رياض الصالحين (198) | شدة عذاب من يأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويأتيه

الدرس ١٩٨ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٤٨:٤٦

الحَمدُ لِلهِ الأَوَّلِ بِلَا ابتِدَاءٍ، وَالآخِرِ بِلَا انقِضَاءٍ، تَنَزَّهَ عَنِ الأَشبَاهِ وَالأَندَادِ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الحُدُودِ وَالجِهَاتِ وَالآمَادِ، لَيسَ بِجِسمٍ فَيَنقَسِمَ، وَلَا بِجَوهَرٍ فَيَتَحَيَّزَ، وَلَا بِعَرَضٍ فَيَتَغَيَّرَ، مَوجُودٌ لَا كَالمَوجُودَاتِ، مُنَزَّهٌ عَنِ الحُلُولِ وَالِانتِقَالَاتِ، حَجَبَ الأَبصَارَ عَن إِدرَاكِ كُنهِهِ، وَأَعجَزَ الأَفكَارَ عَنِ الإِحَاطَةِ بِوَصفِهِ، فَكُلُّ مَا خَطَرَ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلَافِهِ، ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١١]. 

حَكِيمٌ فِي صُنعِهِ، عَدلٌ فِي قَضَائِهِ، مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ فِي خَلقِهِ، وَعَنِ الجَورِ فِي جَزَائِهِ، إِن عَذَّبَ فَبِعَدلِهِ، وَإِن عَفَا فَبِفَضلِهِ، لَا يَجِبُ عَلَيهِ لِأَحَدٍ حَقٌّ، وَلَا يُعتَرَضُ عَلَيهِ فِي حُكمٍ، ﴿لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٣]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً صَدَّقَهَا العَمَلُ فَزَكَت وَثَبَتَت، وَلَم يُكَذِّبهَا الفِعلُ فَتَهَافَتَت وَسَقَطَت. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَصدَقُ الخَلقِ مَقَالًا، وَأَقوَمُهُم حَالًا وَفِعَالًا، لَم تُخَالِف سَرِيرَتُهُ عَلَانِيَتَهُ، وَلَا نَطَقَ لِسَانُهُ بِمَا رَدَّتهُ جَارِحَتُهُ، وَرَضِيَ اللهُ عَن آلِهِ وَصَحبِهِ، الَّذِينَ حَمَلُوا مَا قَالَ عَلَى مَا فَعَلَ، فَكَانَ عِلمُهُم قَائِدًا وَعَمَلُهُم تَابِعًا. أَمَّا بَعدُ:

فَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يُبتَلَى بِهِ الوَاعِظُ وَالمُعَلِّمُ: أَن يَكُونَ دَلِيلًا يَهدِي وَهُوَ حَائِرٌ، وَسِرَاجًا يُضِيءُ لِلنَّاسِ وَهُوَ فِي نَفسِهِ خَامِدٌ دَاثِرٌ؛ يَعرِفُ الطَّرِيقَ وَلَا يَسلُكُهَا، وَيَحمِلُ المَفَاتِيحَ وَلَا يَفتَحُ بِهَا.

وَلَمَّا تَقَدَّمَ الحَضُّ عَلَى الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَبَيَانُ وُجُوبِهِ عَلَى مَن قَدَرَ، نَاسَبَ أَن يُعَقَّبَ ذَلِكَ بِالتَّحذِيرِ مِن أَن يَقِفَ الآمِرُ عِندَ قَولِهِ دُونَ فِعلِهِ، فَيَظُنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ الدِّلَالَةِ عَلَى الخَيرِ تُنجِيهِ، وَإِنَّمَا يُنجِيهِ أَن يَكُونَ مِنَ العَامِلِينَ بِمَا يَدعُو إِلَيهِ.

فَلَمَّا أَخرَجَ هَذَا المَذكُورُ لِلنَّاسِ حَسَنَ القَولِ وَأَبطَنَ خِلَافَهُ، أُخرِجَ لَهُم فِي جَهَنَّمَ عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَادِ مَا كَانَ يُبطِنُهُ فِي جَوفِهِ.

الحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالتِّسعُونَ بَعدَ المِائَةِ: وَهُوَ الحَدِيثُ الوَحِيدُ المَذكُورُ فِي هَذَا البَابِ: قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.

وَعَن أَبِي زَيدٍ أُسَامَةَ بنِ زَيدِ بنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤتَى بِالرَّجُلِ يَومَ القِيَامَةِ فَيُلقَى فِي النَّارِ، فَتَندَلِقُ أَقتَابُ بَطنِهِ فَيدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ فِي الرَّحَى، فَيَجتَمِعُ إِلَيهِ أَهلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا لَكَ؟ أَلَم تَكُ تَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَى عَنِ المُنكَرِ؟ فَيقُولُ: بَلَى، كُنتُ آمُرُ بِالمَعرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنهَى عَنِ المُنكَرِ وَآتِيهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. قَولُهُ: «تَندَلِقُ» هُوَ بِالدَّالِ المُهمَلَةِ، وَمَعنَاهُ: تَخرُجُ. وَ«الأَقتَابُ»: الأَمعَاءُ، وَاحِدُهَا قِتبٌ.

الشَّرحُ

ترجمة أسامة بن زيد، ومحبة النبي ﷺ له، وإمارته على الجيش

وَعَن أَبِي زَيدٍ أُسَامَةَ بنِ زَيدِ بنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا 

الصَّحَابِيُّ ابنُ الصَّحَابِيِّ ابنِ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، قَالَ ابنُ عَلَّانَ: الأَولَى “عَنهُم” لِمَا ذُكِرَ مِن أَنَّ جَدَّهُ صَحَابِيٌّ أَيضًا.

أُسَامَةُ بنُ زَيدِ بنِ حَارِثَةَ بنِ شَرَاحِيلَ ابنِ عَبدِ العُزَّى بنِ امرِئِ القَيسِ، المَولَى، الأَمِيرُ الكَبِيرُ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَولَاهُ، وَابنُ مَولَاهُ. أَبُو زَيدٍ، وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ: أَبُو حَارِثَةَ،

استَعمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جَيشٍ لِغَزوِ الشَّامِ، وَفِي الجَيشِ عُمَرُ وَالكِبَارُ؛ فَلَم يَسِر حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَبَادَرَ الصِّدِّيقُ بِبَعثِهِم، فَأَغَارُوا عَلَى أُبنَى مِن نَاحِيَةِ البَلقَاءِ.

وَقِيلَ: إِنَّهُ شَهِدَ يَومَ مُؤتَةَ مَعَ وَالِدِهِ، وَقَد سَكَنَ المِزَّةَ مُدَّةً ثُمَّ رَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ فَمَاتَ بِهَا، وَقِيلَ: مَاتَ بِوَادِي القُرَى.

ثَبَتَ عَن أُسَامَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأخُذُنِي وَالحَسَنَ فَيَقُولُ: «اللهم إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا». وَهُوَ كَانَ أَكبَرَ مِنَ الحَسَنِ بِأَزيَدَ مِن عَشرِ سِنِينَ. وَكَانَ شَدِيدَ السَّوَادِ، خَفِيفَ الرُّوحِ، شُجَاعًا، رَبَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَحَبَّهُ كَثِيرًا. وَهُوَ ابنُ حَاضِنَةِ النَّبِيِّ ﷺ أُمِّ أَيمَنَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَبيَضَ، وَقَد فَرِحَ لَهُ رَسُولُ اللهِ بِقَولِ مُجَزِّزٍ المُدلِجِيِّ: إِنَّ هَذِهِ الأَقدَامَ بَعضُهَا مِن بَعضٍ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: مَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ أَن يُبغِضَ أُسَامَةَ بَعدَ مَا سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن كَانَ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ فَليُحِبَّ أُسَامَةَ».

وَقَد فَرَضَ عُمَرُ لِأُسَامَةَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمسَمِائَةٍ، وَفَرَضَ لِابنِهِ عَبدِ اللهِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ.

وَفِي البُخَارِيِّ: عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعثًا، وَأَمَّرَ عَلَيهِم أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ، فَطَعَنَ بَعضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِن تَطعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَد كُنتُم تَطعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِن قَبلُ، وَايمُ اللهِ إِن كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وَإِن كَانَ لَمِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعدَهُ».

وَرُوِيَ عَن عَائِشَةَ قَالَت: أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يَمسَحَ مُخَاطَ أُسَامَةَ، فَقُلتُ: دَعنِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَفعَلُ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَحِبِّيهِ فَإِنِّي أُحِبُّهُ». رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. 

وَفِي المُسنَدِ عَن عَائِشَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «لَو كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً لَكَسَوتُهُ وَحَلَّيتُهُ حَتَّى أُنفِقَهُ». 

وَرُوِيَ عَن عُمَرَ أَنَّهُ لَم يَلقَ أُسَامَةَ قَطُّ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا الأَمِيرُ وَرَحمَةُ اللهِ! تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنتَ عَلَيَّ أَمِيرٌ.

وَرُوِيَ عَن عُبَيدِ اللهِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: رَأَيتُ أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ مُضطَجِعًا عِندَ بَابِ حُجرَةِ عَائِشَةَ، وَرَأَيتُهُ يُصَلِّي عِندَ قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّ بِهِ مَروَانُ فَقَالَ: أَتُصَلِّي عِندَ قَبرٍ! وَقَالَ لَهُ قَولًا قَبِيحًا، فَقَالَ: يَا مَروَانُ، إِنَّكَ فَاحِشٌ مُتَفَحِّشٌ، وَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُبغِضُ الفَاحِشَ المُتَفَحِّشَ».

وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ بَعدَمَا طُلِّقَت وَقَضَت عِدَّتَهَا قَالَت: فَلَمَّا حَلَلتُ ذَكَرتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفيَانَ وَأَبَا جَهمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا أَبُو جَهمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَن عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انكِحِي أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ»، قَالَت: فَكَرِهتُ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت: فَقُلتُ: أُسَامَةُ! ـ تَهَاوُنًا بِأَمرِ أُسَامَةَ ـ ثُمَّ قُلتُ: سَمعًا وَطَاعَةً للهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ قَالَ: «انكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيرًا وَاغتَبَطتُ بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَزَوَّجَنِيهِ، فَكَرَّمَنِي اللهُ بِأَبِي زَيدٍ، وَشَرَّفَنِي اللهُ وَرَفَعَنِي بِهِ.اهـ

وَبَعدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَبُو بَكرٍ: وَاللهِ لَأَن تَخطَفَنِي الطَّيرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أَبدَأَ بِشَيءٍ قَبلَ أَمرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَبَعَثَ أُسَامَةَ، وَاستَأذَنَهُ فِي عُمَرَ أَن يَترُكَهُ عِندَهُ. قَالَ: فَلَمَّا بَلَغُوا الشَّامَ أَصَابَتهُم ضَبَابَةٌ شَدِيدَةٌ فَسَتَرَتهُم حَتَّى أَغَارُوا وَأَصَابُوا حَاجَتَهُم. فَقَدِمَ عَلَى هِرَقلَ مَوتُ النَّبِيِّ ﷺ وَإِغَارَةُ أُسَامَةَ عَلَى أَرضِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَقَالَتِ الرُّومُ: مَا بَالُ هَؤُلَاءِ يَمُوتُ صَاحِبُهُم وَيُغِيرُونَ عَلَى أَرضِنَا.اهـ

وَقَالَ أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَبَطتُ وَهَبَطَ النَّاسُ المَدِينَةَ، فَدَخَلتُ عَلَيهِ وَقَد أَصمَتَ فَلَا يَتَكَلَّمُ، فَجَعَلَ يَضَعُ يَدَيهِ عَلَيَّ ثُمَّ يَرفَعُهُمَا؛ فَأَعرِفُ أَنَّهُ يَدعُو لِي.اهـ

وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا لَم يَغزُ أَعطَى سِلَاحَهُ عَلِيًّا أَو أُسَامَةَ.اهـ

وَقَد قَتَلَ أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ الرَّجُلَ الَّذِي نَطَقَ بِالتَّوحِيدِ، فَقَالَ هَذَا الرَّجُلُ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنِّي مُسلِمٌ، وَهُوَ مِردَاسُ بنُ نَهِيكٍ أَو نَهِيكُ بنُ مِردَاسٍ. وَالحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدِ بنِ حَارِثَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ مِن جُهَينَةَ، فَصَبَّحنَا القَومَ فَهَزَمنَاهُم، وَلَحِقتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ رَجُلًا مِنهُم، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَكَفَّ عَنهُ الأَنصَارِيُّ وَطَعَنتُهُ بِرُمحِي حَتَّى قَتَلتُهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِي: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلتَهُ بَعدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَقَالَ: «أَقَتَلتَهُ بَعدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي لَم أَكُن أَسلَمتُ قَبلَ ذَلِكَ اليَومِ.اهـ

مَعنَاهُ: تَمَنَّيتُ أَن لَو كَانَ حَصَلَ هَذَا قَبلَ أَن أَكُونَ دَخَلتُ فِي الإِسلَامِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ تَمَنَّى أَن يَكُونَ تَأَخَّرَ إِسلَامُهُ عَن ذَلِكَ الوَقتِ.

وَلَا يَجُوزُ أَن يُظَنَّ بِسَيِّدِنَا أُسَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ تَمَنَّى أَن لَو بَقِيَ عَلَى الكُفرِ إِلَى ذَلِكَ اليَومِ، أَو أَنَّهُ لَم يُسلِم إِلَّا فِي ذَلِكَ اليَومِ؛ لِأَنَّ الرِّضَى بِالكُفرِ كُفرٌ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ، وَمِنهُم مُحَمَّدُ بنُ إِسمَاعِيلَ بنِ مُحَمَّدٍ الرَّشِيدُ الحَنَفِيُّ المُتَوَفَّى 768هـ، 

فَقَالَ: وَقَد عَثَرنَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرِّضَى بِكُفرِ الغَيرِ كُفرٌ مِن غَيرِ تَفصِيلٍ. وَقَالَ قَبلَ ذَلِكَ فِي نَفسِ الصَّحِيفَةِ: وَفِي (المُحِيطِ): مَن رَضِيَ بِكُفرِ نَفسِهِ فَقَد كَفَرَ. اهـ

وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ: وَلَم يُرِد أَنَّهُ تَمَنَّى أَن لَا يَكُونَ مُسلِمًا قَبلَ ذَلِكَ.

وَفِي رِوَايَةٍ: «مَن لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَومَ القِيَامَةِ؟» فَقَالَ أُسَامَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا مَخَافَةَ السِّلَاحِ، أَي قَالَهَا غَيرَ مُصَدِّقٍ بِهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «فَهَلَّا شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا عَن تَصدِيقٍ أَم لَا، هَل تُحِسُّ كَذِبَهُ» أَي هَل تَعلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ أَو كَذَّابٌ، مَعنَاهُ لَستَ تَعلَمُ مَا فِي قَلبِهِ لِتَحكُمَ عَلَيهِ أَنَّهُ لَم يَقُلهَا عَنِ اعتِقَادٍ وَتَصدِيقٍ.اهـ

وَرُوِيَ أَنَّ مَولَى أُسَامَةَ قَالَ: كَانَ أُسَامَةُ يَركُبُ إِلَى مَالٍ لَهُ بِوَادِي القُرَى فَيَصُومُ الِاثنَينِ وَالخَمِيسَ فِي الطَّرِيقِ، فَقُلتُ لَهُ: تَصُومُ الِاثنَينِ وَالخَمِيسَ فِي السَّفَرِ وَقَد كَبِرتَ وَضَعُفتَ ـ أَو رَقَقتَ! ـ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ الِاثنَينِ وَالخَمِيسَ وَقَالَ: «إِنَّ أَعمَالَ النَّاسِ تُعرَضُ يَومَ الِاثنَينِ وَالخَمِيسِ».

وَرُوِيَ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: كُنتُ أَصُومُ شَهرًا مِنَ السَّنَةِ، فَذَكَرتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَينَ أَنتَ عَن شَوَّالٍ!» فَكَانَ أُسَامَةُ إِذَا أَفطَرَ أَصبَحَ الغَدَ صَائِمًا مِن شَوَّالٍ حَتَّى يُتِمَّ عَلَى آخِرِهِ.اهـ

لَهُ فِي مُسنَدِ بَقِيٍّ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، مِنهَا فِي البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ: خَمسَةَ عَشَرَ، وَفِي البُخَارِيِّ: حَدِيثٌ، وَفِي مُسلِمٍ: حَدِيثَانِ.اهـ 

قَالَ الزُّهرِيُّ: مَاتَ أُسَامَةُ بِالجُرفِ. وَعَنِ المَقبُرِيِّ قَالَ: شَهِدتُ جِنَازَةَ أُسَامَةَ، فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: عَجِّلُوا بِحِبِّ رَسُولِ اللهِ قَبلَ أَن تَطلُعَ الشَّمسُ. قَالَ ابنُ سَعدٍ: مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ.

شرح حديث: «كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه».

قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤتَى

وَفِي رِوَايَةٍ: يُجَاءُ.

بِالرَّجُلِ

أَي بِالرَّجُلِ المَوصُوفِ بِمَا سَيَأتِي، وَالمُرَادُ بِذَلِكَ المُقَصِّرُ فِي الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ.

يَومَ القِيَامَةِ فَيُلقَى فِي النَّارِ

إِن لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ، وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى المُرجِئَةِ فِي قَولِهِم: لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنبٌ.اهـ

قَالَ الفَيُّومِيُّ فِي المِصبَاحِ المُنِيرِ: المُرجِئَةُ طَائِفَةٌ يُرجِئُونَ الأَعمَالَ، أَي يُؤَخِّرُونَهَا، فَلَا يُرَتِّبُونَ عَلَيهَا ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، بَل يَقُولُونَ: المُؤمِنُ يَستَحِقُّ الجَنَّةَ بِالإِيمَانِ دُونَ بَقِيَّةِ الطَّاعَاتِ، وَالكَافِرُ يَستَحِقُّ النَّارَ بِالكُفرِ دُونَ بَقِيَّةِ المَعَاصِي.اهـ

وَهُم بِاعتِقَادِهِمُ المَذكُورِ هَذَا خَرَجُوا مِنَ الإِسلَامِ؛ فَقَد جَاءَت نُصُوصٌ فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ بَعضَ المُؤمِنِينَ مِنَ العُصَاةِ يُعَذَّبُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَموَالَ اليَتَامَى ظُلمًا إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَارًا وَسَيَصلَونَ سَعِيرًا﴾ [سورة النِّسَاء: ١٠]،

 وَرَوَى التِّرمِذِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صِنفَانِ مِن أُمَّتِي لَيسَ لَهُمَا فِي الإِسلَامِ نَصِيبٌ: المُرجِئَةُ وَالقَدَرِيَّةُ».اهـ

وَالقَدَرِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ يُنكِرُونَ تَقدِيرَ اللهِ لِكُلِّ شَيءٍ، وَالقَدَرِيَّةُ هُم فِرقَةٌ مِنَ المُعتَزِلَةِ. وَالحَدِيثُ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَرَوَاهُ البَيهَقِيُّ مِن أَكثَرِ مِن طَرِيقٍ عَن عِكرِمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ مَرفُوعًا.

وَرَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفسِيرِهِ عَن زُرَارَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سُورَةَ القَمَر: ٤٨ – ٤٩]، قَالَ: «نَزَلَت فِي أُنَاسٍ مِن أُمَّتِي يَكُونُونَ فِي ءَاخِرِ الزَّمَانِ يُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللهِ».اهـ

وَرَوَى أَبُو نُعَيمٍ فِي تَارِيخِ أَصبَهَانَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَت مُشرِكُو قُرَيشٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُخَاصِمُونَهُ فِي القَدَرِ، فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إِنَّ المُجرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القَمَر: ٤٧ – ٤٩]. اهـ

وَرَوَى البَيهَقِيُّ عَن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ تَكفِيرَهُم، وَأَنَّهُم يَكُونُونَ أَتبَاعَ الدَّجَّالِ عِندَ ظُهُورِهِ.

فَهَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى كُفرِ نُفَاةِ القَدَرِ القَائِلِينَ بِأَنَّ العَبدَ يَفعَلُ بِغَيرِ مَشِيئَةِ اللهِ، وَلِهَذَا لَم يَختَلِف أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُفرِهِم.

فَتَندَلِقُ

أَي: تَخرُجُ أَمعَاؤُهُ مِن بَطنِهِ سَرِيعًا. يُقَالُ: اندَلَقَ السَّيفُ مِن غِمدِهِ إِذَا خَرَجَ مِن غَيرِ أَن يَسُلَّهُ أَحَدٌ.

أَقتَابُ بَطنِهِ 

قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَبُو عُبَيدٍ: الأَقتَابُ: الأَمعَاءُ. قَالَ الأَصمَعِيُّ: وَاحِدُهَا قِتبَةٌ. وَقَالَ ابنُ عُيَينَةَ: هِيَ مَا استَدَارَ فِي البَطنِ، وَهِيَ الحَوَايَا وَالأَمعَاءُ، وَهِيَ الأَقصَابُ، وَاحِدُهَا قَصَبٌ. وَقَالَ ابنُ الأَثِيرِ: الأَقتَابُ: الأَمعَاءُ، وَاحِدُهَا: قِتْبٌ بِالكَسرِ. وَقِيلَ: هِيَ جَمعُ قِتبٍ، وَقِتبٌ جَمعُ قِتبَة، وَهِيَ المِعَيُ.اهـ

فَيدُورُ 

أَي يَدُورُ ذَلِكَ الرَّجُلُ.

بِهَا 

أَي فِيهَا. 

كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ فِي الرَّحَى 

كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الرَّجُلَ يَدُورُ فَتَلتَفُّ عَلَيهِ أَمعَاؤُهُ، فَيَبقَى هَكَذَا يَدُورُ وَهِيَ تَدُورُ عَلَيهِ عِبرَةً وَنَكَالًا. وَالأَظهَرُ أَنَّ المُرَادَ أَنَّهُ يَدُورُ بِسَبَبِ أَلَمِ خُرُوجِهَا مِنهُ حَولَهُ دَوَرَانَ الحِمَارِ حَولَ الرَّحَى بِسَبَبِهَا. اللَّهُمَّ قِنَا عَذَابَ النَّارِ.

فَيَجتَمِعُ إِلَيهِ أَهلُ النَّارِ

أَي: مِنَ الفَسَقَةِ، أَي: الَّذِينَ بِهَا، وَنِسبَتُهُم إِلَيهَا بِاعتِبَارِ هَذِهِ المُلَابَسَةِ، مُتَعَجِّبِينَ مِن دُخُولِهِ النَّارَ وَقَد كَانَ يَأمُرُهُم بِمَا يُبعِدُهُم مِنهَا.

فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ 

كِنَايَةٌ عَنِ اسمِهِ وَوَصفِهِ بِالعِلمِ أَوِ المَشيَخَةِ.

مَا لَكَ؟

مُبتَدَأٌ وَخَبَرٌ، أَي: حَالُكَ الغَرِيبُ وَمَآلُكَ العَجِيبُ

أَلَم تَكُ تَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَى عَنِ المُنكَرِ؟ 

وَمِن شَأنِ الآمِرِ أَن يَفعَلَ مَا يَأمُرُ بِهِ، وَالنَّاهِي أَن يَترُكَ مَا نَهَى عَنهُ، وَفِعلُ المَعرُوفِ وَتَركُ المُنكَرِ مَانِعٌ ـ بِالوَعدِ الَّذِي لَا يُخلَفُ ـ عَن دُخُولِ النَّارِ.

فَيقُولُ: بَلَى، 

جَوَابٌ عَن قَولِهِم أَلَم تَكُ، إِلَى آخِرِهِ، وَبَيَّنَ المُقتَضَى لِحُلُولِهِ بِالنَّارِ بِقَولِهِ.

كُنتُ آمُرُ بِالمَعرُوفِ وَلَا آتِيهِ، 

أَي: لَا أَفعَلُهُ، فَشُدِّدَ عَلَيهِ الأَمرُ لِعِصيَانِهِ مَعَ العِلمِ المُقتَضِي لِلخَشيَةِ وَالمُبَاعَدَةِ عَنِ المُخَالَفَةِ، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمرِهِ﴾ [سورة يوسف: 21]، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. 

وَأَنهَى عَنِ المُنكَرِ وَآتِيهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

قَولُهُ: «تَندَلِقُ» هُوَ بِالدَّالِ المُهمَلَةِ، وَمَعنَاهُ: تَخرُجُ. وَ«الأَقتَابُ»: الأَمعَاءُ، وَاحِدُهَا قِتبٌ.

حسرة من علّم الناس ولم يعمل بعلمه، والتحذير من زلّة العالم.

وَهَذَا البَابُ يُبَيِّنُ سُوءَ حَالِ مَن أَمَرَ بِالمَعرُوفِ وَنَهَى عَنِ المُنكَرِ وَخَالَفَ قَولُهُ فِعلَهُ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

وَقَالَ حَاتِمٌ الأَصَمُّ رَحِمَهُ اللهُ: من أَشَدِّ النَّاسِ حَسرَةً يَومَ القِيَامَةِ رَجُلٌ عَلَّمَ النَّاسَ عِلمًا فَعَمِلُوا بِهِ وَلَم يَعمَل هُوَ بِهِ، فَفَازُوا بِسَبَبِهِ وَهَلَكَ هُوَ.اهـ

وَقَالَ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ رَحِمَهُ اللهُ: مَرَرتُ بِحَجَرٍ بِمَكَّةَ مَكتُوبٍ عَلَيهِ: اقلِبنِي تَعتَبِر، فَقَلَبتُهُ فَإِذَا عَلَيهِ مَكتُوبٌ: أَنتَ بِمَا تَعلَمُ لَا تَعمَلُ، فَكَيفَ تَطلُبُ عِلمَ مَا لَم تَعلَم؟

وَقَالَ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ رَحِمَهُ اللهُ: لَقَد أَعرَبنَا فِي كَلَامِنَا فَلَم نَلحَن، وَلَحَنَّا فِي أَعمَالِنَا فَلَم نُعرِب.

وَقَالَ ابنُ السَّمَّاكِ رَحِمَهُ اللهُ: كَم مِن مُذَكِّرٍ بِاللهِ نَاسٍ للهِ، وَكَم مِن مُخَوِّفٍ بِاللهِ جَرِيءٍ عَلَى اللهِ، وَكَم مِن مُقَرِّبٍ إِلَى اللهِ بَعِيدٍ مِنَ اللهِ، وَكَم مِن دَاعٍ إِلَى اللهِ فَارٍّ مِنَ اللهِ، وَكَم مِن تَالٍ كِتَابَ اللهِ مُنسَلِخٍ عَن ءَايَاتِ اللهِ.

وَقَالَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: احذَرُوا زَلَّةَ العَالِمِ، لِأَنَّ قَدرَهُ عِندَ الخَلقِ عَظِيمٌ فَيَتبَعُونَهُ عَلَى زَلَّتِهِ.

 قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِذَا زَلَّ العَالِمُ زَلَّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ مِنَ الخَلقِ.

 وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: ثَلَاثٌ بِهِنَّ يَنهَدِمُ الزَّمَانُ، إِحدَاهُنَّ زَلَّةُ العَالِمِ.

وَقَالَ كَعبٌ رَحِمَهُ اللهُ: يَكُونُ فِي ءَاخِرِ الزَّمَانِ عُلَمَاءُ يُزَهِّدُونَ النَّاسَ فِي الدُّنيَا وَلَا يَزهَدُونَ، وَيُخَوِّفُونَ النَّاسَ وَلَا يَخَافُونَ، وَيَنهَونَ عَن غِشيَانِ الوُلَاةِ وَيَأتُونَهُم، وَيُؤثِرُونَ الدُّنيَا عَلَى الآخِرَةِ، يَأكُلُونَ بِأَلسِنَتِهِم، يُقَرِّبُونَ الأَغنِيَاءَ دُونَ الفُقَرَاءِ، يَتَغَايَرُونَ عَلَى العِلمِ كَمَا تَتَغَايَرُ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ، يَغضَبُ أَحَدُهُم عَلَى جَلِيسِهِ إِذَا جَالَسَ غَيرَهُ؛ أُولَئِكَ الجَبَّارُونَ.

(فَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ التَّغلِيظُ عَلَى مَن أَمَرَ بِالمَعرُوفِ وَلَم يَفعَلهُ، وَنَهَى عَنِ المُنكَرِ وَلَم يَنتَهِ عَنهُ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

وَعِندَ البَيهَقِيِّ عَن إِبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يَطَّلِعُ قَومٌ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى قَومٍ فِي النَّارِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَدخَلَكُمُ النَّارَ، وَإِنَّا دَخَلنَا الجَنَّةَ بِتَأدِيبِكُم وَتَعلِيمِكُم؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّا كُنَّا نَأمُرُكُم بِالخَيرِ وَلَا نَفعَلُهُ.اهـ

وَقَرَأَ مَالِكُ بنُ دِينَارٍ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا أُرِيدُ أَن أُخَالِفَكُم إِلَى مَا أَنهَاكُم عَنهُ﴾ [سورة هُود: ٨٨]، ثُمَّ قَالَ: فَاسمِي فِي القِيَامَةِ مَالِكٌ الصَّادِقُ أَو مَالِكٌ الكَاذِبُ. اهـ

وَكَانَ أَبُو الدَّردَاءِ يَقُولُ: إِنَّمَا أَخشَى مِن رَبِّي يَومَ القِيَامَةِ أَن يَدعُوَنِي عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ فَيَقُولَ لِي: يَا عُوَيمِرُ، فَأَقُولَ: لَبَّيكَ رَبِّي، فَيَقُولَ لِي: مَاذَا عَمِلتَ فِيمَا عَلِمتَ؟

وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَكُونُ مُؤمِنًا» — أَي مُؤمِنًا كَامِلًا — «حَتَّى يَكُونَ قَلبُهُ مَعَ لِسَانِهِ سَوَاءً، وَيَكُونَ لِسَانُهُ مَعَ قَلبِهِ سَوَاءً، وَلَا يُخَالِفَ قَولُهُ عَمَلَهُ، وَيَأمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».

وَقَالَ القُرطُبِيُّ: قَالَ بَعضُ السَّادَةِ: أَشَدُّ النَّاسِ حَسرَةً يَومَ القِيَامَةِ —أَي مِن أَشَدِّهِم حَسرَةً — ثَلَاثَةٌ:

رَجُلٌ مَلَكَ عَبدًا فَعَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإِسلَامِ، فَأَطَاعَ وَأَحسَنَ، وَعَصَى السَّيِّدُ، فَإِذَا كَانَ القِيَامَةُ أُمِرَ بِالعَبدِ إِلَى الجَنَّةِ، وَأُمِرَ بِسَيِّدِهِ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ عِندَ ذَلِكَ: وَاحَسرَتَاه وَاغَبنَاه، أَمَا عَبدِي، أَمَا كُنتُ مَالِكًا لِمُهجَتِهِ وَمَالِهِ، وَقَادِرًا عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ، فَمَا لَهُ سَعِدَ وَمَا لِيَ شَقِيتُ؟ فَيُنَادِيهِ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: لِأَنَّهُ تَأَدَّبَ وَمَا تَأَدَّبتَ، وَأَحسَنَ وَأَسَأتَ.

وَرَجُلٌ كَسَبَ مَالًا فَعَصَى اللهَ تَعَالَى فِي جَمعِهِ وَمَنعِهِ، وَلَم يُقَدِّمهُ بَينَ يَدَيهِ حَتَّى صَارَ إِلَى وَارِثِهِ، فَأَحسَنَ فِي إِنفَاقِهِ، وَأَطَاعَ اللهَ سُبحَانَهُ فِي إِخرَاجِهِ، وَقَدَّمَهُ بَينَ يَدَيهِ، فَإِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ أُمِرَ بِالوَارِثِ إِلَى الجَنَّةِ، وَأُمِرَ بِصَاحِبِ المَالِ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا حَسرَتَاه أَمَا هَذَا مَالِي؟ فَمَا أَحسَنتُ بِهِ أَحوَالِي وَأَعمَالِي؟ فَيُنَادِيهِ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: لِأَنَّهُ أَطَاعَ اللهَ وَمَا أَطَعتَ، وَأَنفَقَ لِوَجهِهِ وَمَا أَنفَقتَ، فَسَعِدَ وَشَقِيتَ.

وَرَجُلٌ عَلَّمَ قَومًا وَوَعَظَهُم فَعَمِلُوا بِقَولِهِ وَلَم يَعمَل، فَإِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ أُمِرَ بِهِم إِلَى الجَنَّةِ، وَأُمِرَ بِهِ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا حَسرَتَاه وَاغَبنَاه، أَمَا هَذَا عِلمِي؟ فَمَا لَهُم فَازُوا بِهِ وَمَا فُزتُ؟ وَسَلِمُوا بِهِ وَمَا سَلِمتُ؟ فَيُنَادِيهِ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: لِأَنَّهُم عَمِلُوا بِمَا قُلتَ وَمَا عَمِلتَ، فَسَعِدُوا وَشَقِيتَ. اهـ.

وَفِيهِ بَيَانُ شَيءٍ مِن عَذَابِ بَعضِ العُصَاةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَهِيَ أَشَدُّ نَارٍ خَلَقَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.

وَفِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ وَالتِّرمِذِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «نَارُكُم هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ جُزءٌ مِن سَبعِينَ جُزءًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ». هَذِهِ النَّارُ كَلَا شَىءٍ بِالنِّسبَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، حَيثُ يُوجَدُ فِيهَا كَلَالِيبُ تَتَخَطَّفُ الكُفَّارَ إِلَى النَّارِ، وَلَئِن كَانُوا فِي الدُّنيَا ذَا قُوَّةٍ وَجَبَرُوتٍ فَإِنَّ النَّارَ مَوعِدُهُم، مَن مَاتَ مِنهُم عَلَى غَيرِ الإِيمَانِ.

اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُعطِي الدُّنيَا لِمَن يُحِبُّ وَلِمَن لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعطِي الآخِرَةَ إِلَّا لِمَن يُحِبُّ، هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. 

شدة نار جهنم، والاعتبار بالموت، والتوبة والاستعداد للآخرة.

 قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذ أَرسَلنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِن شَىءٍ أَتَت عَلَيهِ إِلَّا جَعَلَتهُ كَالرَّمِيمِ، وَفِي ثَمُودَ إِذ قِيلَ لَهُم تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ، فَعَتَوا عَن أَمرِ رَبِّهِم فَأَخَذَتهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُم يَنظُرُونَ﴾ [سورة الذَّارِيَات: ٤١ – ٤٤].

فَاعلَم أَنَّ عَذَابَ رَبِّكَ شَدِيدٌ، وَاعلَم أَنَّ بَطشَ رَبِّكَ شَدِيدٌ، فَخُذ مِن دُنيَاكَ لِآخِرَتِكَ، تَزَوَّد مِن دُنيَاكَ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا. 

وَلَو كَانَت هَذِهِ الدُّنيَا دَارَ نَعِيمٍ مُقِيمٍ لَكَانَ أَحبَابُ اللهِ أَنبِيَاؤُهُ أَولَى بِهَا مِنَ الكَافِرِينَ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى وَعَدَهُم جَنَّةَ نَعِيمٍ فِي مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقتَدِرٍ.

يُحكَى أَنَّهُ كَانَ لِبَعضِ العُصَاةِ أُمٌّ تَعِظُهُ وَلَا يَنثَنِي، فَمَرَّ يَومًا بِالمَقَابِرِ فَرَأَى عَظمًا نَخِرًا، فَمَسَّهُ فَتَفَتَّتَ فِي يَدِهِ، فَأَنِفَت نَفسُهُ، فَقَالَ لِنَفسِهِ: أَنَا غَدًا هَكَذَا! فَعَزَمَ عَلَى التَّوبَةِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ (لِأَنَّهَا قِبلَةُ الدُّعَاءِ) وَقَالَ: يَا إِلَهِي، اقبَلنِي وَارحَمنِي.

رَجَعَ الشَّابُّ إِلَى أُمِّهِ حَزِينًا فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، مَا يُصنَعُ بِالعَبدِ الآبِقِ (أَيِ الفَارِّ مِن سَيِّدِهِ) إِذَا أَخَذَهُ سَيِّدُهُ؟ فَقَالَت: يَغُلُّ قَدَمَيهِ وَيَدَيهِ، وَيُخَشِّنُ مَلبَسَهُ وَمَطعَمَهُ. قَالَ: يَا أُمَّاهُ، أُرِيدُ جُبَّةً مِن صُوفٍ وَأَقرَاصًا مِن شَعِيرٍ، وَافعَلِي بِي مَا يُفعَلُ بِالعَبدِ الآبِقِ مِن مَولَاهُ، لَعَلَّ مَولَايَ يَرَى ذُلِّي فَيَرحَمُنِي.

فَفَعَلَت بِهِ أُمُّهُ مَا طَلَبَ، فَكَانَ إِذَا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ أَخَذَ فِي البُكَاءِ وَالعَوِيلِ، فَقَالَت لَهُ أُمُّهُ لَيلَةً: يَا بُنَيَّ، ارفُق بِنَفسِكَ. فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، إِنَّ لِي مَوقِفًا طَوِيلًا بَينَ يَدَي رَبٍّ جَلِيلٍ، فَلَا أَدرِي أَيُؤمَرُ بِي إِلَى ظِلٍّ ظَلِيلٍ أَو إِلَى شَرٍّ مُقِيلٍ، إِنِّي أَخَافُ عَنَاءً لَا رَاحَةَ بَعدَهُ أَبَدًا، وَتَوبِيخًا لَا عَفوَ مَعَهُ. قَالَت: فَاستَرِح قَلِيلًا. فَقَالَ: لَستُ لِلرَّاحَةِ أَطلُبُ يَا أُمَّاهُ، كَأَنَّكِ بِالخَلَائِقِ غَدًا يُسَاقُونَ إِلَى الجَنَّةِ وَأَنَا أُسَاقُ إِلَى النَّارِ مَعَ أَهلِهَا!

فَمَرَّت بِهِ لَيلَةً فِي تَهَجُّدِهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسأَلَنَّهُم أَجمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ [سورة الحِجر: ٩٢ – ٩٣]، فَتَفَكَّرَ فِيهَا وَبَكَى وَاضطَرَبَ وَغُشِيَ عَلَيهِ، فَجَعَلَت أُمُّهُ تُنَادِيهِ وَلَا يُجِيبُهَا، فَقَالَت لَهُ: يَا قُرَّةَ عَينِي، أَينَ المُلتَقَى؟ فَقَالَ بِصَوتٍ ضَعِيفٍ: إِن لَم تَجِدِينِي فِي مَوَاقِفِ القِيَامَةِ فَسَلِي مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ عَنِّي! ثُمَّ شَهَقَ شَهقَةً فَمَاتَ رَحِمَهُ اللهُ.

فَخَرَجَت أُمُّهُ تُنَادِي: أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى قَتِيلِ النَّارِ! فَلَم يُرَ أَكثَرُ جَمعًا وَلَا أَغزَرُ دَمعًا مِن ذَلِكَ اليَومِ، فَهَذِهِ وَاللهِ عَلَامَةُ المُحِبِّينَ، وَأَمَارَاتُ الصَّادِقِينَ، وَصِفَاتُ المَحزُونِينَ.

وَرَآهُ فِي لَيلَةٍ بَعضُ أَصحَابِهِ فِي المَنَامِ وَهُوَ فِي الجَنَّةِ عَلَيهِ حُلَّةٌ خَضرَاءُ، يَمشِي وَيَقرَأُ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسأَلَنَّهُم أَجمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ [سورة الحِجر: ٩٢ – ٩٣]، وَيَقُولُ: وَعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ لَقَد سَأَلَنِي وَغَفَرَ لِي وَتَجَاوَزَ عَنِّي، أَلَا أَبلِغُوا عَنِّي أُمِّي.

قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ: سُبحَانَ مَن وَفَّقَ لِلتَّوبَةِ أَقوَامًا، وَثَبَّتَ لَهُم عَلَى صِرَاطِهَا أَقدَامًا، كَفُّوا الأَكُفَّ عَنِ المَحَارِمِ احتِرَامًا، وَأَتعَبُوا فِي استِدرَاكِ الفَارِطِ عِظَامًا، فَكَفَّرَ عَنهُم ذُنُوبًا وَآثَامًا، وَنَشَرَ لَهُم بِالثَّنَاءِ عَلَى مَا عَمِلُوا أَعلَامًا، فَهُم عَلَى رِيَاضِ المَدَائِحِ بِتَركِ القَبَائِحِ يَتَقَلَّبُونَ، التَّائِبُونَ العَابِدُونَ.

كَشَفَ لَهُم سَجفَ الدُّنيَا فَرَأَوا عُيُوبَهَا، وَأَسبَلُوا مِن دُمُوعِ الأَجفَانِ عَلَى تِلكَ الأَشجَانِ غُرُوبَهَا، وَاشتَغَلُوا بِالطَّاعَاتِ فَحَصَّلُوا مَرغُوبَهَا، وَحَثَّهُمُ الإِيمَانُ عَلَى الخَوفِ فَمَا يَأمَنُونَ، التَّائِبُونَ العَابِدُونَ.

نَدِمُوا عَلَى الذُّنُوبِ فَنَدَبُوا، وَسَافَرُوا إِلَى المَطلُوبِ فَاغتَرَبُوا، وَسَقَوا غَرسَ الخَوفِ دَمعَ الأَسَفِ وَشَرِبُوا، فَإِذَا أَقلَقَهُمُ الحَذَرُ طَاشُوا وَهَرَبُوا، وَإِذَا هَبَّ عَلَيهِم نَسِيمُ الرَّجَاءِ عَاشُوا وَطَرِبُوا، فَتَأَمَّل أَربَاحَهُم، وَتَلَمَّح مَا كَسَبُوا، وَاعلَم أَنَّ نَيلَ النَّصِيبِ بِالتَّعَبِ يَكُونُ، التَّائِبُونَ العَابِدُونَ.

نَظَرُوا إِلَى الدُّنيَا بِعَينِ الِاعتِبَارِ، فَعَلِمُوا أَنَّهَا لَا تَصلُحُ لِلقَرَارِ، وَتَأَمَّلُوا أَسَاسَهَا فَإِذَا هُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، فَغَيَّبُوا بِالصِّيَامِ لَذَّةَ الهَوَى بِالنَّهَارِ، وَبِالأَسحَارِ هُم يَستَغفِرُونَ، التَّائِبُونَ العَابِدُونَ.

أَبدَانُهُم قَلقَى مِنَ الجُوعِ وَالضَّرَرِ، وَأَجفَانُهُم قَد حَالَفَت فِي اللَّيلِ السَّهَرَ، وَدُمُوعُهُم تَجرِي كَمَا يَجرِي دَائِمَةُ المَطَرِ، وَالقَومُ قَد تَأَهَّبُوا فَهُم عَلَى أَقدَامِ السَّفَرِ، عَبَرُوا عَلَيكُم وَمَرُّوا لَدَيكُم وَمَا عِندَكُم خَبَرٌ، وَتَرَنَّمَ مُنشِدُوهُم فَمَا لَكُم لَا تَسمَعُونَ، التَّائِبُونَ العَابِدُونَ.

يَا رَبِّ، بَيِّن لَنَا طَرِيقَ النَّجَابَةِ، وَوَفِّقنَا لِلتَّوبَةِ وَالإِنَابَةِ، وَافتَح لِأَدعِيَتِنَا أَبوَابَ الإِجَابَةِ، يَا مَن إِذَا سَأَلَهُ المُضطَرُّ أَجَابَهُ، يَا مَن إِذَا شَاءَ شَيئًا يَكُونُ، التَّائِبُونَ العَابِدُونَ.

وَهَذِهِ المَذكُورَةُ الَّتِي نُخَوِّفُكُم مِنهَا وَنَسأَلُ اللهَ أَن يُجَنِّبَنَا إِيَّاهَا هِيَ نَارُ جَهَنَّمَ، (وَهِيَ جَهَنَّمُ هِيَ دَارُ العَذَابِ المُقِيمِ، مَن نَجَا مِنهَا نَجَا مِن عَسِيرٍ، أَنذَرَنَا اللهُ مِن حَرِّهَا وَشِدَّةِ عَذَابِهَا فَقَالَ: ﴿إِنَّهَا لَإِحدَى الكُبَرِ، نَذِيرًا لِلبَشَرِ﴾ [سورة المُدَّثِّر: ٣٥ – ٣٦]، وَالكُبَرُ: أَيِ الأُمُورُ العِظَامُ.

وَقَالَ الحَسَنُ: وَاللهِ مَا أُنذِرَ الخَلَائِقُ بِشَيءٍ أَدهَى مِنهَا.

أحوال الصالحين عند ذكر النار، وأثر الخوف في عبادتهم.

وَقَد تَعَدَّدَت أَحوَالُ الصَّالِحِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عِندَ ذِكرِ جَهَنَّمَ وَمَا فِيهَا مِنَ الأَهوَالِ؛ فَمِنَ الخَائِفِينَ مَن مَنَعَهُ خَوفُ جَهَنَّمَ مِنَ النَّومِ؛ فَقَد كَانَ شَدَّادُ بنُ أَوسٍ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كَأَنَّهُ حَبَّةٌ عَلَى مِقلًى، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ ذِكرَ جَهَنَّمَ لَا يَدَعُنِي أَنَامُ، فَيَقُومُ إِلَى مُصَلَّاهُ.

وَكَانَ طَاوُوسٌ يَفتَرِشُ فِرَاشَهُ ثُمَّ يَضطَجِعُ عَلَيهِ ثُمَّ يَثِبُ وَيَستَقبِلُ القِبلَةَ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَيَقُولُ: طَيَّرَ ذِكرُ جَهَنَّمَ نَومَ العَابِدِينَ.

وَقَالَ مَالِكُ بنُ دِينَارٍ: قَالَتِ ابنَةُ الرَّبِيعِ بنِ خُثَيمٍ: يَا أَبَتِ، مَا لَكَ لَا تَنَامُ وَالنَّاسُ يَنَامُونَ؟ فَقَالَ: إِنَّ النَّارَ لَا تَدَعُ أَبَاكِ يَنَامُ.

وَكَانَ صَفوَانُ بنُ مُحرِزٍ إِذَا جَنَّهُ اللَّيلُ يَخُورُ كَمَا يَخُورُ الثَّورُ، وَيَقُولُ: مَنَعَ خَوفُ النَّارِ مِنِّيَ الرُّقَادَ.

وَكَانَ عَامِرُ بنُ عَبدِ اللهِ يَقُولُ: مَا رَأَيتُ مِثلَ الجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَمَا رَأَيتُ مِثلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا. فَكَانَ إِذَا جَاءَ اللَّيلُ قَالَ: أَذهَبَ حَرُّ النَّارِ النَّومَ، فَمَا يَنَامُ حَتَّى يُصبِحَ، وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ قَالَ: أَذهَبَ حَرُّ النَّارِ النَّومَ، فَمَا يَنَامُ حَتَّى يُمسِيَ. وَكَانَ يُنَادِي: اللَّهُمَّ إِنَّ النَّارَ قَد مَنَعَتنِي مِنَ النَّومِ فَاغفِر لِي.

وَعَن أَبِي مَهدِيٍّ قَالَ: مَا كَانَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ يَنَامُ إِلَّا أَوَّلَ اللَّيلِ، ثُمَّ يَنتَفِضُ فَزِعًا مَرعُوبًا يُنَادِي: النَّارَ النَّارَ! شَغَلَنِي ذِكرُ النَّارِ عَنِ النَّومِ وَالشَّهَوَاتِ. ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيَقُولُ عَلَى أَثَرِ وُضُوئِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَالِمٌ بِحَاجَتِي، وَمَا أَطلُبُ إِلَّا فِكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ.

وَفِي هَذَا المَعنَى يَقُولُ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

إِذَا مَا اللَّيلُ أَظلَمَ كَابَدُوهُ … فَأَسفَرَ عَنهُمُ وَهُمُ رُكُوعُ

أَطَارَ الخَوفُ أَمنَهُمُ فَقَامُوا … وَأَهلُ الأَمنِ فِي الدُّنيَا هُجُوعُ

وَقَالَ إِسمَاعِيلُ السُّدِّيُّ: قَالَ الحَجَّاجُ لِسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَم تَضحَك قَطُّ. قَالَ: كَيفَ أَضحَكُ وَجَهَنَّمُ قَد سُعِّرَت، وَالأَغلَالُ قَد نُصِبَت، وَالزَّبَانِيَةُ قَد أُعِدَّت؟!

وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ عِندَ ابنِ حِبَّانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَت صُحُفُ مُوسَى؟ قَالَ: «كَانَت عِبَرًا كُلَّهَا: عَجِبتُ لِمَن أَيقَنَ بِالمَوتِ وَهُوَ يَفرَحُ، وَعَجِبتُ لِمَن أَيقَنَ بِالنَّارِ وَهُوَ يَضحَكُ».

وَكَانَ الحَسَنُ يَقُولُ فِي وَصفِ الخَائِفِينَ: قَد بَرَاهُمُ الخَوفُ، فَهُم أَمثَالُ الفِرَاخِ، يَنظُرُ إِلَيهِمُ النَّاظِرُ فَيَقُولُ: مَرضَى، وَمَا بِهِم مَرَضٌ، وَيَقُولُ: قَد خُولِطُوا! وَقَد خَالَطَ القَومَ مِن ذِكرِ الآخِرَةِ أَمرٌ عَظِيمٌ!

وَسَمِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَجُلًا يَتَهَجَّدُ فِي اللَّيلِ وَيَقرَأُ سُورَةَ الطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [سورة الطُّور: ٧ – ٨] قَالَ عُمَرُ: قَسَمٌ وَرَبِّ الكَعبَةِ حَقٌّ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنزِلِهِ فَمَرِضَ شَهرًا يَعُودُهُ النَّاسُ لَا يَدرُونَ مَا مَرَضُهُ.

وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِن عُبَّادِ البَصرَةِ مَرِضُوا مِنَ الخَوفِ وَلَزِمُوا مَنَازِلَهُم، كَالعَلَاءِ بنِ زِيَادٍ وَعَطَاءٍ السُّلَمِيِّ، وَكَانَ عَطَاءٌ قَد صَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ عِدَّةَ سِنِينَ. وَكَانُوا يَرَونَ أَنَّ بَدءَ مَرَضِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَانَ مِنَ الخَوفِ.

وَسُئِلَت فَاطِمَةُ بِنتُ عَبدِ المَلِكِ زَوجَةُ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ عَن عِبَادَةِ عُمَرَ، فَقَالَت: وَاللهِ مَا كَانَ بِأَكثَرِ النَّاسِ صَلَاةً وَلَا أَكثَرِهِم صِيَامًا، وَلَكِن وَاللهِ مَا رَأَيتُ أَحَدًا أَخوَفَ لِلهِ مِن عُمَرَ، لَقَد كَانَ يَذكُرُ اللهَ فِي فِرَاشِهِ فَيَنتَفِضُ انتِفَاضَ العُصفُورِ مِن شِدَّةِ الخَوفِ حَتَّى نَقُولَ: لَيُصبِحَنَّ النَّاسُ وَلَا خَلِيفَةَ لَهُم.

وَقَرَأَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ بِالنَّاسِ ذَاتَ لَيلَةٍ ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى﴾ [سورة اللَّيل: ١]، فَلَمَّا بَلَغَ ﴿فَأَنذَرتُكُم نَارًا تَلَظَّى﴾ [سورة اللَّيل: ١٤] خَنَقَتهُ العَبرَةُ فَلَم يَستَطِع أَن يُنفِذَهَا، فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا بَلَغَهَا خَنَقَتهُ العَبرَةُ فَلَم يَستَطِع أَن يُنفِذَهَا، فَتَرَكَهَا وَقَرَأَ سُورَةً غَيرَهَا.

وَيَروِي الإِمَامُ أَحمَدُ عَن حُذَيفَةَ قَالَ: كَانَ شَابٌّ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَبكِي عِندَ ذِكرِ النَّارِ حَتَّى حَبَسَهُ ذَلِكَ فِي البَيتِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيهِ الشَّابُّ قَامَ إِلَيهِ فَاعتَنَقَهُ وَخَرَّ مَيتًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «جَهِّزُوا صَاحِبَكُم، فَإِنَّ الفَرَقَ مِنَ النَّارِ فَلَذَ كَبِدَهُ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَقَد أَعَاذَهُ اللهُ مِنهَا، مَن رَجَا شَيئًا طَلَبَهُ، وَمَن خَافَ شَيئًا هَرَبَ مِنهُ». اهـ

وَقَالَ حَفصُ بنُ عُمَرَ الجُعفِيُّ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ: اشتَكَى دَاوُدُ الطَّائِيُّ أَيَّامًا، وَكَانَ سَبَبُ عِلَّتِهِ أَنَّهُ مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكرُ النَّارِ، فَكَرَّرَهَا مِرَارًا فِي لَيلَتِهِ، فَأَصبَحَ مَرِيضًا، فَوَجَدُوهُ قَد مَاتَ وَرَأسُهُ عَلَى لَبِنَةٍ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بنَ فُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ مَاتَ مِن سَمَاعِ قِرَاءَةِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَو تَرَى إِذ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ [سورة الأَنعَام: ٢٧].

وَقَالَ يُونُسُ بنُ عَبدِ الأَعلَى: قَرَأَ عَبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ كِتَابَ «الأَهوَالِ» فَمَرَّ فِي صِفَةِ النَّارِ فَشَهَقَ فَغُشِيَ عَلَيهِ، فَحُمِلَ إِلَى مَنزِلِهِ، وَعَاشَ أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ رَحِمَهُ اللهُ.

نَسأَلُ اللهَ أَن يُجِيرَنَا مِن نَارِ جَهَنَّمَ، وَيَجعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ يَستَعِدُّونَ لَهَا حَقَّ الِاستِعدَادِ.