رياض الصالحين | الحديث 181 | شرح حديث الدين النصيحة

الدرس ١٨٢ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٥:٢٣

الحَمدُ للهِ الْمُتَعَالِي عَنِ الأَنْدَادِ، الْمُقَدَّسِ عَنِ النَّقَائِصِ وَالأَضْدَادِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالأَوْلَادِ، رَافِعِ السَّبْعِ الشِّدَادِ، عَالِيَةً بِغَيرِ عِمَادٍ، وَوَاضِعِ الأَرضِ لِلْمِهَادِ، الْمُطَّلِعِ عَلَى سِرِّ القُلُوبِ وَمَكنُونِ الفُؤَادِ، قَدَّرَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ مِنَ الضَّلَالِ وَالرَّشَادِ، أَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَكُلَّمَا شُكِرَ زَادَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ الرَّحِيمُ بِالعِبَادِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الْمَبعُوثُ إِلَى جَمِيعِ الخَلْقِ فِيْ كُلِّ البِلَادِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي بَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَجَادَ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي بَالَغَ فِي نَصْرِ الإِسْلَامِ وَأَجَادَ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَيَا فَخْرَهُ يَومَ يَقُومُ الأَشهَادُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْمَعرُوفِ بِالشَّجَاعَةِ وَالجِلَادِ، وَعَلَى الآلِ وَالأَصْحَابِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَومِ التَّنَادِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعْدُ:

فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الحَادِي وَالثَّمَانِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابٌ فِي النَّصِيحَةِ.اهـ نَقرَؤُهُ وَنَشرَحُهُ إِن شَاءَ اللهُ. قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

فَالأَوَّلُ: عَنْ أَبِيْ رُقَيَّةَ تَمِيْمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «للَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُوْلِهِ وَلِأَئَمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشَّرْحُ

فَالأَوَّلُ

(وَهَذَا الحَدِيثُ ذَكَرَهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمُ المَعنَى وَعَظِيمُ المَنزِلَةِ فِي الإِسلَامِ، وهو قَاعِدَةً عَظِيمَةً مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَالفِقْهِ وَيُنَظِّمُ عَلَاقَةَ وَتَعَامُلَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ بَعْضِهِمُ البَعْض)

(يُروَى عَن أَبِي دَاودَ أَنَّهُ قَالَ: الفِقهُ يَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بيِّنٌ»، وَقَولُهُ ﷺ: «لَا ضَررَ وَلَا ضِرارَ»، وَقَولُهُ: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَقَولُهُ: «‌الدِّينُ ‌النَّصِيحَةُ»، وَقَولُهُ: «وَمَا نَهَيتُكُمْ عَنهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرتُكُمْ بِهِ فَائتُوا مِنهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».اهـ

فَأَبُو دَاوُدَ يَذكُرُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ أَحَدُ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيهَا الفِقهُ. وَقَد وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ النُّصحُ لِلمُسلِمِينَ عُمُومًا، وَفِي بَعضِهَا: النُّصحُ لِوُلَاةِ أُمُورِهِم، وَفِي بَعضِهَا: نُصحُ وُلَاةِ الأُمُورِ لِرَعَايَاهُمْ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ أَنَّهُم نَصَحُوا لِأُمَمِهِمْ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نُوحٍ، وَعَنْ صَالِحٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّصِيحَةَ تَشْمَلُ خِصَالَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحسَانِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ، وَسَمَّى ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، فَإِنَّ النُّصْحَ للهِ يَقتَضِي القِيَامَ بِأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا، وَهُوَ مَقَامُ الإِحْسَانِ، فَلَا يَكْمُلُ النُّصْحُ للهِ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ بِدُونِ كَمَالِ المَحَبَّةِ الوَاجِبَةِ وَالمُستَحَبَّةِ، وَيَستَلْزِمُ ذَلِكَ الِاجتِهَادُ فِي التَّقَرُّبِ إِلَيهِ بِنَوَافِلِ الطَّاعَاتِ عَلَى هَذَا الوَجهِ وَتَركُ المُحَرَّمَاتِ وَالمَكرُوهَاتِ عَلَى هَذَا الوَجهِ أَيضًا):

عَنْ أَبِيْ رُقَيَّةَ تَمِيْمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ 

لتعريف بالصحابي تميم الداري رضي الله عنه وذكر شيء من فضائله

(هُوَ صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أَبُو رُقَيَّةَ تَمِيْمُ بنُ أَوْسِ بنِ خَارِجَةَ بنِ سَوْدِ بنِ جَذِيْمَةَ اللَّخْمِيُّ، الفِلَسْطِيْنِيُّ. كُنِّيَ بِابنَةٍ لَهُ لَمْ يُولَدْ لَهُ غَيرُهَا. 

كَانَ عَلَى النَّصْرانِيَّة ثُمَّ قَدِمَ مَعَ أَهْلِ تِلْكَ النّاحِيَة التي كانَ فِيها، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى السَّنَةِ التّاسِعَة مِنَ الهِجْرَة يَعْنِى قَبْلَ وَفاةِ الرّسُول ﷺ بِسَنَة 

وهُوَ راوِي حَدِيثِنا هَذَا، الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِم وَلَمْ يُرْوَ لَهُ عَنْ رَسولِ اللهِ إِلَّا ثَمانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَليْسَ فِى البُخارِيِّ رِوايَة وَلا فِى مُسْلِم إِلّا هٰذا الحَدِيث. بَقِيَّةُ الأَحَادِيثِ إِنَّمَا هِيَ مَنْشُورَةٌ فِى كُتُبِ الحَدِيث الأُخْرَى غَيْرِ البُخارِيِّ وَمسْلِم. حَدَّثَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ بِقِصَّةِ الجَسَّاسَةِ فِي أَمْرِ الدَّجَّالِ.  سُمِّيَتِ الجَسَّاسَةَ لأَنَّها تَتَجَسَّسُ الأَخْبارَ لِهذا المسيحِ الدَّجَّالِ. 

هذا الحَدِيثُ، حَدِيثُ الجَسَّاسَة إِنّما رواهُ أَيْضًا تَميمُ الدّارِيّ وَحَدَّثَ بِهِ رَسُولَ اللهِ فَأَقَرَّهُ الرَّسُوُل ثُمَّ الرسُولُ جَعَلَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ تَميمِ بْنِ أَوْس فَهُوَ رِوايَةُ الأَكابِرِ عَنِ الأَصَاغِر وهذا نَوْعٌ مِنْ أَنْواعِ عِلْمِ مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ.

 فَقَد رَوَى مُسلِمٌ عَن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي، مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ. ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ. حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ، -لخْمٌ حَيٌّ مِنَ اليَمَنِ وَجُذَامٌ قَبِيلَةٌ مِنَ اليَمَن- فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَؤُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ، -هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَهِيَ: سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ تَكُونُ مَعَ الكَبِيرَةِ كَالجِنِيبَةِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا رُكَّابُ السَّفِينَةِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِم- فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ الكَثِيرُ شَعَرِ الرَّأسِ وَالجَسَدِ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا ‌الْجَسَّاسَةُ. قَالُوا: وَمَا ‌الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ، انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ. قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا، فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ، -أَيْ هَاجَ- فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا ‌الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا ‌الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتِ: اعْمَدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً. فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ. -قَالَ فِي مُعجَمِ البُلدَانِ لِيَاقُوت الحَمَوِيِّ (تُوُفِّيَ سَنَةَ 626هـ): بَيسَانُ: بِالفَتحِ ثُمَّ السُّكُونِ، وَسِينٍ مُهمَلَةٍ، وَنُونٍ، مَدِينَةٌ بِالأُردُنِّ بِالغَورِ الشَّامِيِّ، وَهِيَ بَينَ حَورَان وَفِلَسطِين، جَاءَ ذِكرُهَا فِي حَدِيثِ الجَسَّاسَةِ، وَتُوصَفُ بِكَثرَةِ النَّخلِ، وَقَد رَأَيتُهَا مِرَارًا فَلَم أَرَ فِيهَا غَيرَ نَخلَتَينِ حَائِلَتَينِ، وَهُوَ مِن عَلَامَاتِ خُرُوجِ الدَّجَّالِ- قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ. قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ. قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ. -قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: زُغَرٌ بِوَزنِ صُرَدٍ، زُغَرٌ عَينٌ بِالشَّامِ مِن أَرضِ البَلقَاءِ- قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ. قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ. قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَأَخْرُجَ، فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ-وَهِيَ مَا يُتَوَكَّأُ عَلَيهِ كَالعَصَا وَالعُكَّازَةِ-: هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ. (يَعْنِي الْمَدِينَةَ). أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ: أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ. أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا، بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ. قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ».اهـ قال النووي: قَوْلُهُ ﷺ (مَا هُوَ ‌مِنْ ‌قِبَلِ ‌الْمَشْرِقِ مَا هُوَ) قَالَ الْقَاضِي لَفْظَةُ مَا هُوَ زَائِدَةٌ صِلَةٌ لِلْكَلَامِ لَيْسَتْ بِنَافِيَةٍ وَالْمُرَادُ إِثْبَاتُ أَنَّهُ فِي جِهَاتِ الْمَشْرِقِ.اهـ

وَكَانَ تَمِيمُ عَابِدًا، تَلَّاءً لِكِتَابِ اللهِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: لَمْ يَزَلْ بِالمَدِيْنَةِ حَتَّى تَحَوَّلَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ إِلَى الشَّامِ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ، قَالَ: جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ: أُبَيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَزَيْدٌ، وَتَمِيْمٌ الدَّارِيُّ. وَرَوَى: أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي المُهَلَّبِ: كَانَ تَمِيْمٌ يَخْتِمُ القُرْآنَ فِي سَبْعٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ: أَنْ تَمِيْمًا الدَّارِيَّ كَانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ. وَرَوَى: أَبُو الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوْقٍ، قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: هَذَا مُقَامُ أَخِيْكَ تَمِيْمٍ الدَّارِيِّ، صَلَّى لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، أَوْ كَادَ، يَقْرَأُ آيَةً يُرَدِّدُهَا، وَيَبْكِي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِيْنَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُم كَالذِيْن آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجَاثِيَةُ:20]. وَحَصَلَ أَيْضًا أَنَّهُ مَرَّة، ذاتَ يَوْمٍ فِى قِيامِهِ فِى اللَّيل بِآيَةٍ أُخْرَى تَذْكُرُ ما لأَهْلِ النّارِ مِنَ العَذاب فِى نارِ جَهَنَّم وَهِيَ قَوْلُ اللهِ تعالى عَنْ الكُفّار ﴿وهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [سُورَةُ المُؤمِنُونَ] فَجَعَلَ يُرَدِّدُ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى طَلَعَ الصُّبْحُ وَذلِكَ لأَنَّ أَمْثالَ هؤُلاء كانَ يَعْتَرِي قُلُوبَهُم مِنَ التَّفَكُّر والتَّدَبُّر لآياتِ كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا تَحوِيهِ مِنَ المَعَانِي حَتَّى تَغْشَى قُلُوبَهُم فَتتَأَثَّر وَيُصِيبُها الخَشْيَة وَالخَوْف مِنَ اللهِ والخُشُوع لَهُ سبْحانَه فَتَفِيضُ أَعْيُنُهُم مِنَ الدَّمْعِ مِنْ هذا التَّأَثُّر وَذلِكَ لأَنَّ القُلُوبَ مُتَفاوِتَة.

وَرُوِيَ عَنْ ثَابِتٍ: أَنْ تَمِيْمًا أَخَذَ حُلَّةً بِأَلْفٍ، يَلْبَسُهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيْهَا لَيْلَةُ القَدْرِ. وَرَوَى: الزُّهْرِيُّ، عَنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيْدَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَصَّ -أَيْ وَعَظَ النَّاسَ عُمُومًا- تَمِيْمٌ الدَّارِيُّ، اسْتَأْذَنَ عُمَرَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَصَّ قَائِمًا. وَرُوِيَ عَنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنْ تَمِيْمًا اسْتَأْذَنَ عُمَرَ فِي القَصَصِ سِنِيْنَ، وَيَأْبَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ، قَالَ: مَا تَقُوْلُ؟ قَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، وَآمُرُهُمْ بِالخَيْرِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الشَّرِّ. قَالَ عُمَرُ: ذَاكَ الرِّبْحُ، ثُمَّ قَالَ: عِظْ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ لِلْجُمُعَةِ -أَي قَبلَ أَنْ يَصعَدَ عُمَرُ لِخُطبَةِ الجُمُعَةِ، فَكَانَ عُمَرُ الخَلِيفَةَ وَهُوَ الخَطِيبُ وَإِمَامُ الجُمُعَةِ وَكَانَ القَاصُّ أَيِ الوَاعِظُ قَبلَ الصَّلَاةِ وَالخُطبَةِ تَمِيمًا الدَّارِيَّ-. فَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ، اسْتَزَادَهُ، فَزَادَهُ يَوْمًا آخَرَ.

وَأَخْرَجَ: ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ، عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْرَجَ فِي المَسَاجِدِ تَمِيْمٌ الدَّارِيُّ. هَذَا الصَّحَابِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، حِينَ قَدِمَ المَدينَةَ، مِنْ سَفْرَة كانَ سافَرَها إِلَى بَلَدِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى المدينَة، جَلَبَ إِلَى المسجِدِ النبَوِيّ قَنادِيل، سُرُج وَحِبَالًا وَزَيْتًا. ثُمَّ عَلَّقَها فِى سَوارِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ. عَلَّقَ هذه القَنادِيل عَلَى الأَعْمِدَةِ فَلَمّا دَخَلَ الليلُ أَضاءَ هذه القَنادِيلَ وكانَ مَسْجِدُ الرَسُولِ قَبلَ هذه الليلَة لا يُنارُ، لا يُضاء. كانَ الصّحابَةُ يُصَلُّونَ المغرِبَ وَالعِشاءَ فِى الظّلام، فِى العَتَمَة، حَتّى أَنارَها لهُم تَميمُ بنُ أَوْسٍ الدّارِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرضاه. 

يُقَالُ: وُجِدَ عَلَى بَلَاطَةِ قَبْرِ تَمِيْمٍ الدَّارِيِّ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ) 

شرح معنى النصيحة وأنها إخلاص الخير للمنصوح له

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ»،

(وَهُنا يُوجَدُ مُقَدَّرٌ مَحْذُوف، كَمَا مَالَ إِلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» أَيْ عِمَادُ الدِّينِ وَمُعْظَمُهُ وَقِوامُهُ النَّصِيحَة، لَكِنْ هذه الكَلِماتُ إِنّما هِيَ مُقَدَّرَةٌ فِى الذِّهْنِ، مَحْذُوفَةٌ ليسَت مَذْكُورَةً، كَما قالَ ﷺ فِى حَدِيثٍ: «الحَجُّ عَرَفَةُ» وَهُنا أَيْضًا يُوجَدُ مُقَدَّرٌ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ أَنَّ مُعْظَمَ أَرْكانِ الحَجِّ وَأَكْثَرَها اهْتِمامًا هِيَ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، لأَنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَقْتُهُ ضَيِّقٌ فَإِذَا أَدْرَكَ الحاجُّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَهُوَ ما بَيْنَ زَوالِ شَمْسِ التّاسِع مِنْ شَهرِ ذِي الحِجّة إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ ليلَةِ العِيدِ، فَوَقْتُهُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ساعَة. فَإِذا أَدْرَكَ الحاجُّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ، فَما سِوَى الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مِنَ الأَركانِ سَهْل لأَنَّ وَقتَها واسِعٌ واسِعٌ، أَمَّا الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَوَقْتُهُ ضَيِّقٌ. لِذلِكَ قَالَ ﷺ: «الحَجُّ عَرَفَةُ» مَعناهُ أَكْثَرُ أَرْكانِ الحَجِّ، مِمّا يَنْبَغِي أَنْ يَهْتَمَّ لَهُ الحاجُّ لِيُوقِعَهُ في وَقتِهِ هُوَ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. فَكَمَا أَنَّهُ قُدِّرَ فِي هَذَا الحَدِيثِ هَذَا التَّقْدِيرُ الْمَحْذُوفُ، كَذَلِكَ يُقَدَّرُ فِي حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» شيْئًا مَحْذُوفًا وَهُوَ أَنَّ مُعْظَمَ الدِّينِ وَقِوامَ الدِّينِ وَأَهَمَّ الأُمُورِ فِي الدِّينِ النَّصِيحَةُ)

(وَمَعْنَى “النَّصِيحَةُ“: حِيازَةُ الخَيْرِ للمَنْصُوحِ لَهُ. إِرَادَةُ حِيازَةِ الخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَه، يَعْنِى أَنْ تَكُونَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ تُقَدِّمَ الخَير عَلَى وَجْهِهِ التَّامِّ، وَأَنْ تَجْمَعَ الخَيْرَ لِمَن يَطْلُبُ مِنْكَ النّصِيحَةَ، لِمَن يَطْلُبُ مِنْكَ الدِّلالَةَ عَلى ما يَنْفَعُهُ. فَيَنْبَغِي عَلَيْكَ مِنْ بابِ الأَمانَةِ الشَّرْعِيّة أَنْ تَكُونَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ تُقَدِّمَ الخَيرَ وَتَدُلَّ هٰذا الطّالِبَ لِلنّصِيحَةِ إِلَى فِعْلِهِ عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَل. فَكَأَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ النّصِيحَةَ.

فَإِذًا “النّصِيحَة“: إِخْلاصُ الخَيْر للمَنْصُوحِ لَه وَحِيازَةُ الخَير للمَنْصُوحِ لَه. تَقُولُ فِى لُغَةِ العَرَب: “نَصَحْتُ العَسَلَ”، إِذا أَخْلَصْتُهُ مِنَ الشَّوائِب كَالشَّمْعِ وَنَحْوِهِ. إِذا صَفَّيْتُ العَسَلَ وَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهُ ما يَشُوبُهُ مِنْ نَحْوِ شَمْعٍ. وَكَذلِكَ الإِنْسانُ إِذا نَصَحَ إِخْوانَه، يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَحَهُم مَعَ الحِرْصِ عَلَى إِيصالِ الخَيرِ لَهُم عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَل. الأَمانَةُ الشّرْعِيَّةُ تَقْتَضِي ذلِك وَالمحَبَّةُ فِي اللهِ تَقْتَضِي ذلِك وَالأُخُوَّةُ الإِيمانِيَّةُ تَقْتَضِي ذلِك. كانَ الرسُولُ ﷺ نَفَّاعًا حَرِيصًا عَلَى أَنْ يَبْذُلَ الخيرَ وَالنُّصْحَ لِكُلِّ أَحَدٍ. لذلِكَ الرسُولُ ﷺ قالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» مَعْناهُ يَنْبَغِي عَلَى الإِنسان أَنْ يَكونَ ساعِيًا فِيما يَنْفَعُ النّاس يَدُلُّهُم عَلَى ما يَنْفَعُهُم. يُرْشِدُهُم إِلَى ما فِيهِ خَيرُهُم وَصَلاحُهُم فِى الدُّنيا وَفِى الآخِرَة وهذا كُلُّهُ مِنَ النّصِيحَة.

(وَهُنَا أُنَبِّهُ لِأَمرٍ مُهِمٍّ، وَهُوَ أَنَّ بَعضَ الجُهَّالِ يَقُولُ لِلآخَرِينَ: أَنْصَحُكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا… وَيَذكُرُ لَهُ مَعْصِيَةً مِنَ المَعَاصِي وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، مَثَلًا يَأْتِي بَعضُهُمْ فَيَقُولُ لِصَدِيقِهِ: أَنْصَحُكَ أَنْ تَضْرِبَ فُلَانًا وَيَكُونُ ضَرْبُهُ بِغَيرِ حَقٍّ، أَوْ يَقُولُ: أَنصَحُكَ أَنْ تَسرِقَ فُلَانًا، أَوْ أَنْصَحُكَ أَنْ تَحرِقَ بَيتَ فُلَانٍ، هَذِهِ كَلِمَاتٌ كُلُّهَا لَا تَجُوزُ، فَالنَّصِيحَةُ تَكُونُ لِأَمرٍ خَيرٍ وَلَا خَيرَ فِي المَعصِيَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ).

قُلْنَا: لِمَنْ؟

(ثُمَّ الصَّحَابَةُ حِينَ سَمِعُوا قَوْلَهُ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قالُوا كَمَا فِي الحَدِيث: “قُلْنَا” يَعْنِى السّائِلُ، هُمُ الصَّحابَة “قُلْنَا: لِمَنْ؟” مَعناهُ الصَّحابَةُ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ: إِذا أَرَدْنا أَنْ نُؤَدِّيَ النّصِيحَة، نُؤَدِّيَها “لِمَنْ؟) 

بيان النصيحة لله: الإيمان به، وتعظيمه، ومحبته، وطاعته، وشكر نعمه

قَالَ: «للهِ

(فَقال ﷺ: «لِلَّهِ. ما مَعْنَى النَّصِيحَةِ للهِ؟ مَعنَاهُ أَنْ تُؤْمِنَ بِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلالِهِ وَأَنْ تَعْتَقِدَ فِى حَقِّهِ سُبْحَانَهُ، أَنَّهُ ذَاتٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتٍ. ذَاتٌ لَا يُشْبِهُ الذَّوَات وَأَنَّ صِفاتِهِ سبحانَه لا تُشْبِهُ صِفاتِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ. هذا مِنَ النَّصِيحَةِ لله. وَليسَ مَعْنَى النَّصِيحَةِ لله أَنَّ اللهَ تعالى بِحاجَةٍ لِنُصْحِ النّاصِحِين! لا! فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلّ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، لا يَحتاجُ إِلَى شىءٍ مِنْ خَلْقِهِ وَكُلُّ خَلْقِهِ مُحْتاجُونَ إِلَيْهِ، مُفْتَقِرونَ إِلَيْهِ سبحانَه. فَمِنَ النَّصِيحَةِ للهِ سُبحانَه أَنْ تُؤْمِنَ بِهِ، أَنْ تُعَظِّمَه، أَنْ تُحِبَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِكَ، فَوْقَ حُبِّكَ لأَيِّ مَخْلُوق، أَنْ تُحِبَّ اللهَ عَزَّ وَجَلّ فَوْقَ حُبِّكَ لِنَفْسِك، وَفَوْقَ حُبِّكَ لِوَلَدِك، ولأَبِيك وَلأُمِّك وَلِزَوْجِك وَلِمَالِك لأَنَّ اللهَ تعالى هُوَ الْمُتفَضِّلُ عَلَيْكَ بِكُلِّ هؤلاء وَهُوَ المالِكُ لِكُلِّ هؤلاء. فَأَنْ تُحِبَّ اللهَ تعالى فَوْقَ كُلِّ مَحبُوب، هُوَ مِنَ النَّصِيحَةِ لله سبْحانه. وَأَنْ تُعَظِّمَ اللهَ تعالى فِى قَلْبِك وَأَنْ تَعْتَقِدَ فِيهِ صِفاتِ الكَمال اللائِقَة بِهِ مِنْ نَحْوِ القُدْرَة فَاللهُ قادِرٌ لا يُعْجِزُهُ شىء، مِنْ نَحْوِ العِلْمِ أَنَّ اللهَ تعالى عالِمٌ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شىء، مِنْ نَحْوِ الإِرادَة، أَيِ المشِيئَة أَيْ أَنَّ اللهَ تعالى مُرِيدٌ لِكُلِّ شىءٍ، ما شاءَ كانَ أَيْ حَصَلَ وَوُجِد، وَما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُن، أَي لا يُوجَدُ وَلا يَحْصُل، لأَنَّ اللهَ تعالى لَمْ يَشَأْ حُصُولَه وَمِنَ الإِيمانِ بِالله القِيامُ بِأَوامِرِه، القِيامُ بِطاعَتِهِ. والاجْتِنابُ لِمَا نَهَى عَنْهُ سُبْحانَه هَذا مِنَ النَّصِيحَةِ للهِ سُبْحانهُ. وَأَنْ تُحِبَّ ما أَحَبَّ اللهُ وَمَنْ أَحَبَّ اللهُ. وَأَنْ تُبْغِضَ ما أَبْغَضَ اللهُ وَمَنْ أَبْغَضَ اللهُ. وَأَنْ تُحِبَّ لله وَأَنْ تُبْغِضَ لله. فَإِنَّ الإِنْسان لا يسْتَكْمِلُ حَقيقَةَ الإِيمان حَتّى يُحِبَّ لله وَيُبْغِضَ لله، كَما قالَ ﷺ: “لا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ الإِيمان حَتّى يُحِبَّ للهِ وَيُبْغِضَ لله“. أَنْ تُحِبَّ لله كَأَنْ تُحِبَّ إِخْوانَكَ الذينَ هُمْ عَلَى تَقْوَى وَعَلى صَلاح وَأَنْ تَسْعَى فِى خَيرِهِم وَأَنْ تُحِبَّ لَهُمُ الخَيرَ كَما تُحِبُّهُ لِنَفْسِك. قالَ ﷺ: “لا يُؤْمِنُ أَحَدُهُم حَتّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِه” وَفِى رِوايَةٍ “لا يُؤْمِنُ أَحَدُهُم حَتّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِه مِنَ الخَيْر“. فَلِذلك لا يبْلُغُ الإنسانُ دَرَجَةَ الإيمانِ الكامِل، حَقيقَةَ الإيمان حَتّى يَكُون مَوْصُوفًا بِهذه الصِّفَة. إِذا أَحَبَّ أَنْ يُحِبَّ لله، طَلَبًا لِرِضا اللهِ تعالى وَإِذا أَبْغَضَ إِنّما يُبْغِضُ لله كأَنْ يُبْغِضَ الواحِدُ مِنّا أَعْداءَ دِينِ الله لله. لا لأَجْلِ شَهْوَةِ نَفْس وَلا لأَجلِ التَّشَفِّي إنَّما لأجلِ أنهُم أعداءُ الله، يُحارِبون الله، ويُحارِبون رسولَه وَيُحارِبُونَ دِينَه لأَجْلِ هذا أَنَا أُبْغِضُهُم فِي اللهِ وَأَطْلُبُ فِِ بُغْضِي لَهُم الثّوابَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ. 

وَمِنَ النَّصِيحَةِ للهِ تعالى الاعْتِرافُ بِنِعْمَةِ اللهِ تعالى عَلَيْكَ. بِأَنْ تُقِرَّ وَتَعْتَرِف بِأَنَّهُ ما مِنْ نِعْمَةٍ فِيك إِلّا وَالْمُنْعِمُ عَلَيكَ بِهَا هُوَ اللهُ تعالى. هذا مِنَ النَّصِيحَةِ لله، أَنْ تَشْكُرَ اللهَ تعالى أَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِهذه النِّعَم وَشُكْرُ اللهِ تَعالى عَلَى هذه النِّعَم يَكُونُ بِأَنْ تَضَعَها فِي طاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ وَأَنْ لا تَعْصِيَ اللهَ تَعَالَى بِها. أَنْ لا تَعْصِيَ اللهَ تعالى بِسَمْعِك وَلا بِبَصَرِك وَلا بِلِسانِك وَلا بِيَدِك وَلا بِرِجْلِك وَلا بِفَرْجِك وَلا بِبطْنِك، لأَنَّ هذه النِّعَم وَغَيرَها مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ إِحْصائِنا، اللهُ تعالى هُوَ الْمُتَفَضِّلُ بِها عَلَيْك فَحَقِيقٌ بِكَ وَجَدِير بِأَنْ تَقُومَ بِشُكْرِ الله عَلَيْها وَشُكْرُ اللهِ تعالى عَلَيهَا بِأَنْ لا تَعْصِيَ اللهَ تعالى بِها. هذا هُوَ الشُّكْرُ الذي أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ. أَنْ لا تَعْصِيَ اللهَ تعالى بِبَصَرِك، أَنْ لا تَعْصِيَ اللهَ تعالى بِسَمعِك، أَنْ لا تَعْصِيَ اللهَ تعالى بِلِسانِك. هذه الثَّمَرَة وَهذه النّتيجَة وهذه الفائِدَة راجِعَةٌ عَلَى مَنْ؟ عَلَى العَبْدِ الذي آمَنَ بالله وَشَكَر اللهَ عَلَى نِعَمِهِ وَأَطاعَه وَاجْتَنَبَ مَعْصِيَتَهُ ونَصَحَ إِخْوانَهُ إِنِ احْتاجُوا إِلَى نُصْحِه طَلَبًا لِرِضَا الله، وَأَحَبَّ للهِ وَأَبْغَضَ لله. ثَمَرَةُ هذا كُلِّهِ إِنَّما هِيَ راجِعَةٌ إِلَى العَبْدِ لأَنَّنا قَدَّمْنا وَأَسْلَفْنا أَنَّ اللهَ تعالى لا يَحتاجُ إِلَى نُصْحِ النّاصِحين لأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ)،

بيان النصيحة لكتاب الله: الإيمان بكتبه، وتعظيم القرآن

ولكتابه

(وَأَمّا النَّصِيحَةُ لِكِتابِ لله لأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: “للهِ، وَلِكِتَابِهِ“. فَهِيَ أَنْ تُؤْمِنَ بِكِتابِ اللهِ، والأَصْلُ الذي يَجِبُ عَلَى هذه الأُمَّة أَنْ تُؤْمِنَ بِهِ هُوَ القُرءان وَيَجِبُ عَلَيْنا أَيضًا أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ الإِنجِيلَ الأَصْلِيَّ أُنْزِلَ عَلَى سيِّدِنا عِيسَى وَأَنَّ التَّوْراةَ الأَصْلِيَّةَ لا المحَرَّفَة، أُنْزِلَ عَلَى سيِّدِنا مُوسَى وَأَنَّ هُناكَ صُحُفًا أُنْزِلَت عَلَى سيِّدِنا موسَى غَيرِ التّوراة وَأَنَّ هُناكَ صُحُفًا أُنْزِلَت عَلَى إِبراهِيم. يَجِبُ عَلَيْنا أَنَّ نُصَدِّقَ وَأَنْ نُؤْمِنَ بِذلِكَ كُلِّهِ لأَنَّ كَلِمَةَ “لِكِتَابِهِ” إِنّما هِيَ لَفْظَةٌ مُفْرَدَة إِلّا أَنَّها مُضافَة. مُفْرَدَة يَعْنِى ليسَت جَمْعًا إِلّا أَنَّها مُضافَة. وَعُلماءُ أُصُولُ الفِقْهِ يَقُولون: “الْمُفْرَدُ الْمُضافُ يَعُمُّ”. الْمُفْرَدُ الْمُضافُ يُفِيدُ العُمُوم. فَلِذلِك قَوْلُهُ ﷺ: “وَلِكِتَابِهِ” أَيْ وَلِجَمِيعِ كُتُبِهِ، أَنْ تُؤْمِنَ بِجَمِيعِ الكُتُب التي أَنْزَلَها اللهُ تعالى عَلَى أَنْبِيائِهِ وَرُسُلِه وَأَنْ تُصَدِّقَ بِإِنْزالِهَا. وَلكِن يَجِبُ عَلَيْنا بِما أَنَّنا أَدْرَكْنا ءاخِرَ الأَنبياء وَخاتمَ الرُّسُل سَيِّدَنا محمدًا ﷺ، أَنْ نَعْمَلَ بِما يَتَضَمَّنُهُ كِتابُ اللهِ القُرءان. هُوَ الذي يَنْبَغِي أَنْ نَرْجِعَ إِلَيْهِ لِنَعْرِفَ الأَحْكامَ التي أَمَرَ اللهُ تعالى بِها أَوْ نَهَى عَنْها وَلِنَعْرِفَ الأَمْرَ الموصِلَ إِلَى طاعَةِ الله والأَمرَ الْمُبْعِدَ عَنِ رِضْوانِ اللهِ الجالِبَ لِسَخَطِهِ وَهُوَ ما حَرَّمَ اللهُ، كُلُّ هَذَا إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ كِتابِ اللهِ القُرءانِ وَمِنْ حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ، وَمِنَ النَّصِيحَةِ لِكِتابِ الله أَنْ تُعَظِّمَ القُرءان لأَنَّهُ أَفْضَلُ الكَلام. فَلِذلِكَ مِنَ الأَدَبِ مَعَ القُرءانِ مَثَلًا، أَنْ تَجْعَلَ القُرءانَ كلَّهُ فَوْقَ كُلِّ كُتُبِكَ حَتّى فَوْقَ كُلِّ كُتُبِ الشَّرْع، هذا مِنَ الأَدَبِ مَعَ القُرءانِ. أَنا ما قُلْتُ حَرام! هُوَ ليسَ حَرامًا! إِذا وَضَعْتَ كِتابَ شَرْعٍ فَوْقَ الْمُصْحَف، ليسَ حَرامًا لَكِنَّهُ مَكْرُوه. الأَحْسَنُ أَنْ تَضَعَ الْمُصْحَفَ فَوْقَ كِتابِ الشَّرْع وَفَوْقَ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ مِنْ بابِ أَوْلَى لأَنَّ هذا مِنَ التَّأَدُب مَعَ كِتابِ الله. وَمِنَ النَّصِيحَةِ لِكِتابِ الله أَنْ لا تَمَسَّهُ إِلّا عَلَى طَهارَة فَلا يَجُوزُ للمُحْدِث حَدَثًا أَصْغَر (الذي ليسَ عَلَى وُضُوء) وَلا لِمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَر (الذي هُوَ عَلَى جَنابَة) أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَف لأَنَّ هذا فِيهِ الإِخْلالَ بالأَدَبِ مَعَ القُرءان. اللهُ تعالَى يَقُول ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة:79]. هذا مِنْ تَعْظِيمِ كِتابِ الله، ليسَ فقَط الكَلِمات في الحاشِيَة (حيثُ الفراغ، حيثُ لا يُوجَد كِتابَة). يَعْنِى ليسَ لَكَ أَنْ تَضَعَ إِصْبَعَكَ عَلَى الحاشِيَة إِذا كُنْت عَلَى غَيرِ وُضُوء، لَيسَ لَكَ أَنْ تَحْمِلَ الْمُصحَف لَوْ لَمْ تَمَسَّ الكَلِمات إِذا كُنْت عَلَى غَيرِ وُضُوء. وَلا ينبَغِي أَن يُبَلِّلَ الشَّخصُ إِصبعَهُ بِرِيقِهِ قبلَ تَقْليب صَفَحات القُرءان! هذا لا يَجُوز! هذا حَرام! لِماذا؟ لأَنَّ فِيهِ إِخْلالًا بالتَّعْظِيم وَالأَدَب بِالقُرءان. هذا دُونَ الاسْتِخْفاف. أَقَلّ مِنَ الاسْتِخْفاف. يُسَمّى الاسْتِهانَة. مَسُّ المصحَف عَلَى غَيرِ وُضُوء اسْتِهانَة، حَرام! تَقْلِيبُ أَوْراقِ المصحَف باليَدِ الْمُبْتَلَّة بِالبُصاق مِنْ غَيرِ اسْتِخْفاف، اسْتِهانَة، حَرام! أَمّا إِلْقاءُ المصْحَف بِالزُّبالَة هذا اسْتِخْفاف وَهُوَ كُفر وَالعِياذُ بالله! فَهُناكَ فَرْق بين الاسْتِخفاف وَبَيْنَ الاسْتِهانَة. ومِنْ جُمْلَةِ الأَحْكام التي عَلَّمَها العُلَماءُ أَنَّهُ لا يَجوزُ للإِنْسانِ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَهُ إِلَى المصْحَف إِنْ كانَ المصحَفُ قريبًا غَيرَ مُرْتَفِع عَلَى نَحْوِ طاوِلَة مَثَلًا، فهذا حَرامٌ لا يَجُوز! 

ومن بركات تعظيم اسم الله ما قال بعض أهل السير: أَنَّ بِشْرًا الحافي كَانَ شَاطِرًا -أَيْ قَاطِعَ طَرِيقٍ- فِي بَدْءِ أَمْرِهِ، وَأَنَّ سَبَبَ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ وَجَدَ ‌رُقْعَةً ‌فِيهَا ‌اسْمُ اللَّهِ عز وجل فِي القَاذُورَاتِ فَرَفَعَهَا ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى عَطَّارٍ فَاشْتَرَى بِدِرْهَمٍ غَالِيَةً -وَهُوَ مِنْ أَجوَدِ أَنوَاعِ الطِّيبِ- وَطَيَّبَ تِلْكَ الرُّقْعَةَ مِنْهَا، وَوَضَعَهَا حَيْثُ لَا تُنَالُ فَأَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ، وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ، وَصَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ.

وَمِنَ النّصِيحَةِ لِكِتابِ الله، أَنْ تُعَظِّمَ القُرْءان وَأَنْ تُعَظِّمَ ءاياتِهِ وَأَنْ تُنْزِلَها فِى قَلْبِكَ المنزِلَةَ التي يُحِبُّ الله. وَأَنْ تَتلُوَ هذا القُرْءان مَعَ التَّدَبُّر حَقَّ تِلاوَتِهِ. كَيْ لا تَقَعَ فِى اللَّحْنِ الذي يُفْسِدُ عَلَيْكَ الثَّواب وَقَدْ يُوقِعُكَ فِى الإِثْمِ وَالعِياذُ بالله! وينبغي أن تقرأه عَلَى الوَجْهِ الْمُتَلَقَّى المنْقُول الْمُتَّبَع لأَنَّ القِراءَةَ كَما يَقُولُ عُلَماءُ التَّجْوِيد: “سُنَّةٌ مُتَّبَعَة”. مَعناهُ أَنْ تَقرأَ القرءان كَما قَرَأَ رسولُ اللهِ ﷺ عَلى جِبريل. نعم، نحنُ لا نَبْلُغُ حَلاوَةَ وَعُذُوبَةَ وَحُسْنَ قِراءَتِهِ ﷺ. وَلا حَلاوَةَ وَلا عُذُوبَةَ صَوْتِهِ ﷺ. وَلا حُسْنَ أَدائِهِ ﷺ لآياتِ كِتابِ الله. لَكْن هُناكَ أَحْكامٌ لا بُدَّ أَنْ يَحْرِصَ الإِنْسانُ عَلَى الإِتْيانِ بِها حالَةَ أَدائِهِ لآياتِ كِتابِ الله. فَلا يَجُوزُ لَهُ مَثَلًا أَنْ يَتْرُكَ المَدَّ الطّبِيعِيَّ فِى مَوْضِعِهِ. والمَدُّ الطّبِيعِيُّ هوَ مِقْدارُ حَرَكَتَيْنِ فِى مَحَلِّهِ وَهذا شىءٌ يُطْلِبُ فِى عِلْمِ التَّجوِيد. فَلا يَجوزُ لَهُ أَنْ يَترُكَ المَدَّ الطّبِيعِيَّ وَلا يُجوزُ لَهُ أَنْ يُبْدِلَ حرْفًا بِحَرْف لا يَجوزُ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ حَرْفَ الطّاءَ إِلَى تاءٍ وَلا يَجوزُ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ حَرْفَ الضّادِ إِلَى دالٍ، فَلا بُدَّ أَنْ يَأْتيَ بِالحُرُوفِ مِنْ مَخارِجِها وَمَخارِجُ الحُروف سَبْعَةَ عَشَرَ مَخْرَجًا كما قالَ صاحِبُ الجَزَرِيَّةِ:

مَخارِجُ الحُرُوفِ سَبْعَةَ عَشَر * * * عَلَى الذي يَخْتارُهُ مَنِ اخْتَبَر

أَمّا الإِتْيان بِبَعْضِ أَحْكام التَّجْوِيد كالإِدْغام بِغُنَّة وَالإِدْغام بِغَيْرِ غُنَّة وَكَالإِخْفاء فِى مَحَلِّهِ فَهذا أَكْمَلُ وَأَحْسَن. إِنْ تَرَكَ هذه الأُمُور كَالإِدْغام وَالإِخْفاء فِى مَحَالِّها لا يَأْثَم، لا يَكُونُ عَلَيْهِ مَعْصِيَة لَكِنَّهُ أَخَلَّ بِالأَكْمَلِ وَالأَحْسَن. وَإِذا رَجَعْتُم إِلَى القُرّاء الذينَ لَهُم شُهْرَة بَيْنَ النّاس فِى زَمانِنا كَالشيخ مُصْطَفَى إِسْماعِيل وَالشيخ عَبْد الباسِط عَبْد الصَّمَد وَالشيخ الْحُصَرِيّ تَجِدُهُم فِى أَثْناءِ قِراءَتِهِم يُفَرِّقُونَ فِى القِراءَة بَيْنَ الصّادِ وَالسِّين فَلا يَنبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بالصّاد سِينًا وَلا بِالسِّينِ صادًا!! الصّادُ حَرْفٌ غَيرُ السِّين، كَما تُفَرِّقُ بَيْنَهُما فِى الكِتابَة، يَنبَغِي أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُما فِى التِّلاوَة.. فَرْقٌ أَنْ تَقُولَ: “أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنَ الصّالِحِين” وَبَيْنَ أَنْ تَقُولَ: “أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنَ السّالِحِين” فَرْقٌ كَبِير. السّالِح، إِمّا إِنَّها مَأْخُوذَةٌ مِمَّن يَحْمِلُ السِّلاح، يُقالُ فِيهِ سالِح وَإِمَّا أَنَّها تَرْجِعُ فِى تَصْرِيفِها إِلَى مَنْ خَرَجَ مِنْهُ الغائِط! الذي يَخْرُجُ مِنْهُ الغائِط أَجَلَّكُم الله، يُقالُ سَلَحَ! وَمِنهُ السّالِح. السّالِحُ الْمُتَغَوِّط!! وَشَتّانَ شَتّان بَيْنَ مَعْنَى الصّالِح الذي هُوَ الإِنْسانُ التَّقِيُّ الْمُلْتَزِمُ شَرْعَ الله وَبَيْنَ السّالِح فَلِذلِك لا بُدّ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصّادِ وَالسِّين فِى تِلاوَةِ القُرءان. نَعَم، لا يَنبَغِي أَنْ تُشَوِّشَ بِها عَلَى غَيرِك، وَخُصُوصًا إِنْ كُنْتَ فِى مَسْجِدٍ وَبِجانِبِكَ مَنْ يُصَلِّي لأَنَّهُ ليسَ إِمامًا فِى الجَهْرِيّة، مَعَ ذلِكَ، هذا لا يُلْغِي أَنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّفرِقَةِ بَيْنَ الصّادِ وَالسِّين.

بيان معنى الآيات المحكمة والمتشابهة

وَيَجِبُ عَلَيْنا أَيْضًا ان نؤمن بِمُحْكَمِ القُرءان وَأَنْ نؤْمِنَ بِمُتَشابِهِه. 

القُرءانُ ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة ءال عمران:7]، مَعناهُ إِلَيْهِنَّ الْمَرْجِعُ لِنَفْهَمَ الآيات الْمُتَشابِهات ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [سورة ءال عمران:7]، يَعْنِى ءاياتٌ أُخْرَ مُتَشابِهَة، مُحْتَمِلَة لِمَعانِي، لا بُدَّ مِنْ حَمْلِها عَلَى المعْنَى الذي يَتَّفِقُ وَيَنْسَجِمُ وَيَنْطَبِقُ مَعَ الآياتُ الْمُحْكَمات. فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِالآياتِ الْمُحْكَمات وَبِالآياتِ الْمُتَشابِهة. 

وَالآياتُ الْمُحْكَمات هِيَ الآياتُ الواضِحَةُ الدِّلالَة، التي مَعناها بَيِّنٌ واضِحٌ دالَّة عَلَى الْمُرادِ بِوُضُوح وذلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد﴾ [سورة الإِخلاص:1]. كُلُّ واحِدٍ مِنّا يَفْهَمُ أَنَّ المرادَ أَنَّ اللهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيّة. إِذا قَرَأَ قَوْلَ اللهِ تعالى ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شىءٌ﴾، هذه ءايَةٌ مُحْكَمَة. كُلّ واحِد مِنَ المسلِمِينَ يَفْهَمُ إِذا تَلى هذه الآيَة أَوْ سَمِعَها تَنْزِيهَ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى عَنِ المثِيل وَعَنِ الشّبِيه، فَرَبُّنا تعالى لا مِثْلَ لَه ولا شَبِيهَ لهُ وَلا هَيْئَةَ لها وَلا صُورَةَ لَه ولا كَيفِيَّةَ لَه ولا زَوْجَة لَه وَلا ولَدَ لَه ولا حَجْمَ لَه ولا جسْمَ لَه ولا جُثَّةَ لَه ولا حَدَّ لَه ولا كمِيَّةَ لَه لأَنَّ اللهَ تعالى أَنْزَلَ فِى القُرْءان قَوْلَهُ ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شىءٌ﴾، 

فَلَمّا كانَ خَلْقُهُ على ما ذكَرْنا مِنَ الصِّفاتِ، كانَ خالِقُ الخلْقِ هُوَ الله، لا يُشْبِهُ الخَلْقَ وَلا صِفاتُهُ تُشابِهُ صِفاتِ خَلْقِه. فَأَنْ تُؤْمِنَ بِمُحْكَمِ القُرءان وَأَنْ تُؤْمِنَ بِمُتَشابِهِه. 

الْمُتَشابِهُ مِنَ القُرءانِ هِيَ الآياتُ التي ليسَت واضِحَةَ الدِّلالَةِ عَلَى المَعنَى. تَحْتَاجُ إِلَى نَظَرِ أَصْحابِ النَّظَر مِنْ عِلْمِ التَّفْسِير وَعِلْمِ اللغَة حَتّى يُتَوَصَّلَ إِلَى فَهْمِ المعنَى المرادِ مِنْها بالظَّنِّ وذلِكَ كَقَوْلِ اللهِ تعالى ﴿الرحمٰنِ عَلَى العَرشِ اسْتَوَى﴾ فهذه الآيَةُ مِنَ الآياتِ المتشابِهات نُؤمِنُ بِهذه الآيَة القُرءانِيَة وَيَجبُ عَلَيْنا أَنْ نُبْعِدَ عَنْ قُلوبِنا كُلَّ تَشْبِيهٍ للهِ تعالى بِخَلْقِه، فَلا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ ما قَدْ يَظْهَرُ مِنْ هذه الآية مِنْ أَنَّ اللهَ تعالى يُوصَفُ بِالجُلُوسِ أَو بِالقُعُود أَوْ بِالْمُحاذاةِ للعَرْش.

 تَنَزَّهَ سبحانَهُ وتعالى عَنْ كُلُّ هذا. فَنُؤْمِنُ بِوُرودِ هذه الآيَة عَلَى المَعنى الذي يَليقُ بِجلالِ اللهِ سبحانَه ثُمَّ إِمّا أَنْ نُأَوِّلَ تَأْوِيلًا إِجمالِيًّا كأَنْ نَقُولَ إِنَّ هذه الآيَةَ لَها مَعْنًى يَليقُ بِجَلالِ اللهِ سُبحَانَهُ وَأُبْعِدُ عَنْ قَلْبِي كُلَّ تَشْبِيهٍ للهِ تعالى لِخَلْقِه وَأَقُولُ: اللهُ أَعْلَمُ بالْمُرادِ مِنْ هذه الآيَةِ لَكِنِّي أَعْتَقِدُ التَّنْزِيهَ وَأَبْرَأُ عَنْ قَلْبِيَ التَّشْبيهَ والتَّكْييفَ وَالتَّمْثِيلَ للهِ تعالى عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِه. هذا يُقالُ لَهُ التَّأْوِيلُ الإِجْمالِيُّ وَهُوَ مَسْلَكٌ حَسَنٌ.

وَهناكَ تَأْوِيلٌ تَفْصِيلِيٌّ بِأَنْ يُعَيِّنَ لِهذه الآيَةِ المتَشابِهَةِ مَعانِيَ عَلَى وَفْقِ لُغَةِ العَرَب، عَلَى ما تُعْطِيهِ لُغَةُ العَرَب مِنْ معانِي بِحَيثُ نَبْقَى فِى اعْتِقادِ هذا المعنَى، مُعْتَقِدينَ لِلتَّنْزِيه الذي تُعْطِيهِ ءايَةُ ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ﴾، الآيَةُ المحْكَمَة وَالتي تُعْطِيهِ الآيَةُ المحْكَمَة ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ بِأَنْ يُقالَ مَثَلًا: ﴿الرَّحمٰنِ عَلَى العَرشِ اسْتَوَى﴾ قَهَرَ العَرشَ وَحَفِظَهُ وَأَبْقاهُ فِى مَكانِهِ مِنْ أَنْ يَقعَ عَلَى رَؤُوسِ النّاسِ أَوْ يَسْقُطَ عَلَى هذه الأَرْض فَيُدَمِّرَها تَدْمِيرًا. مَنِ الذي حَفِظَ العَرشَ فِى ذلِكُمُ المكان المرْتَفع؟ بِقُدْرَةِ اللهِ تعالى، هذا العَرشَ مُعَلَّقٌ فِى ذلِكَ المَكَانِ. اللهُ تَعَالَى قَاهِرُ العَرشِ وَما دُونَ العَرشِ. فَكَلِمَةُ ﴿اسْتَوَى﴾ فِى لُغَةِ العَرَبِ تَأْتِي بِمَعنَى “قهرَ” والقهْرُ صِفَةٌ لائِقَةٌ بِجَلالِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ فَكَم وَكَم جاءَ فِى كِتابِ اللهِ وَصْفُ اللهِ تَعالى بِالقَهّار أو بالقاهِرِ وَكَم وَكَم جاءَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ وَصْفُ اللهِ تعالى بِالقَهّار وَبِالقاهِرِ فَلِذلك لا بَأْسَ أَنْ يُقال فِى قولِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ ﴿الرحمٰنِ عَلَى العَرشِ اسْتَوَى﴾ قَهرَ العرْشَ وَلا يَجوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ ظاهِرَ هذه الآيَةِ المتشابِهَة كَأَنْ يَعتَقِدَ وَالعِياذُ بالله الجُلوسَ فِى حَقِّ اللهِ تعالى أَوْ الصُعُودَ عَلَى العرش فَإِنَّ اللهَ تعالى مُنَزَّهٌ عَن هذه الصِّفاتِ لأَنَّهُ لَوْ كانَ يُوصَفُ بِجُلُوسٍ أَوْ صعُود، لَأَشْبَهَنا جَمِيعا وَلَناسَبَنا جَمِيعًا ولَكانَ كُفْؤًا لَنا وَنَظِيرًا لنا وَرَبُّنا سبحانَهُ وَتَعالى نَفَى هذا عَنْ نَفْسِهِ فَقال ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ وَقالَ سُبحانَهُ ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. إِذًا نُصَدِّقُ بِهذه الآيَة المتشابِهَة عَلَى المعنَى الذي يَلِيقُ بِجَلالِ الله بِحَيثُ لا نَرُدُّ الآياتِ المحكَماتِ.

بيان النصيحة لرسول الله ﷺ: تصديقه واتباع سنته ومحبته

وَلِرَسُوْلِهِ

(وَمَعْنَى النَّصِيحَةِ لرَسُولِ اللهِ ﷺ هِيَ بِأَنْ نُصَدِّقَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ الله دُونَما شَكّ وَأَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّهُ صادِقٌ ﷺ فِى جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ الله. فَلا يَجُوزُ أَنْ يَتطَرَّقَ عَلَى كَلامِ رَسُولِ اللهِ خَطَأٌ فِى الشَّرْعِ. لا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْ رَسُولِ اللهِ خَطَأٌ فِى الشَّرْعِ لِعِصْمَةِ اللهِ تعالى لِنَبِيِّهِ مِنَ الكَلامِ الذي يُخالِفُ الواقِعَ. 

وَكُـلُّ مـا أَتَى بِـهِ الـرَّسُولُ * فَـحَـقُّـهُ الْـتَّـسْـلِـيمُ وَالْقَبُولُ

نَسْتَسْلِمُ وَنَنْقادُ وَنُؤْمِنُ وَنُصَدِّقُ بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُول وَنَقْبَلُهُ عَلَى وَجْهِ الرِّضَا بِه، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [سورة النجم 3-4]، مَعناهُ لا يَجُوزُ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الكَذِب فِيما جاءَ بِهِ وَفِيما أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهِ. لا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيّ الخَطأَ فِي ذلِك! لِذلِكَ يَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: “الخَطَأُ فِى الشّرْعِ مُسْتَحِيلٌ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ”. فَكُلُّ الأَنْبياءِ مِنْ لَدُن ءادَمَ عَلَيْهِ السّلام إِلَى ءاخِرِهِم سيدِنا محمدٍ ﷺ كُلُّهُم صادِقُون فِيما جاءُوا بِهِ. 

بَعْضُ الصَّحابَة وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمرو كانَ يَكْتُبُ ما كانَ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فعاتبته قُرَيش عَلَى ذلِك. قالوا لَهُ: تَكْتُبُ لِمُحمَّدٍ ما يَقُولُ وَمُحَمَّدٌ بَشَر يُصِيبُ وَيُخْطِئ؟؟ هكذا زَعَمَت قُرَيْش. فَجاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَشْكُو لَهُ ما قالَت قُرَيش فقالَ ﷺ مُشِيرًا إِلَى فَمِهِ: “اكْتُب فَوَاللهِ لا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلّا الحَقُّ” وهٰذا الحَدِيثُ صَحِيحٌ رَواهُ أَبُو داودَ وَغَيرُهُ فِى سُنَنِه. ورُوِيَ فِى الحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ الله قال: “لا يَزالُ جِبْرِيلُ يَتَنَزَّلُ عَلَيَّ بِالسُّنَّة كَما يَتَنَزَّلُ عَلَيَّ بِالقُرْءان“، “بِالسُّنَّة” يَعْنِى بالحَدِيث النَّبَوِيّ!

 وَمِنَ النَّصِيحَةِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ تُلْزِمَ نَفْسَكَ الْمَيْلَ إِلَى ما كانَ يُحِبُّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، لِذلِكُم قالَ ﷺ: “ثَلاثٌ مَنْ كنَّ فِيِه، وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمان: أَنْ يَكُونَ اللهُ ورَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمّا سِواهُما “. يَعْنَى يُلْزِمُ نَفْسَهُ وَيَقْهَرُها وَيَكْسِرُها حَتَّى تَلِينَ لِتَفْعَلَ ما كانَ يَفْعَلُهُ رَسُولُ الله ﷺ مَعَ رِضَى قَلْبٍ وَطُمَأْنِينَةِ البال فهذه أَيْضًا مِنَ النَّصِيحَة لِرَسُولِ الله ﷺ.

 وَمِنَ النَّصِيحَة لِرَسُولِ الله ﷺ نُصْرَتُهُ حَيًّا وَمَيِّتا وَنُصْرَةُ سُنَّتِه وَالدِّفاعُ عَنْها، حَيًّا كَما كانَ الصَّحابَةُ يَنْصُرُونَ رَسُولَ الله وَيَحْمُونَهُ وَيُدافِعُونَ عَنْهُ بِأَبْدانِهِم وَلَوْ أَدّى هذا إِلَى مَوْتِ بَعْضِهِم فِى سَبِيلِ الدِّفاعِ عَنْ رَسُولِ الله. بَعْضُ الصّحابَة، حِيَن رَمَى كافِرٌ رَسُولِ الله بِسَيْف، مَدَّ هذا الصّحابِيُّ يَدُهُ لِيَحْمِيَ رَسُولَ الله فَقُطِعَت كَفُّهُ! وَمِنْهُم مَنْ كانَ يَقِفُ أَمامَ رَسُولِ اللهِ، ظَهْرُهُ إِلَى صَدْرِ رَسُولِ اللهِ، يَكُونُ لِرَسُولِ اللهِ كَالتِّرْس، هذا الذي يَحْمِلُهُ الْمُقاتِل يَحْمِي بِهِ بَدَنَهُ مِنْ سِهامِ وَضَرَباتِ العَدُوّ. حَمَى رَسُولَ اللهِ بِجَسَدِهِ وكانَ نالَهُ مِنَ السِّهامِ وَالنِّبالِ ما نالَهُ لِيُدافِعَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِيَنْصُرَهُ فِى حالِ حَياتِهِ وَهذا أَمْرٌ واجِب! وِقايَةُ الرَّسُول بِالنَّفْس كانَ واجِب عَلَى الصَّحابَة، لَوْ قُتِلَ هذا الصّحابِيّ لِيَحْمِيَ رَسُولَ اللهِ، كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، لَوْ مات، إِنْ ماتَ يَمُوتُ شَهِيدًا وَأَيُّ شَرَفٍ أَنْ يَمُوتَ مُدافِعًا عَنْ رَسُولِ اللهِ حامِيًا لَهُ ناصِرًا لَه. كَفَى بِهِ مِنْ شَرَف. لِذلِكَ اللهُ تعالى يَقُولُ فِى القُرءان ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾[سورة الأحزاب:6] مِنْ هذه الآيَة قالَ أَهْلُ العِلْمِ: وِقايَةُ الرَّسول وَصِيانَةُ الرَّسول وَحِفْظُهُ واجِب، واجِب!! فَرْض! وَكَيْفَ ننْصُرُ الرَّسُولُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ؟؟ بِأَنْ لا نَرْضَى ذَمَّهُ وَأَنْ لا نَسْكُتَ لِمَنْ يَطْعَنُ فِيهِ. اللهُ تعالى تَكَفَّلَ الرَّدَّ عَنْ نَبِيِّهِ حِينَ طَعَنَ بَعْضُ الكُفّارِ رَسُولَ الله بِأَنَّهُ ابتر، لا يَعِيشُ لَهُ أَولادٌ ذُكُور، طَعَنَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى قَوْلَهُ ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾[الكَوثر:3] أَي إِنَّ مُبْغِضُكَ يا محمّدُ ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ هُوَ الْمَقْطُوعُ مِنَ الخَير وَاللهُ تعالى قالَ ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾[الحجر:95] اللهُ تعالى دافَعَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ. وَجِبريلُ مَوْلاه وَصالِحُ الْمُؤْمِنِين أَنْصارٌ لَهُ ﷺ وَمَنْ كانَ مَعَهُ اللهُ يَنْصُرُهُ وَيُدافِعُ عَنْهُ وَيَحْمِيه، فَمَعَهُ الغالِبُ الذي لا يُغْلَب!! 

وَيَنْبَغِي عَلَى المسْلِم أَنْ يَنْشُرَ تَعالِيمَ رَسُولِ الله ﷺ، أَنْ يُعَلِّمَها للنّاسِ وَأَنْ لا يَكْتُمَها وَيَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَنْصُرَها وَأَنْ يُؤَيِّدَها وَيَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّقَ قُلُوبَ النّاسِ بِها فَيُحَسِّنُ ما كانَ يَفْعَلُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خِصالٍ وَشُعَبٍ وَأَحْوالٍ فِى عُيُونِ النّاظِرِين وفِى عُيُونِ الْمُسْتَمِعِين لِيُقْبِلَ النّاسُ عَلَى تَقْلِيدِهِ وَاتِّباعِهِ ﷺ فِى أَحْوالِهِ كُلِّها. 

وَلا بُدَّ أَيْضًا أَنْ يَسْعَى فِى تَعْظِيمِهِ ﷺ وَأَنْ يُعَلِّمَ النّاسَ تَعْظِيمَهُ ﷺ كَما كانَ صَحابَةُ رَسُولِ الله ﷺ يَفْعَلُون. كانُوا رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِم، رَأَوْا رَسُولَ الله ﷺ مِلأَ العَيْن وَمِلْأَ القَلْب فَكانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ مُتَأَدِّبِينَ بِآدابِهِ مُسْتَنّيِنَ بِسُنَنِه، عامِلِينَ بِشَرِيعَتِه، مُحِبِّينَ لَهُ حُبًّا عَظِيما. رَوَى البَيْهَقِيُّ فِى السُّنَنِ الكُبْرَى وَالبُخارِيُّ فِى صَحِيحِه مِنْ حَدِيثِ مِسَوَرَ بنِ مَخْرَمَة أَنَّ عُرْوَةَ بنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيّ وَكانَ وَقْتَها أَرْسَلَهُ الكُفّارُ (مِنْ قُرَيش) لِيَعْمَلَ صُلْحًا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مَعْناهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِم. أَرْسَلَهُ الكُفّارُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ لِيُصالِحَه فَجَلَسَ فِى مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ وَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ بِكَلامٍ لَيِّنٍ، يَسْتَعْطِفُ قَلْبَه لِيَقْبَلَ الصُّلْحَ وَواحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ هُوَ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، واقِفٌ تُجاهَ الشَّمْس لِيُظَلِّلَ رَسُولَ الله ﷺ، مَعْناهُ لِيَدْفَعَ حَرَّ الشَّمْسِ عَن رَسُولِ الله ﷺ، وَما ذلِكُم إِلّا للحِرْصِ عَلَى ما يَنْفَعُهُ ﷺ، وَدَفْعِ ما يُؤْذِيهِ ﷺ، وَهٰذا شاهِدٌ عَلَى عَظِيمِ مَحَبَّتِهِم لَه وَتَعْظِيمِهِم لَه. فَجَعَلَ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ حالَةَ تَكْلِيمِهِ للرّسُول، يَمُدُّ يَدَهُ وَيُمْسِكُ وَيُداعِبُ بَعْضَ شَعَراتِ لِحْيَةِ رَسُولِ الله ﷺ، عَلَى عادَةِ العَرَب إِذا أَرادُوا اسْتِعْطافَ إِنْسانا، تَجِدُهُم يُداعِبُونَ لِحْيَتَهُ تَأَلُّفًا. فَما كانَ مِنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلّا أَنْ قالَ لَهُ: “أَبْعِد يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ الله ﷺ، وَإِلّا ضَرَبْتُكَ بِقَبِيعَةِ السَّيْف”، “قَبِيعَةِ السَّيْف” أَيْ يَدِ السّيف وَهٰذا أَيْضًا مِنْ تَعْظِيمِهِ لِرَسُولِ الله ﷺ. ثُمَّ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ كانَ فِى مَجْلِسِ رَسُولِ الله ﷺ، يَوْمَ ذاك، فَرَأَى العَجَب مِنْ تَعْظِيمِ الصّحابَةِ لَه، وَاحْتِرامِهِم لَه ! وَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فقالَ لهم: “واللهِ، لَقَدْ رأَيْتُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجاشِيّ، فَما رَأَيْتُ أَحَدًا يُعَظِّمُه أَصْحابُهُ كَما يُعَظِّمُ أَصحابُ مُحمدٍ محمَّدا!” قالَ: “فَوَاللهِ ما تَنَخَّمَ نُخامَةً إِلّا وَقَعَت فِى كَفِّ أَحَدِهِم” حَتَّى النُّخامَة التي تَخْرُجُ مِنَ الأَنْف، إِذا يَنَخَّمَها ﷺ، وَهِيَ طاهِرَةٌ غَيرَ مُسْتقْذَرَةٍ مِنْهُ ﷺ، لَيسَت كَحالِ سائِرِ الناس، قال: وَما تَقَعُ “إِلّا فِى كَفِّ أَحَدِهِم”. يَعْنِى إِذا وَقَعَتِ النُّخامَة، قَبْلَ أَنْ تَقَعَ عَلى الأَرْضِ تَقَعُ فِى كَفِّ أَحَدِهِم. قالَ: “فَيَأْخُذُها فِى كَفِّهِ وَيَدْلُكُ بِها وَجْهَهُ وَجِلْدَه” (وسائِرَ بَدَنِه)، طَلَبًا للبَرَكَةِ مِنْهُ ﷺ. وَهذا مِنْهُ ﷺ لا يُعافُ وَلا يُسْتَقْذَر، لأَنَّهُ طاهِرٌ غَيرُ مُسْتَقْذَرٍ، لا يُعاف. ثُمَّ قال: “وَكانُوا لا يُحِدُّونَ النَّظَرَ فِيهِ”، يَعْنِي إِذا نَظَرَ الواحِدُ مِنْهُم، لا يَسْتَدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ ﷺ، بَلْ يُخْفِضُ رَأْسَهُ احْتِرامًا لِرَسُولِ الله ﷺ. قالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُود: “وَكانَ إِذا تَوَضَّأَ، كادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ” هذا يَأْخُذُ شيئًا مِنْ ماءِ الوُضُوء الذي مَسَّ بَدَنَهُ ﷺ وَبَعْضُهُم كانَ يَأْخُذُ مِنَ الإِناء الذي وَضَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ فِيهِ طَلَبًا للبَرَكَة. فَإِنْ لَمْ يَجِد مِمّا مَسَّ بَدَنَهُ مُباشَرَةً أَوْ مِنَ الإِناءِ، أَخَذَ مِنْ يَدِ صاحِبِهِ مِنَ الماءِ الذي هُوَ مِنْ ماءِ وُضُوئِهِ مِمّا مَسَّ يَدَ صاحِبِه. وَمِنْهُم مَنْ كانَ يَخْتَبِئُ بَعْضَ هذا الماء يَزِيدُهُ وَيَشْرَبُ مِنْهُ طَلَبًا للشِّفاء فِى الظّاهِر وَفِى الباطِن. كُلَّ هذا كانَ يَفْعَلُهُ أَصْحابُ رَسُولِ الله ﷺ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قالَ: “وَإِذا تَكَلَّمَ”، يَعْنِى النَّبِيّ ﷺ “خَفَضُوا أَصْواتَهُم فِى مَجْلِسِهِ” فَلا يَتَكَلَّمُونَ إِذا تَكَلَّم بَلْ كُلُّهُم مُنْصِتُونَ يُصْغُونَ لِكَلامِهِ ﷺ لِتَحْصِلِ النَّفْعِ مِنْهُ وَالبَرَكات. هذا مَظْهَرٌ مِنْ مَظاهِرِ أَدَبِ وَتَعْظِيمِ الصّحابَةِ لِرَسُولِ الله ﷺ، قالَ اللهُ تعالى فِى سُورَة الحُجُرات أَمَرَنا بِغَضِ الصَّوْت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة الحُجُرات:3] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [سورة الحُجُرات:2] لِذلِكَ كانَ الصحابَة بَعدَ نُزُولِ هذه الآيات، إِذا كَلّمُوا رَسولَ اللهِ، يُكَلِّمُونَهُ مَعَ خَفْضِ الصَّوْت كَما جاءَ فِى حَقِّ سيِّدِنا أَبِي بَكْر، يُكَلِّمُه كَأَنَّهُ يُسِرُّ إِلَيْهِ بِسِرّ وَكانَ سيِّدُنا عُمَرُ بْنُ الخَطّاب يُكَلِّمَهُ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ حَتَّى يسْتَفْهِمَهُ ﷺ يَعنِى مِنْ شِدَّةِ خَفْضِهِ لِصَوْتِهِ، يَقولُ لَهُ الرّسُولُ: ماذا قُلْتَ يا عُمَر أَعِدْ عَلَيَّ حَدِيثَكَ لَمْ أَسْمَع مِنْ شِدَّةِ خَفْضِهِ لِصَوْتِهِ أَدَبًا مَعَهُ. 

وَكانَ سيِّدُنا الإِمامُ مالِك رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، إِمامُ دارِ الهِجْرَة، وَكانَ يُدَرِّسُ الناسَ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ وَبِجانِبِ قَبْرِهِ الشّرِيف، فَكانَ إِذا حَدَّثَ النّاسَ وَرَوَى لَهُم أَحادِيثَ رَسُولِ الله ﷺ، لا يَرْفَعُ صَوْتَهُ أَدَبًا مَعَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، لماذا؟ لأَنَّهُم كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَما نَعْتَقِد، أَنَّه حَيٌّ فِى قَبِرْهِ ﷺ، فَكَما يَنْبَغِي عَدَمُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِى حالِ حياتِهِ فِى حُضُورِه، كَذلِكَ يَنْبَغِي عَدَمُ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَهُ حَتَّى وَهُوَ فِى قَبْرِهِ ﷺ مِنْ بابِ الأَدَبِ مَعَهُ!

وَهذا مِنَ النَّصِيحَةِ لِرَسُولِ الله ﷺ، تَوْقِيرُهُ وَتَعْظِيمُهُ. واحِدٌ مِنَ المُشَبِّهَةِ نُفَاةِ التَّوَسُّلِ حِينَ قِيلَ لَهُ: نَحْنُ يَجُوزُ لَنا أَنْ نُعَظِّمَ الرَّسُول بِما شَرَعَ لَنا سُبحانَهُ، قالَ: لا يَجُوزُ تَعْظِيمَ الرّسُول. قالَ تَعْظِيمُ الرّسُول شِرْك!! ما مَعْنَى قَوْلِ اللهِ تعالى ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾؟ “التَّعْزِير” بِإِجْماعُ المفَسِّرين، بِلا خِلافٍ بينَ المفسِّرين، “التَّعْزِير” هٰهُنا هُوَ التَّعْظِيمُ وَالتَّوْقِيرُ والاحْتِرام والإِجْلال، وَهذا أَمْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلّ.

وَمِنَ النَّصِيحَةِ لِرَسُولِ الله إِحْياءُ طَرِيقَتِهِ وَسُنَّتِهِ وَإِجابَةُ دَعْوَتِهِ وَنَشْرُ سُنَّتِهِ يَعْنِى أَنْ يَبْقَى الإِنْسانُ يُعَلِّمُ هذه الأَحادِيث التِى نُقِلَت لَنا عَنْهُ. يَبُثُّها وَينْشُرُها وَيُعَلِّمُها بَيْنَ النّاس. أَلَيسَ الرَّسُولُ قالَ: “بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ ءايَة“، فَإِنْ حَفِظتَ ءايَةَ وَضَبَطْتَ مَعْناها وَأَتْقَنْتَ قِراءَتَها، عَلِّمْها بَيْنَ النّاس، بُثَّها، انْشُرْها بَيْنَ هذا وَهذا! هذا أَحْسَنُ النّاسِ قَوْلًا، الدّاعِي إِلَى الله وَالذي يُعَلِّمُ النّاسَ دِينَ الله أَحْسَنُ النّاسِ قَوْلًا قالَ رَبُّنا سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فصلت:33]، لأَنَّ الدّاعِي إِلَى الله، الذي يُعَلِّمُ النّاسَ وَيُبَلِّغُهُم دِينَ الله قائِمٌ بِوَظِيفَةِ رَسُولِ اللهِ)

بيان النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم: إعانتهم على الحق ونصحهم بالرفق

وَلِأَئَمَّةِ المُسْلِمِينَ

(مَعنَى النَّصِيحَةِ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ للخُلَفاءِ وَالوُلاةِ الذينَ تَوَلَّوْا أُمُورَ المسلِمين وَسِياسَةَ وَإِدارَةَ أُمُورِهِم. النَّصِيحَةُ لَهُم تَكُونُ بِمُعاوَنَتِهِم وَمُساعَدَتِهِم عَلَى الحَقّ وَطاعَتِهِم وَأَمْرِهِم بِهِ. أَمّا الطّاعَةُ للخُلَفاء إِنْ كانت عَلَى خِلافِ طاعَةِ الله، فِى مَعْصِيَةِ الله، فَلا يَجُوزُ لَنا أَنْ نُقَدِّمَ طاعَتَهُم عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ سبحانَه. وَلِذا قالَ ﷺ: “لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِى مَعْصِيَةِ الخالِق”. مَعْناهُ لا يَجوزُ لَكَ أَنْ تُطِيعَ مَخْلُوقًا أَمَرَكَ بِفِعْلِ شيء خلاف الشرع. 

وَلِذا حِينَ أَرْسَلَ رَسُولِ الله ﷺ، عَبْدَ اللهِ بنَ حُذافَةَ السَّهْمِيّ أَمِيرًا عَلَى نَحْوِ ثَلاثِينَ رَجُلًا، ففي البخاري عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: ‌أَوْقِدُوا ‌نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ». 

وَقالَ عِنْدَئِذِ ﷺ: “لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِى مَعْصِيَةِ الخالِق”. وهذه قاعِدَةُ يَنْبَغِي أَنْ نَلْتَزِمَها. فَمَعْنَى النَّصِيحَةِ لأَئِمَّةِ المسلِمين مُعاوَنَتُهُم وَأَمْرُهُم بِطاعَةِ الله والْتِزامِ الحَقِّ الذي أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَتَذكِيرُهُم بِالطّاعَة وَتَجَنُّبِ المعْصِية بِرِفْقٍ وَلِين، لا بِعُنفٍ وَغِلْظَة إِنْ لَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إِلَى ذلِك)

وَعَامَّتِهِمْ»

(وَأَمّا النَّصِيحَةُ لِعامَّةِ المسلِمِين، وَهُم مَنْ عَدا الوُلاة. النَّصِحّةُ لِعامَّةِ النّاس يَنبَغِي أَيْضًا أَنْ تَكُونَ بِإِرشادِ هؤلاءِ الناس لِمَصالِحِهِم وَلِما يَنْفَعُهُم أَنْ تُبْعِدَ عَنْهُم ما يَضُرُّهُم فِى ءاخِرَتِهِم وَفِى دُنْياهُم أَنْ تَسْتُرَ عَوْراتِهِم وَزَلّاتِهِم، إِلّا أَنْ تَكُونَ هذه العَوْراتُ وَالزَّلّات يَتَعَدَّى ضَرَرُها إِلَى مُجْتَمَعِ المسلِمين، أَمّا إِنْ كانَ لا يَتَعَدَّى ضَرَرُها إِلَى مُجْتَمَعِ المسلِمين فَلا يَنبَغِي أَنْ تَكُونَ فاضِحًا لِعَوْراتِ عامَّةِ النّاس، بَلْ يَنبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَسْتُرَ عَلَيْهِم عَوْراتِهِم وأَنْ تَسْعَى لِسَدِّ خَلّاتِهِم يَعْنى فِى سَدِّ مَعايِبِهِم بِالنَّصِيحَةِ، بَالرِّفْقِ وَاللِّين. وَيَنبَغِي عَلَيْكَ إِنْ نَصَحْتَ إِنْسانًا أَنْ تَنْصَحَهُ وَأَنْتَ مُشْفِقٌ عَلَيْهِ، لا مُتَكَبِّرًا مُتَرَفِّعًا بِنُصْحِكَ لَهُ وَأَنْ تَنْصَحَهُ وَأَنْتَ تَرْجُو رُجُوعَهُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ بِغَيرِ نُصْحِكَ، أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ عَنْها بِنُصْحِكَ، حَتّى لا تَدْعُوَكَ نَفْسُكَ إِلَى التَّرَفُّعِ عَلَيْه! حَتّى لا تَرَى فِي نَفْسِكَ مَزِيَّةً بِنُصْحِكَ لَهُ عَلَيْك، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَنْصَحَ وَأَنْتَ حَزِينٌ بِاطِّلاعِكَ عَلَى عَيْبِهِ. 

هكذا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حالُ الواحِدِ مِنّا فِى نُصْحِهِ لِعامَّةِ النّاس. 

وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُوصِلَ إِلَيْهِ النَّصْحَ بِطَريقَةٍ دُونَ أَنْ تُشْعِرَهُ أَنَّكَ تُرِيدُ نُصْحَه، ما دامَتِ الثَّمَرَةُ واحِدَة وَهِيَ تَرْكُهُ لِهذا الأَمْر السَّيِّئ، فَافْعَل! كَما حَصَلَ مَعَ سيِّدِنا الحَسَنِ وَالحُسَيْن، رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وَهُما مَنْ هُما فِى الشَّأْنِ وَالقَدْرِ وَالعِلْمِ وَالوِلايَةُ وَالصَّلاح. رَأَيا إِنْسانًا مُسِنًّا، كَبيرًا فِى السِّنّ، يَتَوَضَّأُ وَلا يُحْسِنُ الوُضُوء! فَقال الواحِدُ لِلآخَر: تعالَ لِنَتَوَضَّأَ أَمامَ هذا الشّيخِ الْمُسِنّ فَيَنْظُرَ إِلَى وُضُوئِنا فَيَتَعَلَّم، مِنْ غَيرِ أَنْ يُشْعِراهُ أَنَّهُما يَفْعَلانِ هذا مِنْ بابِ تَعْلِيمِهِ كَيْفِيَّةَ الوُضُوء، حَتَّى يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى نَفْسِهِ للْقَبُول. فَجَعَلَ الحَسَنُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءً تامًّا وَالحُسَيْنُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءً تامًّا، كَما كانَ يَتَوَضَّأُ ﷺ وَهذا الشيخُ المسِنُّ يَنْظُرُ إِلَيْهِما، فَقال أَحَدُهُما لِهذا الشيْخِ: أَيُّنا أَحْسَنُ الوُضُوء؟ فَقال: “كِلاكُما عَلَى وُضُوءٍ حَسَن وَأَنا الذي لا أُحْسِنُ الوُضُوء!!” أَقَرَّ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لا يُحْسِنُ الوُضُوء. فَعَلَّماهُ كَيْفِيَّةَ الوُضُوء دُونَ أَنْ يُشْعِراهُ بِنَقْصٍ كانَ فِيه. فَيَحْتاجُ الواحِدُ مِنّا أَنْ يَكُونَ مُشْفِقًا عَلى النّاسِ حالَةَ نُصْحِهِ لَهُم. 

وَيَنبَغِي مِنَ النّصِيحَة لِعامّةِ المسلِمين تَوْقِيرُ كَبِيرِهِم وَالإِشْفاقُ وَالرَّحْمَةُ عَلَى صَغِيرِهِم وَنَفْعُهُم ما اسْتَطَعْنا وأَنْ لا يَشغَلَ الواحِدُ مِنّا نَفْسَهُ بِمَعايِبِ الناس! يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا قالَ لِبَعْضِ الحُكَماء كانَ قَبِيحَ الوَجْه: “يا قَبيحَ الوَجْهِ”. فَقالَ لَهُ هذا الحَكِيمُ: “ما كانَ خَلْقُ وَجْهِي إِلَيَّ فَأُحَسِّنَه!” يَعْنِى لَسْتُ أَنا الذي جَعَلْتُ نَفْسِي عَلَى هذه الصُّورَة! هذا الأَمْرَ ليسَ بِيَدِي. فَمَعناهُ لِماذا تُقَبِّحُ وَجْهِي وَاللهُ تعالى هُوَ الذي خَلَقَنِي عَلَى هذه الصُّورة. وقِيلَ للرّبيعِ بنِ خيثم وَهذا مِنْ تَلامِيذِ سيِّدِنا عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ الصحابِيِّ الجَليل عِنْدَما ذُكِرَ رَجُلٌ فِى مَجْلِسِهِ بالعَيْب والنَّقْص، فَقالَ: “ما أَنا عَنْ نَفْسِي بِراضٍ” مَعْناهُ أَنا فِيّ عُيُوب الآن لَستُ راضِيًا عَنْ نَفْسِي أَسْعَى فِى إِصْلاحِ عَيْبِ نَفْسِي، “ما أَنا عَنْ نَفْسِي بِراضٍ فَأَتَفَرَّغ مِنْها إِلَى ذَمِّ غَيرِها)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

سُؤَالٌ:

البَعضُ يُنكِرُ أَنَّ اسمَ مَلَكِ المَوتِ هُوَ عَزْرَائِيلُ، فَمَا هُوَ الصَّوَابُ فِي هَذَا؟

الجَوَابُ: أَجمَعَ المُفَسِّرُونَ أَنَّ المَلَكَ الَّذِي ذُكِرَ فِي القُرآنِ فِي قَولِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ هُوَ عَزرَائِيلُ، فَقَدْ نَقَلَ الإِجمَاعَ عَلَى أَنَّ اسمَ مَلَكِ المَوتِ عَزْرَائِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ أَبُو حَيَّانَ الأَندَلُسِيُّ فِي النَّهرِ المَادِّ وَالحَافِظُ البَيهَقِيُّّ فِي البَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اسمَ مَلَكِ المَوتِ عَزْرَائِيلُ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الحَافِظُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الطِّوَالَاتِ وَالحَافِظُ البَيهَقِيُّ فِي حَدِيثِ الصُّورِ.

قَالَ الثَّعلَبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «قَالَ مُقَاتِلٌ وَالكَلبِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ اسمَ مَلَكِ المَوتِ عَزرَائِيلُ».

وَقَالَ البَغَوِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾، أَيْ وُكِّلَ بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ، وَهُوَ عَزْرَائِيلُ».

وَقَالَ ابنُ عَطِيَّةَ فِي تَفسِيرِهِ: «وَمَلَكُ الْمَوْتِ اسمُهُ عَزرَائِيلُ».

وَقَالَ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «وَثَبَتَ بِالْخَبَرِ أَنَّ عَزْرَائِيلَ هُوَ مَلَكُ الْمَوْتِ».

وَقَالَ ابنُ جُزَيٍّ فِي تَفسِيرِهِ: «مَلَكُ الْمَوْتِ اسمُهُ عَزرَائِيلُ».

وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي تَفسِيرِ البَحرِ المُحِيطِ: «وَمَلَكُ الْمَوْتِ اسْمُهُ عَزْرَائِيلُ».

وَقَالَ ابنُ عَادِلٍ الحَنبَلِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «وَمَلَكُ المَوتِ وَاسمُهُ عَزْرَائِيلُ».

وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ المَنثُورِ فِي التَّفسِيرِ بِالمَأثُورِ: «مَلَكُ الْمَوْتِ وَاسْمُهُ عَزرَائِيلُ».

وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسلِمٍ: ««أُرسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ» وَرَدَ فِي أَثَرٍ عَن وَهبٍ: اسْمُهُ عَزرَائِيلُ».

وَقَالَ المُلَّا عَلِيٌّ القَارِي فِي مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ شَرحِ مِشكَاةِ المَصَابِيحِ: «وَالْقَابِضُ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ أَي لِلأَروَاحِ هُوَ عَزْرَائِيلُ».

وَقَالَ المُنَاوِيُّ فِي فَيضِ القَدِيرِ شَرحِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ: «إِنَّمَا قَبَضَهَا عَزرَائِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ مَلَكُ المَوتِ».

وَقَالَ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي فَتحِ الرَّحمَنِ بِكَشفِ مَا يَلتَبِسُ فِي القُرءَانِ: «قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ الآيَةَ، هُوَ عَزرَائِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ».