رياض الصالحين (193)| ترك إنكار المنكر وأثره في البلاء وإجابة الدعاء

الحَمدُ للهِ الَّذِي يُجِيبُ سَائِلَهُ حَيثُ لَا يَخِيبُ، وَيُثِيبُ التَّائِبَ حِينَ يُنِيبُ، وَيَخْشَعُ ذَاكِرُهُ وَذِكرُهُ يَطِيبُ، المَوْجُودِ بِلَا ابْتِدَاءٍ، البَاقِي بِلَا انْتِهَاءٍ، المُنَزَّهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ وَالمِثْلِ وَالنِّدِّ وَالشَّرِيكِ، لَا يَحِلُّ فِي مَكَانٍ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ، وَلَا تُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الأَفْهَامُ، وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، خَلَقَ العَالَمَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ، وَدَبَّرَ الأُمُورَ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ، فَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا يُعْطِيهِ، يُبصِرُ دَبِيبَ المَاءِ فِي العُودَينِ اليَابِسِ وَالرَّطِيبِ، وَيَعلَمُ عَدَدَ مَا يَحوِي مِنَ الذَّرِّ الكَثِيبُ، يَقسِمُ الرِّزقَ فَلَا يَنسَى الحُوتَ فِي البَحرِ. ﴿وَمَا تَوفِيقِي إِلَّا بِاللهِ، عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ضَجِيعِهِ فِي تُربِهِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي لا يَسِيرُ الشَّيطَانُ فِي سِربِهِ، وَعَلَى عُثمَانَ الشَّهِيدِ فِي دَارِهِ وَمِحرَابِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مُعِينِهِ وَمُغِيثِهِ فِي كَربِهِ، وَعلى عَمِّهِ العَبَّاسِ المُقَدَّمِ عَلَى أَهلِهِ وَحِزبِهِ، وَعَلَى وَآلِهِ وَصَحبِهِ. أَمَّا بَعدُ:

فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الثالث وَالتِّسعِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابُ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ.اهـ نَقرَؤُهُ كَامِلًا وَنَشرَحُهُ إِن شَاءَ اللهُ. قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

العَاشِرُ: عَن حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَتَأمُرُنَّ بِالمَعرُوفِ، وَلَتَنهَوُنَّ عَنِ المُنكَرِ أَو لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَن يَبعَثَ عَلَيكُم عِقَابًا مِنهُ ثُمَّ تَدعُونَهُ فَلَا يُستَجَابُ لَكُم». رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ».

الشَّرحُ

العَاشِرُ

هُوَ الحَدِيثُ العَاشِرُ مِن بَابِ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّالث وَالتِّسعون بَعدَ المِائَةِ.

عَن حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ 

ترجمةُ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ

  • نَسَبُهُ وكُنْيَته

هُوَ حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ بنِ جَابِرٍ العَبْسِيُّ، ويُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللهِ. واسْمُ اليَمَانِ: حِسْلٌ، ويُقالُ: حُسَيْلُ بنُ جَابِرٍ العَبْسِيُّ، اليَمَانِيُّ، حَلِيفُ الأَنْصَارِ، مِنْ أَعْيَانِ المُهَاجِرِينَ، ومِنْ نُجَبَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ صَاحِبُ السِّرِّ. 

وأُمُّهُ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، مِنَ الأَوْسِ، مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، اسْمُهَا الرَّبَابُ بنتُ كَعْبِ بنِ عَدِيِّ بنِ عَبْدِ الأَشْهَلِ.

  • سَبَبُ لَقَبِ اليَمَانِ وحِلْفُهُ لِلأَنْصَارِ

كانَ والِدُهُ حِسْلٌ قدْ أَصابَ دَمًا في قَوْمِهِ، فَهَرَبَ إلى المَدِينَةِ، وحالَفَ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَمَّاهُ قَوْمُهُ: اليَمَانَ؛ لِحِلْفِهِ لِلْيَمَانِيَّةِ، وهُمُ الأَنْصَارُ. أَسْلَمَ هُوَ وأَبُوهُ.

  • إِسْلَامُهُ وصُحْبَتُهُ

كَانَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنْ كِبَارِ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَهَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، فاختارَ النُّصْرَةَ. وكانَ يقولُ: «خَيَّرَنِي رسولُ اللهِ  بَيْنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، فاخْتَرْتُ النُّصْرَةَ».

وَقَالَ الوَاقِدِيُّ: آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ حُذَيْفَةَ وعَمَّارٍ.

  • عَدَمُ شُهُودِهِ بَدْرًا

لَمْ يَشْهَدْ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَدْرًا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ هُوَ وأَبُوهُ، فَأَخَذَهُمَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، وقالُوا: إنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا. فقالَا: ما نُرِيدُ إلا المَدِينَةَ. فأَخَذُوا العَهْدَ عَلَيْهِمَا أنْ يَنْصَرِفَا إلى المَدِينَةِ، وَأَلَّا يُقَاتِلَا مَعَهُ. فَأَخْبَرَا النَّبِيَّ ﷺ، فقالَ: «نَفِي بِعَهْدِهِمْ، ونَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِم».

  • شُهُودُهُ أُحُدًا واسْتِشْهَادُ أَبِيهِ

شَهِدَ حُذَيْفَةُ وأَبُوهُ حِسْلٌ أَو حُسَيْلٌ، وأَخُوهُ صَفْوَانُ بنُ اليَمَانِ، أُحُدًا. وقُتِلَ أَبُوهُ يومئذٍ، قَتَلَهُ بعضُ المُسْلِمِينَ خَطَأً، وهُوَ يَحْسَبُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لأنَّ الجَيْشَ كانُوا يَخْتَفُونَ في لَأْمَةِ الحَرْبِ، ويَسْتُرُونَ وُجُوهَهُمْ، فَرُبَّمَا قَتَلَ الأَخُ أَخَاهُ ولا يَشْعُرُ. ولَمَّا شَدُّوا على اليَمَانِ يومئذٍ، بَقِيَ حُذَيْفَةُ يَصِيحُ: «أَبِي! أَبِي! يا قَوْمُ!» فَرَاحَ خَطَأً، فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ عَلَيهِم بِدِيَتِهِ.

  • لَيْلَةُ الأَحْزَابِ وَصَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ

كانَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ صَاحِبَ سِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المُنَافِقِينَ؛ لمْ يَعْلَمْهُمْ أَحَدٌ إلا حُذَيْفَةُ، أَعْلَمَهُ بِهِمْ رسولُ اللهِ ﷺ.

وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قدْ أَسَرَّ إليه أسماءَ المُنَافِقِينَ، وضَبَطَ عنهُ الفِتَنَ الكائِنَةَ في الأُمَّةِ. وسَأَلَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: «أَفِي عُمَّالِي أَحَدٌ مِنَ المُنَافِقِينَ؟» قالَ: «نَعَمْ، واحِدٌ». قالَ: «مَنْ هُوَ؟» قالَ: «لا أَذْكُرُهُ». قالَ حُذَيْفَةُ: فَعَزَلَهُ، كَأَنَّمَا دُلَّ عليه. وكانَ عُمَرُ رضي الله عنه إذا ماتَ مَيِّتٌ يَسْأَلُ عن حُذَيْفَةَ، فإنْ حَضَرَ الصَّلاةَ عليه صَلَّى عليه عُمَرُ، وإنْ لمْ يَحْضُرْ حُذَيْفَةُ الصَّلاةَ عليه لمْ يَحْضُرْ عُمَرُ. 

وسُئِلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه عن حُذَيْفَةَ، فقالَ: «عَلِمَ المُنَافِقِينَ، وسَأَلَ عنِ المُعْضِلَاتِ؛ فإنْ تَسْأَلُوهُ تَجِدُوهُ بِهَا عَالِمًا».

وحُذَيْفَةُ هو الذي نَدَبَهُ رسولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الأَحْزَابِ؛ لِيَجُسَّ لَهُ خَبَرَ العَدُوِّ، فَجَاءَهُ بِخَبَرِ رَحِيلِهِمْ، وكانَ لَهُ في الخَنْدَقِ ذِكْرٌ حَسَنٌ.

  • عِلْمُهُ بِالفِتَنِ وسُؤَالُهُ عنِ الشَّرِّ

كانَ حُذَيْفَةُ رضي الله عنه يَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ عنِ الشَّرِّ لِيَتَجَنَّبَهُ، قالَ: «كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رسولَ اللهِ ﷺ عنِ الخَيْرِ، وكُنْتُ أَسْأَلُهُ عنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أنْ يُدْرِكَنِي».

وقالَ رضي الله عنه: «واللهِ إنِّي لأَعْلَمُ النَّاسَ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هي كائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وبَيْنَ السَّاعَةِ».

وعن حُذَيْفَةَ قالَ: «قامَ فِينَا رسولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، فَحَدَّثَنَا بِمَا هو كائِنٌ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَحَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، ونَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ».

وقالَ حُذَيْفَةُ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَسُودَ كُلَّ قَبِيلَةٍ مُنَافِقُوهَا».

وكانَ حُذَيْفَةُ لا يَزَالُ يُحَدِّثُ الحديثَ، فَيَسْتَفْظِعُونَهُ، فقيلَ لَهُ: «يُوشِكُ أنْ تُحَدِّثَنَا أنَّهُ يَكُونُ فِينَا مَسْخٌ!» قالَ: «نَعَمْ، لَيَكُونَنَّ فِيكُمْ مَسْخٌ: قِرَدَةٌ وخَنَازِيرُ».

  • رِوَايَتُهُ ومَنْ رَوَى عنهُ

لَهُ في الصَّحِيحَيْنِ اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا، وفي البُخَارِيِّ ثَمَانِيَةٌ، وفي مُسْلِمٍ سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا.

ورَوَى حُذَيْفَةُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ الكَثِيرَ، ورَوَى عنه: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وعَلِيُّ بنُ أَبِي طالِبٍ، وجابِرٌ، وزِرُّ بنُ حُبَيْشٍ، وأَبُو إِدْرِيسَ الخَوْلَانِيُّ، وغيرُهُمْ.

وقالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِعَلْقَمَةَ: «أَلَيْسَ فِيكُمْ صاحِبُ السِّرِّ الذي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؟» يَعْنِي حُذَيْفَةَ.

  • فُتُوحُهُ ووِلَايَتُهُ على المَدَائِنِ

شَهِدَ حُذَيْفَةُ رضي الله عنه نَهَاوَنْدَ، فَلَمَّا قُتِلَ النُّعْمَانُ بنُ مُقَرِّنٍ أَمِيرُ ذلكَ الجَيْشِ، أَخَذَ الرَّايَةَ. وكانَ فَتْحُ هَمَذَانَ والرَّيِّ والدِّينَوَرِ على يَدِ حُذَيْفَةَ، وكانتْ فُتُوحُهُ كُلُّهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ. وشَهِدَ فَتْحَ الجَزِيرَةِ، ونَزَلَ نَصِيبِينَ، وتَزَوَّجَ فيها. وشَهِدَ فُتُوحَ العِرَاقِ، وكانَ لَهُ بها آثَارٌ كَثِيرَةٌ.

ووَلَّاهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه إمْرَةَ المَدَائِنِ، فَبَقِيَ عليها إلى بَعْدِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ رضي الله عنه. وكتبَ عُمَرُ في عَهْدِ حُذَيْفَةَ على المَدَائِنِ: «اسْمَعُوا لَهُ، وأَطِيعُوا، وأَعْطُوهُ ما سَأَلَكُمْ».

فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ على حِمَارٍ مُوكَفٍ، تَحْتَهُ زَادُهُ. فَلَمَّا قَدِمَ المَدَائِنَ اسْتَقْبَلَهُ الدَّهَاقِينُ، وبِيَدِهِ رَغِيفٌ وعَرْقٌ مِنْ لَحْمٍ. فَلَمَّا قَرَأَ عَهْدَهُ عليهم، قالُوا: «سَلْنَا ما شِئْتَ». قالَ: «أَسْأَلُكُمْ طَعَامًا آكُلُهُ، وعَلَفَ حِمَارِي ما دُمْتُ فِيكُمْ».

فأَقَامَ فيهم ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ كَتَبَ إليه عُمَرُ أنْ يَقْدَمَ عليه. فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ قُدُومُهُ، كَمَنَ لَهُ على الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَآهُ على الحالِ التي خَرَجَ عليها، أَتَاهُ فَالْتَزَمَهُ، وقالَ: «أنتَ أَخِي، وأنا أَخُوكَ».

  • أَخْبَارُهُ

رُوِيَ أنَّ في خاتَمِ حُذَيْفَةَ مَكتُوبٌ فِيهِ: «الحَمْدُ للهِ».

ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه قالَ لأصحابِهِ: «تَمَنَّوْا». فتمنَّوْا مِلْءَ البيتِ الذي كانوا فيهِ مالًا وجَوَاهِرَ يُنْفِقُونَهَا في سبيلِ اللهِ. فقالَ عُمَرُ: «لَكِنِّي أَتَمَنَّى رِجَالًا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ، ومُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وحُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ، فأَسْتَعْمِلُهُمْ في طَاعَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ». ثُمَّ بَعَثَ مالًا إلى أَبِي عُبَيْدَةَ وقالَ: «انْظُرْ ما يَصْنَعُ». فَقَسَمَهُ. ثُمَّ بَعَثَ بِمالٍ إلى حُذَيْفَةَ وقالَ: «انْظُرْ ما يَصْنَعُ». قالَ: فَقَسَمَهُ. فقالَ عُمَرُ: «قدْ قُلْتُ لَكُمْ».

  • مَرَضُهُ ووَفَاتُهُ وعَقِبُهُ

قيلَ: لَمَّا نَزَلَ بِحُذَيْفَةَ المَوْتُ جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، وبَكَى بُكَاءً كَثِيرًا، فقيلَ: «ما يُبْكِيكَ؟» فقالَ: «ما أَبْكِي أَسَفًا على الدُّنْيَا، بلِ المَوْتُ أَحَبُّ إلَيَّ، ولَكِنِّي لا أَدْرِي عَلَامَ أَقْدَمُ: على رِضًا أمْ على سَخَطٍ؟».

وقيلَ: لَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قالَ: «هذهِ آخِرُ ساعةٍ مِنَ الدُّنْيَا؛ اللهم إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي أُحِبُّكَ، فَبَارِكْ لِي في لِقَائِكَ». ثُمَّ ماتَ.

وقيلَ: لَمَّا كانَ عندَ السَّحَرِ قالَ: «أَعُوذُ باللهِ مِنْ صَبَاحٍ إلى النَّارِ» ثلاثًا، ثُمَّ قالَ: «اشْتَرُوا لِي ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ؛ فإنَّهُمَا لنْ يُتْرَكَا عَلَيَّ إلا قَلِيلًا حتَّى أُبْدَلَ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا، أو أُسْلَبَهُمَا سَلْبًا قَبِيحًا».

وماتَ حُذَيْفَةُ بِالمَدَائِنِ سَنَةَ سِتٍّ وثَلَاثِينَ، بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ رضي الله عنه بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، في أوَّلِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه. 

ولمْ يُدْرِكِ الجَمَلَ. 

وقُتِلَ صَفْوَانُ وسَعِيدٌ ابْنَا حُذَيْفَةَ بِصِفِّينَ، وكانَا قدْ بايَعَا عَلِيًّا بِوَصِيَّةِ أَبِيهِمَا لَهُمَا بذلكَ.

معنى قوله ﷺ: «والذي نفسي بيده» على ما يليق بالله تعالى، مع تنزيهه عن الجارحة والمكان والجهة.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ

مَعنَى بِيَدِهِ هُنَا: أَي بِتَصَرُّفِهِ وَقُدرَتِهِ، 

أَوَّلًا أُبَيِّنُ هُنَا أَمرًا مُهِمًّا وَهُوَ أَنَّ اللهَ هُوَ المَوْجُودُ بِلَا ابْتِدَاءٍ، البَاقِي بِلَا انْتِهَاءٍ، المُنَزَّهُ عَنِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ، وَعَنِ المِثْلِ وَالنِّدِّ وَالشَّرِيكِ. 

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يَحُلُّ فِي مَكَانٍ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ، وَلَا تُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الأَفْهَامُ. خَلَقَ العَالَمَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ، وَدَبَّرَ الأُمُورَ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ، فَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَى، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يُوهِمُ ظَاهِرُهُ الجَارِحَةَ أَوِ الجِسْمَ أَوِ الجِهَةَ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى، مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنْ صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١].

مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» قَسَمٌ بِاللهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: وَاللهِ الَّذِي نَفْسِي فِي مِلْكِهِ وَقَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ، يُحْيِيهَا وَيُمِيتُهَا، وَيُدَبِّرُ أَمْرَهَا كَيْفَ شَاءَ.

وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّ للهِ تَعَالَى يَدًا جَارِحَةً كَأَيْدِي المَخْلُوقِينَ؛ فَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجَارِحَةِ، وَالأَعْضَاءِ، وَالأَدَوَاتِ، وَالحَدِّ، وَالحَجْمِ، وَالكَيْفِيَّةِ، وَالجِهَةِ، وَالمَكَانِ.

فَالنَّفْسُ مَمْلُوكَةٌ للهِ، وَقِيَامُهَا وَبَقَاؤُهَا وَمَوْتُهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ، وَمَنْ كَانَتْ نَفْسُهُ بِيَدِ اللهِ، أَيْ فِي مِلْكِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَلَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا بِمَا شَاءَ اللهُ.

وَقَدْ جَاءَ هٰذَا اللَّفْظُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ عَلَى سَبِيلِ القَسَمِ وَالتَّأْكِيدِ، وَالمُرَادُ بِهِ تَعْظِيمُ المُقْسَمِ بِهِ، وَإِظْهَارُ أَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا تَحْتَ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَدْبِيرِهِ.

قَاعِدَةٌ فِي أَلْفَاظِ الصِّفَاتِ وَالتَّنْزِيهِ

الأَلْفَاظُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي القُرْآنِ وَالحَدِيثِ، كَاليَدِ، وَالعَيْنِ، وَالوَجْهِ، تُطْلَقُ عَلَى اللهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، مِنْ غَيْرِ تَجْسِيمٍ، وَلَا تَشْبِيهٍ، وَلَا اعْتِقَادِ جَارِحَةٍ.

فَالوَجْهُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمٰن: ٢٧]، فَإِنَّ المَعْنَى هُنَا الذَّاتُ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ مَرْفُوعًا مَوْصُوفًا بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾، وَالذَّاتُ المُقَدَّسُ هُوَ المَوْصُوفُ بِالجَلَالِ وَالإِكْرَامِ.

وَالعَيْنُ وَاليَدُ إِذَا أُضِيفَتَا إِلَى اللهِ، فَلَا يُرَادُ بِهِمَا الجَارِحَةُ.

قَالَ البَيْهَقِيُّ فِي «الِاعْتِقَادِ» وَغَيْرِهِ: «إِنَّهُمَا صِفَتَانِ لَيْسَتَا جَارِحَتَيْنِ». وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي «الفِقْهِ الأَبْسَطِ»: «لَيْسَتْ جَارِحَةً». 

وَقَالَ البَيْهَقِيُّ فِي «الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ»: «وَلَيْسَ مَعْنَى اليَدِ عِنْدَنَا الجَارِحَةَ، إِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ جَاءَ بِهَا التَّوْقِيفُ، أَيْ أَنَّ اللهَ أَطْلَقَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَنَحْنُ نُطْلِقُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ، وَلَا نُكَيِّفُ، وَنَنْتَهِي إِلَى حَيْثُ انْتَهَى بِهَا الكِتَابُ وَالأَخْبَارُ المَأْثُورَةُ الصَّحِيحَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ».

فَلَا يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ قُرْآنٌ أَوْ حَدِيثٌ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَلِذٰلِكَ لَا يُقَالُ: للهِ أُذُنٌ أَوْ فَمٌ؛ لِأَنَّ ذٰلِكَ لَمْ يَرِدْ. وَإِنَّمَا يُتَوَقَّفُ عِنْدَ مَا وَرَدَ، مَعَ التَّنْزِيهِ عَنِ الجِسْمِيَّةِ وَالجَارِحَةِ.

لَيْسَتِ اليَدُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ

كَلِمَةُ «اليَدِ» فِي لُغَةِ العَرَبِ لَهَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ، وَلَا تُحْمَلُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى الجَارِحَةِ. فَيُعْرَفُ المَعْنَى بِالسِّيَاقِ، وَبِمَا يَلِيقُ بِالمَوْضِعِ.

فَمِنْ مَعَانِي اليَدِ فِي لُغَةِ العَرَبِ:

١. القُوَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص: ١٧]، أَيْ ذَا القُوَّةِ.

٢. القُدْرَةُ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ﴾ أَي بِقُدرَةٍ.

٣. النِّعْمَةُ، كَقَوْلِ العَرَبِ: «كَمْ مِنْ يَدٍ لِي عِنْدَ فُلَانٍ»، أَيْ كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَسْدَيْتُهَا إِلَيْهِ.

٤. الجَارِحَةُ، وَذٰلِكَ فِي حَقِّ المَخْلُوقِينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤].

٥. الذُّلُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التَّوْبَة: ٢٩]، أَيْ عَنْ ذُلٍّ.

٦. السُّلْطَانُ، فَيُقَالُ: لِفُلَانٍ يَدٌ، أَيْ سُلْطَانٌ وَقُدْرَةٌ.

٧. الطَّاعَةُ.

٨. الجَمَاعَةُ.

٩. الطَّرِيقُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «وَأَخَذَ بِهِمْ يَدَ البَحْرِ»، أَيْ طَرِيقَ السَّاحِلِ.

١٠. الحِفْظُ وَالوِقَايَةُ.

١١. المِلْكُ وَالحَوْزُ وَالتَّصَرُّفُ، كَقَوْلِهِمْ: «هٰذَا فِي يَدِ فُلَانٍ»، أَيْ فِي حَوْزِهِ وَمِلْكِهِ.

١٢. النَّقْدُ فِي البَيْعِ، كَقَوْلِهِمْ: «بَايَعْتُهُ يَدًا بِيَدٍ»، أَيْ بِالنَّقْدِ.

١٣. أَعْلَى القَوْسِ، فَيُقَالُ: يَدُ القَوْسِ.

١٤. قَبْضَةُ السَّيْفِ، فَيُقَالُ: يَدُ السَّيْفِ.

١٥. جَنَاحُ الطَّائِرِ، فَيُقَالُ: يَدُ الطَّائِرِ.

فَإِذَا كَانَتِ اليَدُ فِي لُغَةِ العَرَبِ تَرِدُ عَلَى هٰذِهِ المَعَانِي الكَثِيرَةِ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الجَارِحَةِ؛ لِأَنَّ الجَارِحَةَ مِنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ، وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا.

تَأْوِيلُ مَا وَرَدَ فِي اليَدِ بِمَا يُوَافِقُ التَّنْزِيهَ

١. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ 

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْح: ١٠].

لَيْسَ المَعْنَى أَنَّ للهِ تَعَالَى جَارِحَةً فَوْقَ جَوَارِحِهِمْ، بَلْ قِيلَ: مَعْنَاهُ فِي الوَفَاءِ، وَقِيلَ: فِي الثَّوَابِ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى، مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَجْسِيمٍ.

٢. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المَائِدَة: ٦٤].

المَعْنَى الَّذِي يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى هُوَ الجُودُ وَالإِنْفَاقُ وَسَعَةُ الفَضْلِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي «زَادِ المَسِيرِ»: جَوَادٌ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ.

فَالبَسْطُ هُنَا لَيْسَ بَسْطَ جَارِحَةٍ، بَلْ هُوَ مَعْنًى يَلِيقُ بِجُودِ اللهِ وَفَضْلِهِ.

٣. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عِمْرَان: ٧٣].

المَعْنَى أَنَّ الفَضْلَ فِي مِلْكِ اللهِ وَتَصَرُّفِهِ، يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَلَا يُرَادُ بِذٰلِكَ الجَارِحَةُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسْمِ وَالأَعْضَاءِ.

٤. مَعْنَى «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» وَنَحْوِهِ

وَمَعْنَى «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»: لَا نَقْصَ فِي صِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّ اللهَ لَهُ جَارِحَتَانِ، يَمِينٌ وَشِمَالٌ، أَوْ أَنَّ لَهُ أَعْضَاءً كَأَعْضَاءِ المَخْلُوقِينَ.

وَكُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ أَلْفَاظِ المُتَشَابِهِ يُصْرَفُ عَنْ ظَوَاهِرِ الأَجْسَامِ وَصِفَاتِ المَخْلُوقِينَ، وَيُفْهَمُ عَلَى مَا يُوَافِقُ التَّنْزِيهَ وَالتَّوْحِيدَ.

لَا يُضَافُ إِلَى اللهِ مَا لَمْ يَرِدْ

لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مَا لَمْ يَرِدْ فِي الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِجْمَاعِ. فَمَا وَرَدَ مِنْ أَلْفَاظٍ كَاليَدِ وَالعَيْنِ وَالوَجْهِ، يُوقَفُ عِنْدَهُ عَلَى مَا جَاءَ، مَعَ التَّنْزِيهِ عَنِ الجَارِحَةِ وَالجِسْمِ.

وَأَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ، كَالفَمِ وَالأُذُنِ، فَلَا يُضَافُ إِلَى اللهِ؛ لِأَنَّ هٰذِهِ الأَلْفَاظَ مِنْ قَبِيلِ الأَجْسَامِ وَالجَوَارِحِ، وَاللهُ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا.

قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْطِقَ العَبْدُ فِي اللهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَكِنْ يَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَا يَقُولُ فِيهِ بِرَأْيِهِ شَيْئًا».

وَالسَّلَامَةُ فِي هٰذَا البَابِ أَنْ يُثْبِتَ المُسْلِمُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ، وَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ، مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ، وَلَا تَجْسِيمٍ، وَلَا تَكْيِيفٍ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.

التحذير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لقوله ﷺ: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر…»

لَتَأمُرُنَّ بِالمَعرُوفِ، وَلَتَنهَوُنَّ عَنِ المُنكَرِ

قَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: وَالْمَعْنَى: وَاللهِ إِنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَاقِعٌ إِمَّا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِنْكُمْ، وَإِمَّا إِنْزَالُ الْعَذَابِ مِنْ رَبِّكُمْ، ثُمَّ عَدَمُ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ لَهُ فِي دَفْعِهِ عَنْكُمْ. 

قَالَ أَبُو اللَّيثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: يَنْبَغِي لِلَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى، وَإِعْزَازَ الدِّينِ وَلَا يَكُونُ لِحَمِيَّةِ نَفْسِهِ وَلَا لِمَالٍ أَو دُنيَا، فَإِنَّهُ إِنْ قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللهِ وَإِعْزَازَ الدِّينِ نَصَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَوَفَّقَهُ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ لِحَمِيَّةِ نَفْسِهِ خَذَلَهُ اللهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ بَلَغَنَا عَنْ عِكْرِمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِشَجَرَةٍ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، فَغَضِبَ وَقَالَ: هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَخَذَ فَأْسَهُ وَرَكِبَ حِمَارَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ الشَّجَرَةِ لِيَقْطَعَهَا، فَلَقِيَهُ إِبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فِي الطَّرِيقِ، عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ، فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ شَجَرَةً تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ عز وجل، فَأَعْطَيْتُ اللهَ عَهْدًا أَنْ أَرْكَبَ حِمَارِي وَآخُذَ فَأْسِي، وَأَتَوَجَّهَ نَحْوَهَا فَأَقْطَعَهَا. فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا وَمَنْ يَعْبُدُهَا أَبْعَدَهُمُ اللهُ تَعَالَى، فَتَخَاصَمَا وَتَضَارَبَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا عَجَزَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ تَعَالَى وَلَمْ يَرْجِعْ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ ارْجِعْ وَأَنَا أُعْطِيكَ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَتَرْفَعُ كُلَّ يَوْمٍ طَرَفَ فِرَاشِكَ فَتَأْخُذُهَا، فَقَالَ: أَوَتَفْعَلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ ضَمِنْتُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَوَجَدَ ذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ مَا شَاءَ اللهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ رَفَعَ طَرَفَ فِرَاشِهِ فلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ مَرَّ يَوْمًا آخَرَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يَجِدُ الدَّرَاهِمَ أَخَذَ الْفَأْسَ وَرَكِبَ الْحِمَارَ، فَلَقِيَهُ إِبْلِيسُ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: شَجَرَةً تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى أَنْ أَقْطَعَهَا. فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، أَمَّا أَوَّلُ مَرَّةٍ فَكَانَ خُرُوجُكَ غَضَبًا للهِ تَعَالَى، فَلَوِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيكَ مَا رَدُّوكَ، وَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّمَا خُرُوجُكَ لِنَفْسِكَ حَيْثُ لَمْ تَجِدِ الدَّرَاهِمَ، فَلَئِنْ تَقَدَّمْتَ لَتُدُقَّنَّ عُنُقَكَ، فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ وَتَرَكَ الشَّجَرَةَ.

بيان ما يحتاجه الآمر بالمعروف

وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: فَالَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ يَحْتَاجُ إِلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ.

 أَوَّلُهَا: الْعِلْمُ لِأَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُحْسِنُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ،

وَالثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ الدِّينِ،

وَالثَّالِثُ: الشَّفَقَةُ عَلَى مَنْ يَأْمُرُ بِاللِّينِ وَالتَّوَدُّدِ وَلَا يَكُونُ فَظًّا غَلِيظًا لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: حِينَ بَعَثَهُمَا إِلَى فِرْعَوْنَ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا، [طه: 44].

وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ صَبُورًا رَحِيمًا لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي قِصَّةِ لُقْمَانَ: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾، [لقمان: 17].

وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ عَامِلًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ لِكَيْلَا يُعَيَّرَ بِهِ وَلِئَلَّا يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، [البقرة: 44].اهـ

أثر ترك الإنكار في عموم البلاء وعدم إجابة الدعاء

أَو لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَن يَبعَثَ عَلَيكُم عِقَابًا مِنهُ

بِجَورِ الوُلَاةِ أَو تَسلِيطِ الأَعدَاء أَو غَيرَهُ مِنَ البَلَاءِ.

ثُمَّ تَدعُونَهُ

أَيْ: لَتَسْأَلُنَّهُ، بِرَفعِ ذَلِكَ.

فَلَا يُستَجَابُ لَكُم». رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ».

قَالَ ابنُ عَلَّانَ: لِكَونِ مِنَ الحِكمَة الإِلَهِيَّةِ أَن يَكُونَ ذَلِكَ جَزَاءً لِمَا فَرَّطتُمْ فِيهِ مِنْ تَركِ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَفِيهِ أَنَّ المُنكَرَ إِذَا لَم يُنكَرْ عَمَّ شُؤمُهُ وَبَلَاؤُهُ فَاعِلَهُ وَغَيرَهُ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ: «أَنَهلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ» وَأَنَّ إِنكَارَهُ عَلَى قَدرِ مَا يَتَمَكَّنُ مِنهُ دَافِعٌ لِذَلِكَ.

وَيُبَيِّنُ هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ أَنَّ تَركَ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ مِن أَسبَابِ عَدَمِ استِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَهَذَا فِيهِ هَلَاكٌ لِلمُجتَمَعَاتِ وَلِلمُسلِمِينَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَالدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ العِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارَ الفَقْرِ وَالعَجْزِ وَالتَّذَلُّلِ، وَالِاعْتِرَافَ بِقُوَّةِ اللهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ. وَالدُّعَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الطَّلَبُ، فَيُقَالُ: دَعَوْتُ فُلَانًا؛ أَيْ سَأَلْتُهُ. وَيُقَالُ: دَعَوْتُهُ؛ أَيْ اسْتَغَثْتُهُ. وَالدُّعَاءُ إِلَى الشَّيْءِ مَعْنَاهُ الحَثُّ عَلَى فِعْلِهِ. وَقَدْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَى الإِكْثَارِ مِنْ دُعَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَلَّا يَكُونَ دُعَاءُ العَبْدِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَحْدَهَا، بَلْ يَدْعُو رَبَّهُ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَفِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، وَفِي كُلِّ حَالٍ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى رَبِّهِ. وَالدُّعَاءُ لَا يَضِيعُ؛ فَإِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِعَبْدِهِ مَا سَأَلَ، وَإِمَّا أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ذَنْبًا، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَ لَهُ خَيْرًا. فَلْيُكْثِرِ العَبْدُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَلْيُحْسِنِ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَلْيَأْخُذْ بِالأَسْبَابِ الَّتِي تُرْجَى بِهَا الإِجَابَةُ، وَلْيَجْتَنِبِ المَوَانِعَ الَّتِي قَدْ تَحْجُبُهُ عَنْ ذٰلِكَ.

مَعْنَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ

لَيْسَ مَعْنَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَنْ يَنَالَ العَبْدُ كُلَّ مَا طَلَبَهُ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي عَيَّنَهُ وَفِي الوَقْتِ الَّذِي أَرَادَهُ، فَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، وَهُوَ الكَرِيمُ الحَكِيمُ.

فَقَدْ يُعْطَى العَبْدُ مَا سَأَلَ، وَقَدْ يُصْرَفُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلُهُ، وَقَدْ يُدَّخَرُ لَهُ مِنَ الخَيْرِ مَا يَنْفَعُهُ فِي الآخِرَةِ. وَلِذٰلِكَ لَا يَتْرُكُ المُؤْمِنُ الدُّعَاءَ إِذَا تَأَخَّرَتِ الإِجَابَةُ، وَلَا يَسْتَبْطِئُ عَطَاءَ اللهِ تَعَالَى.

أَسْبَابُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ

١. أَكْلُ الحَلَالِ وَطِيبُ المَطْعَمِ

أَكْلُ الحَلَالِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ دُعَاؤُهُ أَقْرَبَ إِلَى القَبُولِ، فَلْيَنْظُرْ فِي مَكْسَبِهِ، وَمَطْعَمِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَمَلْبَسِهِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذٰلِكَ».

فَأَكْلُ الحَرَامِ، وَالشُّرْبُ مِنَ الحَرَامِ، وَاللِّبَاسُ مِنَ الحَرَامِ، وَتَغْذِيَةُ البَدَنِ بِالحَرَامِ، كُلُّ ذٰلِكَ مِنْ أَسْبَابِ بُعْدِ الإِجَابَةِ.

وَمِنْ هُنَا كَانَ مِنْ أَهَمِّ مَا يَفْعَلُهُ الدَّاعِي أَنْ يُطَيِّبَ مَطْعَمَهُ، وَأَنْ يَتَحَرَّى الوُجُوهَ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ تَعَالَى فِي طَلَبِ الرِّزْقِ.

وَقَدْ قَامَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا سَعْدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ». خَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «المُعْجَمِ الأَوْسَطِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.

٢. حُضُورُ القَلْبِ وَتَرْكُ الغَفْلَةِ

الدُّعَاءُ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَلْفَاظٍ تُقَالُ بِاللِّسَانِ، بَلْ هُوَ تَوَجُّهُ القَلْبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى. فَإِذَا كَانَ القَلْبُ غَافِلًا لَاهِيًا، ضَعُفَ أَثَرُ الدُّعَاءِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

فَيَنْبَغِي لِلدَّاعِي أَنْ يَجْمَعَ قَلْبَهُ، وَأَنْ يَسْتَحْضِرَ فَقْرَهُ إِلَى اللهِ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ دُعَائِهِ عَنْ حَالِ العَادَةِ إِلَى حَالِ الِاضْطِرَارِ وَالِافْتِقَارِ.

٣. التَّذَلُّلُ وَالِافْتِقَارُ

مِنْ أَعْظَمِ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يَقِفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى ذَلِيلًا مُفْتَقِرًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

وَالتَّذَلُّلُ يَكُونُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالحَالِ؛ فَيَكُونُ القَلْبُ مُنْكَسِرًا، وَاللِّسَانُ مُلِحًّا فِي السُّؤَالِ، وَالحَالُ حَالَ عَبْدٍ فَقِيرٍ مُحْتَاجٍ إِلَى رَبِّهِ.

وَكُلَّمَا كَانَتِ الفَاقَةُ وَالحَاجَةُ أَشَدَّ، كَانَ رَجَاءُ الإِجَابَةِ أَقْوَى.

٤. اليَقِينُ بِالإِجَابَةِ

مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ أَنْ يَدْعُوَ العَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ مُوقِنٌ بِكَرَمِهِ، غَيْرُ مُتَرَدِّدٍ فِي فَضْلِهِ، وَلَا مُسْتَبْعِدٍ عَطَاءَهُ.

فَاللهُ تَعَالَى كَرِيمٌ، يُعْطِي مَنْ شَاءَ، وَيَمْنَعُ مَنْ شَاءَ، وَيَفْعَلُ ذٰلِكَ كُلَّهُ بِحِكْمَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.

٥. العَزْمُ فِي المَسْأَلَةِ

لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ العَبْدُ دُعَاءَ المُتَرَدِّدِ، فَيَقُولَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ»، أَوْ «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ»، بَلْ يَعْزِمُ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ إِذَا دَعَا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ؛ لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

٦. الإِلْحَاحُ فِي الدُّعَاءِ

الإِلْحَاحُ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ. فَالعَبْدُ يَسْأَلُ رَبَّهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، مِنْ غَيْرِ مَلَلٍ وَلَا يَأْسٍ، وَيُكَرِّرُ دُعَاءَهُ، وَيُظْهِرُ فَاقَتَهُ وَحَاجَتَهُ.

قَالَ الأَوْزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «كَانَ يُقَالُ: أَفْضَلُ الدُّعَاءِ الإِلْحَاحُ عَلَى اللهِ وَالتَّضَرُّعُ إِلَيْهِ».

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا.

٧. عَدَمُ اسْتِعْجَالِ الإِجَابَةِ

مِنَ الخَطَأِ أَنْ يَدْعُوَ العَبْدُ رَبَّهُ، ثُمَّ إِذَا تَأَخَّرَ مَا طَلَبَهُ قَالَ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي. فَهٰذَا مِنَ الِاسْتِعْجَالِ المَنْهِيِّ عَنْهُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

فَلْيَبْقَ العَبْدُ عَلَى بَابِ الدُّعَاءِ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَخْتَارُ لِعَبْدِهِ إِلَّا مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ.

٨. افْتِتَاحُ الدُّعَاءِ بِذِكْرِ اللهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ

مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يَبْدَأَ العَبْدُ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَسْأَلَ حَاجَتَهُ، وَيَخْتِمَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ اللهَ حَاجَةً فَلْيَبْدَأْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَسْأَلْهُ حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَخْتِمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّلَاتَيْنِ، وَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَدَعَ مَا بَيْنَهُمَا».

٩. التَّوْبَةُ وَرَدُّ المَظَالِمِ

الأَدَبُ البَاطِنُ هُوَ الأَصْلُ فِي الإِجَابَةِ، وَهُوَ التَّوْبَةُ، وَرَدُّ المَظَالِمِ، وَالإِقْبَالُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِكُنْهِ الهِمَّةِ.

فَإِذَا كَانَتِ الذُّنُوبُ سَبَبًا لِنُزُولِ البَلَاءِ، فَالتَّوْبَةُ سَبَبٌ لِكَشْفِهِ. وَإِذَا كَانَتِ المَظَالِمُ حَائِلًا بَيْنَ العَبْدِ وَقَبُولِ دُعَائِهِ، فَرَدُّهَا وَالتَّخَلُّصُ مِنْهَا مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الإِصْلَاحِ.

١٠. الدُّعَاءُ بِالأَلْفَاظِ المَأْثُورَةِ

الأَوْلَى بِالعَبْدِ أَنْ يَلْزَمَ الأَدْعِيَةَ المَأْثُورَةَ، فَإِنَّهَا أَجْمَعُ وَأَبْرَكُ، وَلِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَعْتَدِي فِي دُعَائِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَيَسْأَلُ مَا لَا تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَتُهُ.

وَمِنَ الأَلْفَاظِ الَّتِي تُرْجَى بِهَا الإِجَابَةُ قَوْلُ: «يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ».

١١. رَفْعُ اليَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ

رَفْعُ اليَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ مِنْ مَظَاهِرِ الذُّلِّ وَالِافْتِقَارِ وَإِظْهَارِ الحَاجَةِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ». خَرَّجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

وَلَيْسَ مَعْنَى رَفْعِ اليَدَيْنِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ بِذَاتِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُنْحَصِرٌ فِي جِهَةٍ، فَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ، وَالسَّمَاءُ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ.

١٢. الأَخْذُ بِالأَسْبَابِ المَشْرُوعَةِ

اللهُ تَعَالَى هُوَ المُجِيبُ حَقِيقَةً، وَهُوَ خَالِقُ الأَسْبَابِ وَالمُسَبَّبَاتِ. وَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ أَسْبَابًا تُقَوِّي رَجَاءَ الإِجَابَةِ، مِثْلَ الدُّعَاءِ فِي عَرَفَةَ، وَالدُّعَاءِ فِي السَّجُودِ، وَالدُّعَاءِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ.

وَمِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ المَشْرُوعَةِ: التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَبِالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ هُوَ الخَالِقُ لِلنَّفْعِ وَالضَّرِّ، وَأَنَّ الأَسْبَابَ لَا تَسْتَقِلُّ بِالتَّأْثِيرِ.

أَوْقَاتٌ وَأَحْوَالٌ وَأَمَاكِنُ تُرْجَى فِيهَا الإِجَابَةُ

١. وَقْتُ السَّحَرِ

وَقْتُ السَّحَرِ مِنَ الأَوْقَاتِ الشَّرِيفَةِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ صَفَاءِ القَلْبِ، وَإِخْلَاصِهِ، وَفَرَاغِهِ مِنَ المُشَوِّشَاتِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].

٢. دُبُرُ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ

مِنْ مَوَاطِنِ الدُّعَاءِ: دُبُرُ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ. فَالصَّلَوَاتُ مِنْ أَشْرَفِ الأَوْقَاتِ، وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا مَوْطِنٌ عَظِيمٌ.

قِيلَ يا رسولَ اللهِ: أيُّ الدعاءِ أسمَعُ قال جَوفَ الليلِ الآخِرِ ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ رواه الترمذي.

٣. بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ».

٤. حَالُ السُّجُودِ

السُّجُودُ حَالُ تَذَلُّلٍ وَخُضُوعٍ، وَلِذٰلِكَ كَانَ الدُّعَاءُ فِيهِ أَقْرَبَ إِلَى الإِجَابَةِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلَيْسَ مَعْنَى هٰذَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي جِهَةِ المُصَلِّي، فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ، وَإِنَّمَا المَعْنَى أَنَّ السُّجُودَ حَالٌ شَرِيفَةٌ فِي التَّذَلُّلِ وَالدُّعَاءِ.

٥. يَوْمُ عَرَفَةَ

يَوْمُ عَرَفَةَ مِنْ أَعْظَمِ أَيَّامِ الدُّعَاءِ، وَهُوَ يَوْمٌ عَظَّمَ اللهُ أَمْرَهُ وَرَفَعَ قَدْرَهُ.

وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ الإِكْثَارُ مِنَ التَّوْبَةِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالدُّعَاءِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى طَاعَةِ اللهِ.

وَالحَاجُّ يُسَنُّ لَهُ الفِطْرُ إِنْ كَانَ الصَّوْمُ يُضْعِفُهُ عَنِ الدُّعَاءِ وَأَعْمَالِ الحَجِّ.

٦. يَوْمُ الجُمُعَةِ

يَوْمُ الجُمُعَةِ مِنَ الأَوْقَاتِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا المُسْلِمُونَ، وَتَتَعَاوَنُ القُلُوبُ عَلَى اسْتِدْرَارِ رَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

٧. شَهْرُ رَمَضَانَ وَلَيْلَةُ القَدْرِ

رَمَضَانُ شَهْرُ العِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ، وَلَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ، أُنْزِلَ فِيهَا القُرْآنُ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١].

وَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الإِكْثَارُ مِنْ قَوْلِ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».

٨. عِنْدَ نُزُولِ الغَيْثِ

مِنْ مَوَاطِنِ الدُّعَاءِ عِنْدَ نُزُولِ الغَيْثِ؛ فَإِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ عِنْدَ نُزُولِهِ.

٩. عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَةِ

مِنَ الأَحْوَالِ الَّتِي تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ: عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَةِ.

١٠. عِنْدَ زَحْفِ الصُّفُوفِ فِي سَبِيلِ اللهِ

مِنَ الأَحْوَالِ الشَّرِيفَةِ: عِنْدَ زَحْفِ الصُّفُوفِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى.

١١. حَالُ الصِّيَامِ

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الصَّائِمُ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُ».

فَلْيَغْتَنِمِ الصَّائِمُ حَالَهُ، وَلْيَجْمَعْ بَيْنَ الصِّيَامِ، وَحُضُورِ القَلْبِ، وَالإِكْثَارِ مِنَ الدُّعَاءِ.

مَوَانِعُ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ

١. أَكْلُ الحَرَامِ

أَكْلُ الحَرَامِ مِنْ أَعْظَمِ مَوَانِعِ الإِجَابَةِ. فَإِذَا كَانَ العَبْدُ يَدْعُو وَيَدْعُو، ثُمَّ لَا يَرَى أَثَرَ الإِجَابَةِ، فَلْيُحَقِّقِ النَّظَرَ فِي مَكْسَبِهِ، وَمَطْعَمِهِ، وَمَشْرَبِهِ.

فَقَدْ يَكُونُ المَالُ حَرَامًا، أَوْ فِيهِ شُبْهَةُ حَرَامٍ، وَهٰذَا مِمَّا يُضْعِفُ رَجَاءَ الإِجَابَةِ.

٢. الذُّنُوبُ وَالمَعَاصِي

الذُّنُوبُ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي حَجْبِ الإِجَابَةِ، وَفِي البُعْدِ عَنِ اللهِ تَعَالَى.

وَقَدْ قِيلَ:

نَحْنُ نَدْعُو الإِلٰهَ فِي كُلِّ كَرْبٍ ***** ثُمَّ نَنْسَاهُ عِنْدَ كَشْفِ الكُرُوبِ

كَيْفَ نَرْجُو إِجَابَةً لِدُعَاءٍ ***** قَدْ سَدَدْنَا طَرِيقَهَا بِالذُّنُوبِ

فَالمَعَاصِي سَبَبُ البُعْدِ وَالطَّرْدِ، كَمَا أَنَّ الطَّاعَاتِ أَسْبَابُ القُرْبِ وَالوُدِّ.

٣. الغَفْلَةُ وَقْتَ الدُّعَاءِ

مَنْ دَعَا بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ غَافِلٌ، فَقَدْ فَاتَهُ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَعْظَمُهَا.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

٤. اسْتِعْجَالُ الإِجَابَةِ

اسْتِعْجَالُ الإِجَابَةِ مِنَ المَوَانِعِ؛ فَيَقُولُ العَبْدُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي، فَيَتْرُكُ الدُّعَاءَ أَوْ يَيْأَسُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

٥. تَرْكُ التَّوْبَةِ وَرَدِّ المَظَالِمِ

مَنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الذَّنْبِ، مُصِرًّا عَلَى المَظْلِمَةِ، ثُمَّ يَطْلُبُ الإِجَابَةَ، فَقَدْ تَرَكَ بَابًا مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ القُرْبِ، وَهُوَ التَّوْبَةُ وَرَدُّ المَظَالِمِ.

٦. تَركُ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ كَمَا فِي حَدِيثِنَا هَذَا الَّذِي نَشرَحُهُ.

  • وَمِمَّا يُذكَرُ فِي هَذَا البَابِ مِمَّا يُبَيِّنُ مَوَانِعَ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ أَنَّهُ مَرَّ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ رَحِمَهُ اللهُ (هو الزَّاهِدُ أَبُو إِسحَاقَ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ بنِ مَنصُورٍ، وَيَروِي عَن أَبِي إِسحَاقَ السَّبِيعِيِّ، رَوَى عَنهُ الثَّورِيُّ، أَصلُهُ مِن بَلخٍ ثُمَّ انتَقَلَ بَعدَ أَن تَابَ وَتَرَكَ الإِمَارَةَ إِلَى الشَّامِ طَلَبًا لِلحَلَالِ فَأَقَامَ بِهَا مُرَابِطًا غَازِيًا يَصبِرُ عَلَى الجُهدِ الجَهِيدِ وَالفَقرِ الشَّدِيدِ وَالوَرَعِ الدَّائِمِ وَالسَّخَاءِ الوَافِرِ إِلَى أَن مَاتَ فِي بِلَادِ الرُّومِ سَنَةَ 162هـ.اهـ) بِسُوقِ البَصرَةِ فَاجتَمَعَ النَّاسُ إِلَيهِ، وَقَالُوا: يَا أَبَا إِسحَاقَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وَنَحنُ نَدعُو فَلَا يُستَجَابُ لَنَا؟ قَالَ: لِأَنَّ قُلُوبَكُم مَاتَت بِعَشَرَةِ أَشيَاءَ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟! قالَ:

الأَوَّلُ: أَنَّكُم عَرَفتُمُ اللهَ فَلَم تُؤَدُّوا حَقَّهُ. 

الثَّانِي: ادَّعَيتُم حُبَّ النَّبِيِّ  وَلَم تَعمَلُوا بِسُنَّتِهِ. 

الثَّالِثُ: قَرَأتُمُ القُرءَانَ وَلَم تَعمَلُوا بِهِ. 

الرَّابِعُ: أَكَلتُم نِعمَةَ اللهِ، وَلَم تُؤَدُّوا شُكرَهَا. 

الخَامِسُ: قُلتُم إِنَّ الشَّيطَانَ عَدُوُّكُم وَوَافَقتُمُوهُ. 

السَّادِسُ: قُلتُم إِنَّكُم مُشتَاقُونَ لِلجَنَّةِ فَلَم تَعمَلُوا لَهَا. 

السَّابِعُ: قُلتُم إِنَّكُم تَخَافُونَ مِنَ النَّارِ فَلَم تَهرُبُوا مِنهَا. 

الثَّامِنُ: قُلتُم إِنَّ المَوتَ حَقٌّ وَلَم تَستَعِدُّوا لَهُ. 

التَّاسِعُ: اشتَغَلتُم بِعُيُوبِ النَّاسِ وَنَسِيتُم عُيُوبَكُم. 

العَاشِرُ: دَفَنتُم مَوتَاكُم وَلَم تَعتَبِرُوا بِهِم.