رياض الصالحين | باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر| بيان كيف تكون الدعوة إلى الله

الدرس ١٨٤ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٣:٠٢

الحَمدُ للهِ الَّذِي أَمَرَ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ، وَنَهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالعِصيَانِ، قَضَى بِنَفعِ العَبدِ وَضُرِّهِ، وَأَمضَى القَدَرَ بِشَرِّهِ وَخَيرِهِ، كَمَا حَرَّكَ أَهلَ عِبَادَتِهِ إِلَى نُصرَةِ دِينِهِ، وَهَدَى لِلقِيَامِ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ أُولِي الأَلبَابِ، وَأَوجَبَ عَلَيهِمُ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ بِنَصِّ الكِتَابِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ خِطَابًا خَاصًّا لِقَومٍ يَعقِلُونَ، وَأَمرًا عَامًّا لِمَن بَعدَهُم يَخلُفُونَ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

أَحمَدُهُ تَعَالَى عَلَى التَّوفِيقِ لِلإِسلَامِ، وَأَشكُرُهُ عَلَى إِنعَامِهِ الخَاصِّ وَالعَامِّ، وَأَستَعِينُهُ وَأَستَمِدُّهُ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَأَسأَلُهُ عَمَلًا يُقَرِّبُ إِلَيهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهًا وَاحِدًا صَمَدًا، لَم يَتَّخِذ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، وَلَا يُشرِكُ فِي حُكمِهِ أَحَدًا، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي بَيَّنَ الدِّينَ وَنَوَّرَ، وَأَعلَنَ التَّوحِيدَ وَأَظهَرَ، وَأَمَرَ بِالمَعرُوفِ وَنَهَى عَنِ المُنكَرِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ المُطَهَّرِينَ مِنَ الأَدنَاسِ، وَأَصحَابِهِ المُعَظَّمِينَ الأَكيَاسِ، صَلَاةً يَكُونُ لَنَا وَلَهُم بِسَبَبِهَا جَزِيلُ الإِنعَامِ، بِدَارِ الجُودِ وَالفَضلِ وَالإِكرَامِ، أَمَّا بَعدُ:

فَقَد أَنهَى الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بَابَ النَّصِيحَةِ، وَأَتبَعَهُ بِبَابِ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَإِنَّهُ بِهَذَا التَّرتِيبِ يُشِيرُ لِلقَارِئِ وَالدَّارِسِ لِكِتَابِهِ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلمُؤمِنِينَ أَن تَأمُرَهُم بِالمَعرُوفِ وَتَنهَاهُم عَنِ المُنكَرِ، فَلَيسَ نَاصِحًا لِإِخوَانِهِ المُؤمِنِينَ مَن لَا يَأمُرُهُم بِالمَعرُوفِ وَلَو كَانَ هَذَا المَعرُوفُ قَلِيلًا، أَو مَن يَرَاهُم مُنغَمِسِينَ فِي المُنكَرَاتِ وَلَا يَنهَاهُم، وَشَرَعَ رَحِمَهُ اللهُ بِبَيَانِ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ وَفَضلِهِمَا، وَبَيَانِ أَنَّ آيَاتِ القُرآنِ وَالأَحَادِيثَ النَّبَوِيَّةَ مَشحُونَانِ بِالحَثِّ عَلَى هَذَا الخُلُقِ العَظِيمِ، وَأَنَّهُ عَمَلُ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، وَعَمَلُ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، وَبَيَّنَ رَحِمَهُ اللهُ بِمَا سَاقَهُ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ فَضلَ مَن يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ وَأَثَرَ هَذَا العَمَلِ عَلَى المُؤمِنِينَ عُمُومًا، وَبَيَّنَ عُقُوبَةَ مَن يَترُكُ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ وَشُؤمَ هَذَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:104]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:110]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سُورَةُ الأَعرَافِ:199]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سُورَةُ التَّوبَةِ:71]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سُورَةُ المَائِدَةِ:78]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:29]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [سُورَةُ الحِجرِ:94]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سُورَةُ الأَعرَافِ:165] وَالآيَاتُ فِي البَابِ كَثِيرَةٌ مَعلُومَةٌ.

الشَّرحُ

تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ (“مِن” لِلتَّبعِيضِ، لِأَنَّ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ مِن فُرُوضِ الكِفَايَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصلُحُ إِلَّا لِمَن عِندَهُ عِلمٌ بِالمَعرُوفِ وَالمُنكَرِ وَعِلمٌ كَيفَ يُرَتِّبُ الأَمرَ فِي إِقَامَتِهِ) يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ (قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أَي جَمَاعَةٌ يَتَخَيَّرُونَ العِلمَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ، أَي يَكُونُونَ أُسوَةً لِغَيرِهِم.اهـ )

 (وَالخَيرُ هُنَا فِيهِ قَولَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الإِسلَامُ. وَالثَّانِي: العَمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ) 

وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (المَعرُوفُ هَهُنَا: طَاعَةُ اللهِ، وَالمُنكَرُ: مَعصِيَتُهُ) (أَي كُونُوا أُمَّةً دُعَاةً إِلَى الخَيرِ آمِرِينَ بِالمَعرُوفِ نَاهِينَ عَنِ المُنكَرِ)

(هَذِهِ الآيَةُ مُشتَمِلَةٌ عَلَى الأَمرِ بِثَلَاثَةِ أَشيَاءَ: الدَّعوَةُ إِلَى الخَيرِ، وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ، وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ، وَمَعلُومٌ أَنَّ الدَّعوَةَ إِلَى الخَيرِ مَشرُوطَةٌ بِالعِلمِ بِالخَيرِ وَبِالمَعرُوفِ وَبِالمُنكَرِ، فَإِنَّ الجَاهِلَ رُبَّمَا دعا إِلَى البَاطِلِ وَأَمَرَ بِالمُنكَرِ وَنَهَى عَنِ المَعرُوفِ، وَرُبَّمَا عَرَفَ الحُكمَ فِي مَذهَبِهِ وَجَهِلَهُ فِي مَذهَبِ صَاحِبِهِ فَنَهَاهُ عَن غَيرِ مُنكَرٍ، وَقَد يُغلِظُ فِي مَوضِعِ اللِّينِ وَيَلِينُ فِي مَوضِعِ الغِلظَةِ، وَيُنكِرُ عَلَى مَن لَا يَزِيدُهُ إِنكَارُهُ إِلَّا تَمَادِيًا، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا التَّكلِيفَ مُتَوَجِّهٌ عَلَى العُلَمَاءِ، أَيِ العَالِمِينَ بِالمَعرُوفِ وَبِالمُنكَرِ وَبِطُرُقِ إِنكَارِهِ،

وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الحُكمَ فِي الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الكِفَايَةِ بِمَعنَى أَنَّهُ مَتَى قَامَ بِهِ البَعضُ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ المَعنَى لِيَقُم بِذَلِكَ بَعضُكُم، فَكَانَ فِي الحَقِيقَةِ هَذَا إِيجَابًا عَلَى البَعضِ لَا عَلَى الكُلِّ)

(قَالَ الرَّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ اشتَمَلَت عَلَى التَّكلِيفِ بِثَلَاثَةِ أَشيَاءَ، أَوَّلُهَا: الدَّعوَةُ إِلَى الخَيرِ، ثُمَّ الأَمرُ بِالمَعرُوفِ، ثُمَّ النَّهيُ عَنِ المُنكَرِ، وَلِأَجلِ العَطفِ يَنبَغِي كَونُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مُتَغَايِرَةً، فَنَقُولُ:

أَمَّا الدَّعوَةُ إِلَى الخَيرِ: فَأَفضَلُهَا الدَّعوَةُ إِلَى إِثبَاتِ ذَاتِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَتَقدِيسِهِ عَن مُشَابَهَةِ المُمكِنَاتِ -وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الرَّازِيُّ أَعظَمُ المَعرُوفِ الَّذِي يُؤمَرُ بِهِ، أَعظَمُ المَعرُوفِ هُوَ تَوحِيدُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالإِيمَانُ بِهِ وَاعتِقَادُ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، وَأَنَّهُ لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ، لَا يَحتَاجُ إِلَى المَكَانِ وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، هَذَا أَصلُ التَّوحِيدِ وَأَوَّلُ الوَاجِبَاتِ وَأَولَاهَا عِنَايَةً، 

وَنَقَلَ الرَّازِيُّ عَنِ القَفَّالِ قَالَ: وَأَعرَفُ المَعرُوفَاتِ الدِّينُ الحَقُّ وَالإِيمَانُ بِالتَّوحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، وَأَنكَرُ المُنكَرَاتِ: الكُفرُ بِاللهِ، وَهَذَا مَعنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفسِيرِ آيَةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: تَأمُرُونَهُم أَن يَشهَدُوا أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِرُّوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ، وَتُقَاتِلُونَهُم عَلَيهِ، وَ«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» أَعظَمُ المَعرُوفِ، وَالتَّكذِيبُ بِلَا إلهَ إِلَّا اللهُ هُوَ أَنكَرُ المُنكَرِ-.

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:104]، (سُمِّي الفَلَّاحُ فَلَّاحًا لِكَونِهِ يَشُقُّ الأَرضَ. وَفِي المَثَلِ: الحَدِيدُ بِالحَدِيدِ يُفلَحُ. وَالفَلَاحُ: الظَّفَرُ وَالفَوزُ بِالبُغيَةِ. وَذَلِكَ ضَربَانِ: دُنيَوِيٌّ، وَأُخرَوِيٌّ.

فَالدُّنيَوِيُّ: نَيلُ الأَسبَابِ الَّتِي بِهَا تَطِيبُ الحَيَاةُ مِنْهَا الغِنَى، وَالعِزُّ. وَالأُخرَوِيُّ أَربَعَةُ أَشيَاءَ: بَقَاءٌ بِلَا فَنَاءٍ، وَغِنًى بِلَا فَقرٍ، وَعِزٌّ بِلَا ذُلٍّ، وَعِلمٌ بِلَا جَهلٍ. لِذَلِكَ قَالَ ﷺ: اللهم لَا عَيشَ إِلَّا عَيشُ الآخِرَةِ.اهـ نَسأَلُ اللهَ أَن يَجعَلَنَا مِنَ المُفلِحِينَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ)

(وَاعلَمُوا أَنَّ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ أَصلُ الدِّينِ، فَإِنَّهُ شُغُلُ الأَنبِيَاءِ، وَقَد خَلَفَهُم فِيهِ خُلَفَاؤُهُم، وَلَولَا إِيَّاهُ شَاعَ الجَهلُ وَبَطَلَ العِلمُ. 

رَوَى البَزَّارُ بِسَنَدِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَتَأمُرُنَّ بِالمَعرُوفِ وَلَتَنهَوُنَّ عَنِ المُنكَرِ أَو لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ شِرَارَكُم عَلَى خِيَارِكُم فَيَدعُوا خِيَارُكُم فَلَا يُستَجَابُ لَهُم»،

وَرُوِيَ عَن جَرِيرٍ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِن قَومٍ فِيهِم رَجُلٌ يَعمَلُ بِالمَعَاصِي وَهُم أَعَزُّ مِنهُ وَأَمنَعُ لَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ».اهـ

قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ الإِمَامُ الحَنبَلِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ 598هـ: وَاعْلَم أَنَّهُ قَدِ اضمَحَلَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ الأَمرُ بِالمَعرُوفِ حَتَّى صَارَ المَعرُوفُ مُنكَرًا وَالمُنكَرُ مَعرُوفًا، وَهَذَا زَمَنُ قَولِهِ ﷺ: «بَدَأَ الإِسلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ».اهـ

وَاعْلَمْ أَنَّ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ وَاجِبٌ عَلَى المُكَلَّفِينَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَشَدُّ الأَعمَالِ ثَلَاثَةٌ -أَي لَا يَقدِرُ عَلَيهَا كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَهِيَ شَدِيدَةٌ عَلَى الغَالِبِ مِنَ المُسلِمِينَ-: الجُودُ مِنْ قِلَّةٍ، وَالوَرَعُ فِي خَلوَةٍ، وَكَلِمَةُ حَقٍّ عِندَ مَن يُرجَى وَيُخَافُ.اهـ

وَفِي حَدِيثِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيتُم أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَن تَقُولَ لَهُ: أَنتَ ظَالِمٌ، فَقَد تُوُدِّعَ مِنهُم».اهـ )

خيرية الأمة المحمدية بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾  [آل عمران: 110]، (ذَكَرَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ جُزءًا مِن هَذِهِ الآيَةِ، وَهَذَا الجُزءُ هُوَ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ مِن أَسبَابِ خَيرِيَّةِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَتِتِمَّتُهَا هِيَ قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، فَخَيرِيَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى غَيرِهَا مِنَ الأُمَمِ بِأَمرِهَا بِالمَعرُوفِ وَنَهيِهَا عَنِ المُنكَرِ وَبِالثَّبَاتِ عَلَى الإِيمَانِ.

رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن بَهزِ بنِ حَكِيمٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: «أَنتُم تُتِمُّونَ سَبعِينَ أُمَّةً أَنتُم خَيرُهَا وَأَكرَمُهَا عِندَ اللهِ». وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. 

وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: نَحنُ خَيرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، نَسُوقُهُم بِالسَّلَاسِلِ إِلَى الإِسلَامِ. 

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ وَشَهِدُوا بَدرًا وَالحُدَيبِيَةَ.

 وَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: مَن فَعَلَ فِعلَهُم كَانَ مِثلَهُم.

وَقِيلَ: هُم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَعنِي الصَّالِحِينَ مِنهُم وَأَهلَ الفَضلِ. وَهُمُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالتَّقدِيرُ عَلَى هَذَا كُنتُم لِلنَّاسِ خَيرَ أُمَّةٍ.

وَقِيلَ: إِنَّمَا صَارَت أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيرَ أُمَّةٍ لِأَنَّ المُسلِمِينَ مِنهُم أَكثَرُ، وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ فِيهِم أَفشَى. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ مَدحٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَا أَقَامُوا ذَلِكَ وَاتَّصَفُوا بِهِ. فَإِذَا تَرَكُوا التَّغيِيرَ وَتَوَاطَئُوا عَلَى المُنكَرِ زَالَ عَنهُمُ اسمُ المَدحِ وَلَحِقَهُمُ اسمُ الذَّمِّ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِم.اهـ

قَالَ الرَّازِيُّ: احتَجَّ أَصحَابُنَا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ إِجمَاعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ، فَالأَلِفُ وَاللَّامُ فِي لَفظِ «بِالمَعرُوفِ» وَلَفظِ «المُنكَرِ» يُفِيدَانِ الِاستِغرَاقَ، وَهَذَا يَقتَضِي كَونَهُم آمِرِينَ بِكُلِّ مَعرُوفٍ وَنَاهِينَ عَن كُلِّ مُنكَرٍ، وَمَتَى كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ إِجمَاعُهُم حَقًّا وَصِدقًا لَا مَحَالَةَ، فَكَانَ حُجَّةً)

(وَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ بِأَنَّهَا خَيرُ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ، وَليُعلَم أَنَّ الخَيرِيَّةَ تَشمَلُ أُمَّتَنَا أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا، وَإِن كَانَ لِلأَوَّلِ فَضلُ السَّبقِ. 

فَإِنَّ مِن تَفضِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ أَنَّهُ فَضَّلَ أُمَّتَهُ وَجَعَلَهَا فِي الأُمَمِ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ، وَجَعَلَ أَتبَاعَهُ ﷺ أَكثَرَ أَتبَاعِ الأَنبِيَاءِ، وَجَعَلَ الصُّلَحَاءَ فِيهِم أَكثَرَ مِن غَيرِهِم، وَمِن أَعظَمِ رِجَالِ هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ هُم أَصحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّ أَفضَلَهُم وَخَيرَهُم وَخَيرَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن بَعدِهِ ﷺ هُمُ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الهُدَاةُ المَهدِيُّونَ الَّذِينَ أَوصَانَا النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّبَاعِهِم وَحُبِّهِم.

فضل أمة النبي ﷺ ومقارنة حالهم بمن قبلهم من الأمم

وَليُعلَم أَنَّهُ كَمَا فَضَّلَ اللهُ نَبِيَّنَا ﷺ عَلَى جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ فَقَد فَضَّلَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أُمَّتَنَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ.

فَقَد وَرَدَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمرَاءَ نَحوًا مِن أَربَعِينَ، فَقَالَ ﷺ: «أَتَرضَونَ أَن تَكُونُوا رُبُعَ أَهلِ الجَنَّةِ؟»، قُلنَا: نَعَم. قَالَ: «أَتَرضَونَ أَن تَكُونُوا ثُلُثَ أَهلِ الجَنَّةِ؟»، قُلنَا: نَعَم. قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرجُو أَن تَكُونُوا نِصفَ أَهلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لا يَدخُلُهَا إِلا نَفسٌ مُسلِمَةٌ، وَمَا أَنتُم فِي أَهلِ الشِّركِ -يَعنِي مُقَارَنَةً بِأَهلِ الشِّركِ- إِلَّا كَالشَّعَرَةِ البَيضَاءِ فِي جِلدِ ثَورٍ أَسوَدَ أَوِ السَّودَاءِ فِي جِلدِ ثَورٍ أَحمَرَ». 

فَفَضِيلَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى غَيرِهَا مِنَ الأُمَمِ، هَذَا وَإِن كَانَ بِتَفضِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِتَقدِيمِهِ إِيَّاهَا إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ لِذَلِكَ سَبَبًا، وَهُوَ الفِطنَةُ وَالفَهمُ وَاليَقِينُ وَتَسلِيمُ النُّفُوسِ وَصَلَاحُ أَحوَالِ الأَتبَاعِ مِن حَيثُ الجُملَةُ. 

وَلنُقَارِن حَالَهُم بِمَن قَبلَهُم: فَإِنَّ قَومَ مُوسَى رَأَوا قُدرَةَ اللهِ الخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ فِي شَقِّ البَحرِ، ثُمَّ قَالَ بَعضُهُمُ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [سُورَةُ الأَعرَافِ:138]، ثُمَّ مَالَ بَعدَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنهُم إِلَى عِبَادَةِ العِجلِ.

قصص ثبات الصحابة: خُبيب بن عدي، بلال، الزبير، مصعب بن عمير، سعد بن معاذ

وَإِذَا نَظَرتَ فِي أُمَّةِ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ فَإِنَّكَ سَتَسمَعُ خَبَرَ خُبَيبِ بنِ عَدِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الَّذِي يُقتَلُ صَبرًا وَلَا يَثنِيهِ ذَلِكَ عَن دِينِهِ وَهُوَ يَقُولُ:

وَلَستُ أُبَالِي حِينَ أُقتَلُ مُسلِمًا *** عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ للهِ مَصرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ، وَإِن يَشَأ *** يُبَارِك عَلَى أَوصَالِ شِلوٍ مُمَزَّعِ

وَعَرَضَت لِقَومِ مُوسَى غَزَاةٌ -أَي طَلَبَ مِنهُم مُوسَى أَن يَغزُوا مَعَهُ الجَبَّارِينَ- فَقَالُوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سُورَةُ المَائِدَةِ:24]، 

أَمَّا الرَّسُولُ ﷺ لَمَّا عَرَضَت غَزوَةُ بَدرٍ قَالَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: «فَوَالَّذِي أَكرَمَكَ وَأَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ، لَئِن سِرتَ حَتَّى تَأتِيَ بِرْكَ الغِمَادِ مِن ذِي يَمَنٍ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ، وَلَا نَكُونُ كَالَّذِينَ قَالُوا لِمُوسَى مِن بَنِي إِسرَائِيلَ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سُورَةُ المَائِدَةِ:24]، وَلَكِن نَحنُ لَكَ مُتَّبِعُونَ، وَلَعَلَّكَ أَن تَكُونَ خَرَجتَ لِأَمرٍ وَأَحدَثَ اللهُ إِلَيكَ غَيرَهُ، فَانظُرِ الَّذِي أَحدَثَ اللهُ إِلَيكَ فَامضِ لَهُ، فَصِل حِبَالَ مَن شِئتَ، وَاقطَع حِبَالَ مَن شِئتَ، وَسَالِم مَن شِئتَ، وَعَادِ مَن شِئتَ، وَخُذ مِن أَموَالِنَا مَا شِئتَ، وَمَا أَخَذتَ مِنَّا كَانَ أَحَبَّ إِلَينَا مِمَّا تَرَكتَ، وَمَا أَمَرتَ فِيهِ مِن أَمرٍ فَأَمرُنَا تَبَعٌ لِأَمرِكَ، فَامضِ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَا أَرَدتَ».اهـ فَسُرَّ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا سَمِعَ مِن سَعدِ بنِ مُعَاذٍ.

وَلَم يَقبَل كَثِيرٌ مِن قَومِ مُوسَى التَّورَاةَ حَتَّى نُتِقَ عَلَيهِمُ الجَبَلُ.

وَأَمَّا أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَيَقُولُ عَن مَانِعِي الزَّكَاةِ: «وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللهِ لَو مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهِ». فَانظُرُوا كَيفَ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَرَفُوا مَعنَى الِاتِّبَاعِ لِلنَّبيِّ ﷺ.

وَقَد عُرِفَ يَقِينُ أُمَّتِنَا وَبَذلُهُم أَنفُسَهُم فِي الحُرُوبِ، وَعُرِفَ طَاعَتُهُم لِلرَّسُولِ، وَحِفظُهُم لِلقُرآنِ، أَمَّا فِي الأُمَمُ المَاضِيَةِ قَبلَ أُمَّتِنَا كَانُوا لَا يَحفَظُونَ كِتَابَهُم إِلَّا القَلِيلَ مِنهُم، لِذَلِكَ لَمَّا حَفِظَهُ عُزَيرٌ وَأَملَاهُ عَلَيهِم بَعضُهُم كَفَرَ فَقَالُوا: هَذَا ابنُ اللهِ.

 وَكَانَ بِلَالٌ يُعَذَّبُ فِي الصَّحرَاءِ فِي الحَرِّ الشَّدِيدِ، فَيُخرِجُهُ أُمَيَّةُ فِي الحَرِّ وَيَضَعُهُ عَلَى رِمَالِ مَكَّةَ الشَّدِيدَةِ الحَرَارَةِ وَيَقُولُ لَهُ: قُلِ: اللَّاتُ وَالعُزَّى، وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. 

وَكَانَ عَمُّ الزُّبَيرِ يُعَلِّقُ الزُّبَيرَ وَيُشعِلُ النَّارَ مِن تَحتِهِ وَيَقُولُ: ارجِع إِلَى الكُفرِ، فَيَقُولُ: لَا أَرجِعُ. 

وأَقبَلَ مُصعَبُ بن عُمَيرٍ يَومًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيهِ قِطعَةٌ مِن نَمِرَةٍ قَد وَصَلَهَا بِإِهَابٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَد رَأَيتُ هَذَا وَمَا بِمَكَّةَ فَتًى أَنعَمَ عِندَ أَبَوَيهِ مِنهُ، ثُمَّ أَخرَجَهُ مِن ذَلِكَ الرَّغبَةُ فِي حُبِّ اللهِ وَرَسُولِه»ِ. وَلَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ كَانَ مَعَهُ لِوَاءُ المُهَاجِرِينَ، فَضَرَبَهُ عَدُوُّ اللهِ ابنُ قَمِئَةَ فَقَطَعَ يَدَهُ، وَمُصعَبٌ يَقُولُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:144] فَأَخَذَ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ اليُسرَى وَحَنَى عَلَيهِ فَضَرَبَ يَدَهُ اليُسرَى فَقَطَعَهَا، فَحَنَى عَلَى اللِّوَاءِ وَهُوَ يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، فَقُتِلَ وَلَم يُوجَد لَهُ كَفَنٌ إِلا نَمِرَةً كَانُوا إِذَا وَضَعُوهَا عَلَى رَأسِهِ خَرَجَت رِجلاهُ، وَإِذَا وَضَعُوهَا عَلَى رِجلَيهِ خَرَجَ رَأسُهُ، فَجَعَلُوا عَلَى رِجلَيهِ شَيئًا مِنَ الإِذخِرِ)

(وَاعلَمُوا أَنَّهُ إِذَا هَذَّبَ الآمِرُ نَفسَهُ أَثَّرَ قَولُهُ إِمَّا فِي زَوَالِ المُنكَرِ أَوْ فِي انكِسَارِ المُذنِبِ أَو إِلقَاءِ الهَيبَةِ لَهُ فِي القُلُوبِ.

فَقَد خَرَجَ إِبرَاهِيمُ الخَوَّاصُ لإِنكَارِ مُنكَرٍ فَنَبَحَ عَلَيهِ كَلبٌ فَمَا قَدَرَ عَلَى الوُصُولِ إِلَى مَكَانِ المُنكَرِ، فَرَجَعَ إِلَى مَسجِدِهِ وَتَفَكَّرَ سَاعَةً ثُمَّ قَامَ فَجَعَلَ الكَلبُ يَتَبَصبَصُ حَولَهُ وَلا يُؤذِيهِ حَتَّى أَزَالَ المُنكَرَ، فَسُئِلَ عَمَّا جَرَى لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا نَبَحَ عَلَيَّ لِفَسَادٍ دَخَلَ عَلَيَّ فِي عَقدٍ بَينِي وَبَينَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمَّا رَجَعتُ ذَكَرتُهُ فَاستَغفَرتُ)

أجمع آية لمكارم الأخلاق

وَقالَ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:199] (هَذِهِ الآيَةُ مِن ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، تَضَمَّنَت قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ فِي المَأمُورَاتِ وَالمَنهِيَّاتِ.

فَقَولُهُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دَخَلَ فِيهِ صِلَةُ القَاطِعِينَ، وَالعَفوُ عَنِ المُذنِبِينَ، وَالرِّفقُ بِالمُؤمِنِينَ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِن أَخلَاقِ المُطِيعِينَ، -فَهَذَا الجُزءُ مِنَ الآيَةِ فِيهِ الأَمرُ بِالعَفوِ عَنِ النَّاسِ عِندَ الِاستِطَاعَةِ وَالأَمرِ بِالحِلم عَلَيهِم. هَذَا صَلَاحُ الدِّينُ الأَيُّوبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، مَرَّةً كَانَ قَاعِدًا فِى مَجلِسِهِ، وَاحِدٌ مِن عَبيدِهِ أَرادَ أَن يَضرِبَ مملُوكًا ءاخَر بِحِذائِهِ. هَذَا المَملُوكُ حَادَ عَنهُ فَكَادَ أَن يُصِيبَ صَلَاحَ الدِّينِ! مَاذَا فَعَلَ؟ أَظهَرَ وَكَأَنَّهُ لَم يَرَ ذَلِكَ! مَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ! مَرَّةً كَانَ قَاعِدًا فِي بَابِ الخَيمَةِ وَخَلفَهُ الدَّوَات. يُرِيدُ أَن يَكتُبَ شيئًا، فَقالَ لِعَبدٍ عِندَهُ: أَعطِنِي الدَّوَات، قالَ لَهُ الدَّواتُ خَلفَك!! مُدَّ يَدَكَ!! هُوَ يَتَكَلَّم مَعَ بَطَلٍ، سُلطَانٍ، كَانَ تَحتَ حُكمِهِ مِثلُ سِتِّ أَو سَبعِ بِلَادٍ اليَومَ. نَظَرَ، قَالَ نَعَم.. مَا الَّذِي أَطمَعَهُم فِيهِ؟؟ أَطمَعَهُم فِيهِ حُسنُ خُلُقِهِ وَعَدَمُ إِنفاذِهِ لِغَضَبِهِ! يَعلَمُونَ أَنَّهُ لَا يُنفِذُ غَضَبَهُ.

مِثلُ هَذِهِ الأَخلَاق هِيَ أَخلَاقُ الأَكَابِرِ. ينبَغِي لَنَا أَن نَتَشَبَّهَ بِأَمثَالِ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَنبَغِي لِلوَاحِدِ أَن يَتَشَبَّهَ بِأَهلِ الخِسَّةِ، وَلَا بِأَهلِ الدَّنَاءَةِ، وَلَا بِأَهلِ المَعصِيَةِ، وَلَا بِالَّذِينَ هِمَّتُهُم مُنحَطَّةٌ. يَنبَغِي لَنَا أَن نَتَشَبَّهَ بِأَهلِ الفَضلِ وَلَو كَانَ هَذَا فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى النَّفسِ، لَكِن فِيهِ الثَّوَابُ العَظِيمُ فِى الآخِرَةِ-.

وَدَخَلَ فِي قَولِهِ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صِلَةُ الأَرحَامِ، وَتَقوَى اللَّهِ فِي الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَغَضُّ الأَبصَارِ، وَالِاستِعدَادُ لِدَارِ القَرَارِ.

وَفِي قَولِهِ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحَضُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالعِلمِ، وَالإِعرَاضُ عَن أَهلِ الظُّلمِ، وَالتَّنَزُّهُ عَن مُنَازَعَةِ السُّفَهَاءِ، وَمُسَاوَاةِ الجَهَلَةِ الأَغبِيَاءِ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الأَخلَاقِ الحَمِيدَةِ وَالأَفعَالِ الرَّشِيدَةِ. 

وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ المَقبُرِيُّ عَن أَبِيهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّكُم لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَموَالِكُم، وَلَكِن يَسَعُهُم مِنكُم بَسطُ الوَجهِ وَحُسنُ الخُلُقِ».

وَرَوَى البُخَارِيُّ مِن حَدِيثِ هِشَامِ بنِ عُروَةَ عَن أَبِيهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ فِي قَولِهِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قَالَ: مَا أَنزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ إِلَّا فِي أَخلَاقِ النَّاسِ.

وَرَوَى سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ عَنِ الشَّعبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ جِبرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَأمُرُكَ أَن تَعفُوَ عَمَّن ظَلَمَكَ، وَتُعطِيَ مَن حَرَمَكَ، وَتَصِلَ مَن قَطَعَكَ. فَنَظَمَهُ بَعضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:

مَكَارِمُ الأَخـلَاقِ فِي ثَلَاثَةٍ *** مَن كَمُلَت فِيهِ فَذَلِكَ الفَتَى

إِعطَاءُ مَن تَحرِمُهُ وَوَصلُ مَن *** تَقطَعُهُ وَالعَفوُ عَمَّـنِ اعتَدَى

وَقَالَ جَعفَرٌ الصَّادِقُ: أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَلَيسَ فِي القُرآنِ آيَةٌ أَجمَعُ لِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.وَقَالَ ﷺ: «بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخلَاقِ».

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

كُلُّ الأُمُورِ تَزُولُ عَنكَ وَتَنقَضِي *** إِلَّا الثَّنَاءَ فَإِنَّهُ لَكَ بَاقِي

لَو أَنَّنِي خُيِّرتُ كُلَّ فَضِيلَةٍ *** مَا اختَرتُ غَيرَ مَكَارِمِ الأَخلَاقِ)،

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سُورَةُ التَّوبَةِ:71]، (هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا التَّذكِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بِالأُخُوَّةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَفِيهَا التَّذكِيرُ لَنَا بِأَن نَذكُرَ رَابِطَةَ الدِّينِ، وَهِيَ أَعظَمُ رَابِطَةٍ تَجمَعُنَا، وَالمُجتَمَعُ الَّذِي يَكُونُ هَذَا حَالَهُ يَكُونُ أَفرَادُهُ كَالبُنيَانِ المَرصُوصِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا، فَمَعنَى الآيَةِ: أَي قُلُوبُهُم مُتَّحِدَةٌ فِي التَّوَادِّ وَالتَّحَابِّ وَالتَّعَاطُفِ.

قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَوحِيدِهِ، وَكُلِّ مَا أَتبَعَ ذَلِكَ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَن عِبَادَةِ الأَوثَانِ وَكُلِّ مَا أَتبَعَ ذَلِكَ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَن أَبِي العَالِيَةِ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي القُرآنِ مِنَ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ فَهُوَ النَّهيُ عَن عِبَادَةِ الأَوثَانِ وَالشَّيَاطِينِ)

(وَيَنبَغِي لِلآمِرِ بِالمَعرُوفِ أَن يَلطُفَ بِمَن يَتَوَجَّهُ إِلَيهِ بِالأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾.اهـ 

بعض قصص الصالحين في حسن الأمر بالمعروف

وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى خَلِيْفَةٍ فَأَمَرَهُ بِمَعرُوفٍ، وَنَهَاهُ عَن مُنكِرٍ، وَأَغلَظَ لَهُ فِي القَولِ، فَقَالَ لَهُ الخليفة: يَا هَذَا، إِنَّ اللهَ أَرسَلَ مَن هُوَ ‌خَيرٌ ‌مِنكَ لِمَن هُوَ شَرٌّ مِنِّي، فَقَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [سُورَةُ طَهَ: 44]، ثُمَّ أَعرَضَ عَنهُ وَلَم يَلتَفِت إلَيهِ.اهـ وَمَرَّ أَبُو الدَّردَاءِ بِرَجُلٍ قَد أَصَابَ ذَنبًا وَكَانُوا يَسُبُّونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَرَأَيتُم لَو وَجَدتُمُوهُ فِي بِئرٍ أَلَم تَكُونُوا مُستَخرِجِيهِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَلَا تَسُبُّوا أَخَاكُم، وَاحمَدُوا اللهَ الَّذِي عَافَاكُم. قَالُوا: أَفَلَا تُبغِضُهُ؟ قَالَ: إِنَّمَا أُبغِضُ عَمَلَهُ، فَإِذَا تَرَكَهُ فَهُوَ أَخِي.

وَرَأَى مُحَمَّدُ بنُ المُنكَدِرِ رَجُلًا يُكَلِّمُ امرَأَةً فِي مَوضِعٍ خَرِبٍ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرَاكُمَا، سَتَرَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم.اهـ

وَرُوِيَ عَن ثَابِتٍ البُنَانِيِّ قَالَ: كَانَ صِلَةُ بنُ أَشيَمَ يَخرُجُ إِلَى الجَبَّانِ فَيَتَعَبَّدُ فِيهَا وَكَانَ يَمُرُّ عَلَى شَبَابٍ يَلهُونَ وَيَلعَبُونَ فَيَقُولُ لَهُم: أَخبِرُونِي عَن قَومٍ أَرَادُوا سَفَرًا فَحَادُوا بِالنَّهَارِ عَنِ الطَّرِيقِ وَنَامُوا بِاللَّيلِ مَتَى يَقطَعُونَ سَفَرَهُم؟ فَكَانَ كَذَلِكَ يَمُرُّ بِهِم فَيَعِظُهُم، فَمَرَّ بِهِم ذَاتَ يَومٍ فَقَالَ لَهُم ذَاتَ يَومٍ هَذِهِ المَقَالَةَ، فَقَالَ شَابٌّ مِنهُم: يَا قَومُ إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا يَعنِي بِهَذَا غَيرَنَا، نَحنُ بِالنَّهَارِ نَلهُو وَبِاللَّيلِ نَنَامُ، ثُمَّ اتَّبَعَ صِلَةَ فَلَم يَزَل يَختَلِفُ مَعَهُ إِلَى الجَبَّانِ وَيَتَعَبَّدُ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ.

وَقَالَ سُلَيمَانُ التَّيمِيُّ: مَا أَغضَبتَ أَحَدًا فَقَبِلَ مِنكَ.اهـ

وَقَالَ فَتحُ بنُ شخرفٍ: تَعَلَّقَ رَجُلٌ بِامرَأَةٍ وَمَعَهُ سِكِّينٌ لا يَدنُو مِنهُ أَحَدٌ إِلا عَقَرَهُ وَكَانَ شَدِيدَ البَدَنِ، فَبَينَا النَّاسُ كَذَلِكَ وَالمَرأَةُ تَصِيحُ مَرَّ بِشرُ بنُ الحَارِثِ الحَافِي فَدَنَا مِنهُ وَحَكَّ كَتِفَهُ بِكَتِفِ الرَّجُلِ، فَوَقَعَ الرَّجُلُ إِلَى الأَرضِ وَمَرَّتِ المَرأَةُ وَمَرَّ بِشرٌ، فَدَنَوا مِنَ الرَّجُلِ وَهُو يَرشَحُ عَرَقًا فَسَأَلُوهُ: مَا حَالُكَ؟ فَقَالَ: مَا أَدرِي وَلَكِن حَاكَّنِي شَيخٌ وَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَاظِرٌ إِلَيكَ وَإِلَى مَا تَعمَلُ. فَضَعُفتُ لِقَولِهِ وَهِبتُهُ هَيبَةً شَدِيدَةً لَا أَدرِي مَن ذَلِكَ الرَّجُلُ. فَقَالُوا لَهُ: ذَاكَ بِشرُ بنُ الحَارِثِ. فَقَالَ: وَاسَوأَتَاه كَيفَ يَنظُرُ إِلَيَّ بَعدَ اليَومِ! وَحُمَّ مِن يَومِهِ ذَاكَ وَمَاتَ يَومَ السَّابِعِ)

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سُورَةُ المَائِدَةِ:78]، (وَفِي حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مَن كَانَ قَبلَكُم كَانُوا إِذَا عَمِلَ العَامِلُ مِنهُم بِالخَطِيئَةِ نَهَاهُ النَّاهِي تَعذِيرًا -قَالَ فِي النِّهَايَةِ لِابنِ الأَثِيرِ: “تَعْذِيرًا”: أَيْ نَهْيًا قَصَّرُوا فِيهِ وَلَمْ يُبَالِغُوا.اهـ-، فَإِذَا كَانَ الغَدُ جَالَسَهُ وَوَاكَلَهُ وَشَارَبَهُ كَأَنَّهُ لَم يَرَهُ عَلَى خَطِيئَتِهِ بِالأَمسِ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ مِنهُم ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعضِهِم عَلَى بَعضٍ ثُمَّ لَعَنَهُم عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابنِ مَريَمَ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَتَأمُرُنَّ بِالمَعرُوفِ وَلَتَنهُوُنَّ عَنِ المُنكَرِ وَلَتَأخُذُنَّ عَلَى يَدِ السَّفِيهِ فَلَتَأطِرُنَّهُ عَلَى الحَقِّ أَطْرًا -أَيْ تَصْرِفُوهُ عَنِ الظُّلْمِ إِلَى الحَقِّ- أَو لَيَضرِبَنَّ اللهُ بِقُلُوبِ بَعضِكُم عَلَى بَعضٍ ثُمَّ يَلعَنُكُم كَمَا لَعَنَهُم».اهـ

قَالَ مَالِكُ بنُ دِينَارٍ: قَرَأتُ فِي التَّورَاةِ: مَن كَانَ لَهُ جَارٌ يَعمَلُ بِالمَعَاصِي فَلَم يَنهَهُ فَهُوَ شَرِيكُهُ.اهـ أَي هُوَ مُذنِبٌ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِنكَارِ المُنكَرِ وَعَالِمٌ بِهِ وَلَم يَفعَل)

معنى قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، [سُورَةُ الكَهفِ:29] (ذِكرُ الحَافِظِ النَّوَوِيِّ هَذِهِ الآيَةَ فِي بَابِ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَحِمَهُ اللهُ يُفَسِّرُهَا عَلَى الوَجهِ الصَّوَابِ المُوَافِقِ لِتَفسِيرِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَهُوَ أَنَّ فِي مَعنَاهَا التَّهدِيدَ وَالوَعِيدَ بِمَن يُوَاقِعُ المُنكَرَاتِ، فَفِيهَا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَن يُخَالِفُ أَمرَ اللهِ وَأَمرَ رَسُولِهِ ﷺ، وَمَعنَاهَا هُوَ التَّخوِيفُ عَن مُوَاقَعَةِ الذُّنُوبِ وَالمُنكَرَاتِ، وَهَذَا أَبلَغُ فِي الِابتِعَادِ عَنهَا)

(اللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَنَا وَأَمَرَنَا بِأَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ، وَقَد أَمَرَ الحَقُّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِالإِيمَانِ بِقَولِهِ فِي سُورَةِ الأَعرَافِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾، وَتَوَعَّدَ المُخَالِفِينَ بِالعَذَابِ الأَلِيمِ، فَقَد قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الكَهفِ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ وَالتَّهدِيدُ لِمَن تَرَكَ الإِيمَانَ وَوَقَعَ فِي الكُفرِ كَمَا قَالَ القُرطُبِيُّ وَالرَّازِيُّ وَالنَّسَفِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ وَغَيرُهُم مِنَ المُفَسِّرِينَ. فَفِي الآيَةِ إِفَادَةُ التَّهدِيدِ وَالوَعِيدِ، بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ الآيَةِ وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [سُورَةُ الكَهفِ:29]، فَمِن قَوَاعِدِ الأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَجِيءَ الوَعِيدِ بَعدَ الأَمرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِالأَمرِ هُوَ التَّهدِيدُ.

وَأَمَّا قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ:256] أَي بِقِتَالِهِم، فَلَا تُقَاتِلهُم لِلدُّخُولِ فِي دِينِ الإِسلَامِ، وَهَذَا نَزَلَ قَبلَ ءَايَاتِ الجِهَادِ وَنُسِخَ بِهَا، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: هُوَ خَاصٌّ بِأَهلِ الكِتَابِ الَّذِينَ إِذَا امتَنَعُوا مِنَ القِتَالِ وَدَفَعُوا الجِزيَةَ لِإِمَامِ المُسلِمِينَ تَرَكَ قِتَالَهُم، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعنَاهَا: لَا تَستَطِيعُ يَا مُحَمَّدُ أَن تُكرِهَ القُلُوبَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، فَعَلَيكَ إِكرَاهُ الظَّوَاهِرِ بِالقِتَالِ أَوِ الجِهَادِ. وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [سَورَةُ الغاشية:22] مَعنَاهُ لَا تَستَطِيعُ يَا مُحَمَّدُ أَن تُسَيطِرَ عَلَى قُلُوبِهِم فَتَقلِبَهَا مِنَ الكُفرِ إِلَى الإِيمَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ:272] مَعنَاهُ لَا تَستَطِيعُ خَلقَ الهِدَايَةِ فِي قُلُوبِهِم لِأَنَّ الخَلقَ بِيَدِ اللهِ. فَلَيسَ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وَنَحوِهِ أَنَّ مَنِ اختَارَ الإِيمَانَ كَمَنِ اختَارَ الكُفرَ، بَل مَنِ اختَارَ الكُفرَ مُؤَاخَذٌ وَمَنِ اختَارَ الإِيمَانَ مُثَابٌ)،

قصة إعلان النبي ﷺ الدعوة وثباته أمام أذى المشركين

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [سُورَةُ الحِجرِ:94] (أَي بِالَّذِي تُؤمَرُ بِهِ، أَي بَلِّغ رِسَالَةَ اللَّهِ جَمِيعَ الخَلقِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيهِم، فَقَد أَمَرَكَ اللَّهُ بِذَلِكَ. وَالصَّدعُ: الشَّقُّ. وَتَصَدَّعَ القَومُ أَي تَفَرَّقُوا، وَمِنهُ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أَي يَتَفَرَّقُونَ. وَصَدَعتُهُ فَانصَدَعَ أَيِ انشَقَّ.

وَقِيلَ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أَي فَرِّق جَمعَهُم وَكَلِمَتَهُم بِأَن تَدعُوَهُم إِلَى التَّوحِيدِ فَإِنَّهُم يَتَفَرَّقُونَ بِأَن يُجِيبَ البَعضُ، فَيَرجِعُ الصَّدعُ عَلَى هَذَا إِلَى صَدعِ جَمَاعَةِ الكُفَّارِ. هَذِهِ الآيَةُ مِن أَبلَغِ مَا يُقَالُ لِفَصَاحَةِ مَا فِيهَا، وَحَكَى أَبُو عُبَيدٍ أَنَّ أَعرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقرَأُ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [سُورَةُ الحِجرِ:94]، فَضَحِكَ وَقَالَ: سَجَدتُ لِفَصَاحَةِ هَذَا الكَلَامِ.اهـ) (وَهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ أَمرَ النَّبِيِّ ﷺ بِإِعلَانِ دِينِهِ لِلنَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمَّا طَبَقَ الشِّركُ أَقطَارَ الأَرضِ، وَاستَطَارَ شَرَرُهُ فِي الآفَاقِ مِنَ المَشرِقِ إِلَى المَغرِبِ، بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَنِيفِيَّةِ المَحضَةِ وَالتَّوحِيدِ الخَالِصِ دِينِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَأَمَرَهُ أَن يَدعُوَ الخَلقَ كُلَّهُم إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَكَانَ يَدعُو إِلَى ذَلِكَ سِرًّا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَاستَجَابَ لَهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ أُمِرَ بِإِعلَانِ الدَّعوَةِ وَإِظهَارِهَا، وَقِيلَ لَهُ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، فَدَعَا إِلَى اللهِ وَإِلَى تَوحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ جَهرًا، وَأَعلَنَ الدَّعوَةَ، وَذَمَّ الأَصنَامَ الَّتِي تُعبَدُ مِن دُونِ اللهِ، وَذَمَّ مَن عَبَدَهَا وَأَخبَرَ أَنَّهُ مِن أَهلِ النَّارِ.

فَثَارَ عَلَيهِ المُشرِكُونَ، وَاجتَهَدُوا فِي إِيصَالِ الأَذَى إِلَيهِ وَإِلَى أَتبَاعِهِ، وَفِي إِطفَاءِ نُورِ الحَقِّ الَّذِي بَعَثَهُ رَبُّهُ بِهِ، وَهُوَ لَا يَزدَادُ إِلَّا إِعلَانًا بِالدَّعوَةِ وتَصمِيمًا عَلَى إِظهَارِهَا وَإِشهَارِهَا وَالنِّدَاءِ بِهَا فِي مَجَامِعِ النَّاسِ، وَكَانَ يَخرُجُ بِنَفسِهِ فِي مَوَاسِمِ اجتِمَاعِ النَّاسِ إِلَى مَن يَقدُمُ إِلَى مَكَّةَ مِن قَبَائِلِ العَرَبِ، فَيَعرِضُ نَفسَهُ عَلَيهِم، وَيَدعُوهُم إِلَى التَّوحِيدِ، وَهُم لَا يَستَجِيبُونَ لَهُ، بَل يَرُدُّونَ عَلَيهِ قَولَهُ وَيُسمِعُونَهُ مَا يَكرَهُ.

وَبَقِيَ عَشرَ سِنِينَ عَلَى ذَلِكَ يَقُولُ: «مَن يَمنَعُنِي [أَي يَحمِينِي مِن أَذَاهُم وَيُدَافِعُ عَنِّي] حَتَّى أُؤَدِّيَ رِسَالَاتِ رَبِّي؟ فَإِنَّ قُرَيشًا مَنَعُونِي أَن أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي»، وَكَانَ يَشُقُّ أَسوَاقَهُم فِي المَوَاسِمِ وَهُم مُزدَحِمُونَ بِهَا، يُنَادِي يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفلِحُوا»، وَوَرَاءَهُ أَبُو لَهَبٍ يُؤذِيهِ وَيَرُدُّ عَلَيهِ وَيَنهَى النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِهِ.

وَاجتَمَعَ المُشرِكُونَ مَرَّةً عِندَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ يَشكُونَهُ إِلَيهِ وَيَقُولُونَ: شَتَمَ آلِهَتَنَا وَسَفَّهَ أَحلَامَنَا وَسَبَّ آبَاءَنَا، فَمُرهُ فَليَكُفَّ عَن آلِهَتِنَا. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَجِب قَومَكَ فِيمَا سَأَلُوا. فَقَالَ: «أَنَا أَدعُوهُم إِلَى خَيرٍ مِن ذَلِكَ: أَن يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُم بِهَا العَرَبُ وَيَملِكُونَ بِهَا العَجَمَ» فَقَالَ أَبُو جَهلٍ: نُعطِيكَهَا وَعَشرَ أَمثَالِهَا. فَقَالَ ﷺ: «تَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». فَنَفَرُوا عِندَ ذَلِكَ وَتَفَرَّقُوا وَهُم يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعَمِّهِ: «يَا عَمِّ، لَو وَضَعُوا الشَّمسَ عَن يَمِينِي وَالقَمَرَ عَن يَسَارِي عَلَى أَن أَترُكَ هَذَا الأَمرَ حَتَّى يُظهِرَهُ اللهُ أَو أَهلِكَ فِي طَلَبِهِ مَا تَرَكتُهُ».

وَقَالَ ﷺ: «لَقَد أُخِفتُ فِي اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَد أُوذِيتُ فِي اللهِ وَمَا يُؤذَى أَحَدٌ، وَلَقَد أَتَت عَلَيَّ ثَلَاثُونَ -مِن يَومٍ وَلَيلَةٍ- وَمَا لِي طَعَامٌ يَأكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيءٌ يُوَارِيهِ إِبطُ بِلَالٍ». 

وَفِي رِوَايَةٍ عَنهُ ﷺ قَالَ: «مَا أُوذِيَ أَحَدٌ فِي اللهِ مَا أُوذِيتُ». وَكَانَ يَقِفُ بِالمَوَاسِمِ عَلَى القَبَائِلِ فَيَقُولُ لَهُم قَبِيلَةً قَبِيلَةً: «يَا بَنِي فُلَانٍ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم، يأمُرُكُم أَن تَعبُدُوه وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا» وَلَا يَقبَلُونَ مِنهُ، وَأَبُو لَهَبٍ خَلفَهُ يَقُولُ: لَا تُطِيعُوهُ. فَلَم يَزَل ﷺ يَدعُو إِلَى اللهِ وَإِلَى تَوحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ حَتَّى ظَهَرَ دِينُ اللهِ وَعَلَا ذِكرُهُ وَتَوحِيدُهُ فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ، وَصَارَت كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا، وَدِينُهُ هُوَ الظَّاهِرَ، وَتَوحِيدُهُ هُوَ الشَّائِعَ، وَصَارَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ، وَالطَّاعَةُ كُلُّهَا لَهُ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللهِ أَفوَاجًا. فَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى قُربِ أَجَلِهِ وَأُمِرَ حِينَئِذٍ بِالتَّهَيُّؤِ لِلِقَاءِ اللهِ وَالنُّقلَةِ إِلَى دَارِ البَقَاءِ. وَكَأَنَّ المَعنَى أَنَّهُ قَد حَصَلَ المَقصُودُ مِن إِرسَالِكَ، وَظَهَرَ تَوحِيدِي فِي أَقطَارِ الأَرضِ، وَزَالَ مِنهَا ظَلَامُ الشِّركِ، وَحَصَلَت عِبَادَتِي وَحدِي لَا شَرِيكَ لِي، وَصَارَ الدِّينُ كُلُّهُ لِي، فَأَنَا أَنقُلُكَ لِدَارٍ خَيرٍ مِن هَذِهِ الدَّارِ لِأَجزِيَكَ أَعظَمَ الجَزَاءِ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. وهذه صِفَتُهُ ﷺ فِي التَّورَاةِ كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ: «وَلَن أَقبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوجَاءَ بِأَن يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَفتَحَ بِهِ أَعيُنًا عُميًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلفًا».اهـ)،

نجاة الآمرين بالمعروف

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سُورَةُ الأَعرَافِ:165] (هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ بِأَنَّ اللهَ يُنجِي الآمِرِينَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ المُنكَرِ، إِذَا أَرَدتَ النَّجَاةَ لَا تُقَصِّر فِي الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ)

(رُوِيَ عَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَفضَلُ الجِهَادِ الأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ، وَقَالَ أَيضًا: مَن لَم يَعرِف بِقَلبِهِ مَعرُوفًا وَلَم يُنكِر مُنكَرًا نُكِّسَ وَجُعِلَ أَعلَاهُ أَسفَلَهُ،

 وَرَوَى الحَسَنُ عَن أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ائتَمِرُوا بِالمَعرُوفِ وَانتَهُوا عَنِ المُنكَرِ تَعِيشُوا بِخَيرٍ)

(وَثَمَرَةُ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ نَشرُ الفَضِيلَةِ فِي المُجتَمَعَاتِ وَشُيُوعُ الخَيرَاتِ بَينَ النَّاسِ، فَيَنبَغِي الثَّبَاتُ عَلَيهِ وَعَدُم التَّقصِيرِ فِي هَذَا البَابِ لِأَهَمِّيَّتِهِ وَلِشُؤمِ مَن يَتَخَاذَلُ عَنهُ.

قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: يَا هَذَا، قَد صَانَكَ اللهُ بِالحَلَالِ -أَي حَفِظَكَ- فَلَا تَبتَذِل، وَبِالقَنَاعَةِ -أَي بِالحَلَالِ- فَلَا تَذِلَّ -أَي بِالمَعصِيَةِ-، وَطَهَّرَكَ مِنَ الأَدنَاسِ فَلا تَتَوَسَّخ، وَدَعَاكَ إِلَى الأَربَاحِ فَلَا تَتَوَقَّف، وَيحَكَ إِذَا خَدَمتَ الدُّنيَا رَأَت نَفسَهَا فَتَدَلَّلَت، وَإِذَا أَعرَضتَ عَنهَا عَرَفَت قَدرَهَا فَتَذَلَّلَت، «اخدِمِي مَن خَدَمَنِي وَاستَخدِمِي مَن خَدَمَكِ»، يَا جَامِعَ الدُّنيَا لِغَيرِهِ، جَمعًا يَعُوقُهُ عَن سَيرِهِ، يَا هَذَا: إِنَّمَا فُضِّلَ العَاقِلُ لِنَظَرِهِ فِي العَوَاقِبِ، فَأَمَّا مَن لَا يَرَى إِلَّا الحَاضِرَ فَطِفلٌ، تُسرِعُ فِي طَلَبِ الدُّنيَا إِسرَاعَ جَوَادٍ وَأَنتَ فِي طَلَبِ الآخِرَةِ جَبَانٌ، إِن لَاحَ لَكَ ذَنبٌ وَثَبتَ وَثبَ فَهدٍ وَإِن حُرِّضتَ عَلَى طَاعَةٍ تَخَاذَلتَ وَتَقَاعَستَ)

وَالآيَاتُ فِي البَابِ كَثِيرَةٌ مَعلُومَةٌ.