الحَمدُ للهِ الَّذِي أَكرَمَ خَوَاصَّ عِبَادِهِ بِالأُلفَةِ فِي الدِّينِ، وَوَفَّقَهُم لِإِكرَامِ عِبَادِهِ المُخلِصِينَ، وَزَيَّنَهُم بِالأَخلَاقِ الكَرِيمَةِ وَالشِّيَمِ الرَّضِيَّةِ، تَأَدُّبًا بِآدَابِ أَفضَلِ البَشَرِيَّةِ، وَسَيِّدِ الأُمَّةِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ ﷺ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَكُلُّ النُّفُوسِ لَهُ ذَلِيلَةٌ عَانِيَةٌ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ القَائِمُ بِأَمرِ رَبِّهِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً.
صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الَّذِي حَرَّضَت عَلَيهِ الفِرقَةُ الآفِكَةُ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَت نَفسُهُ لِنَفسِهِ مَالِكَةً، وَعَلَى عُثمَانَ مُنفِقِ الأَموَالِ المُتَكَاثِرَةِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مُفَرِّقِ الأَبطَالِ فِي الجُمُوعِ المُتَكَاثِفَةِ، وَعَلَى بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ مَا قَرَعَتِ الأَقدَامُ السَّالِكَةُ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:
فَقَد أَنهَى الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بَابَ التَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، وَأَتبَعَهُ بِبَابِ النَّصِيحَةِ، فَالمُؤمِنُونَ عِندَمَا يَتَعَاوَنُونَ مَعَ بَعضِهِمُ البَعضِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى فَإِنَّهُم بِحَاجَةٍ إِلَى استِحضَارِ أَن يَتَنَاصَحُوا فِيمَا بَينَهُم، وَمَن عَرَفَ مَعنَى النَّصِيحَةِ فَهِمَ هَذَا المُرَادَ عَلَى وَجهِهِ، فَالتَّعَاوُنُ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى يَتَطَلَّبُ أَن يُرِيدَ كُلٌّ مِنَ المُتَعَاوِنِينَ الخَيرَ لِلآخَرِ، وَهَذَا جَوهَرُ مَعنَى النَّصِيحَةِ، فَالنَّصِيحَةُ كَمَا سَنَشرَحُهَا هِيَ إِرَادَةُ الخَيرِ لِلمَنصُوحِ، يَتَعَاوَنُونَ مَعَ بَعضِهِم، وَيَقصِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمُ الخَيرَ لِلآخَرِ، فَنَاسَبَ أَن يَأتِيَ بَابُ النَّصِيحَةِ وَرَاءَ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى.
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
بَابُ النَّصِيحة
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ [الحجرات:10] وَقالَ تَعَالَى إِخبَارًا عَن نُوحٍ ﷺ: ﴿وَأَنصَحُ لَكُم﴾ [الأعراف:62] وَعَن هُودٍ ﷺ: ﴿وَأَنَا لَكُم نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:68].
الشَّرحُ
بَابُ النَّصِيحَةِ (قَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ: النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مَعنَاهَا حِيَازَةُ الخَيرِ لِلمَنصُوحِ لَهُ، يُقَالُ: إِنَّهَا مِن وَجِيزِ الأَسمَاءِ وَمُختَصَرِ الكَلَامِ، وَأَنَّهُ لَيسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ كَلِمَةٌ مُفرَدَةٌ تَستَوفِي العِبَارَةَ عَن مَعنَى هَذِهِ الكَلِمَةِ، كَمَا قَالُوا فِي الفَلَاحِ: لَيسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ كَلِمَةٌ أَجمَعَ لِخَيرِ الدَّارَينِ مِنهَا.
وَهِيَ مَأخُوذَةٌ مِن: نَصَحَ الرَّجُلُ ثَوبَهُ: إِذَا خَاطَهُ، شَبَّهَ فِعلَ النَّاصِحِ فِيمَا يَتَحَرَّاهُ لِلمَنصُوحِ لَهُ بِسَدِّ الخَيَّاطِ خَلَلَ الثَّوبِ وَإِصلَاحِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مَأخُوذَةٌ مِن: نَصَحتُ العَسَلَ: إِذَا صَفَّيتُهُ مِنَ الشَّمعِ، شَبَّهَ تَخلِيصَ القَولِ مِنَ الغَشِّ بِتَخلِيصِ العَسَلِ مِنَ الخَلطِ.اهـ وَسَنَأتِي لِشَرحِ مَعنَاهَا مُستَوفًى إِن شَاءَ اللهُ).
تفسير قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ [الحجرات:10] (ابتَدَأَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هَذَا البَابَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِبَيَانِ أَنَّ المُؤمِنِينَ فِيمَا بَينَهُم هُم إِخوَةٌ، فَيَنبَغِي أَن يُرِيدُوا الخَيرَ لِبَعضِهِمُ البَعضِ، أَي يَنصَحُوا بَعضَهُمُ البَعضَ)
(﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ أَي فِي الدِّينِ وَالحُرمَةِ، لَا فِي النَّسَبِ، وَلِهَذَا قِيلَ: أُخُوَّةُ الدِّينِ أَثبَتُ مِن أُخُوَّةِ النَّسَبِ، فَإِنَّ أُخُوَّةَ النَّسَبِ تَنقَطِعُ بِمُخَالَفَةِ الدِّينِ، وَأُخُوَّةَ الدِّينِ لَا تَنقَطِعُ بِمُخَالَفَةِ النَّسَبِ.
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانًا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا، المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ وَلَا يَخذُلُهُ وَلَا يَحقِرُهُ، التَّقوَى هَهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسبَ امرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَن يَحقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرضُهُ»،
وَفِي غَيرِ الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ وَلَا يَعِيبُهُ وَلَا يَخذُلُهُ، وَلَا يَتَطَاوَلُ عَلَيهِ فِي البُنيَانِ فَيَستُرُ عَلَيهِ الرِّيحَ إِلَّا بِإِذنِهِ، وَلَا يُؤذِيهِ بِقُتَارِ قِدرِهِ» هُوَ رِيحُ القِدر والشِّواء وَنَحوِهِمَا «إِلَّا أَن يَغرِفَ لَهُ غَرفَةً، وَلَا يَشتَرِيَ لِبَنِيهِ الفَاكِهَةَ فَيَخرُجُونَ بِهَا إِلَى صِبيَانِ جَارِهِ وَلَا يُطعِمُونَهُم مِنهَا»، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «احفَظُوا، وَلَا يَحفَظُ مِنكُم إِلَّا قَلِيلٌ».اهـ
قَالَ الرَّازِيُّ: “إِنَّمَا” لِلحَصرِ أَي لَا أُخُوَّةَ إِلَّا بَينَ المُؤمِنِينَ، وَأَمَّا بَينَ المُؤمِنِ وَالكَافِرِ فَلَا، لِأَنَّ الإِسلَامَ هُوَ الجَامِعُ.اهـ
فَرَابِطَةُ الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ هِيَ أَعظَمُ رَابِطَةٍ بَينَ المُسلِمِينَ، وَهِيَ أَعظَمُ مِن رَابِطَةِ النَّسَبِ، هَذِهِ العَقِيدَةُ الَّتِي رَسَخَت فِي قُلُوبِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَوَحَّدَت بَينَهُم.
نماذج من أخوة الصحابة رضي الله عنهم
وَفِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ آخَى سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ بَينَ أَصحَابِهِ الكِرَامِ، فَجَمَعَ بَينَهُم فِي رَابِطَةِ الدِّينِ وَالعَقِيدَةِ، جَمَعَ بَينَ أَبِي بَكرٍ القُرَشِيِّ وَبِلَالٍ الحَبَشِيِّ، جَمَعَ بَينَ سَلمَانَ الفَارِسِيِّ وَصُهَيبٍ الرُّومِيِّ، جَمَعَ بَينَ الأَبيَضِ وَالأَسوَدِ، وَالفَقِيرِ وَالغَنِيِّ، فَكَانُوا عَلَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ لِنَشرِ هَذِهِ العَقِيدَةِ وَهَذَا الدِّينِ وَهَذَا التَّوحِيدِ، فَكَانَت هَذِهِ الرَّابِطَةُ أَقوَى مِن رَابِطَةِ النَّسَبِ.
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا مَا جَاءَ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَجَعنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لَا يَعلَمُونَ﴾ [سُورَةُ المُنَافِقُونَ:8] قالَ أَبُو حَيَّانَ: وَلَمَّا سَمِعَ عَبدُ اللهِ وَلَدُ عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلُولٍ هَذِهِ الآيَةَ جَاءَ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ: أَنتَ وَاللهِ يَا أَبَتِ الذَّلِيلُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ العَزِيزُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ المَدِينَةِ جَرَّدَ السَّيفَ عَلَيهِ وَمَنَعَهُ الدُّخُولَ حَتَّى يَأذَنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُ: وَرَاءَكَ لَا تَدخُلهَا حَتَّى تَقُولَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ الأَعَزُّ وَأَنَا الأَذَلُّ، فَلَم يَزَل حَبِيسًا فِي يَدِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَخلِيَتِهِ، وَفِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: لَئِن لَم تَشهَد للهِ وَلِرَسُولِهِ بِالعِزَّةِ لَأَضرِبَنَّ عُنُقَكَ، قَالَ: أَفَاعِلٌ أَنتَ؟ قَالَ: نَعَم، فَقَالَ: أَشهَدُ أَنَّ العِزَّةَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ.
وَكَذَلِكَ حَصَلَت قِصَّةٌ وَهِيَ مَا رَوَى الحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ شَوذَبٍ قَالَ: جَعَلَ وَالِدُ أَبِي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ يَنصِبُ العَدَاءَ لِأَبِي عُبَيدَةَ يَومَ بَدرٍ، وَجَعَلَ أَبُو عُبَيدَةَ يَحِيدُ عَنهُ، فَلَمَّا أَكثَرَ الجِرَاحَ قَصَدَهُ أَبُو عُبَيدَةَ فَقَتَلَهُ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ قَتَلَ أَبَاهُ: ﴿لَا تَجِدُ قَومًا يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَن حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبنَاءَهُم﴾ [سورة المجادلة:22].
إِذًا، قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾، هَذِهِ آيَةٌ جَامِعَةٌ، وَفِيهَا بَيَانُ عَلَاقَةٍ وَطِيدَةٍ هِيَ مِن أَوثَقِ العُرَى وَالعَلَاقَاتِ فِي المُجتَمَعَاتِ، وَإِنَّنَا لَا نَكَادُ نَجِدُ فِي التَّارِيخِ كُلِّهِ بِنَاءً مُتَمَاسِكًا كَبِنَاءٍ اتَّصَفَ أَفرَادُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَأُخُوَّةُ الدِّينِ أَشَدُّ وَأَوثَقُ وَأَقوَى مِن أَيِّ رَابِطَةٍ تَجمَعُ مَجمُوعَةَ أُنَاسٍ مَعَ بَعضِهِمُ البَعضِ.
وَالأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ -أَيِ الأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ- مَعنَاهَا: أَنَا وَأَنتَ نَعتَقِدُ عَقِيدَةً وَاحِدَةً، فَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ نَتَصَرَّفُ مَعَ بَعضِنَا البَعضِ فِي صَفَاءِ القُلُوبِ وَالمُعتَقَدِ، عَقِيدَتُنَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا تَعظِيمٌ لِرَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ.
أَنَا أُعَظِّمُ اللهَ، وَأَنتَ كَذَلِكَ، أَنَا أُوَحِّدُ اللهَ، وَأَنتَ كَذَلِكَ، أَنَا وَأَنتَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، خَلَقَ العِبَادَ وَأَعمَالَهُم وَحَرَكَاتِهِم وَسَكَنَاتِهِم، وَخَلَقَ الخَيرَ وَأَمَرَ بِهِ، وَخَلَقَ الشَّرَّ وَنَهَى عَنهُ، هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ سُبحَانَهُ.
خَلَقَ المَكَانَ وَالزَّمَانَ، لَا يَحتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يُقِلُّهُ، وَلَا إِلَى زَمَانٍ يُقَيِّدُهُ، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ، وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ.
لَيسَ جِسمًا، وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ، وَلَا يُوصَفُ بِصِفَاتِ الأَجسَامِ، ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
أَنَا أَعتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا أَخبَرَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنتَ كَذَلِكَ.
أَنَا أَعتَقِدُ فِي الأَنبِيَاءِ أَنَّهُم مَوصُوفُونَ بِالصِّدقِ وَالأَمَانَةِ وَالفَطَانَةِ، مُبَرَّؤُونَ وَمُنَزَّهُونَ عَنِ الكُفرِ وَكَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَالصَّغَائِرِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ، وَأَنتَ كَذَلِكَ.
هَذِهِ الأُمُورُ العَقَائِدِيَّةُ الَّتِي تَجمَعُنَا كَمُسلِمِينَ، لَيسَ أَيُّ وَاحِدٍ مِنَّا مُشَبِّهًا للهِ بِخَلقِهِ، وَلَا أَحَدُنَا يَنتَقِصُ أَنبِيَاءَ اللهِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا أَحَدٌ مِنَّا يَكفُرُ بِاللهِ وَبِكِتَابِ اللهِ وَبِأَنبِيَاءِ اللهِ، بَل نَحنُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أُصُولٍ فِي العَقِيدَةِ وَالتَّوحِيدِ هِيَ الَّتِي تَجعَلُنَا نَتَصَرَّفُ كَالإِخوَةِ فِي النَّسَبِ وَالعَشِيرَةِ، بَل أَشَدَّ مِن ذَلِكَ.
فَبِنَاءً عَلَى كُلِّ هَذَا أَقُولُ: إِنَّ الأُمُورَ الَّتِي تَجمَعُنَا عَظِيمَةٌ وَطِيدَةٌ شَدِيدَةٌ قَوِيَّةٌ، وَهِيَ أَكثَرُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُخَالِفُ بَعضُنَا البَعضَ فِيهَا، لَوِ اختَلَفنَا بِشَيءٍ دُنيَوِيٍّ أَو فِي أَمرِ الدِّينِ نُصلِحُ الخَلَلَ وَنَتَّفِقُ عَلَى الصَّوَابِ وَالحَقِّ، لِأَنَّ الأُمُورَ الَّتِي تَجمَعُنَا أَشَدُّ قُوَّةً وَأَحكَمُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي نَتَخَالَفُ فِيهَا.اهـ
متطلبات الأخوة
وَلِلأُخُوَّةِ أَحبَابِي مُتَطَلَّبَاتٌ: قَالَ القُشَيرِيُّ: فَمِن حَقِّ الأُخُوَّةِ فِي الدِّينِ أَلَّا تُحوِجَ أَخَاكَ إِلَى الِاستِعَانَةِ بِكَ أَوِ التِمَاسِ النُّصرَةِ عَنكَ، وَأَلَّا تُقَصِّرَ فِي تَفَقُّدِ أَحوَالِهِ بِحَيثُ يُشكِلُ عَلَيكَ مَوضِعُ حَاجَتِهِ فَيَحتَاجُ إِلَى مُسَاءَلَتِكَ، وَمِن حَقِّهِ أَلَّا تُلجِئَهُ إِلَى الِاعتِذَارِ لَكَ، بَل تَبسُطُ عُذرَهُ، فَإِن أَشكَلَ عَلَيكَ وَجهُهُ عُدتَ بِاللَّائِمَةِ عَلَى نَفسِكَ فِي خَفَاءِ عُذرِهِ عَلَيكَ، وَمِن حَقِّهِ أَن تُسَامِحَهُ إِذَا أَخطَأَ، وَتَعُودَهُ إِذَا مَرِضَ، وَإِذَا أَشَارَ عَلَيكَ بِشَىءٍ فَلَا تُطَالِبهُ بِالدَّلِيلِ عَلَيهِ وَإِبرَازِ الحُجَّةِ أَيِ الإِثبَاتِ لِمَا تَقُولُ، كَمَا قَالُوا:
إِذَا استُنجِدُوا لَم يَسأَلُوا مَن دَعَاهُمُ *** لِأَيَّةِ حَربٍ أَم لِأَيِّ مَكَانِ
وَمِن حَقِّهِ أَن تَحفَظَ عَهدَهُ وَوُدَّهُ القَدِيمَ، وَأَن تُرَاعِيَ حَقَّهُ فِي أَهلِهِ المُتَّصِلِينَ بِهِ فِي المَشهَدِ وَالمَغِيبِ وَفِي حَالِ الحَيَاةِ وَبَعدَ المَمَاتِ، كَمَا قِيلَ:
وَخَلِيلٍ إِن لَم يَكُن *** مُنصِفًا كُنتَ مُنصِفًا
تَتَحَسَّى لَهُ الأَمرَ ينِ وَكُن مُلَاطِفًا
إِن يَقُل لَكَ استَوِ احتَرَفـ ـتَ رِضًا لَا تَكَلُّفَا
(وَالأُخُوَّةُ أَيضًا مَعنَاهَا عَظِيمٌ، قَالَ الرَّازِيُّ: قَالَ الزَّجَّاجُ: أَصلُ الأَخِ فِي اللُّغَةِ مِنَ التَّوَخِّي، وَهُوَ الطَّلَبُ، فَالأَخُ مَقصِدُهُ مَقصِدُ أَخِيهِ، وَالصَّدِيقُ مَأخُوذٌ مِن أَن يَصدُقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَينِ صَاحِبَهُ مَا فِي قَلبِهِ وَلَا يُخفِي عَنهُ شَيئًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ [الحُجُرَاتِ: 10] وَلَم يَعنِ النَّسَبَ، وَقَالَ: ﴿أَو بُيُوتِ إِخوَانِكُم﴾ [النُّورِ: 61] وَهَذَا فِي النَّسَبِ.اهـ وَقَالَ: ﴿فَإِخوانُكُم فِي الدِّينِ﴾.اهـ
وَيَدخُلُ فِي هَذِهِ الصِّلَةِ إِمدَادُهُم بِإِيصَالِ الخَيرَاتِ، وَدَفعُ الآفَاتِ بِقَدرِ الإِمكَانِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَشُهُودُ الجَنَائِزِ، وَإِفشَاءُ السَّلَامِ عَلَى النَّاسِ، وَالتَّبَسُّمُ فِي وُجُوهِهِم، وَكَفُّ الأَذَى عَنهُم مِن كُلِّ حَيَوَانٍ حَتَّى الهِرَّةُ وَالدَّجَاجَةُ.اهـ
وقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾، قَالَ بَعضُ أَهلِ اللُّغَةِ: الإِخوَةُ جَمعُ الأَخِ مِنَ النَّسَبِ، وَالإِخوَانُ جَمعُ الأَخِ مِنَ الصَّدَاقَةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ تَأكِيدًا لِلأَمرِ وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَا بَينَهُم مَا بَينَ الأُخُوَّةِ مِنَ النَّسَبِ وَالإِسلَامِ كَالأَبِ، قَالَ قَائِلُهُم:
أَبِي الإِسلَامُ لَا أَبَ لِي سِوَاهُ … إِذَا افتَخَرُوا بِقَيسٍ أَو تَمِيمِ
وسائل تقوية الأخوة بين المسلمين
وَمِنَ الآدَابِ الَّتِي تَتَقَوَّى بِهَا أَوَاصِرُ الأُلفَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأُخُوَّةِ فِي اللهِ:
أَوَّلًا: أَن يَتَجَنَّبَ الشَّخصُ الظُّلمَ، فَإِنَّهُ ظُلُمَاتٌ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَن يُرَاعِيَ حُقُوقَ الأُخُوَّةِ، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ: «حَقُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّم عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبهُ، وَإِذَا استَنصَحَكَ فَانصَح لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعهُ».اهـ
ثَانِيًا: أَن يَتَلَطَّفَ بِالنُّصحِ لَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالعَصرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ﴾، وَرُوِيَ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَن وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَد زَانَهُ، وَمَن وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَد شَانَهُ»، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ المَصلَحَةُ تَتَحَقَّقُ بِالسِّرِّ وَكَانَتِ النَّصِيحَةُ فِي العَلَنِ تُؤَدِّي إِلَى مَفسَدَةٍ.اهـ رَوَاهُ عَنهُ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ.
ثَالِثًا: المُشَارَكَةُ الوِجدَانِيَّةُ: وَذَلِكَ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّزَاوُرِ فِي اللهِ، وَمُشَارَكَتِهِ أَفرَاحَهُ وَأَترَاحَهُ، وَإِظهَارِ الحِرصِ عَلَيهِ، فَيَفرَحُ لِفَرَحِهِ وَيَحزَنُ لِحُزنِهِ، يَسأَلُ عَنهُ إِن غَابَ، وَيَتَفَقَّدُ أَحوَالَهُ، فَإِن كَانَ مَرِيضًا عَادَهُ، أَو كَانَ نَاسِيًا ذَكَّرَهُ، يُرَحِّبُ بِهِ إِذَا دَنَا، وَيُوَسِّعُ لَهُ إِذَا جَلَسَ، وَيُصغِي إِلَيهِ إِذَا تَحَدَّثَ، وَيُوَاسِيهِ بِمَالِهِ إِذَا احتَاجَ إِلَيهِ، وَيُعِينُهُ عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَيُؤثِرُهُ عَلَى نَفسِهِ وَلَو كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ.
رَابِعًا: أَن يُسمِعَهُ مِنَ الكَلَامِ الطَّيِّبِ مَا يُحِبُّ، فَلَا يُؤذِيهِ بِكَلَامٍ قَبِيحٍ وَإِن كَانَ مَازِحًا، بَل يُثنِي عَلَيهِ وَيَدعُوهُ بِأَحَبِّ أَسمَائِهِ إِلَيهِ، وَيُخبِرُهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ فِي اللهِ، وَذَلِكَ مِن أَسبَابِ تَقوِيَةِ العَلَاقَةِ بَينَهُمَا وَتَمكِينِ هَذِهِ المَحَبَّةِ وَزِيَادَتِهَا، فَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنِّي لَأُحِبُّهُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَأَعلَمتَهُ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَأَعلِمهُ»، قَالَ: فَلَقِيتُ الرَّجُلَ فَأَعلَمتُهُ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ اللهُ الَّذِي أَحبَبتَنِي لَهُ.اهـ رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ.
خَامِسًا: أَن يَستَقبِلَهُ بِالبَشَاشَةِ وَالِابتِسَامَةِ الحَنُونِ الَّتِي تَترُكُ أَثَرَهَا الطَّيِّبَ فِي القَلبِ مَعَ احتِسَابِ الأَجرِ، فَعَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمرُكَ بِالمَعرُوفِ وَنَهيُكَ عَنِ المُنكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ [أَي إِن كَانَ ضَائِعًا فِي الطُّرُقَاتِ]، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوكَةَ وَالعَظمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفرَاغُكَ مِن دَلوِكَ فِي دَلوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ».اهـ رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
سَادِسًا: أَن لَا يُحَاوِلَ التَّطَلُّعَ إِلَى خَبَايَاهُ وَأُمُورِهِ الخَاصَّةِ لِيَستَكشِفَ أَسرَارَهُ، فَلَا يَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يَتَجَسَّسَ أَو يَتَحَسَّسَ، وَلَا يُجَادِلَ فِي بَاطِلٍ، وَلَا يُسِيءَ الظَّنَّ، وَلَا يَغتَابَ، وَلَا يُكثِرَ العِتَابَ فَيَمَلَّهُ، وَلَا يُلِحَّ عَلَيهِ فِي السُّؤَالِ فَيُحرِجَهُ، فَعَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيكُم: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأدَ البَنَاتِ، وَمَنَعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُم: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
سَابِعًا: أَن لَا يَحقِرَ وَلَا يَهزَأَ وَلَا يَطعَنَ وَلَا يَلعَنَ، فَإِنَّ هَذَا لَيسَ مِن صِفَاتِ المُؤمِنِ الكَامِلِ، وَذَلِكَ إِن فَعَلَ هَذِهِ الأَشيَاءَ لِغَيرِ سَبَبٍ شَرعِيٍّ، فَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَيسَ المُؤمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.اهـ فَيَكُفُّ عَنهُ لِسَانَهُ، فَلَا يَذكُرُ لَهُ عَيبًا فِي غَيبَتِهِ أَو حُضُورِهِ، وَيَشكُرُهُ إِن أَحسَنَ، وَيَكظِمُ غَيظَهُ إِن أَسَاءَ، وَأَن يَبتَعِدَ عَنِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالقَذفِ، وَعَنِ النِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ وَالحِقدِ وَالحَسَدِ، وَأَن يُحسِنَ الظَّنَّ، وَيَستُرَ العُيُوبَ، وَيَعفُوَ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَيَتَغَاضَى عَنِ الهَفَوَاتِ، مَعَ النُّصحِ، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجهَينِ، الَّذِي يَأتِي هَؤُلَاءِ بِوَجهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجهٍ».اهـ رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
ثَامِنًا: الهَدِيَّةُ مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّفِ، فَقَد قَالَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ:
«تَهَادَوا تَحَابُّوا».
تَاسِعًا: حِفظُ وَقتِ الأَخِ فِي اللهِ وَالحِرصُ عَلَى عَدَمِ إِضَاعَتِهِ، وَذَلِكَ بِمُرَاعَاةِ أَوقَاتِ الزِّيَارَةِ وَالِاتِّصَالِ لِيُعِينَهُ عَلَى قَضَاءِ حَاجَاتِهِ الخَاصَّةِ، فَلَا يُحرِجُهُ مَعَ أَهلِ بَيتِهِ أَو يَشغَلُهُ بِغَيرِ ضَرُورَةٍ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ عَالِمًا أَو طَالِبًا لِلعِلمِ.
عَاشِرًا: الوَفَاءُ وَحُسنُ العَهدِ، وَإِظهَارُ الحِرصِ عَلَيهِ، وَالدِّفَاعُ عَنهُ إِذَا اقتَضَتِ الضَّرُورَةُ، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «المُؤمِنُ مِرآةُ أَخِيهِ المُؤمِنِ».
الحَادِي عَشَرَ: التَّرَوِّي وَالنَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الأُمُورِ، وَالحَذَرُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَالفِتَنِ وَالمَعَاصِي وَتَقَلُّبِ القُلُوبِ، فَقَد كَانَ مِن دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ: «يَا مُثبِّتَ القُلُوبِ، ثبِّت قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ»، وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكثِرُ أَن يَقُولَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئتَ بِهِ، فَهَل تَخَافُ عَلَينَا؟ قَالَ: «نَعَم، إِنَّ القُلُوبَ بَينَ أُصْبُعَينِ مِن أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيفَ يَشَاءُ»، وَالحَدِيثُ لَا بُدَّ لَهُ مِن تَأوِيلٍ، إِذْ حَملُهُ عَلَى الظَّاهِرِ يُضَادُّ الدِّينَ، فَإِنَّ الجَارِحَةَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُستَحِيلَةٌ، وَالمَعنَى مِلكُهُ وَتَحتَ مَشِيئَتِهِ، يُقَلِّبُ القُلُوبَ كَيفَ يَشَاءُ.
الثَّانِي عَشَرَ: الدُّعَاءُ لَهُ بِخَيرٍ وَلِمَن يُحِبُّ حَيًّا أَو مَيتًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلِإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ لِأَخِيهِ بِظَهرِ الغَيبِ، قَالَتِ المَلَائِكَةُ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثلٍ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
أَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَجمَعَنَا عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ يَومَ القِيَامَةِ مَعَ المُتَحَابِّينَ فِي جَلَالِهِ، إِنَّهُ عَلَى مَا نَسأَلُهُ قَدِيرٌ)
فضل زيارة الإخوان وعيادة المرضى في تقوية الأخوة الإيمانية
(وَمِمَّا يَنبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ: زِيَارَةُ الأَحِبَّةِ وَالإِخوَةِ فِي اللهِ مِن غَيرِ الأَرحَامِ أَيضًا، فَهَذِهِ الزِّيَارَاتُ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ تُقَوِّي الأُلفَةَ بَينَ المُسلِمِينَ، وَاجتِمَاعُ الأَحِبَّةِ وَتَزَاوُرُهُم غَنِيمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَلَا يَنبَغِي تَركُ هَذِهِ الزِّيَارَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ النَّفعِ العَظِيمِ وَالخَيرِ العَمِيمِ، فَيُذَكِّرُ بَعضُهُم بَعضًا بِالعَمَلِ لِلآخِرَةِ، وَيَحُثُّ بَعضُهُم بَعضًا عَلَى تَحصِيلِ العِلمِ وَالعَمَلِ بِهِ.
وَلَا تَقتَصِر فِي زِيَارَتِكَ عَلَى زِيَارَةِ الأَغنِيَاءِ فَقَط، بَل قَدِّمِ الفُقَرَاءَ عَلَى الأَغنِيَاءِ، فَإِنَّهُم أَحوَجُ إِلَى المُوَاسَاةِ وَجَبرِ الخَوَاطِرِ، وَتَرَدَّد إِلَى بُيُوتِهِم، وَادعُهُم إِلَى بَيتِكَ، وَأَجلِسهُم عَلَى مَائِدَتِكَ، وَأَطعِمهُم، وَكُل مَعَهُم، وَهَذَا مِن شَأنِ وَسِيرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَفَقَّدُ الغُرَبَاءَ الَّذِينَ يَدخُلُونَ المَدِينَةَ، وَيَزُورُ الفُقَرَاءَ وَالأَرِقَّاءَ، وَيُجَالِسُهُم، وَيَسأَلُ عَنهُم، وَيَشهَدُ جَنَائِزَهُم، وَيَعُودُ مَرضَاهُم.
وَلَا تَقتَصِر فِي زِيَارَتِكَ أَيضًا عَلَى مَن يَزُورُكَ فَقَط، بَل زُرِ الكُلَّ، وَأَخلِص للهِ فِي عَمَلِكَ، وَلَا تَنتَظِر أَن يَرُدُّوا لَكَ الزِّيَارَةَ، فَأَحسِن إِلَى النَّاسِ وَابذُل لَهُمُ المَعرُوفَ مِنَ الزِّيَارَةِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَلَا تَنتَظِر أَن يَرُدُّوا لَكَ ذَلِكَ المَعرُوفَ، بَلِ اعمَل للهِ.
وَلَا تَنتَظِر مُكَافَأَةً مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّكَ أَحوَجُ إِلَى ثَوَابِ هَذَا العَمَلِ فِي الآخِرَةِ مِن أَن يُكَافِئَكَ النَّاسُ عَلَيهِ فِي الدُّنيَا، وَرُبَّمَا بِهَذَا العَمَلِ إِن قُبِلَ مِنكَ أَعتَقَكَ اللهُ مِنَ النَّارِ وَأَدخَلَكَ الجَنَّةَ بِلَا سَابِقِ عَذَابٍ، وَيَا سَعدَكَ إِن نِلتَ ذَلِكَ وَحَصَّلتَهُ.
عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحكِي عَن رَبِّهِ يَقُولُ: «حَقَّت [أَي ثَبَتَت] مَحَبَّتِي لِلمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّت مَحَبَّتِي لِلمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّت مَحَبَّتِي لِلمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالمُتَحَابُّونَ فِي اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ فِي ظِلِّ العَرشِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، أَي ظِلُّ عَرشِهِ، رَوَاهُ أَحمَدُ.
وَلَا تَنسَ أَن تَعمَلَ فِي هَذِهِ الزِّيَارَاتِ عَلَى جَمعِ المُسلِمِينَ وَالتَّألِيفِ بَينَ قُلُوبِهِم، وَإِيَّاكَ أَن تَعقِدَ مَجَالِسَ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ أَوِ المُسَامَرَةِ فِي ذِكرِ عَورَاتِ وَعُيُوبِ وَزَلَّاتِ المُسلِمِينَ)
(وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِبَعضِ طُلَّابِهِ: «وَمَن مَرِضَ مِن إِخوَانِكَ فَعُدهُ بِنَفسِكَ، وَتَعَاهَدهُ بِرِسلِكَ»، لِأَنَّ عِيَادَةَ المَرِيضِ وَزِيَارَتَهُ تُقَوِّي الأُخُوَّةَ فِي الدِّينِ، وَهِيَ مِنَ الآدَابِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي حَثَّ الإِسلَامُ المُسلِمِينَ عَلَيهَا وَجَعَلَهَا مِن أَولَى حُقُوقِ المُسلِمِ عَلَى أَخِيهِ المُسلِمِ، بَل وَمِن سُبُلِ التَّآلُفِ بَينَ القُلُوبِ الَّذِي امتَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَينَا بِهِ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ حَيثُ قَالَ: ﴿وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللَّهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا وَكُنتُم عَلَىٰ شَفَا حُفرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنهَا، كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ﴾.
وَهَذِهِ العِيَادَةُ تُذَكِّرُ المَرِيضَ بِأَقوَى رَابِطٍ بَينَ المُسلِمِينَ وَهُوَ الأُخُوَّةُ فِي الإِسلَامِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي تَخفِيفِ آلَامِهِ وَأَحزَانِهِ، لِذَا كَانَ مِن أَدَبِ السَّلَفِ إِذَا فَقَدُوا أَحَدًا مِن إِخوَانِهِم سَأَلُوا عَنهُ، فَإِن كَانَ غَائِبًا دَعَوا لَهُ وَخَلَفُوهُ خَيرًا فِي أَهلِهِ، وَإِن كَانَ حَاضِرًا زَارُوهُ، وَمَن كَانَ مَرِيضًا عَادُوهُ.
يَقُولُ الأَعمَشُ رَحِمَهُ اللهُ: «كُنَّا نَقعُدُ فِي المَجلِسِ، فَإِذَا فَقَدنَا الرَّجُلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ سَأَلنَا عَنهُ، فَإِن كَانَ مَرِيضًا عُدنَاهُ».
وَقَد وَرَدَ فِي الأَثَرِ عَن سَيِّدِ البَشَرِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «حَقُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّم عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبهُ، وَإِذَا استَنصَحَكَ فَانصَح لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعهُ».اهـ)
(وَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ: «المُؤمِنُ مَألَفَةٌ، وَلَا خَيرَ فِيمَن لَا يَألَفُ وَلَا يُؤلَفُ».
يَقُولُ ابنُ الجَوزِيِّ فِي صَيدِ الخَاطِرِ: «كَانَ لَنَا أَصدِقَاءُ وَإِخوَانُ أَعتَدُّ بِهِم، فَرَأَيتُ مِنهُمُ الجَفَاءَ وَتَركَ شُرُوطِ الصَّدَاقَةِ وَالأُخُوَّةِ عَجَائِبَ، فَأَخَذتُ أَعتَبُ، ثُمَّ انتَبَهتُ لِنَفسِي فَقُلتُ: وَمَا يَنفَعُ العِتَابُ، فَإِنَّهُم إِن صَلُحُوا فَلِلعِتَابِ لَا الصَّفَاءِ»، وَمُرَادُهُ حَيثُ لَا يَنفَعُ العِتَابُ.
وَيَقُولُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ: «وَهَفوَةُ الصَّدِيقِ لَا يَخلُو إِمَّا أَن يَكُونَ فِي دِينِهِ بِارتِكَابِ مَعصِيَةٍ، أَو فِي حَقِّكَ بِتَقصِيرِهِ فِي الأُخُوَّةِ؛ أَمَّا مَا يَكُونُ فِي الدِّينِ مِنَ ارتِكَابِ مَعصِيَةٍ وَالإِصرَارِ عَلَيهَا فَعَلَيكَ التَّلَطُّفُ فِي نُصحِهِ بِمَا يُقَوِّمُ عَودَهُ وَيَجمَعُ فِي حَقِّكَ وَيُعِيدُهُ إِلَى الإِصلَاحِ وَالوَرَعِ».
وَالجَفَاءُ وَالغِلظَةُ صِفَتَانِ غَيرُ مُحَبَّبَتَينِ فِي الشَّرعِ، فَيَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يَتَخَلَّى عَنِ العُنفِ وَالقَسوَةِ وَالعُبُوسِ وَسُوءِ المُعَامَلَةِ، وَأَن يَتَحَلَّى بِالرِّفقِ وَالرَّحمَةِ وَالبِرِّ وَالعَطفِ وَالحِلمِ وَمُجَاهَدَةِ نَفسِهِ فِي التَّبَاعُدِ عَن أَسبَابِ العُنفِ وَصُوَرِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَد خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنَا، وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحسِنِينَ﴾.
فَلنَتَخَلَّق بِأَخلَاقِ الكُمَّلِ وَلَو لَم نَكُن مِنهُم؛ فَالمُؤمِنُ المُتَوَاضِعُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، سَهلٌ ذَلُولٌ، مُنقَادٌ لِلحَقِّ، يَألَفُ وَيُؤلَفُ، بِخِلَافِ الجَافِي الغَلِيظِ الَّذِي لَا يَألَفُ وَلَا يُؤلَفُ، فَقَد كَانَ ﷺ أَليَنَ النَّاسِ، يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحمِلُ الكَلَّ، وَيَكسِبُ المَعدُومَ [أَي يُعطِي المُحتَاجَ الَّذِي لَيسَ لَهُ مَا يَكفِيهِ]، وَيَقرِي الضَّيفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، وَمَن كَانَ كَذَلِكَ لَا يُخزِيهِ اللهُ أَبَدًا، كَمَا قَالَت أُمُّ المُؤمِنِينَ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُا فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ: «الإِيمَانُ فِي أَهلِ الحِجَازِ، وَغِلَظُ القُلُوبِ وَالجَفَاءُ فِي الفَدَّادِينَ فِي أَهلِ المَشرِقِ»، أَي فِي جِهَةِ نَجدٍ.
فَيَنبَغِي لِلمُؤمِنِ الكَامِلِ أَن يُجَاهِدَ نَفسَهُ فِي زِيَارَةِ إِخوَانِهِ، وَالإِحسَانِ إِلَيهِم، وَوَصلِهِم بِالعَطَاءِ، وَتَفَقُّدِ أَحوَالِهِم، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ وَالأَجرِ وَالفَائِدَةِ وَالمَصلَحَةِ العَظِيمَةِ، وَأَن يُجَاهِدَ نَفسَهُ فِي الشَّفَقَةِ وَالرَّحمَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالإِحسَانِ وَتَركِ الجَفَاءِ، وَالِابتِعَادِ عَنِ الغِلظَةِ وَسُوءِ الخُلُقِ وَالقَطِيعَةِ وَالتَّبَاغُضِ وَالتَّدَابُرِ، فَتَصلُحُ المُجتَمَعَاتُ، وَيَتَقَوَّى المُسلِمُ بِالتَّآلُفِ مَعَ إِخوَانِهِ، وَفِي ذَلِكَ قُوَّةٌ لِلإِسلَامِ وَأَهلِهِ، وَإِرعَابٌ لِأَهلِ الكُفرِ وَالضَّلَالِ وَالنِّفَاقِ.
فَهَنِيئًا لِمَن تَرَكَ الجَفَاءَ وَاقتَدَى بِسَيِّدِ الأَصفِيَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَبِسَائِرِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَبِالأَولِيَاءِ رِضوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم، فَفِي مُتَابَعَتِهِمُ الخَيرُ وَالفَلَاحُ، وَفِي تَركِ ذَلِكَ الخَيبَةُ وَالحَسرَةُ وَالنَّدَامَةُ)
مجالس العلم والرفق بالإخوان من أسباب تقوية الأخوة الإيمانية
(وَمِمَّا يُقَوِّي الأُخُوَّةَ بَينَ المُؤمِنِينَ مَا نَصَحَ بِهِ بَعضُ العُلَمَاءِ:«وَحَادِثهُم، فَإِنَّهَا تَجلُبُ المَوَدَّةَ، وَتَستَدِيمُ بِهِ مُوَاظَبَةَ العِلمِ»،فَمِمَّا يَنبَغِي الِاعتِنَاءُ بِهِ مُجَالَسَةُ أَهلِ العِلمِ وَالطَّلَبَةِ وَالإِخوَةِ وَالأَصدِقَاءِ بِقَصدِ مُذَاكَرَةِ العِلمِ مَعَهُم وَاستِحضَارِ مَا مَضَى مِنَ الدُّرُوسِ وَالفَوَائِدِ وَالمُبَاحَثَةِ لِتَمكِينِ المَسَائِلِ وَالعَمَلِ بِأَحكَامِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مِن أَسبَابِ تَرسِيخِ العِلمِ فِي نَفسِ مُتَلَقِّيهِ، إِن كَانَ شَيخًا أَو طَالِبًا.
وَمِن فَوَائِدِ هَذِهِ المُحَادَثَةِ وَالمُجَالَسَةِ أَنَّهَا مُرَاجَعَةٌ لِلعِلمِ، وَتَذكِيرٌ بِالعَمَلِ، وَتَقوِيَةٌ لِلحِفظِ، وَكَذَلِكَ مُؤَانَسَةُ الإِخوَةِ وَالتَّروِيحُ عَنهُم بِشَىءٍ مِنَ المَوَاعِظِ وَأَخبَارِِ الصَّالِحِينَ وَسِيرَةِ النَّبِيِّينَ لِلِاقتِدَاءِ بِهِم وَالتَّمَسُّكِ بِهَديِهِم وَالثَّبَاتِ عَلَى نَهجِهِم، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ المُصطَفَى ﷺ: ﴿وَذَكِّر فَإِنَّ الذِّكرَىٰ تَنفَعُ المُؤمِنِينَ﴾.
وَمِن فَوَائِدِ هَذِهِ المَجَالِسِ: مَلءُ الوَقتِ بِالنَّافِعِ وَالمُفِيدِ، وَشَغلُ النَّاسِ بِالعِلمِ وَالِاستِعدَادِ لِلآخِرَةِ، وَتَنشِيطُ النُّفُوسِ لِلِاستِزَادَةِ مِنَ الخَيرَاتِ، وَتَعوِيدٌ لِلإِخوَةِ وَالأَحِبَّةِ عَلَى مَا يَنفَعُهُم مِنَ المَجَالِسِ العَامِرَةِ بِالطَّاعَاتِ وَالخَيرَاتِ، وَلِئَلَّا يَشتَغِلَ البَعضُ بِسَبَبِ الفَرَاغِ الَّذِي عِندَهُ بِالغِيبَةِ أَوِ النَّمِيمَةِ أَو إِسَاءَةِ الظَّنِّ بِالمُسلِمِينَ، وَلِئَلَّا يَنحَرِفَ بِسَبَبِ الفَرَاغِ الَّذِي عِندَهُ إِلَى مُصَاحَبَةِ الفَسَقَةِ وَالفَجَرَةِ وَالمُخَنَّثِينَ وَالجَهَلَةِ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَن يَجُرُّهُ الفَرَاغُ إِلَى الهَلَاكِ، وَقَد قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «نِعمَتَانِ مَغبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»، فَالفَرَاغُ إِن لَم تَشغَلهُ بِمَا يَعُودُ عَلَيكَ بِالنَّجَاحِ فِي الدُّنيَا وَالسَّعَادَةِ فِي الآخِرَةِ قَد تَنسَاقُ بِسَبَبِهِ إِلَى مَا لَا تُحمَدُ عُقبَاهُ، وَالعَاقِلُ الذَّكِيُّ هُوَ الَّذِي يَجعَلُ لِكُلِّ وَقتٍ عَمَلًا لِيَرَى بَرَكَةَ وَثَمَرَةَ هَذَا الوَقتِ وَالعَمَلِ، وَكَمَا قَالَ العُلَمَاءُ قَدِيمًا: الوَقتُ كَالسَّيفِ، إِن لَم تَقطَعهُ قَطَعَكَ، وَالوَقتُ أَغلَى مِنَ الذَّهَبِ، إِن لَم تَغتَنِمهُ فِي الخَيرِِ عَلَيكَ ذَهَبَ.
وَمِن فَوَائِدِ هَذِهِ المُحَادَثَةِ وَالمُجَالَسَةِ بَينَ الإِخوَةِ وَالأَحِبَّةِ وَالطَّلَبَةِ وَالدُّعَاةِ أَنَّهَا تَزِيدُ الأُلفَةَ وَالمَوَدَّةَ وَالمَحَبَّةَ وَالتَّرَابُطَ، وَهَذِهِ مِن أَسبَابِ الوَحدَةِ وَالقُوَّةِ وَالِاجتِمَاعِ، فَيَنتُجُ عَن ذَلِكَ عَمَلٌ أَكثَرُ، وَقُوَّةٌ لِلدِّينِ، وَهَيبَةٌ لِلمُسلِمِينَ، وَإِغَاظَةٌ لِشَيَاطِينِ الإِنسِ وَالجِنِّ بِاجتِمَاعِ المُؤمِنِينَ عَلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرضَاهُ)
(وَمِمَّا يُقَوِّي الأُخُوَّةَ بَينَ المُسلِمِينَ: أَن لَا نُكَلِّفَهُم فَوقَ طَاقَاتِهِم، وَأَن نَرضَى مِنهُم مَا نَرضَاهُ لِأَنفُسِنَا، وَهُنَا نُؤَكِّدُ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ مِن أَسبَابِ دَوَامِ الصَّدَاقَةِ وَالصُّحبَةِ وَالأُخُوَّةِ، لِأَنَّكَ إِن كَلَّفتَ النَّاسَ وَمَن حَولَكَ مِنَ الأَحِبَّةِ وَالطُّلَّابِ بِمَا لَا يُطِيقُونَهُ مِنَ الأَعمَالِ الصِّعَابِ وَالخَدَمَاتِ الشَّاقَّةِ عَلَيهِم قَد يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِيَتَفَرَّقُوا عَنكَ، فَفِي البِدَايَةِ قَد يُطِيعُونَكَ فِي ذَلِكَ خَجَلًا وَاستِحيَاءً لِلمَوَدَّةِ الَّتِي بَينَكَ وَبَينَهُم، فَإِنِ استَرسَلتَ فِي ذَلِكَ مَعَهُم قَد يَحمِلُهُم هَذَا عَلَى أَن يُعرِضُوا وَيَنصَرِفُوا عَنكَ، وَبِهَذَا تَبقَى وَحدَكَ بَعدَ أَن كُنتَ مَعَ إِخوَانِكَ كَثِيرًا، فَبِالكَثرَةِ وَالجَمَاعَةِ يَتَحَقَّقُ مِن مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدَّعوَةِ مَا لَا يَتَحَقَّقُ بِحَسَبِ العَادَةِ عَلَى يَدِ الفَردِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِن وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «وَلَا تَدَابَرُوا».
وَأَمَّا إِن خَفَّفتَ عَمَّن مَعَكَ وَعَنِ الَّذِينَ يُحِبُّونَكَ كَانَ ذَلِكَ أَدوَمَ لِمُلَازَمَتِهِم لَكَ وَثَبَاتِهِم مَعَكَ وَعَدَمِ الإِعرَاضِ عَنكَ، وَقَد سَبَقَ مَا يُشبِهُ هَذَا المَعنَى فِي وَصَايَا مَرَّت بِأَلفَاظٍ أُخرَى وَلَكِن تُوصِلُ إِلَى نَفسِ المَعنَى، وَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِندَ البُخَارِيِّ: «إِخوَانُكُم خَوَلُكُم، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحتَ أَيدِيكُم، فَمَن كَانَ أَخُوهُ تَحتَ يَدِهِ، فَليُطعِمهُ مِمَّا يَأكُلُ، وَليُلبِسهُ مِمَّا يَلبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُم مَا يَغلِبُهُم، فَإِن كَلَّفتُمُوهُم فَأَعِينُوهُم».
وَقَد قَالَ شَيخُنَا رَحِمَهُ اللهُ: «مَن يَخدِمُ الدَّعوَةَ نَخدِمُهُ»، وَكَانَ مَرَّةً عَلَى مَائِدَةِ الطَّعَامِ، فَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى المَطبَخِ وَجَلَبَ المَلَاعِقَ وَوَزَّعَهَا عَلَى مَن مَعَهُ، وَلَم يَطلُب ذَلِكَ مِن أَحَدٍ مِنهُم مَعَ أَنَّهُم تَلَامِذَتُهُ وَخُدَّامُهُ، وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «كَانَ شَيخُنَا يَفعَلُ هَذَا مَعَنَا».
وَأُنَبِّهُ لِأَمرٍ: وَهُوَ أَنَّ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ مِن عَدَمِ تَكلِيفِكَ لِمَن مَعَكَ بِمَا يُتعِبُهُم هَذَا يَكُونُ عَلَى حَسَبِ حَالِ النَّاسِ، فَمِنهُم مَن لَو أَشغَلتَهُ بِخِدمَةِ الدِّينِ وَالدَّعوَةِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ المُسلِمِينَ وَالتَّفرِيجِ عَنهُم وَالسَّعيِ لِتَحقِيقِ مَصَالِحِهِم أَو تَعلِيمِ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَفرَحُ بِذَلِكَ وَيُسَرُّ وَيَزدَادُ هِمَّةً وَفَرَحًا، وَرُبَّمَا إِن تَرَكتَهُ مِن غَيرِ إِشغَالٍ لَهُ لِبَعضِ الوَقتِ يَسأَلُكَ هُوَ وَيَطلُبُ مِنكَ مَا يَقُومُ بِهِ مِنَ العَمَلِ لِعُلُوِّ هِمَّتِهِ وَعَظِيمِ صِدقِهِ وَإِخلَاصِهِ، فَمَن كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا حَرَجَ فِي طَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ وَلَا مَانِعَ، فَالأَمرُ عَلَى حَسَبِ المَصلَحَةِ وَعَلَى حَسَبِ مَا تَعرِفُ مِن أَحوَالِ النَّاسِ، فَمَعَ بَعضِهِم تُخَفِّفُ وَمَعَ بَعضِهِم تُكثِرُ، وَمَعَ بَعضِهِم لَا تَشغَلُهُ إِلَّا بِأَن يَستَمِعَ إِلَى مَجَالِسِ العِلمِ لِئَلَّا يَبتَعِدَ فَيَخسَرَ وَيَهلِكَ)
(الأُخُوَّةُ المَذكُورَةُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هِيَ أُخُوَّةُ الدِّينِ، أَحيَانًا الأُخُوَّةُ تُطلَقُ عَلَى الأُخُوَّةِ القَومِيَّةِ، أَيِ الَّذِينَ هُوَ مِن قَومِهِم وَهُم قَومُهُ الَّذِي أُرسِلَ إِلَيهِم، وَلَيسَ أُخُوَّةَ الدِّينِ، فَهَؤُلَاءِ أَنبِيَاءُ وَأَقوَامُهُم كُفَّارٌ، وَأَمَّا أُخُوَّةُ الدِّينِ فَهِيَ مَا جَاءَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾، وَأَمَّا الأُخُوَّةُ القَومِيَّةُ مِثلُ مَا جَاءَ فِي الآيَاتِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذ قَالَ لَهُم أَخُوهُم صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذ قَالَ لَهُم أَخُوهُم هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذ قَالَ لَهُم أَخُوهُم لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾)
مواقف من نصح الأنبياء لأقوامهم
قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
وَقالَ تَعَالَى إِخبَارًا عَن نُوحٍ ﷺ: ﴿وَأَنصَحُ لَكُم﴾ [الأعراف:62] (سَيِّدُنَا نُوحٌ نَصَحَ لِقَومِهِ مَعَ شِدَّةِ إِيذَائِهِم لَهُ، قَالَ ابنُ إِسحَاقَ وَغَيرُهُ: إِنَّ قَومَ نُوحٍ كَانُوا يَبطِشُونَ بِهِ فَيَخنُقُونَهُ حَتَّى يُغشَى عَلَيهِ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي وَلِقَومِي فَإِنَّهُم لَا يَعلَمُونَ!
حَتَّى إِذَا تَمَادَوا فِي مَعصِيَتِهِم وَعَظُمَت مِنهُمُ الخَطِيئَةُ، وَتَطَاوَلَ عَلَيهِ وَعَلَيهِمُ الشَّأنُ اشتَدَّ عَلَيهِ البَلَاءُ، وَانتَظَرَ الجِيلَ بَعدَ الجِيلِ، فَلَا يَأتِي قَرنٌ إِلَّا كَانَ أَخبَثَ مِنَ الذِي كَانَ قَبلَهُ حَتَّى إِن كَانَ الآخَرُ لَيَقُولَ: قَد كَانَ هَذَا مَعَ آبَائِنَا، وَأَجدَادِنَا مَجنُونًا لَا يَقبَلُونَ مِنهُ شَيئًا، وَكَانَ يُضرَبُ وَيُلَفُّ، وَيُلقَى فِي بَيتِهِ، يَرَونَ أَنَّهُ قَد مَاتَ، فَإِذَا أَفَاقَ اغتَسَلَ وَخَرَجَ إِلَيهِم يَدعُوهُم إِلَى اللهِ وَإِلَى التَّوحِيدِ.
فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيهِ، وَرَأَى الأَولَادَ شَرًّا مِنَ الآبَاءِ قَالَ: رَبِّ قَد تَرَى مَا يَفعَلُ بِي عِبَادُكَ، فَإِن يَكُونُوا مُهتَدِينَ فَاهدِهِم، وَإِن يَكُ غَيرُ ذَلِكَ فَاحكُم فِيهِم. فَأَوحَى إِلَيهِ: إِنَّهُ لَن يُؤمِنَ مِن قَومِكَ إِلَّا مَن قَد آمَنَ، فَلَمَّا يَئِسَ مِن إِيمَانِهِم دَعَا عَلَيهِم فَقَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَر عَلَى الأَرضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، [نوح: 26].
فَلَمَّا شَكَا إِلَى اللهِ وَاستَنصَرَهُ عَلَيهِم، أَوحَى اللهُ إِلَيهِ أَنِ اصنَعِ الفُلكَ بِأَعيُنِنَا وَوَحيِنَا وَلَا تُخَاطِبنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُغرَقُونَ.
فَأَقبَلَ نُوحٌ عَلَى عَمَلِ الفُلكِ وَلَهَا عَن دُعَاءِ قَومِهِ وَجَعَلَ يُهَيِّئُ عَتَادَ الفُلكِ مِنَ الخَشَبِ، وَالحَدِيدِ، وَالقَارِ، وَغَيرِهَا مِمَّا لَا يُصلِحُهُ سِوَاهُ، وَجَعَلَ قَومُهُ يَمُرُّونَ بِهِ وَهُوَ فِي عَمَلِهِ فَيَسخَرُونَ مِنهُ، فَيَقُولُ: ﴿إِن تَسخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسخَرُ مِنكُم كَمَا تَسخَرُونَ فَسَوفَ تَعلَمُونَ﴾، [هود:38]، قَالَ: وَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ قَد صِرتَ نَجَّارًا بَعدَ النُّبُوَّةِ!
وَأَعقَمَ اللهُ أَرحَامَ النِّسَاءِ فَلَا يُولَدُ لَهُم، وَصَنَعَ الفُلكَ مِن خَشَبِ السَّاجِ، وَأَمَرَهُ أَن يَجعَلَ طُولَهُ ثَمَانِينَ ذِرَاعًا، وَعَرضَهُ خَمسِينَ ذِرَاعًا، وَطُولَهُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا. وَقَالَ الحَسَنُ: كَانَ طُولُهَا أَلفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَي ذِرَاعٍ، وَعَرضُهَا سِتَّمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَاللهُ أَعلَمُ. وَأَمَرَ نُوحًا أَن يَجعَلَهُ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ: سُفلَى، وَوُسطَى، وَعُليَا، فَفَعَلَ نُوحٌ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنهُ، وَقَد عَهِدَ اللهُ إِلَيهِ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلنَا احمِل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوجَينِ اثنَينِ وَأَهلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيهِ القَولُ وَمَن آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.اهـ)
وَعَن هُودٍ ﷺ: ﴿وَأَنَا لَكُم نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:68] (قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُم هُودًا قَالَ يَا قَومِ اعبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، بَعدَ أَن نَجَّا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ نُوحًا وَمَن مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ وَأَغرَقَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ مِن قَومِهِ بِالطُّوفَانِ العَظِيمِ الَّذِي عَمَّ جَمِيعَ الأَرضِ، نَزَلَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ السَّفِينَةِ يَعبُدُونَ اللهَ تَعَالَى وَحدَهُ وَيَعمُرُونَ الأَرضَ، وَكَثُرَتِ الذُّرِّيَّةُ مِن أَولادِ نُوحٍ الثَّلاثَةِ: سَامٍ وَحَامٍ وَيَافِثَ، الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ ءَابَائِهِمُ الإِسلامِ، وَكَانُوا يَعبُدُونَ اللهَ تَعَالَى وَحدَهُ وَلا يُشرِكُونَ بِهِ شَيئًا.
ثُمَّ بَعدَ أَن طَالَ الزَّمَنُ عَادَ الفَسَادُ وَالجَهلُ وَانتَشَرَ فِي الأَرضِ وَرَجَعَ بَعضُ النَّاسِ إِلَى الإِشرَاكِ بِاللهِ وَعِبَادَةِ غَيرِ اللهِ، فَبَعَثَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُودًا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَت عَادٌ المُرسَلِينَ إِذ قَالَ لَهُم أَخُوهُم هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُم رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
أَعطَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبِيلَةَ عَادٍ نِعَمًا كَثِيرَةً وَافِرَةً وَخَيرَاتٍ جَلِيلَةً، فَقَد كَانَت بِلادُهُم ذَاتَ مِيَاهٍ وَفِيرَةٍ فَزَرَعُوا الأَرَاضِيَ وَأَنشَأُوا البَسَاتِينَ وَأَشَادُوا القُصُورَ الشَّامِخَةَ العَالِيَةَ، إِضَافَةً لِمَا مَنَحَهُمُ اللهُ تَعَالَى فَوقَ ذَلِكَ مِن بَسطَةٍ فِي أَجسَامِهِم وَقُوَّةٍ فِي أَبدَانِهِم لَكِنَّهُم كَانُوا غَيرَ شَاكِرِينَ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ، فَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً وَعَبَدُوا الأَصنَامَ وَصَارُوا وَصَارُوا يَخضَعُونَ لَهَا وَيَتَذَلَّلُونَ وَيَقصِدُونَهَا عِندَ الشِّدَّةِ، فَكَانُوا أَوَّلَ الأُمَمِ الَّذِينَ عَبَدُوا الأَصنَامَ بَعدَ الطُّوفَانِ العَظِيمِ الَّذِي عَمَّ الأَرضَ وَأَهلَكَ الكَافِرِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَيهَا فَبَعَثَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيهِم نَبِيَّهُ هُودًا وَكَانَ أَحسَنَهُم خُلُقًا وَأَفضَلَهُم مَوضِعًا وَأَوسَطَهُم نَسَبًا، فَدَعَاهُم إِلَى دِينِ الإِسلامِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحدَهُ وَتَركِ عِبَادَةِ الأَصنَامِ الَّتِي لا تَضُرُّ وَلا تَنفَعُ، وَأَن يُوَحِّدُوا اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُم وَلا يَجعَلُوا مَعَهُ إِلَهًا غَيرَهُ، وَأَن يَنتَهُوا وَيَكُفُّوا عَنِ الظُّلمِ وَالبَغيِ وَالفَسَادِ بَينَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُم عَانَدُوا وَتَكَبَّرُوا وَكَذَّبُوا نَبِيَّ اللَّهِ هُودًا عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَقَالُوا: ﴿مَن أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، وَءَامَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ أُنَاسٌ قَلِيلُونَ كَانُوا يَكتُمُونَ إِيـمَانَهُم خَوفًا مِن بَطشِ وَظُلمِ قَومِهِمُ الكَافِرِينَ المُشرِكِينَ.
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاستَكبَرُوا فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَن أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَم يَرَوا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُم هُوَ أَشَدُّ مِنهُم قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجحَدُونَ﴾، وَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُم هُودًا قَالَ يَا قَومِ اعبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، المَعنَى أَنَّ هُودًا قَالَ لِقَومِهِ: يَا قَومِ اعبُدُوا اللهَ وَحدَهُ وَلا تَجعَلُوا مَعَهُ إِلَهًا غَيرَهُ فَإِنَّهُ لَيسَ لَكُم إِلَهٌ غَيرُهُ، أَفَلا تَتَّقُونَ اللَّهَ رَبَّكُم فَتَحذَرُونَهُ وَتَخَافُونَ عِقَابَهُ بِعِبَادَتِكُم غَيرَهُ وَهُوَ خَالِقُكُم وَرَازِقُكُم دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَأَجَابَهُ قَومُهُ بِمَا أَخبَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ ﴿قَالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَومِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَومِ لَيسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ﴾، المَعنَى أَنَّ المَلَأَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَحَدُوا تَوحِيدَ اللَّهِ وَعَبَدُوا الأَصنَامَ وَأَنكَرُوا رِسَالَةَ هُودٍ وَكَذَّبُوا مَا جَاءَ بِهِ، قَالُوا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاكَ يَا هُودُ فِي سَفَاهَةٍ وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّكَ فِي ضَلالَةٍ عَنِ الحقِّ وَالصَّوَابِ بِتَركِكَ دِينَنَا وَعِبَادَةَ ءَالِهَتِنِا وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ فِي قَولِكَ إِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ: ﴿قَالَ يَا قَومِ لَيسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ أُبَلِّغُكُم رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُم نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾، أَي يَا قَومِ لَيسَ بِي سَفَاهَةٌ عَنِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ بَل إِنِّي عَلَى الحَقِّ المُبِينِ وَالطَّرِيقِ الصَّوَابِ، رَسُولٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ أَرسَلَنِي إِلَيكُم فَأَنَا أُبَلِّغُكُم رِسَالاتِ رَبِّي وَأُؤَدِّيهَا إِلَيكُم، وَأَنَا لَكُم نَاصِحٌ فِيمَا دَعَوتُكُم إِلَيهِ مِن عِبَادَةِ اللَّهِ وَحدَهُ وَتَركِ عِبَادَةِ الأَصنَامِ الَّتِي لا تَضُرُّ وَلا تَنفَعُ، فَاقبَلُوا نَصِيحَتِي فَإِنِّي أَمِينٌ عَلَى وَحيِ اللَّهِ وَعَلَى مَا ائتَمَنَنِي عَلَيهِ مِنَ الرِّسَالَةِ لا أَكذِبُ فِيهِ وَلا أَزِيدُ وَلا أُبَدِّلُ، بَل أُبَلِّغُ مَا أُمِرتُ بِهِ كَمَا أُمِرتُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَعَجِبتُم أَن جَاءَكُم ذِكرٌ مِن رَبِّكُم عَلَىٰ رَجُلٍ مِنكُم لِيُنذِرَكُم وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾، أَي عَجِبتُم أَن أَنزَلَ اللهُ وَحيَهُ وَأَرسَلَ نَبِيَّهُ إِلَيكُم يَدعُوكُم إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وَتَركِ عِبَادَةِ الأَصنَامِ، وَيُنذِرُكُم عَذَابَهُ إِن لَم تَقبَلُوا دَعوَتَهُ وَلَم تَدخُلُوا فِي دِينِهِ الإِسلَامِ.
وَقَد قَالَ لَهُم هُودٌ هَذَا مُنكِرًا عَلَيهِم بَعدَ أَنِ استَبعَدُوا أَن يَبعَثَ اللهُ رَسُولًا بَشَرًا يَأكُلُ وَيَشرَبُ كَمَا يَأكُلُونَ وَيَشرَبُونَ، وَاعتَبَرُوا أَنَّ تَصدِيقَهُ فِي دَعوَاهُ خَسَارَةٌ وَبُطلَانٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذكُرُوا إِذ جَعَلَكُم خُلَفَاءَ مِن بَعدِ قَومِ نُوحٍ وَزَادَكُم فِي الخَلقِ بَسطَةً فَاذكُرُوا آلَاءَ اللهِ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾، المَعنَى: اتَّقُوا اللهَ فِي أَنفُسِكُم وَاذكُرُوا مَا حَلَّ بِقَومِ نُوحٍ مِنَ العَذَابِ إِذ عَصَوا رَسُولَهُم وَكَذَّبُوهُ وَكَفَرُوا بِرَبِّهِم وَاستَمَرُّوا عَلَى بَغيِهِم وَتَكَبُّرِهِم، فَإِنَّكُم إِنَّمَا جَعَلَكُم رَبُّكُم خُلَفَاءَ فِي الأَرضِ بَعدَهُم لَمَّا أَهلَكَهُم، فَاتَّقُوا اللهَ أَن يُحِلَّ بِكُم نَظِيرَ مَا حَلَّ بِهِم مِنَ العُقُوبَةِ فَيُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَهُم.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهُم نِعَمَ اللهِ الجَلِيلَةَ عَلَيهِم إِذ زَادَهُم فِي الخَلقِ بَسطَةً فَزَادَ فِي أَجسَادِهِم وَقِوَامِهِم، فَأَمَرَهُم أَن يَذكُرُوا نِعَمَ اللهِ عَلَيهِم وَفَضلَهُ عَلَيهِم فِي أَجسَادِهِم وَقِوَامِهِم، فَيَشكُرُوا اللهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِأَن يَعبُدُوا اللهَ وَحدَهُ وَيُخلِصُوا لَهُ العِبَادَةَ وَيَترُكُوا الإِشرَاكَ وَعِبَادَةَ الأَصنَامِ كَي يُفلِحُوا.
لَكِنَّ قَومَ هُودٍ رَغمَ هَذَا البَيَانِ المُقنِعِ وَالكَلَامِ النَّاصِحِ مِن نَبِيِّهِم هُودٍ عَلَيهِ السَّلَامُ لَم يَقبَلُوا الحَقَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَأَعلَنُوا لَهُ أَنَّهُم لَن يَترُكُوا عِبَادَةَ الأَصنَامِ وَأَنَّهُم يَعتَقِدُونَ أَنَّ بَعضَ ءَالِهَتِهِم غَضِبَ عَلَيهِ فَأَصَابَهُ فِي عَقلِهِ فَاعتَرَاهُ جُنُونٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُمُ استَبعَدُوا إِعَادَتَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَأَنكَرُوا قِيَامَ الأَجسَادِ بَعدَ أَن تَصِيرَ تُرَابًا وَعِظَامًا.
فَبَيَّنَ لَهُم سَيِّدُنَا هُودٌ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَا يَطلُبُ عَلَى نَصِيحَتِهِ لَهُم أَجرًا يَأخُذُهُ مِنهُم أَو رِئَاسَةً يَتَزَعَّمُ بِهَا عَلَيهِم، وَأَنَّهُ لَا يَطلُبُ الأَجرَ فِي دَعوَتِهِ لَهُم إِلَى الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ إِلَّا مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، ثُمَّ قَالَ لَهُم وَاعِظًًا مَا مَعنَاهُ: أَتَبنُونَ بِكُلِّ مَكَانٍ مُرتَفِعٍ بِنَاءً عَظِيمًا هَائِلًا تَعبَثُونَ بِبِنَائِهِ وَلَا حَاجَةَ لَكُم فِيهِ، وَأَنتُم تَسكُنُونَ الخِيَامَ العَظِيمَةَ، ثُمَّ تَتَّخِذُونَ القُصُورَ رَجَاءً مِنكُم أَن تُعَمَّرُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ أَعمَارًا طَوِيلَةً، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُم أَنَّهُم يَتَجَبَّرُونَ وَيَظلِمُونَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُم أَن يَتَّقُوا اللهَ بِأَن يَدخُلُوا فِي دِينِهِ وَيَعبُدُوا اللهَ وَحدَهُ وَيُطِيعُوهُ، وَذَكَّرَهُم بِمَا أَنعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِم وَبِمَا أَمَدَّهُم بِهِ مِن أَنعَامٍ وَبَنِينَ وَمَا رَزَقَهُم مِن مِيَاهٍ وَافِرَةٍ وَبَسَاتِينَ خَضرَاءَ يَانِعَةٍ يَتَنَعَّمُونَ بِهَا، وَحَذَّرَهُم مِن عَذَابِ اللهِ العَظِيمِ يَومَ القِيَامَةِ الَّذِي لَا يَنفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَن أَتَى اللهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ مِنَ الكُفرِ وَالشِّركِ.
وَلَكِنَّ قَومَ هُودٍ أَصَرُّوا عَلَى كُفرِهِم وَعِنَادِهِم، وَقَالُوا لَهُ فِيمَا قَالُوا: أَجِئتَنَا لِنَعبُدَ اللهَ وَحدَهُ وَنَترُكَ عِبَادَةَ الأَوثَانِ وَالأَصنَامِ وَنُخَالِفَ ءَابَاءَنَا وَأَسلَافَنَا وَمَا كَانُوا عَلَيهِ، وَقَالُوا لَهُ عَلَى وَجهِ التَّهَكُّمِ وَالعِنَادِ وَالِاستِكبَارِ: إِن كُنتَ صَادِقًا فَائتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ العَذَابِ، فَإِنَّا لَا نُصَدِّقُكَ وَلَا نُؤمِنُ بِكَ.
وَقَد أَخبَرَنَا اللهُ فِي القُرءَانِ بِذَلِكَ: ﴿وَقَالَ المَلَأُ مِن قَومِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَترَفنَاهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثلُكُم يَأكُلُ مِمَّا تَأكُلُونَ مِنهُ وَيَشرَبُ مِمَّا تَشرَبُونَ * وَلَئِن أَطَعتُم بَشَرًا مِثلَكُم إِنَّكُم إِذًا لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُم أَنَّكُم إِذَا مِتُّم وَكُنتُم تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُخرَجُونَ * هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِن هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنيَا نَمُوتُ وَنَحيَا وَمَا نَحنُ بِمَبعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحنُ لَهُ بِمُؤمِنِينَ﴾.
وَقَالَ: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَولِكَ وَمَا نَحنُ لَكَ بِمُؤمِنِينَ * إِن نَقُولُ إِلَّا اعتَرَاكَ بَعضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشهِدُ اللهَ وَاشهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشرِكُونَ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَينَا أَوَعَظتَ أَم لَم تَكُن مِنَ الوَاعِظِينَ * إِن هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
أَي أَنَّ هَذَا الَّذِي نَحنُ عَلَيهِ إِن هُوَ إِلَّا دِينُ الأَوَّلِينَ -أَيِ الآبَاءِ وَالأَجدَادِ- وَلَن نَتَحَوَّلَ عَنهُ، فَأَعلَمَهُم هُودٌ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُمُ استَحَقُّوا الرِّجسَ وَالغَضَبَ مِنَ اللهِ لِإِصرَارِهِم عَلَى كُفرِهِم وَعِبَادَةِ الأَصنَامِ، وَلِيَنتَظِرُوا عَذَابَ اللهِ الشَّدِيدَ الوَاقِعَ عَلَيهِم لَا مَحَالَةَ).