يَصِلك، فَكُل رِزْقَكَ مِنْ حَلال وَإِياكَ وَالحَرام!

نَسأَلُ اللهَ أَنْ يُوَفِّقَنا لِرِضاه وَأَنْ يَخْتِمَ لَنا بِخِتامِ خَير …

والله تعالى أعلم وأحكم