رياض الصالحين | الحديث (184) | من رأى منكم منكرا فليغيره بيده

الدرس ١٨٥ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٥:٣٩

الحَمدُ للهِ الَّذِي عَظَّمَ شَأنَ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَجَعَلَهُمَا سَبَبًا لِلنَّجَاةِ وَالفَوزِ الأَكبَرِ، فَهُوَ سُبحَانَهُ العَالِمُ بِعَدَدِ الرَّملِ وَالنَّملِ وَالقَطرِ، وَمُصَرِّفُ الوَقتِ وَالزَّمَنِ وَالدَّهرِ، الخَبِيرُ بِخَافِي السِّرِّ وَسَامِعِ الجَهرِ، القَدِيرُ عَلَى مَا يَشَاءُ بِالعِزِّ وَالقَهرِ، أَقرَبُ إِلَى العَبدِ بِعِلمِهِ مِنَ العُنُقِ إِلَى النَّحرِ، أَحمَدُهُ وَهُوَ المُستَحِقُّ لِأَن يُحمَدَ وَيُشكَر، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَدَّخِرُهَا لِيَومِ الفَزَعِ الأَكبَرِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ صَفوَةُ البَشَرِ، أَفضَلُ رَسُولٍ أَمَرَ وَنَهَى وَحَذَّرَ وَأَنذَرَ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي عَمَّت رِسَالَتُهُ البَحرَ وَالبَرَّ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ المُنفِقِ حَتَّى تَخَلَّلَ وَبُشِّرَ، وَعَلَى عُمَرَ الزَّاهِدِ فَمَا غَرَّهُ مَا غَرَّ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي ارتَفَعَ بِالكَرَمِ فَبَرَّ وَأَبَرَّ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي مَا أَقدَمَ قَطُّ فَفَرَّ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:

فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الرَّابِعِ وَالثَّمَانِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابُ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ.اهـ نَقرَؤُهُ كَامِلًا وَنَشرَحُهُ إِن شَاءَ اللهُ. قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

وَأَمَّا الأَحَادِيثُ: 184 – فَالأَوَّلُ: عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن رَأَى مِنكُم مُنكَرًا فَليُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإن لَم يَستَطِع فَبِلِسَانِهِ، فَإن لَم يَستَطِع فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أضعَفُ الإيمَانِ». رَوَاهُ مُسلِمٌ.

الشَّرحُ

عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (هَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ قَاعِدَةٌ مِن قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَمِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيهَا أَمرُ الدَّعوَةِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَذكُرُهُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَأَوَّلِ حَدِيثٍ فِي بَابِ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ الأَذكَارِ: هَذَا البَابُ أَهَمُّ الأَبوَابِ، أَو مِن أَهَمِّهَا لِكَثرَةِ النُّصُوصِ الوَارِدَةِ فِيهِ، لِعِظَمِ مَوقِعِهِ، وَشِدَّةِ الِاهتِمَامِ بِهِ، وَكَثرَةِ تَسَاهُلِ أَكثَرِ النَّاسِ فِيهِ، وَقَد صَنَّفَ العُلَمَاءُ فِيهِ مُتَفَرِّقَاتٍ، وَقَد جَمَعتُ قِطعَةً مِنهُ فِي أَوَائِلِ شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ، وَنَبَّهتُ فِيهِ عَلَى مُهِمَّاتٍ لَا يُستَغنَى عَن مَعرِفَتِهَا)

(تَحْذِيرٌ وَاجِبٌ: فَإِنَّ مِمَّا يَشْهَدُهُ هَذَا الزَّمَانُ مِنِ انْتِشَارِ الْمُنْكَرَاتِ وَاسْتِعْلَاءِ الْجَهَالَاتِ أَنْ يَتَجَرَّأَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى انْتِقَاصِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَمِّهِ وَهَذَا لَا يَضُرُّهُ هُوَ ﷺ، فَيَصِفُهُ أَحَدُهُمْ — وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ —بِالْجَهْلِ، وَيَسْتَهْزِئُ بِسَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. وَمِنْ بَابِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَذَوْدًا عَنِ مَقَامِ النَّبِيِّ الشَّرِيفِ، لَا يَسَعُ الْمُسْلِمَ إِلَّا أَنْ يُجَاهِرَ بِالرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ.

حُكْمُ سَابِّ النَّبِيِّ ﷺ

وَقَدِيمًا قَالَ الفُقَهَاءُ: إِنَّ سَبَّ النَّبِيِّ ﷺ أَوِ انْتِقَاصَهُ أَوِ الِاسْتِهْزَاءَ بِهِ كُفْرٌ صَرِيحٌ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، وَهَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَدْ حَقَّقَ هَذَا الإِجْمَاعَ الإِمَامُ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ “الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ الْمُصْطَفَى” تَحْقِيقًا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ، فَمَنْ وَصَفَ النَّبِيَّ ﷺ بِنَقِيصَةٍ أَوِ اسْتَهْزَأَ بِهِ طَائِعًا مُخْتَارًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الإِسْلَامِ.

مَنْ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ؟

أَمَّا مَنْ وَصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْجَهْلِ فَإِنَّمَا كَشَفَ عَنْ جَهْلِ نَفْسِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، إِذِ الْجَاهِلُ حَقًّا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. فَأَنَّى يُوصَفُ بِالْجَهْلِ مَنْ عَلَّمَهُ اللهُ وَجَعَلَهُ بِهَذِهِ المَكَانَةِ؟!

هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ إِمَامُ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، وَقَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَتَهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. هُوَ الَّذِي وَصَلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَشَهِدَ مَا لَمْ تَشْهَدْهُ عَيْنٌ، ثُمَّ عَادَ يُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ، وَيَسْعَى فِي حَوَائِجِ الأَرَامِلِ وَالْيَتَامَى، فَكَانَ سَيِّدَ الْمُتَوَاضِعِينَ بَعْدَ أَنْ نَالَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ. هُوَ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الأَنْبِيَاءُ مِنْ آدَمَ إِلَى عِيسَى عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَرَفَعَ اللهُ ذِكْرَهُ فَقَرَنَهُ بِذِكْرِهِ فِي الأَذَانِ وَالشَّهَادَةِ وَالصَّلَاةِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، وَقَالَ فِيهِ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. فَيَا لَلْعَجَبِ! كَيْفَ يَرْفَعُ اللهُ ذِكْرَهُ وَيَشْهَدُ لَهُ بِهَذَا وَيَتَجَرَّأُ عَلَيهِ بَعْدَ ذَلِكَ جَاهِلٌ نَكِرَةٌ لَا قِيمَةَ وَلَا فَهْمَ وَلَا عِلْمَ لَهُ؟!

هُوَ الَّذِي آثَرَ أُمَّتَهُ بِدَعْوَتِهِ الْمُسْتَجَابَةِ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا لِنَفْسِهِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللهم أُمَّتِي أُمَّتِي»، وَبَكَى شَوْقًا وَخَوْفًا عَلَيْنَا، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ». فَهَذَا — لَا سِوَاهُ — هُوَ الَّذِي يَصِفُهُ هَذَا السَّفِيهُ بِالْجَهْلِ!

اللهُ يَكْفِي نَبِيَّهُ الْمُسْتَهْزِئِينَ

وَأَمَّا الَّذِينَ تَجَرَّؤُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ ضَمِنَ اللهُ لِنَبِيِّهِ الْكَفَايَةَ مِنْهُمْ وَالنُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وَقَالَ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى مَضَى عَلَى الْمُسْتَهْزِئِينَ الأَوَّلِينَ، وَهُوَ مَاضٍ فِي حَقِّ الآخِرِينَ لَا مَحَالَةَ، وَالتَّارِيخُ شَاهِدٌ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَالَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَخَذَهُ اللهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.

فَلَا يَغُرَّنَّكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ تَجَاسُرُ السُّفَهَاءِ، فَإِنَّمَا هُوَ نَبَاحٌ لَا يَضُرُّ الشَّمْسَ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

وَقَدْ صَدَقَ الشَّاعِرُ:

خَرِسَ النَّوَاعِقُ شَرُّ أَقْزَامِ الْوَرَى ***** مِنْ كُلِّ أَعْمًى مُفْتَرٍ مُتَبَلِّدِ

وَتَحَصَّنُوا بِالْإِفْكِ فَهُوَ سِلَاحُهُمْ ***** فَاعْجَبْ لِصَوْلَةِ أَرْنَبٍ مُسْتَأْسِدِ

إِنْ عَرْبَدَتْ زُمَرُ الشَّقَاءِ بِكَيْدِهِمْ ***** فَارْجُمْ بِشُهْبِ الحَقِّ كُلَّ مُعَرْبِدِ

إِنْ عَابَ فَضْلَكَ يَا مُحَمَّدُ جَاحِدٌ ***** فَالصُّبْحُ لَيْلٌ فِيْ عُيُوْنِ الحُسَّدِ

فَاصْدَعْ وَمَزِّقْ لِلظَّلَامِ جَحَافِلًا ***** فَالنُّوْرُ كُلُّ النُّوْرِ نُوْرُ مُحَمَّدِ 

فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُحِبِّينَ لَهُ الذَّائِدِينَ عَنْ حِمَاهُ، الرَّافِعِينَ لِرَايَتِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) .

سبب ورود الحديث: قصة مروان وتقديمه الخطبة على الصلاة يوم العيد

(فِي هَذَا الحَدِيثِ يُخبِرُ التَّابعيُّ طارقُ بنُ شِهابٍ أنَّ أوَّلَ مَن قدَّمَ الخُطبةَ يومَ العيدِ فجَعَلَها قبلَ الصَّلاةِ، هو مَروانُ بنُ الحكَمِ، وكانَ واليًا على المدينةِ من قِبَلِ الخليفةِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ، ثُمَّ وَلِيَ الخلافةَ العامَّةَ في آخِرِ سَنةِ أربعٍ وسِتِّينَ، وسببُ تَقديمِ مَروانَ الخُطبةَ قبلَ الصَّلاةِ ما جاءَ في روايةِ البُخاريِّ أنَّ مَروانَ قالَ: «إنَّ النَّاسَ لم يَكُونوا يَجلِسُونَ لنا بعدَ الصَّلاةِ، فجَعَلتُها قبْلَ الصَّلاةِ»، أي: كانُوا يَفترِقونَ بعدَ الصَّلاةِ، فلا يَبقى للخُطبةِ إلَّا القَليلُ، فبَدأ بالخُطبةِ قبلَ الصَّلاةِ؛ لئلَّا يَذهَبَ أحدٌ حتَّى تَتِمَّ الخُطبةُ والصَّلاةُ

فلمَّا خالَفَ مَروانُ بنُ الحَكمِ السُّنَّةَ والثَّابتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ، قَامَ إليه رجلٌ مِنَ الحاضرينَ، مُنكِرًا عليه تَغييرَه السُّنَّةَ، وأنَّه جَعَلَ الخُطبةَ قبلَ الصَّلاةِ، قيلَ: إنَّ هذا الرَّجلَ هو أبو مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه، كما في روايةِ عبدِ الرَّزَّاقِ، وقد وَقَعَ في روايةِ البُخاريِّ أنَّ الذي أنكَرَ على مَروانَ هو أبو سعيدٍ نفسُه، فيَحتمِلُ أنَّ أبا سَعيدٍ لمَّا أخذَ بيَدِ مَروانَ وردَّ عليه -كما عندَ البُخاريِّ- قامَ إليه ذلك الرَّجلُ -أبو مسعودٍ- وعَضَدَه بقَولِه: «الصَّلاةُ قبْلَ الخُطبةِ»، فردَّ عليه مَروانُ بمِثلِ ما ردَّ به على أبي سعيدٍ، فعضَدَه أبو سعيدٍ ثانيًا، فقالَ مَروانُ مُعتذِرًا عن ذلكَ: «قدْ تُرِكَ ما هنالِكَ»، أي: تَرَكَ الناسُ استِماعَ الخُطبةِ إذا أخَّرناها عنِ الصَّلاةِ لاستِعجالِهم، ويَحتمِلُ أنَّ المعنى: قد تَرَكنا العملَ بتَقديمِ الصَّلاةِ على الخُطبةِ الذي كان هُنالك في الزَّمنِ الماضي.

فأقرَّ أبو سعيدٍ رَضيَ اللهُ عنه الرَّجلَ على إنكارِه لمَروانَ، وقالَ لِمَن حولَهُ: «أمَّا هذا» يَقصِدُ الرَّجلَ الذي أنكَرَ، «فقدْ قَضى ما عليه»، أي: قد أدَّى ما وجَبَ عليه مِنَ النَّهيِ عنِ المُنكَرِ بلسانِه، حيثُ لا يَستطيعُ الإنكارَ بيدِه؛ لكَونِ مَروانَ هو الأميرَ، ثُمَّ قالَ أبو سعيدٍ رَضيَ اللهُ عنه: «سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ ﷺ يَقُولُ: «‌مَن ‌رَأَى ‌مِنكُم ‌مُنكَرًا ‌فَليُغَيِّرهُ ‌بِيَدِهِ، فَإِن لَم يَستَطِع فَبِلِسَانِهِ، فَإِن لَم يَستَطِع فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيمَانِ».اهـ

الحكمة في الإنكار واجتناب ما يفضي إلى منكر أعظم

(وَهُنَا أُذَكِّرُ أَنَّهُ يَنبَغِي عَلَى الإِنسَانُ أَن يَكُونَ حَكِيمًا، إِذَا كَانَ يَعرِفُ أَنَّ إِنكَارَ المُنكَرِ بِاللِّسَانِ أَو بِاليَدِ، يُؤَدِّي إِلَى مُنكَرٍ أَعظَمَ، فَيَنبَغِي أَن يَجتَنِبَهُ، لِأَنَّ العَاقِلَ لَا يَهدِمُ مِصرًا أَي بَلَدًا حَتَّى يَبنِيَ قَصرًا! النَّبِيُّ قَالَ: «لَا يَنبَغِي لِمُسلِمٍ أَن يُذِلَّ نَفسَهُ» قَالُوا: وَكَيفَ يُذِلُّ نَفسَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يَتَعَرَّضُ لِمَا لَا يُطِيقُ مِنَ البَلَاءِ»، يُعَرِّضُ نَفسَهُ لِمَا لَا يُطِيقُ وَكَذَلِكَ إِذَا عَرَّضَ المُسلِمِينَ لِلتَّهلُكَةِ! أَحيَانًا، يَكُونُ الشَّخصُ بِمَكَانٍ، يَحكِي جُملَةً، بِسَبَبِهَا يُقتَلُ المُسلِمُونَ الَّذِينَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ، وَهُوَ لَا يَستَطِيعُ أَن يَدفَعَ عَنهُم! هَذَا عَرَّضَ نَفسَهُ وَغَيرَهُ لِمَا لَا يُطِيقُ مِنَ البَلَاءِ وَإِنَّما يَنبَغِي أَن يَكُونَ الإِنسانُ حَكِيمًا، أَمّا عِندَما لا يَكُونُ الأَمرُ كَذلك، فَإِذا أَمَرَ بالمعرُوف وَنَهَى عَنِ المنكَر، وَأُوذِيَ بِسَبَبِ ذلك فَصَبَر، نَالَ دَرَجَة عالِيَة عِندَ اللهِ تَعَالَى. إِذَا كَانَ لَا يُؤَدِّي إِلَى مَا ذَكَرنَا، فَجَهَرَ بِالأَمَرِ بِالمَعرُوف وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، فَهَذِهِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ عِندَ اللهِ تَعَالَى.

وَرَدَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَلَا أَقُومُ إِلَى هَذَا السُّلطَانِ فَآمُرُهُ وَأَنهَاهُ؟ أُرِيدُ أَن أَقُومَ فِي وَجهِهِ وَأقُولُ لَهُ اتَّقِ اللهَ! آمُرُهُ بِالمَعرُوفِ وَأَنهَاهُ عَنِ المُنكَرِ. قَالَ لَهُ ابنُ عَبَّاسٍ: لَا تَفعَل! تَكُن لَكَ فِتنَةً، يَنتُجُ عَن هَذَا ضَرَرٌ أَنتَ لَا تَستَطِيعُ أَن تَدفَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: “فَإِذَا أَمَرَنِي بِفِعلِ مُنكَرٍ؟” فَقَالَ: هَذَا الَّذِي تُرِيدُ فَكُن رَجُلًا! لِأَنَّهُ عِندَ ذَلِكَ لَا يُعَرِّضُ غَيرَهُ لِلضَّرَرِ وَلَا تَكُونُ فِتنَةٌ، إِنَّمَا هُوَ وَنَفسُهُ)

«مَن رَأَى (رَأَى هُنَا بِمَعنَى عَلِمَ، لَيسَ المُرَادُ هُنَا بِـ”رَأَى” هُنَا رُؤيَةَ البَصَرِ، «مَن رَأَى مِنكُم مُنكَرًا»، أَي مَن عَلِمَ مِنكُم بِمُنكَرٍ. وَلَيسَ المُرَادُ بِالرُّؤيَةِ هُنَا خُصُوصَ الرَّؤيَةِ بِالعَينِ، إِنَّمَا المُرَادُ العِلمُ بِخُرُوجِهِ. فَإِنَّ الرُّؤيَةَ فِي اللُّغَةِ تَكُونُ لِلرُّؤيَةِ بِالعَينِ وَتَكُونُ بِمَعنَى العِلمِ، قَالَ الشَّاعِرُ:

رَأَيتُ اللهَ أَكبَرَ كُلِّ شَىءٍ *** مُحَاوَلَةً وَأَكثَرَهَم جُنُودًا

أَي عَلِمتُ اللَّهَ أَكبَرَ كُلِّ شَىءٍ قُدرَةً، وَعَلِمتُ أَنَّ اللهَ أَكثَرُ مِن كُلِّ شَىءٍ جُنُودًا، لِأَنَّ مِن جُنُودِهِ المَلائِكَةَ وَهُم أَكثَرُ خَلقِ اللهِ مِن ذَوِي الأَروَاحِ، وَيَجُوزُ أَن تَكُونَ المَلائِكَةُ أَكثَرَ مِنَ الجَمَادَاتِ أَيضًا) مِنكُم (هَذَا خِطَابٌ لِكُلِّ الأُمَّةِ. لَيسَ خِطَابًا لِلصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَوجُودِينَ عِندَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الحَدِيثَ، إِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ الأُمَّةِ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ عَنِ الأُمَّةِ كُلِّهَا ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، وَكذلِكَ قَولُهُ ﷺ: «مَن رَأَى مِنكُم مُنكَرًا»، أَي أَيُّ واحِدٍ مِنكُم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ)

(أَبَيِّنُ أَيضًا أَنَّ إِنكَارَ المُنكَرِ لَيسَ خَاصًا بِالعُلَمَاءِ، بَل هُنَاكَ أُمُورٌ يَعرِفُهَا العَالِمُ وَالعَامِّيُّ. أُمُورٌ العَامِيُّ كَمَا العَالِمُ يَعرِفُ أَنَّهَا حَرَامٌ. هَذِهِ عَلَى العَامِّيِّ كَمَا عَلَى العَالِمِ أَن يُنكِرَهَا. وَأَمَّا الأُمُورُ الدَّقِيقَةُ الَّتِي يَختَصُّ بِمَعرِفَتِهَا العُلَمَاءُ فَعَلَى العَامِيِّ أَن لَا يَتَكَلَّمَ فِيهَا، إِلَّا بَعدَ أَن يَعرِفَ حُكمَهَا مِن أَهلِ العِلمِ، أَمَّا إِذَا لَم يَعرِف حُكمَهَا مِن أَهلِ العِلمِ، فَلَا يَتَنَطَّع لِيَقُولَ يَجُوزُ أَو لَا يَجُوزُ، عَلَيهِ أَن يَلزَمَ حَدَّهُ فَلَا يَتَكَلَّمَ فِيهَا! أَو يَسأَلُهُم عَنِ الحُكمِ وَبِنَاءً عَلَى ما يَقُولون لَهُ يَتَصَرَّف، وَإِنَّمَا الَّذِي يَعرِفُ أَن يَتَكَلَّمَ فِيهَا، هُم أَهلُ العِلمِ الَّذِينَ أَعطَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عِلمًا كَافِيًا، المُسلِمُ مِن حَيثُ العُمُومُ لَا يَنبَغِي لَهُ أَن يَدخُلَ فِي شَىءٍ حَتَّى يَعلَمَ مَا أَحَلَّ اللهُ مِنهُ وَمَا حَرَّمَ وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ مِن جُملَةِ ذَلِكَ، كَم مِنَ أُمُورٍ يَظُنُّهَا الجُهَّالُ أَنَّهَا حَرَامٌ وَهِيَ حَلَالٌ، وَكَم مِنَ أُمُورٍ يَظُنُّهَا الجُهَّالُ أَنَّهَا حَلَالٌ وَهِيَ حَرَامٌ، فَالأَمرُ إِذًا لَهُ مَرتَبَتَانِ.

ثُمَّ الأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ لَيسَ شَيئًا مُختَصًّا بِأَصحَابِ الوِلَايَاتِ، لَيسَ شَيئًا خَاصًّا بِإِمَامِ الجَامِعِ، أَو بِالقَاضِي أَو بِالحَاكِمِ، بَل كُلُّ إِنسَانٍ مِنَ المُسلِمِينَ، كُلُّ وَاحِدٍ مُكَلَّفٍ يَدخُلُ تَحتَ هَذَا الحَدِيثِ)

مُنكَرًا (المُنكَرُ المُرَادُ بِهِ مَا أَنكَرَهُ شَرعُ اللهِ تَعَالَى، أَي مَا فِي فِعلِهِ إِثمٌ، إِذَا فَعَلَهُ إِنسَانٌ يَستَحِقُّ العِقَابَ فِي الآخِرَةِ، يَعنِى الحَرَامَ، لَا يَدخُلُ فِي هَذَا الحَدِيثِ المَكرُوهُ الَّذِي لَا إِثمَ فِيهِ، لَا. إِنَّمَا المُرَادُ بِالمُنكَرِ الحَرَامُ، وَبِمَعنَاهُ تَركُ الوَاجِبِ، لِأَنَّ تَركَ الوَاجِبِ مُحَرَّمٌ)

التفريق بين الحرام المُجمَع عليه والمسائل المختلف فيها بين المذاهب

(وَيَنبَغِي بَيَانُ أَنَّ أَهلَ العِلمِ لَا يُنكِرُونَ مَا اختَلَفَ فِيهِ الأَئِمَّةُ فِيمَا بَينَهُم. يَعنِى أَنَّ الأَمرَ الَّذِي اختَلَفَت فِيهِ المَذَاهِبُ: الشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ حَلَالٌ، الحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ حَرَامٌ، إِذَا رَأَيتَ إِنسَانًا يَفعَلُ هَذَا الأَمرَ، لَا تُنكِرُ عَلَيهِ، إِنكَارُكَ عَلَى الَّذِي يَفعَلُ الحَرَامَ المُتَّفَقَ عَلَيهِ، قَد يَكُونُ هُوَ أَخَذَ بِمَذهَبِ مَن يُجِيزُهُ، إِنَّمَا إِن شِئتَ تَقُولُ لَهُ: لَو أَنّكَ تَرَكتَ هَذَا الأَمرَ، تَكُونُ وَافَقتَ المَذهَبين، الأَحسَنُ أَن تَترُكَهُ، مِثَالُ ذَلِكَ: الشِّطرَنجُ، بَعضُ العُلَمَاءِ قَالَ: حَرَامٌ اللَّعِبُ فِيهِ، وَبَعضُهُم قَالَ: يَجُوزُ مَعَ الكَرَاهَةِ، فَهُوَ مَكرُوهٌ. مَالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ حَرَامٌ، الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُول يَجُوزُ لَكِن مَكرُوهٌ، وَيَقُولُ: تَركُهُ خَيرٌ.

الأَحسَنُ تَركُهُ. إِذا رَأَيتَ شَخصًا يَلعَبُ بِلُعبَةِ الشِّطرَنجِ، لَا تُنكِرُ عَلَيه إِنكَارَكَ عَلَى الَّذِي يَفعَلُ المُحَرَّمَ المتَّفَقَ عَلى تَحرِيمِهِ، لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أَخَذَ بِقَولِ الشَّافِعِيِّ، وَلِذَلِكَ هُوَ يَلعَبُ بِهِ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَقُولُ: حَرامٌ، وَإِن كانَ يَقُولُ أَنَّهُ مَكرُوهٌ. يُقالُ لَهُ مَثلًا: خَيرٌ لَكَ أَن تَصرِفَ وَقتَكَ فِي غَيرِ هَذَا، لِأَنَّ بَعضَ الأَئِمَّة يَقُولُ بِحُرمَتِهِ وَبَعضَهُم قَالَ بِكَراهَتِهِ، لِمَاذَا تَصرِفُ وَقتَكَ فِيهِ؟ بِالرِّفقِ وَالحِكمَةِ. وَإِذَا كُنتَ تَعرِفُ أَنَّكَ إِن قُلتَ لَهُ ذلِكَ قَد يَتَكَلَمُ بِشَىءٌ فِيهِ خَطَرٌ، يُوقِعُهُ فِي المَعصِيَةِ، فَلَا تَقُلُ لَهُ: اترُكهُ. يَنبَغِي أَن يَكُونَ الإِنسَانُ حَكِيمًا فِي الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهِي عَنِ المُنكَرِ.

الخُلاصَة: أَنَّ المختَلَفَ فِيهِ لَا يُنكَرُ عَلَى فاعِلِهِ إِنكَارَ التَّغلِيظِ والتَّعنِيفِ كَمَا يُنكَرُ عَلَى الوَاقِعِ فِي المُنكَرِ المُتَّفَقِ عَلَى كَونِهِ مُنكَرًا.

إذًا: لَا يُنكَرُ عَلَى الشَّخصِ إِن كَانَ يَفعَلُ فِعلًا لَيسَ مُجمَعًا عَلَى حُرمَتِهِ، هَذَا إِذَا لَم يَتَّخِذِ الشَّخصُ هَذَا الشَّىءَ المُختَلَفَ فِي تَحرِيمِهِ سَبِيلًا وَطَرِيقًا لِلوُقُوعِ فِي الحَرامِ المُجمَعِ عَلَيهِ. يَعنِى أَنا إِذا فَعَلتُ شيئًا بَعضُ العُلَماء قَالَ عَنهُ: حَرَامٌ وَبَعضُ العُلَمَاءِ قَالَ: حَلَالٌ، إِذا فَعَلتُهُ أَنَا، أَنتَ لَا تُنكِرُ عَلَيَّ، أَليسَ كَذلِكَ؟ لِمَاذَا؟ لِأَنَّنِي أَنا أَخَذتُ بِقَولِ مَن قالَ مِنَ الأَئِمَّة أَنَّهُ حَلَالٌ، لَا حَرَجَ عَلَيَّ. لَكِن أَحيَانًا قَد يَفعَلُ الشَّخصُ ذَلِكَ حَتَّى يَقَعَ فِي الحَرَامِ المُجمَعِ عَلَيهِ. مَثَلًا، شَرَابٌ اختَلَفَ العُلَماء هَل هُوَ مُحَرَّم؟ هل يَنطَبِقُ عَلَيهِ حُكمُ الخَمر أَو لَا يَنطَبِق؟ جَوزَةُ الطِيبِ، بَعضُ العُلَمَاءِ قَالَ: مُسكِرَة. إِذَا قَالَ شَخصٌ: أَنا أَشرَبُهُ لأَنِّنِي أَخَذتُ بِقَولِ العُلَمَاءِ وَالأَئِمَّةِ الَّذِينَ لَا يُحَرِّمُونَهُ. الأَصلُ فِي مِثلِ هَذِهِ الحَالِ أَنَّهُ لَا يُنكَرُ عَلَيهِ، لَا نَقُولُ: عَلَيهِ ذَنبٌ، لأَنَّهُ قَلَّدَ مُجتَهِدًا مُستَحِقًّا. لكِن إِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقيقَةِ الأَمرِ يَشرَبُهُ حَتَّى يَسكَرَ، هَذَا غَرَضُهُ فِي قَلبِهِ، قَصدُهُ أَن يَصِلَ إِلَى حَرامٍ مُجمَعٍ عَلَى تَحرِيمِهِ، هنا يَكونُ أَخَذَ الأَمرَ المُختَلَف فِيهِ حَتَّى يَقَعَ فِي الحَرامِ. إِذًا، إِذَا اتَّخَذَ الإِنسَانُ الشَّىءَ المُختَلَفَ فِي حُرمَتِهِ، إِذَا اتَّخَذَ بِقَولِ الجَوَازِ بِهِ سَبِيلًا لِلوُقُوعِ فِي الحَرَامِ المُتَّفقِ عَلَى حُرمَتِهِ، يَكونُ ءَاثِمًا، وَلَا يُنجِيهِ هَذَا مِنَ الإِثمِ عِندَ اللهِ!

وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعضُ العُلَمَاءِ “تَتَبُّعَ الرُّخَصِ”. بَعضُ العُلَمَاءِ يَقُولُونَ: “يَحرُمُ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ”، فيَظُنُّ البَعضُ أَنَّ مَعنَى ذَلِكَ إِذَا أَخَذَ الشَّخصُ بِالقَولِ الأَسهَل، حَكَم الشّافِعِيُّ بِشَىءٍ وَحَكَمَ مَالِكٌ بِشَىءٍ ءَاخَر، يَظُن إِذا أَخَذَ بالأَخَفّ لَيسَ لَهُ! لَيسَ هَذَا مَعنَاهُ! مَعنَى تَتَبُّعِ الرُّخَصِ الَّذِي حَرَّمَهُ العُلَمَاءُ اتِّخَاذُ الرُّخصَةِ سَبِيلًا لِلوُقُوعِ فِي الحَرَامِ! كَمَا شَرَحنَا، طَرِيقًا حَتَّى يَقَعَ فِي الحَرامِ المتَّفَقِ عَلَى حُرمَتِهِ. وَأَمَّا إِذا كانَ الأَمرُ فِي الحَقِيقَةِ مُختَلَفًا فِيهِ، بَعضُ الأَئِمَّةِ قالَ بِجَوازِهِ وَبَعضُ الأَئِمَّةِ قالَ بِحُرمَتِهِ، مَن أَخَذَ بِقَولِ أَنَّهُ جائِزٌ لَا حَرَجَ عَلَيهِ، وَمَن أَخَذَ بِقَولِ أَنَّهُ حَرامٌ لَا حَرَجَ عَلَيهِ. هَذَا لَا حَرَجَ عَلَيهِ وَهذَا لَا حَرَجَ عَلَيهِ! لأَنَّ العَامِيَّ، هَذَا الَّذِي كَلَّفَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ. العَامِّيُّ الَّذِي لَم يَأخُذِ الأَحكَامَ، الَّذِي لَم يَبلُغ رُتبَةَ الِاجتِهَادِ، لَو كَانَ يُسَمَّى عِندَ النَّاسِ “عَالِمًا”، هَذَا يَتبَعُ المُجتَهِدِينَ فِي أُمُورِ الدِّينِ، لَيسَ لَهُ أَن يَجتَهِدَ لِأَنَّهُ لَم يَتَأَهَّل، مَا وَصَلَ إِلَى رُتبَةِ الاجتِهادِ. مِثلُ هذا كَلَّفَهُ اللهُ أَن يَسأَلَ المجتهِدِينَ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النّحل:43] و[سورة الأنبياء:7]، فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ، وَلَا يُقَالُ لِي انظُر فِي دَلِيلِ هَذَا وَدَلِيلِ هَذَا، أَنَا لَا أَعرِفُ دَلِيلَ الشَّافِعِيِّ وَلَا مَالِكٍ، مَن أَنا لأَحكُمَ بِهَذَا؟ أَنَا عَامِّيٌّ. كَانَ يَأتِي الرَّجُلُ إِلَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي بَلَغَ دَرَجَةَ الِاجتِهَادِ فَيَقُولُ لَهُ الصَّحَابِيُّ: يَجُوزُ، فَيَأخُذُ بِقَولِهِ. لَا يَقُولُ لَهُ: مَا دَلِيلُكَ، هَل خالَفَكَ غَيرُكَ؟ هَل هُنَاكَ مُجتَهِدٌ ءَاخَرُ مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُ بِخِلافِ كَلامِكَ؟ هَذَا لَيسَ عَلَيهِ ذَنبٌ، فَعَلَ ما أَمَرَهُ رَبُّهُ بِهِ، سَأَلَ الإِنسَانَ المُستَأهِلَ المُتَأَهِّلَ! وَلَو ذَهَبَ إِلَى الجَاهِلِ فَسَأَلَهُ لَا يُعذَرُ.

وَلَا يُطالَبُ بِمَا لَا يُطِيقُهُ، يَجوزُ لَهُ أَن يَأخُذَ بِهَذَا وَيَجُوزُ لَهُ أَن يَأخُذَ بِهَذَا، وَلو أَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذَا أَسهَلَ فَأَخَذَ بِهِ ليسَ عَليهِ شَىءٌ. لَكِن إِذَا أَخَذَ هَذَا الحُكمَ الَّذِي هُوَ أَسهَلُ طَرِيقًا لِيَقَعَ فِي الحَرامِ، هُنَا يَكُونُ عَلَيهِ إِثمٌ)

مراتب تغيير المنكر

فَليُغَيِّرهُ (الأَمرُ المَأمُورُ بِهِ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ تَغيِيرُ المُنكَرِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ حُكمَ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المنكَرِ، فَهُوَ فَرضُ كِفَايَةٍ عَلَى المُكَلَّفِينَ، فَإِن تَرَكَهُ كُلُّهُم مَعَ وُجُود القُدرَة، أَثِمُوا كُلُّهُم! وَإِذا قامَ بِهِ البَعضُ، سَقَطَ الحَرَجُ عَنِ الباقِينَ. وَلَا يُشتَرَط أَن يَكُونَ الَّذِي يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ كامِلًا! أَو تَقِيًّا، أَو لَا يَقَعُ بِأَيِّ مَعصِيَةٍ، بَل لَا يُشتَرَطُ أَن يَكُونَ هُوَ لَا يَفعَلُ هَذَا المُنكَرَ. لَو كَانَ هُوَ يَعمَلُ هَذَا المُنكَرَ وَرَأَى غَيرَهُ يَعمَلُهُ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَنهَاهُ! كَمَا قَالَ العُلَمَاءُ: “وَعَلَى مُدِيرِ الكَاسِ أَن يَنهَى الجُلَّاسَ!” مَعَ وُقُوعِهِ فِي الذَّنب بِسَبَبِ إِدارَةِ الخَمرِ يَبقَى فَرضًا عَلَيهِ أَن يَنهَاهُم عَن ذَلِكَ، فَلَا يَنبَغِي أَن يَقُولَ الإِنسَانُ: أَنَا عَاصٍِ، أَنَا مُقَصِّرٌ، أَنَا كَذَا وَكَذَا، فَيَترُكُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ، بَل يَنبَغِي أَن يُبَادِرَ، فَإِنَّ هَذَا بَابُ خَيرٍ، إِذَا وَلَجَهُ نَالَ الخَيرَ مِنَ اللهِ تَعَالَى. هُوَ وَاجِبٌ عَلَيهِ أَن يَأمُرَ نَفسَهُ وَيَنهَاهَا، وَاجِبٌ عَلَيهِ أَن يَأمُرَ غَيرَهُ وَيَنهَاهُ. إِذَا كَانَ أَخَلَّ بِوَاحِدٍ، لَيسَ مَعنَاهُ أَن يُخِلَّ بِالآخَرِ. إِذَا قَصَّرَ فِي نَاحِيَةٍ لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ يُقَصِّرَ فِي النَّاحِيَةِ الأُخرَى أَيضًا، بَل يَنبَغِي عَلَيهِ أَن يَترُكَ التَّقصِيرَ مَا استَطَاعَ) 

بِيَدِهِ (“فَليُغَيِّرهُ”، هذا أَمرٌ لِلوُجُوبِ. أَي يَجِبُ عَلَيهِ أَن يُغَيِّرَه! بِشُرُوط سَتَأتِي، لَكِن الأَمرُ لِلوُجُوب. وَهَذَا الوُجُوبُ يُسَمِّيهِ العُلَمَاءُ وُجُوبَ كِفايَةٍ. تَغيِيرُ المُنكَرِ وَاجِبٌ عَلَى الكِفَايَةِ. مَا مَعنَاهُ؟؟ مَعنَاهُ إِذَا قَامَ بِهِ البَعضُ سَقَطَ الحَرَجُ عَنِ البَاقِينَ. لَيسَ تَغيِيرُ المُنكَرِ يَجِبُ عَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ المُسلِمِينَ، لَا، إِلَّا إِذَا لَم يَكُن يستَطِيعُ أَن يُغَيِّرَ هَذَا المُنكَرَ إِلَّا وَاحِدٌ، فَهُنَا صَارَ وَاجِبًا عَلَيهِ بِعينِهِ، أَمّا الأَصلُ أَنَّه فَرضٌ عَلَى الكِفَايَةِ. وَإِنَّمَا يَكُونُ فَرضًا إِذا لَم يَكُنِ الشَّخصُ يَخشَى عَلَى نَفسِهِ أَو يَخشَى عَلَى مَالِهِ، عَلَى تَفصِيلٍ ذَكَرَهُ الفُقَهَاءُ، مَعنَاهُ أَحيَانًا يَكُونُ هُنَاكَ خَطَرٌ عَلَى الإِنسَانِ. إِذَا أَرَادَ أَن يُغَيِّرَ المُنكَرَ بِاليَدِ أَو بِاللِّسَانِ يُقتَل أَو يُحبَس! فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَلَم يَفعَل لِأَجلِ ذَلِكَ فَلَيسَ عَلَيهِ حَرَجٌ، لِأَنَّهُ خَافَ عَلَى نَفسِهِ. فِي هَذِهِ الحَالِ يَكُونُ لَهُ عُذرٌ. هَذَا مِن حَيثُ الإِجمَالُ. وَيَكُونُ أَيضًا وَاجِبًا عَلَى الكِفَايَةِ إِذَا كَانَ الَّذِي يَأمُرُهُ أَو يَنهَاهُ يَستَمِعُ إِلَيهِ، يُطِيعُهُ. أَمَّا إِذَا عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَستَطِيعُ بِالمَرَّةِ أَن يُغَيِّرَ بِيَدِهِ أَو بِلِسَانِهِ، لَا مِن طَريقِهِ وَلَا مِن طَرِيقِ غَيرِهِ، سَقَطَ الوُجُوبُ عَنهُ كَذَلِكَ)، 

فَإن لَم يَستَطِع فَبِلِسَانِهِ (إِن لَم يستَطِع أَن يُزِيلَهُ بِقُوَّةِ يَدِهِ يُزِيلُهُ بِلِسَانِهِ. يَأمُرُ فاعِلَهُ بِحِكمَةٍ. يَسلُكُ الطَّرِيقَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى أَن يَفهَمَ. يَظُنَّ أَنَّها تُوصِلُ إِلَى المُرَادِ. فَإِن لَم يُطِعهُ يَذهَبُ إِلَى إِنسانٍ يَعرِفُ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ عَلَيهِ إِمَّا بَيَدِهِ أَو بِلِسَانِهِ. لَا يَتَكَلَّمُ عَلَيهِ أَمَامَ جَمِيعِ النَّاسِ ابتِدَاءً)،

فَإن لَم يَستَطِع فَبِقَلبِهِ (مَن لَم يَستَطِع لَا بَيَدِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ فَليُنكِرهُ بِقَلبِهِ. لِيَكرَه هَذَا الفِعلَ بِقَلبِهِ. هَذَا الفِعلُ حَقِيقَةً لَيسَ تَغيِيرًا، إِنَّما مَعنَاهُ: فَليَكرَههُ بِقَلبِهِ، لَا يَرضَ بِهِ بِقَلبِهِ. وَهَذَا شَىءٌ مُهِمٌّ قَد يُغفِلُهُ بَعضُ النَّاسِ، بَعضُ النَّاسِ لَا يَشعُرُونَ فِي قَلبِهِم بِكَرَاهِيَةِ المُنكَرِ، وَهَذَا لَا يَنبَغِي، هَذَا تَقصِيرٌ، بَل عَلَى الإِنسَانِ أَن يَكرَهَ المُنكَرَ بِقلبِهِ إِن كَانَ عاجِزًا أَن يُزِيلَهُ بَيَدِهِ أَو بِلِسَانِهِ)، 

وَذَلِكَ أضعَفُ الإيمَانِ» (أَي أَقَلُّ ثَمَرَةِ الإِيمَانِ، يَعنِى هَذَا أَضعَفُ ثَمَرَةٍ مِنَ الإِيمَانِ. إِن لَم يَفعَل يَكُونُ فَوَّتَ أَضعَفَ ثِمَارِ الإِيمَانِ. مَا بَقِيَ بَعدَ ذلِكَ مَرتَبَةٌ أُخرَى. فَلَا يَسَعُهُ أَن يَترُكَهُ) (قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعنَاهُ وَاللَّهُ أَعلَمُ أَقَلُّهُ ثَمَرَةً قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ هَذَا الحَدِيثُ أَصلٌ فِي صِفَةِ التَّغيِيرِ) رَوَاهُ مُسلِمٌ.

بيان أن التوحيد أعظم المعروف، والكفر أشد المنكرات

(وَهُنَا أُذَكِّرُ بِأَمرٍ مُهِمٍّ، وَهُوَ أَنَّ التَّوحِيدَ هُوَ أَعظَمُ المَعرُوفِ وَعَكسُهُ أَشَدُّ المُنكَرَاتِ وَهُوَ الكُفرُ. فَفِي البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ». فَأَعظَمُ المَعرُوفِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَهُوَ مِفتَاحُ الظَّفَرِ بِالِاجتِمَاعِ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، كَمَا أَنَّ أَشَدَّ المُنكَرِ هُوَ الكُفرُ بِاللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، قَالَ عُمَرُ بنُ عبدالعَزِيزِ فِيمَا رَوَاهُ الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ: “اللهم إِنِّي أَطَعتُكَ فِي أَحَبِّ الأَشيَاءِ إِلَيكَ، وَهُوَ التَّوحِيدُ، وَلَم ‌أَعصِكَ ‌فِي ‌أَبغَضِ ‌الأَشيَاءِ إِلَيكَ وَهُوَ الكُفرُ، فَاغفِر لِي مَا بَينَهُمَا”.اهـ

وَلِهَذَا نَجِدُ أَنَّ عُلَمَاءَ الإِسلَامِ سَلَفًا وَخَلَفًا اهتَمُّوا بِنَشرِ التَّوحِيدِ بَينَ النَّاسِ وَالتَّألِيفِ فِيهِ، «هَذَا الإِمَامُ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ قَبلَ أَلفٍ وَمِائَةِ سَنَةٍ لَهُ كِتَابٌ مَشهُورٌ فِي الشَّرقِ وَالغَربِ، النَّاسُ يَتَدَاوَلُونَهُ لِلقِرَاءَةِ لِلدِّرَاسَةِ، يَقُولُ فِيهِ: «تَعَالَى ـ أَيِ اللهُ ـ عَنِ الحُدُودِ»، اللهُ لَيسَ لَهُ كَمِّيَّةٌ، لَيسَ شَيئًا لَهُ كَمِّيَّةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ، لِأَنَّ الشَّىءَ الَّذِي لَهُ كَمِّيَّةٌ يَحتَاجُ إِلَى خَالقٍ خَلَقَهُ عَلَى تِلكَ الكَمِّيَّةِ، وَاللهُ تَعَالَى مَوجُودٌ بِلَا حَدٍّ وَلَا جِهَةٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَا شَكلٍ، لَا يَستَطِيعُ الإِنسَانُ أَن يَتَصَوَّرَهُ لِأَنَّه لَا شَبِيهَ لَهُ، لَا يُشبِهُ الأَشيَاءَ الَّتِي رَأَينَاهَا، وَلَا الأَشيَاءَ الَّتِي لَم نَرَهَا، وَلَا الأَشيَاءَ الَّتِي فِي الجنَّةِ وَالعَرشِ وَالكُرسِيِّ لَا يُشبِهُ شَيئًا مِنَ الأَشيَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُحَاوِلَ الإِنسَانُ أَن يَتَمَثَّلَهُ وَيَتَصَوَّرَهُ، هَذَا مَعنَى تَعَالَى عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَركَانِ وَالأَعضَاءِ، مُنَـزَّهٌ عَن أَن يَكُونَ لَهُ أَعضَاءٌ، وَجهٌ كَجِسمٍ وَيَدٍ وَعَينٍ بِمَعنَى الجِسمِ، مُنَـزَّهٌ عَن هَذَا».اهـ

«أَهَمُّ الأُمُورِ وَأَولَاهَا لِلمُحَافَظَةِ عَلَيهَا الثَّبَاتُ عَلَى الإِسلَامِ، فَمَن ءَامَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَثَبَتَ عَلَى الإِسلَامِ أَي تَجَنَّبَ الكُفرَ مَهمَا تَخَبَّطَ فِي المَعَاصِي لَكِنَّهُ تَجَنَّبَ الكُفرَ القَولِيَّ وَالفِعلِيَّ وَالِاعتِقَادِيَّ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الحَالِ فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يُسَلِّمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي القَبرِ مِنَ النَّكَدِ وَفِي الآخِرَةِ مِنَ العَذَابِ وَيُدخِلَهُ الجَنَّةَ، وَإِمَّا أَن يُعَذِّبَهُ بِذُنُوبِهِ الَّتِي لَم يَتُب مِنهَا قَبلَ مَوتِهِ ثُمَّ يُخرِجُهُ مِنَ العَذَابِ وَيُدخِلُهُ الجَنَّةَ وَبَعدَ دُخُولِ الجَنَّةَ لَا يَرَى شَيئًا مِنَ النَّكَدِ كَغَيرِهِ مِنَ الَّذِينَ دَخَلُوا الجَنَّةَ بِلَا عَذَابٍ، إِنَّمَا الوَيلُ كُلُّ الوَيلِ لِمَن يَمُوتُ كَافِرًا».اهـ

«إِنَّ أَعظَمَ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ نِعمَةُ الإِسلَامِ، فَمَن رَزَقَهُ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ النِّعمَةَ عَلَى مَذهَبِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَهُم عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي العَقِيدَةِ فَهُوَ مِمَّن أَرَادَ اللهُ لَهُم خَيرًا، أَمَّا مَن لَم تَكُن عَقِيدَتُهُ عَقِيدَةَ أَهلِ السُّنَّةِ ـ أَي مَا كَانَ عَلَيهَا أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَن تَبِعَهُم إِلَى عَصرِنَا هَذَا ـ فَهُوَ مِنَ الهَالِكِينَ». لِيَحمَدِ اللهَ مَن وَفَّقَهُ اللهُ فِي هَذَا العَصرِ لِعَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مِن حَيثُ أَصلُ العَقِيدَةِ وَمِن حَيثُ أُصُولُ الأَحكَامِ) 

(وَهَذَا يَدُلُّنَا عَلَى أَهَمِّيَّةِ أَن نَدُورَ مَعَ حُكمِ الدِّينِ أَينَمَا دَارَ، لَا أَن نَتَّبِعَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَو كَانُوا خَالَفُوا الشَّرعَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَمَن خَالَفَ دِينَ اللهِ يَنهَى وَيُنكَرُ عَلَيهِ كَائِنًا مَن كَانَ، مَهمَا كَانَ مَعرُوفًا بَينَ النَّاسِ، وَلَو كَانَ وَلِيًّا، فَالوَلِيُّ مَهمَا عَلَت مَرتَبَتُهُ يُخطِئُ فِي بَعضِ المَسَائِلِ الفَرعِيَّةِ إِلَّا فِي أُصُولِ العَقِيدَةِ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا كِبَارُ القَومِ، قَالَ الشَّيخُ عَبدُ القَادِرِ الجِيلَانِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِذَا عَلِمَ المُرِيدُ مِنَ الشَّيخِ الخَطَأَ فَليُنَبِّههُ فَإِن رَجَعَ وَإِلَّا فَليَكُن مَعَ الشَّرعِ». وَقَالَ الشَّيخُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «سَلِّم لِلقَومِ أَحوَالَهُم مَا لَم يُخَالِفُوا الشَّرِيعَةَ فَإِذَا خَالَفُوا الشَّرعَ فَكُن مَعَ الشَّرعِ»، يَعنِي رَضِيَ اللهُ عَنهُ الأَولِيَاءَ.

فَيَجِبُ التَّحذِيرُ مِن هَؤُلَاءِ المُتَشَبِّثِينَ بِكُلِّ مَا يُنسَبُ إِلَى الأَولِيَاءِ مِمَّا صَحَّ عَنهُم مِمَّا هُوَ خَطَأٌ وَمِمَّا لَم يَصِحَّ عَنهُم وَذَلِكَ أَكثَرُ، وَيَحتَجُّونَ لِهَذَا الفَهمِ الفَاسِدِ بِقَولِ القَائِلِ: وَكُن عِندَهُ كَالمَيِّتِ عِندَ مُغَسِّلٍ يُقَلِّبُهُ كَيمَا يَشَاءُ وَيَفعَلُ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ مَعنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ الشَّيخِ الكَامِلِ فِي كُلِّ شَىءٍ وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الخَطَإِ فَهَؤُلَاءِ الجَهَلَةُ سَاوَوا الوَلِيَّ بِالنَّبِيِّ.

«وعلى مدير الكأس أن ينهى الجُلّاس»

وَيَنبَغِي عَلَى مَن نُهِيَ عَنِ الخَطَأِ أَن يَرجِعَ لِلحَقِّ مَهمَا كَانَ الشَّخصُ الَّذِي نَهَاهُ عَنِ الخَطَأِ، وَيَكفِي شَاهِدًا لِمَا ذَكَرتُ أَنَّهُ ثَبَتَ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ اعتَرَفَ بِالخَطَإِ عَلَى نَفسِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً: «أَيُّهَا النَّاسُ لَا تُغَالُوا فِي مُهُورِ النِّسَاءِ فَأَيُّ إِنسَانٍ بَلَغَنِي أَنَّهُ جَعَلَ مَهرَ امرَأَتِهِ أَكثَرَ مِن أَربَعِمِائَةِ دِرهَمٍ أَخَذتُهُ وَوَضَعتُهُ فِي بَيتِ المَالِ»، فَقَالَتِ امرَأَةٌ: «لَيسَ لَكَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾» فَصَعِدَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ المِنبَرَ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُم وَشَأنَكُم فِي مُهُورِ نِسَائِكُم أَصَابَتِ امرَأَةٌ وَأَخطَأَ عُمَرُ». وَعُمَرُ أَفضَلُ أَولِيَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بَعدَ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَشَهِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَهُ بِأَنَّهُ مُلهَمٌ.اهـ

وَكانَ أَحَدُ شُيُوخِ شَيخِنَا رَحمَةُ اللهِ عَلَيهِ كَبِيرًا فِي العِلمِ، كَبِيرًا فِي الوِلَايَةِ، كَبِيرًا فِي العِبَادَةِ، كَانَ مِنَ شِدَّةِ إِقبَالِهِ عَلَى العِبَادَةِ، يُشَبِّهُهُ النَّاسُ بِالمَلَائِكَةِ، مَعَ العِلمِ الوَاسِعِ، مَعَ حِفظِ القُرءَانِ، مَعرِفَةِ القِرَاءَاتِ، مَعرِفَةِ الفِقهِ. كَانَ حَالُهُ عَجِيبًا، وَكَانَ صَاحِبَ كَرَامَاتٍ. كَرَامَاتُهُ بَينَ النَّاسِ مَعرُوفَةٌ، وَصَاحِبُ جَاهٍ، جَاهُهُ بَينَ النَّاسِ عَظِيمٌ، النَّاسُ يُعَظِّمُونَهُ. لَمَّا كَانَ شَيخُنَا عِندَهُ يَستَفِيدُ مِنهُ فِي العِلمِ وَيَقرَأُ عَلَيهِ، قَالَ لِشَيخِنَا، الشَّيخُ يَقُولُ لِتِلمِيذِهِ: “إِذَا رَأَيتَ مِنِّي مَكرُوهًا فَنَبِّهنِي!” مَعنَى هَذَا، فَكَيفَ إِذَا رَأَيتَنِي أَفعَلُ حَرَامًا؟؟! بِالأَولَى أَن لَا تَترُكَنِي! وَهَذَا الَّذِي يَنبَغِي. أَن لَا يَمنَعَهُ عُلُوُّ شَأنِ الآخَرِ، لَا فِي الدِّينِ وَلَا فِي الدُّنيَا مِن أَن يَترُكَ نَهيَهُ عَنِ المُنكَرِ إِذَا رَآهُ قَد وَقَعَ فِيهِ. هَكَذَا طَرِيقُ السَّلَامَةِ وَالنَّجَاةِ فِي الآخِرَة.

وَكَذَلِكَ لَمَّا ذَهَبَت السيِّدَةُ عائِشَة رَضِيَ اللهُ عَنها إِلَى البَصرَة. كَانَ فِى البَصرَةِ اجتَمَعَ نَاسٌ عَلَى خِلَافِ رَأيِ سيِّدِنَا عَلِيٍّ، يَعنِي هُوَ مَا كَانَ رَاضِيًا بِاجتِمَاعِهِم لِأَنَّهُ كَانَ يَخَافُ أَن يَدخُلَ بَينَهُم مَن يُثِيرُ فِتنَةً، وَقَد حَصَلَ ما تَخَوَّفَ مِنهُ. السَّيِّدَةُ عائِشَة رَضِيَ اللهُ عَنهَا ذَهَبَت إِلَى هُنَاكَ وَكَانَ قَصدُهَا أَن تُصلِحَ بَينَ الفَرِيقَينِ، لَكِنَّهَا غَلِطَت لِأَنَّهَا ذَهَبَت مِن غَيرِ إِذنِ الخَلِيفَة. عَلِيٌّ مَا كَانَ يُرِيدُ ذَهَابَهَا، لِأَنَّ عَلِيًّا كانَ يَعتَقِد أَنَّها إِذَا ذَهَبَت يَستَغِلُّ ذَهَابَهَا بَعضُ أَهلِ الفِتنَةِ حَتَّى يُحَرِّضُوا عَلَيهِ، عَلى الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ، 

وَالبُخَارِيُّ رَوَى فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي وَائِلٍ قال: «قَامَ عَمَّارٌ عَلَى مِنبَرِ الكُوفَةِ، فَذَكَرَ عَائِشَةَ، وَذَكَرَ مَسِيرَهَا، وَقَالَ: إِنَّهَا ‌زَوجَةُ ‌نَبِيِّكُم ﷺ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابتُلِيتُم».اهـ أي تَتَّبَعُونَ أَمرَ الله أَو تَتبِعُونَ عائِشَة فِى فِعلِهَا هَذَا، رَضِيَ اللهُ عَنهَا،  هَذَا مَعَ مَا لَهَا مِنَ الدَّرَجَةِ فِي الفَضلِ وَفِي العِلمِ وَفِى غَيرِ ذَلِكَ، لَم يَمنَع هَذَا عَمَّارًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَن يَقُولَ هَذَا الكَلَامَ، وَهَكَذَا يَنبَغِي أَن يَكُونَ المُسلِمُ. أَن لَا يَمنَعَهُ عُلُوُّ شَأنِ مَن وَقَعَ فِي الخَطَأِ سَوَاءٌ كَانَ عالِيًا فِي أَعيُنِ أَهلِ الدُّنيَا أَو كَانَ مِن أَهلِ الفَضلِ، أَهلِ التَّقوَى، أَهلِ الوِلَايَةِ، يَنبَغِي أَن لَا يَمنَعَهُ ذَلِكَ مِن أَن يُنكِرَ عَلَيهِ لِأَنَّهُ بِهَذَا، يُطِيعُ اللهَ تَعَالَى، وَطَاعَةُ اللهِ تُقَدَّمُ عَلَى طَاعَةِ المَخلُوقِ)

خصال الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الثلاث

(وَأَمَّا لَو سَأَلَ شَخصٌ مَا هِيَ خِصَالُ الآمِرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ المُنكَرِ: يَنبَغِي لِمَن يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ أَن يَتَحَلَّى بِخِصَالٍ. قَالَ بَعضُ السَّلَفِ، وَهُوَ يُروَى عَن سُفيَانَ الثَّورِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: «لَا يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَلَا يَنهَى عَنِ المُنكَرِ إِلَّا مَن كَانَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: رَفِيقٌ بِمَا يَأمُرُ رَفِيقٌ بِمَا يَنهَى، عَدلٌ بِمَا يَأمُرُ عَدلٌ بِمَا يَنهَى، عَالِمٌ بِمَا يَأمُرُ عَالِمٌ بِمَا يَنهَى».اهـ

الخَصلَةُ الأُولَى: الرِّفقُ: “رَفِيقٌ بِمَا يَأمُرُ”، يَعنِى إِذا أَمَرَ بِالمَعرُوفِ هُوَ رَفِيقٌ فِى الأَمرِ بِالمَعرُوفِ، يَتَرَفَّقُ بِالذَّيِ يَأمُرُهُ، يَعنِى يَتَصَرَّفُ بِحِكمَةٍ حَتَّى يَقبَلَ الَّذِي يَسمَعُ الكَلَامَ مِنهُ. “رَفِيقٌ بِمَا يَنهَى”، عِندَهُ رِفقٌ أَيضًا إِذَا نَهَى عَنِ المُنكَرِ.

الخَصلَةُ الثَّانِيَةُ: العَدلُ: “عَدلٌ بِمَا يَأمُرُ عَدلٌ بَِما يَنهَى”، يُراعِي العَدلَ، يُراعِي أَن يَكُونَ أَمرُهُ عَلَى وَفقِ شَرعِ اللهِ.

الخَصلَةُ الثَّالِثَةُ: العِلمُ: “عَالِمٌ بِمَا يَأمُرُ عَالِمٌ بِمَا يَنهَى”، لا يَتَصَرَّفُ عَن جَهلٍ، إِنَّمَا يَكُونُ عَارِفًا بِعِلمِ الدِّين.

وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا يُروَى أَنَّهُ مَرَّةً حَاكِمٌ مِنَ الحُكَّامِ، كَانَ قَائِدَ جَيشٍ وَهُوَ وَجيشُهُ مَرُّوا فِى أَرضٍ وَكَانَ نَبَّهَهُم: إِيَّاكُم أَن تُؤذُوا النَّاسَ! لَا أَحَدَ يَأخُذُ مِن أَغرَاضِ النَّاسِ، إلخ. جَاءَت إِلَيهِ امرَأَةٌ مِسكِينَةٌ فَقَالَت لَهُ: فُلَانٌ مِن قَادَةِ جَيشِكَ أَخَذَ مِن أَرضِي حَلِيبًا غَصبًا، مِن أَرضِهَا، وَمَا اشتَرَاهُ مِنِّي. قَالَ: أَنتِ مُتَأَكِّدَة؟؟ قَالَت: نَعَم! كَانَ بِيَدِهِ سَيفٌ، ضَرَبَ مَعِدَتَهُ بِالسَّيفِ فَوَصَلَ الجُرحُ إِلَى المعِدَة فَخَرَجَ مِنَ المَعِدَةِ الحَلِيبُ. هَذَا كَانَ قَصدُهُ أَن يَمنَعَ الظُّلمَ عَنِ هَذِهِ المَرأَةِ، لَكِن هَل كَانَ فِى تَصَرُّفِهِ عَدلًا، هَل تَصَرَّفَ بِحَيثُ هُوَ لَم يَقَع فِى الظُّلم؟؟ لَا، بَل وَقَعَ هُوَ فِى الظُّلمِ فِى هَذَا الأَمرِ، لأَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أَن يَجرَحَ الرّجُل حَتَّى يَرَى إِن كَانَ فِى مَعِدَتِهِ حَلِيبٌ أَو لَا! ثُمَّ قَالَ لَهَا: لَو لَم يَظهَرِ الحَلِيبُ كُنتُ عاقَبتُكِ أَنتِ! فَعَلَ ذَلِكَ!! لَيسَ هَذَا شَرعَ اللهِ تَعَالَى.

فَإِذًا ينبَغِي أَن يَكُونَ عالِمًا بِحُكمِ الشرعِ كَي يُفَرِّقَ بَينَ الحَلالِ وَالحَرامِ، بينَ المعرُوفِ وَالمنكَرِ. وَلا بُدَّ أَن يَكُونَ عَدلًا فِى أَمرِهِ، عَدلًا فِى نَهيِهِ، وَلا بُدَّ أَن يَكُونَ رَفِيقًا مُراعِيًا للحِكمَةِ. يَنظُرُ ما هِيَ الطّرِيقُ، ما هُوَ السَّبيلُ حَتَّى يَقبَلَ الإِنسانُ مَا يَقُولُ لَهُ، أَو حَتَّى يَنتَهِيَ عَمَّا يَنهَاهُ عَنهُ. أَحيَانًا، الإِنسَانُ يَعمَلُ جُهدَهُ وَلا يستَمِعُ إِلَيهِ الآخَرُ، لَكِن يَكُونُ عَمِلَ جُهدَهُ. وأَحيَانًا الزَّجرُ يَكُونُ هُوَ المَطلُوبُ، وَهَذَا يَحتَاجُ إِلَى الشَّخصِ الَّذِي يَعرِفُ مَتَى هَذَا وَمَتَى هَذَا بِحَيثُ يُرَاعِي الحِكمَةَ فِى ذَلِكَ. الرِّفقُ لَيسَ مَعنَاهُ اللُّيُونَةُ وَالضَّعفُ عَلَى الإِطلَاقِ! لَا، إِنَّمَا مَعنَاهُ أَن يَتَصَرَّفَ الإِنسَانُ بِالحِكمَةِ. حَيثُ يَكُونُ المَوضِعُ مَوضِعَ الزَّجرِ يَزجُرُ، وَحَيثُ يَكُونُ المَوضِعُ مَوضِعَ اللُّيُونَةِ يَلِين، لَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فَظًّا غَليظًا هَذَا يُبعِدُ النَّاسَ مِن أَن يَقبَلُوا الحَقَّ مِنهُ. ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [سورةَ ءال عمران:159]، هَكَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى خِطَابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَمَاذَا يَكُونُ حَالُ الوَاحِدِ مِنَّا) 

(خُلَاصَةُ الخِصَالِ الثَّلَاثِ: فَإِذًا يَنبَغِي لِلَّذِي يُرِيدُ أَن يَأمُرَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ:

1. أَن يَعرِفَ حُكمَ الشَّرعِ فِى الأَمرِ.

2. أَن يَامُرَ وَيَنهَى بِحَيثُ لَا يَتَعَدَّى فِى أَمرِهِ وَنَهيِهِ إِلَى الظُّلمِ.

3. أَن يَكُونَ رَفِيقًا حَكِيمًا.اهـ)

البواعث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(وَأَختِمُ بِذِكرِ البَوَاعِثِ الَّتِي تَبعَثُ أَهلَ الفَضلِ عَلَى الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ: أَي مَا هِيَ الأَشيَاءُ الَّتِي تَحمِلُهُ، تُحَرِّكُهُ حَتَّى يَأمُرَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المنكَرِ:

أَوَّلًا: رَجاءُ ثَوابِ اللهِ، أَحيَانًا يُفَكِّرُ الإِنسَانُ فِى الثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي يَكُونُ لَهُ إِذا أَمَرَ بِالمَعرُوفِ وَنَهَى عَنِ المنكَرِ، فَيَحمِلُهُ هَذَا عَلَى الأَمرِ أَوِ النَّهيِ.

ثَانِيًا: الخَوفُ مِن عِقَابِ اللهِ، يُفَكِّرُ: أَنا إِذا قَصَّرتُ أَستَحِقُّ العِقَابَ، فَلِكَي لا يُصِيبَهُ عِقابُ الله، يَأمُرُ أَو يَنهَى.اهـ 

ثالثا: الغَضَبُ لله، فإِذا رَأَى أَنَّ مَحارِمَ اللهِ انتُهِكَت. أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ كَانَ الوَاحِدُ مِنهُم مِن أَليَنِ ما يَكُون، فَإِذا انتُهِكَت مَحارِمُ اللهِ وَجَدتَ الواحِدَ مِنهُم حَمَالِيقُ عَينَيهِ تَدُورُ مِن غَضَبِهِ للهِ تَعَالَى.

رَابِعًا: النَّصِيحَة لِلمُؤمِنِينَ، لِأَنَّهُ يَعرِفُ أَنَّ هَذَا فِيهِ المَصلَحَةُ لِأَهلِ الإِيمَانِ.

خَامِسًا: الرَّحمَةُ لَهُم.

سَادِسًا: إِجلَالُ اللهِ تَعَالَى وَتَعظِيمُهُ، اللهُ أَمَرَ بِذلِكَ، كَيفَ يَفعَلُ هَذَا عَلَى خِلَافِ أَمرِ اللهِ؟! كَيفَ يَعصِي رَبَّ العَالَمِينَ؟؟! شِدَّةُ إِجلَالِ اللهِ تَحمِلُهُ عَلَى إِنكَارِ المُنكَرِ.

فَإِذًا: هَذَا الحَدِيثُ فِيهِ إِرشَادٌ عَظِيمٌ إِلَى مَحَاسِنِ الأَخلَاقِ وَإِلَى أَن يَقِيَ الإِنسَانُ نَفسَهُ مِن أُمُورٍ تُوصِلُ الإِنسَانَ إِلَى الوُقُوعِ فِى الكَبَائِرِ، بَل قَد تُوصِلُهُ إِلَى الكُفرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ).