المقدمة
الحَمدُ للهِ رَبّ العَالَمِينَ لَهُ الحَمدُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثّنَاءُ الحَسَنُ، صَلَوَاتُ اللهِ البَرّ الرّحِيمِ وَالمَلَائِكَةِ المُقَرّبِينَ عَلَى سَيّدِ الأَوّلِينَ وَالآخِرِينَ، سَيّدِنَا مُحَمّدٍ طَهَ الأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرّ المَيَامِينِ وَمَنِ استَنّ بِسُنّتِهِم وَاتّبَعَ نَهجَهُم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالدّينِ، أَمّا بَعدُ:
المعصية السادسة عشر: الِاسْتِهَانَةُ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ وَالتَّصْغِيرُ لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالِاسْتِهَانَةُ بِمَا عَظَّمَ اللَّهُ وَالتَّصْغِيرُ لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ أَوْ قُرْءَانٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ جَنَّةٍ أَوْ عَذَابِ نَارٍ.
تنبيه مهم: المُعَظَّمُ هوَ مَا عَظَّمَهُ الشرع
المُعَظَّمُ هُوَ مَا عَظَّمَهُ الشّرعُ، مَا اعتَبَرَهُ الشّرعُ مُعَظَّمًا نُعَظِّمُهُ لِأَنَّنَا مُسلِمُونَ، المُسلِمُ مَنْ سَلَّمَ لِحُكمِ اللهِ وَلِحُكمِ نَبِيّهِ ﷺ ، هَذَا هُوَ الأَصلُ وَالقَاعِدَةُ الّتِي تَنبَنِي عَلَيهَا هَذِهِ المَسَائِلُ.
الشرح
الشَّرْحُ أَنَّ مِنْ مَعَاصِي القَلبِ قِلَّةَ المُبَالاةِ بِمَا عَظَّمَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الأُمُورِ.
أمثلة على احتقار الجنة
كَأَنْ يَحْتَقِرَ الجَنَّةَ كَقَولِ بَعضِ الدَّجَاجِلَةِ المُتَصَوِّفَةِ:
«الْجَنَّةُ لُعبَةُ الصِّبْيَانِ»
وَقَوْلِ بَعْضِهِم:
«الْجَنَّةُ خَشْخَاشَةُ الصِّبْيَانِ»
وَهَذَا حُكْمُهُ الرِدَّةُ.
يَقُولُون: «نَحْنُ لَا نُرِيدُهَا نَحْنُ نُرِيدُ الْذَّات» وَهَذَا كُفْرٌ، اللهُ تَعَالَى عَظَّمَ شَأْنَهَا وَالْرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَظَّمَ شَأْنَهَا كَيْفَ يَسْتَخِفُّونَ بِهَا. يَكْفُرُ مَنْ سَبَّ الْجَنَّة لِأَنَّ اللهَ عَظَّمَ شَأْنَهَا وَالْرَّسُولُ عَظَّمَ شَأْنَهَا.
الافتراء على رابعة العدوية وأبي يزيد البسطامي
وَمَا يَروُونَ عَن رَابِعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنّهَا قَالَت:
«الكَعبَةُ هوَ الصَّنَمُ الأَكبَرُ»
هوَ مِن جُملَةِ مَا افتُرِيَ بِهِ عَلَى الصَّالِحِينَ. كَمَا افتُرِيَ عَلَى أَبِي يَزِيدَ البَسْطَاميّ أنّهُ قَالَ:
«سُبحَانِي مَا أَعظَمَ شَأنِي»
أمثلة على احتقار جهنم
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
«جَهَنَّمُ مُسْتَشْفَى»
أَيْ مَحَلُّ طَبَابَةٍ وَعِلَاجٍ وَتَنْظِيفٍ لَيْسَتْ مَحَلَّ عِقَابٍ وَتَعْذِيبٍ وَذَلِكَ إِلْحَادٌ وَكُفْرٌ.
جماعة أمين شيخو الدمشقي
وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ أَمِينِ شَيْخُو الدِّمَشْقِيِّ الَّذِينَ زَعِيمُهُمُ الْيَوْمَ عَبْدُ الْهَادِي الْبَانِي فَعَلَى زَعْمِهِمُ التَّعْذِيبُ لَا يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِهِ وَيَقُولُونَ عَنِ الآيَةِ:
﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾
مَعْنَاهُ شَدِيدُ التَّعَقُّبِ، لَيْسَ الْتَّعْذِيب عَلَى قَوْلِهِم، مَعْنَى الآيَةِ اللهُ مُطَّلِعٌ، شَدِيدُ الْإِطْلَاعِ عَلَى أَحْوَالِ الْكُفَّارِ.
وَهَذَا إِخْرَاجٌ لِلْنُّصُوصِ عَنْ ظَاهِرِهَا وَإِخْرَاجُ الْنُّصُوصِ عَنْ ظَاهِرِهَا بِدُونِ دَلِيلٍ مَرْدُود لِأَنَّهُم يَكُونُونَ حَرَّفُوا كَمَا جَاءَ فِي القُرْءَانِ وَمَا وَرَدَ عَنِ الرِّسُولِ ﷺ.
تحذير: قول “الجنة بلا ناس لا تداس”
وَإِنّ مِمّا يَجِبُ التَّحذِيرُ مِنهُ قَولَ بَعضِ النّاسِ إِذَا ذَهَبُوا إِلَى مَكَانٍ فَلَم يَجِدُوا فِيهِ غَيرَهُم:
«الجَنّةُ بِلَا نَاسٍ لَا تُدَاسُ»
فَإِنّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كُفرٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ لِمَا فِيهَا مِنَ المُعَارَضَةِ لِلنّصُوصِ القُرءَانِيّةِ وَالحَدِيثِيّةِ الدّالّةِ عَلَى عَظِيمِ نَعِيمِ الجَنّةِ.
فَهَذِهِ العِبَارَةُ بَشِعَةٌ لِأَنّهَا تُنَافِي أَنّ الجَنّةَ دَارُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ دَائِمٍ لَا يَدخُلُهُ مَللٌ وَلَا انقِطَاعٌ ولا استِيحَاشٌ، ولو انفَردَ واحِدٌ فيها لا يَستَوحِشُ لِأَنّ مَن دَخَلَهَا لَا يَحصُل لَهُ وَحْشَةٌ وَلَا هَمّ وَلَا غَمٌّ وَلَا بُؤسٌ إِلَى الأَبَدِ.
أَلَيسَ هِيَ الآنَ مَسكُونَةٌ لِلحُورِ العِيْنِ والوِلْدانِ وَهُمَا لَيسَا منَ النّاسِ، أَلَيسَ ءادَمُ كَانَ وَحْدَهُ فِيهَا فِي بَادِئ ِالأَمرِ وَلَم يَكُنْ مَعَهُ غَيرُهُ مِنَ البَشَرِ.
لَكِنْ مَنْ لَم يَفهَمْ مِن هَذِهِ الكَلِمةِ ذَمَّ نَعِيمِ الجَنّةِ إِلّا أَنّهُ بِوُجُودِ النّاسِ يَكُونُ أَكثَرَ استِئنَاسًا لَا يَكفُرُ، لَكِن أقَلُّ أَحوَالِ هَذِه ِالكَلِمَةِ الحُرمَةُ فَيَجِبُ النَّهيُ عَنهَا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وإذَا رأَيتَ ثَمَّ رأَيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [سورة الإنسان:٢٠]
“وإذَا رأَيتَ ثَمَّ” أَي الجَنّةَ، رَأَيتَ نَعِيمًا كَبِيرًا وَمُلكًا كَبِيرًا، وَمِنَ الْمُلْكِ الكَبِيرِ أنْ يَكُونَ الوَاحِدُ مِنهُم لَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ مِنَ الوِلْدَانِ فَأَكثَرَ، مَنظَرُهُم شَىءٌ يَسُرّ كَأَنّهُم لُؤلُؤٌ مَكْنُونٌ لَم تَمَسَّهُ الأَيدِي هَذَا مُلْكٌ وَأَيُّ مُلكٍ.
ضلالات أخرى
وَيَقُولُونَ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُقْتَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾، [سورة آل عمران:١٨١]
مَعْنَاهُ قَتْلُ الْكُفَّارِ دَعْوَتَهُمْ.
وَيَقُولُونَ الْأَنْبِيَاءُ لَا يُصَابُونَ بِجُرُوحٍ بِسِلَاحِ الْكُفَّارِ، يقولونَ حتى الأولياءُ مستَحِيلٌ أن يُصَابوا بأذى، وَيُنْكِرُونَ أَنَّ الْنَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجَّ وَجْهُهُ.
وَيَقُولُونَ اللَّهُ شَاءَ السَّعَادَةَ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ لَا أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَيَقُولُونَ عِلْمُ الدِّينِ يُؤْخَذُ مِنْ قُلُوبِ مَشَايِخِهِمُ النَّقْشَبَنْدِيِّينَ مِنْ قَلْبٍ إِلَى قَلْبٍ وَلَيْسَ مِنَ الْكُتُبِ فَهَؤُلَاءِ يَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ.
تحذير: التحذير من الدس على الشيخ عبد القادر الجيلاني
وَمِمّا افتُرِيَ عَلَى الشّيخِ عَبدِ القَادِرِ الجِيلَانِي رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَنَفَعَنا بِهِ بَعدَ وَفَاتِه مِمّا أَدخَلَهُ عَلَيهِ مُشَبِّهَةُ الحَنَابِلَةِ الّذِي يَعتَقِدُونَ أَنّ اللهَ قَاعِدٌ عَلَى العَرشِ فِي كِتَابِهِ المُسَمَّى الغُنيَةُ مَقَالَتَانِ خَبِيثَتَانِ لِيُرَوّجُوهُمَا عَلَى النّاسِ بِاسمِ الشّيخِ عَبدِ القَادِرِ:
إِحْدَاهُمَا أَنّ اللهَ فِي جِهَةِ السّمَاءِ مَعَ أَنّ أَهلَ السُّنّةِ كُلَّهُم يَقُولُونَ اللهُ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ.
وَالأَمرُ الآخَرُ أَنّ حُرُوفَ الهِجَاءِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيّةٌ لَيسَت مَخلُوقَةً وَمُرَادُهُم بِذَلِكَ أَنّ اللهَ يَتَكَلَّمُ كَمَا نَحنُ نَتَكلَّمُ بِالحَرْفِ وَالصّوتِ، وَأَهلُ السُّنّةِ يَقُولُونَ اللهُ مُتكَلِّمٌ بِكَلَامٍ لَيسَ بِصَوتٍ وَلَا حَرفٍ، أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِي َاللهُ عَنهُ فِي كِتَابِهِ “الفِقهُ الأَكبَرُ”: نَحنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلَاتِ وَالحرُوفِ وَاللهُ يَتَكلَّمُ بِلَا ءالَةٍ وَلَا حَرفٍ.
الكذب على الشيخ عبد القادر بعد وفاته
ثم إنّ الشّيخَ رضيَ الله عنه بَعدَ وفَاتِه ابنُ ابنٍ لهُ يُسَمَّى عبدَ السّلام كذَبَ على الشَّيخ رضي الله عنه وأَدخَلَ في طَرِيقَتِه مَا ليسَ مِنهَا، عَمِلَ رِسالَةً سمّاها الْمِعرَاجِيّة أَدْخَل فيها كَلامًا لم يَقُلْه الشَّيخ، وقال إنّ الشّيخَ قالَ:
«قَدَمِي على رَقَبَة كُلِّ وَليٍّ للهِ في الوجُود»
وَهَذَا لَم يَقُلْه الشّيخُ، وَإِنّمَا هَذَا عَبدُ السّلَامِ افتَرَاهُ على الشَّيخِ، انظُر تَارِيخَ الخُلَفَاءِ العَبَّاسِيِّينَ.
كتاب بهجة الأسرار
ثُمّ رَجُلٌ ءاخَرُ بَعدَ الشّيخِ بِنَحْوِ مِائةِ سَنةٍ مِن أَهلِ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ عَليٌّ الشَّطْنُوفي عَمِلَ كِتَابًا يُقَالُ لهُ بَهجَةُ الأَسرَارِ كَذَبَ عَلى الشَّيخِ عَبدِ القَادِرِ وَقَالَ عَنهُ مَا لم يَقُلْه، هَذا الكِتَابُ أكثَرُ مَا فيهِ كَذِبٌ على الشَّيخِ.
كتاب الفيوضات الربانية
وَيُوجَدُ كِتَابٌ صَنَّفَه بَعضُ أهلِ بَغدادَ يُسَمَّى الفُيُوضَات الرّبّانيّة فِيهِ كَلامٌ كَذِبٌ لم يَقُلْه الشّيخُ، فِيهِ أَنَّ اللهَ تَعالى كَلَّمَ الشّيخَ عَبدَ القَادِر فقَال لهُ:
«يَا غَوثَ الأعظَم أَكْلُ الفُقَراءِ أَكْلِي وشُربُهم شُربي»
وَنَحوُ هَذا الكَلامِ، فَجَعَلَ الشَّيخَ عبدَ القَادرِ كَلِيمَ اللهِ مِثلَ مُوسَى.
اللهُ تَعالى لم يُسمِع كَلامَه أحَدًا مِنَ البشَر غَيرَ موسى بالطُّور وسيّدِنا محمدٍ ليلَةَ المعراج، فيَجِبُ التّحذِيرُ مِن هَذه الأشياءِ ولا يَجُوز السُّكُوتُ عَن التّحذِير مِنها. وقَدِ انْتَشَر هَذا الكتَابُ الأخِير في الصُّومَال والحبَشةِ ولهُ وجُودٌ في الجزَائِر وبَعضِ البُلدَان.
تحذير: قول “معليش” عن المعصية
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَنْ مَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً «مَعْلِيش» وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَامِيَّةِ مَعْنَاهَا لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
فَمَنْ قَالَ عَنْ مَعْصِيَةٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِمَعْنَى لَا بَأْسَ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلدِّينِ فَيَكُونُ مُرْتَدًّا.
قَالَ بَعضُ الشّيُوخِ: وَأَمَّا مَن قَالَهَا عن مَعصِيَةٍ صَغِيرَةٍ ويَفهَم مِنهَا أَنَّهَا لَيسَت ذَنبًا كَبِيرًا وَلَا يَفهَم مِنهَا استِحسَانَ فِعْلِ المَعصِيَةِ فَلا يَكفُر.
الاستهانة بالقرآن
وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي الْقَلْبِيَّةِ تَصْغِيرُ مَا عَظَّمَ اللهُ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ عِلْمِ الشَّرْعِ أَيْ عِلْمِ الدِّينِ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ الأَمْثِلَةِ لِلِاسْتِهَانَةِ بِالْجَنَّةِ وَتَصْغِيرِ عَذَابِ النَّارِ.
قصة الحلاج
وَأَمَّا الِاسْتِهَانَةُ بِالْقُرْءَانِ فَكَمِثْلِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ عَبْدُ الْكَريِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ الْمَكِيَّ صُوفِيَّ مَكَّةَ فِي عَصْرِهِ رَأَى الْحَلَّاجَ الْحُسَيْنَ بْنَ مَنْصُورٍ يَكْتُبُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟
فَقَالَ: هَذَا شَىْءٌ أُعَارِضُ بِهِ الْقُرْءَانَ.
يَعْنِي أُشَابِهُ بِهِ الْقُرْءَانَ أَيْ أَعْمَلُ مِثْلَهُ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الاسْتِخَفَافِ بِالْقُرْءَانِ.
فَمَقَتَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُحَسِّنُ بِهِ الظَّنَّ وَصَارَ يَلْعَنُهُ وَيُحَذِّرُ مِنْهُ حَتَّى بَعْدَ أَنْ غَادَرَ الْحَلَّاجُ مَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ فِي التَّحْذِيرِ مِنْهُ إِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي يَحِلُّ بِهَا الْحَلَّاجُ.
تفصيل قصة الحلاج
يَقُولُ صَاحِبُ الْرِّسَالَةِ الْإِمَامُ الْقُشَيْرِيّ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْمَكِّيّ: كَانَ فِي مَكَّةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ صُوفِيٌّ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ مِنَ الْأَكَابِرِ، كَانَ الْحَلَّاجُ جَاوَرَ فِي مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى مَظْهَرِ الْتَّجْرِيدِ وَالْمُجَاهَدَةِ.
ثُمَّ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْأَكَابِرِ نَظَرَ إِلَى ظَاهِرِهِ حَسَّنَ بِهِ الظَّن. أَطَالَ الْحَلَّاجُ فِي مَكَّةَ سَعَى لَهُ حَتَّى زَوَّجَهُ بِنْتَ رَجُلٍ اسْمُهُ يَعْقُوب الْأَقْطَع.
ثُمَّ ظَهَرَ لِيَعْقُوب الْأَقْطَع فِي الْحَلَّاجِ خُبْثٌ فَلَامَ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ الْمَكِّيّ قَالَ: «هَذَا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ أُصَاهِرَهُ» شَكَاهُ إِلَيْهِ لِمَا رَآهُ مِنْ خُبْثِهِ.
ثُمَّ عَمْرُو بْنُ عُثْمَان نَفْسُهُ رَآهُ ذَاتَ يَوْم وَهُوَ يَكْتُبُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: شَيْءٌ أُعَارِضُ بِهِ الْقُرْءَانَ. فَمِنْ هُنَا كَرِهَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ.
ثُمَّ الْحَلَّاجُ غَادَرَ مَكَّةَ فَذَهَبَ إِلَى نَاحِيَةِ بِلَادِ فَارِس. ثُمَّ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ مِنْ شَدَّةِ كَرَاهِيَتِهِ لَهُ لَمَّا يَبْلُغُهُ أَنَّ الْحَلَّاجَ حَلَّ بِبَلَدِ كَذَا يَكْتُبُ رِسَالَةً إِلَى أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَة لِلْتَّحْذِيرِ مِنْهُ.
مصير الحلاج
ثُمَّ ءَالَ أَمْرُ الْحَلَّاجِ إِلَى أَنَّهُ جَاءَ إِلَى بَغْدَادَ وَسَكَنَهَا وَعَمِلَ هُنَاكَ مِنَ الْتَّمْوِيهِ الْكَثِيرِ الْكَثِير وَصَارَ لَهُ جَمَاعَة فِي بَغْدَادَ عَبَدُوهُ.
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى سَيِّدِ الْصُوفِيَّةِ الجُنَيْد قَالَ لَهُ سَيِّدُ الْصُوفِيَّةِ:
«لَقَدْ فَتَحْتَ فِي الْإِسْلَامِ ثُغْرَةً لَا يَسُدُّهَا إِلَّا رَأْسُكَ»
مَعْنَاهُ أَنْتَ سَتُقْتَلُ لِأَنَّكَ عَمِلْتَ فِتْنَةً فِي الْإِسْلَامِ أَيْ عَمِلْتَ شَيْئًا جَدِيدًا ضِدُّ الدِّينِ. الْجُنَيْد مِنْ بَابِ الْكَرامَةِ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَة ثُمَّ الْحَلَّاجُ مَا تَابَ.
بَعْدَ ذَلِكَ بِثَمَانِي سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا أُصْدِرَ الْحُكْمُ بِقَتْلِهِ مِنْ قِبَلِ الْخَليفَةِ الْمُقْتَدِرِ بِاللهِ العَبَّاسِيّ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ كَلِمَاتٍ كُفْريَّةً قَالَ:
«أَنَا الْحَقُّ»
مَعْنَاهُ أَنَا اللهُ، فالْحَقُّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ.
كَانَ لَهُ جَمَاعَة يُقَالُ لَهُمْ الْحَلَّاجِيَّة عَبَدُوهُ قَلَّدُوهُ عَلَى الْعَمَى.
ثُمَّ قُتِلَ فِي بَغْدَاد بَعْدَ صُدُورِ الْحُكْمِ مِنَ الْخَليفَةِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ القَاضِي الْمَالِكِيّ الَّذِي فِي بَغْدَادَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ قَالَ: «إِنَّ هَذَا مُرْتَدٌ يُقْتَلُ» فَنُفِّذَ فِيهِ الْقَتْلُ.
افتراء أتباعه بعد قتله
الْنَّاسُ الَّذِين كَانُوا يَعْبُدُونَهُ الَّذِينَ فَتَنَهُمْ افْتَرَوا فِرْيَةً قَالُوا إِنَّ دَمَهُ جَرَى عَلَى الْأَرْضِ وَكَتَبَ:
«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلَّاجُ وَلِيُّ اللهِ»
شَيْءٌ لَمْ يَحْصُلُ إِنَّمَا أَتْبَاعُهُ يَفْتَرُونَ لَهُ.
قول الشيخ أحمد الرفاعي في الحلاج
الْشَّيْخُ أَحْمَدُ الْرِفَاعِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:
«لَوْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ مَا قَالَ أَنَا الْحَقّ»
مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الْحَلَّاجُ عَلَى الْحَقِّ مَا قَالَ أَنَا الْحَقّ.
لِأَنَّ بَعْضَهُم ظَنَّ فِيهِ أَنَّهُ وَلِيٌّ غَائِب وَهَذَا لَيْسَ صَحِيحًا بَلْ يُؤخَذُ بِقَوْلِ الْرِّفَاعِيّ وَبِكَلَامِ الْجُنَيْدِ وَلَا يُلْتَفَتْ إِلَى هَؤُلَاءِ.
الْرِّسَالَةُ الْقُشَيْرِيَّة مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْصَّوفِيَّة أَلَّفَهَا مُؤَلِّفُهَا فِي الْقَرْنِ الْرَّابِعِ الْهِجْرِيّ فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ كَانَ قَرِيبًا عَهْدُهُ مِنْ عَهْدِ الْحَلَّاجِ وَالجُنَيْد.
فَالَّذِينَ جَعَلُوا الْاسْتَهَانَةَ وْالْاسْتِخْفَافَ بِالْقُرْءَانِ شَيئًا وَاحِدًا هُوَ مِن نَحْو هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْحَلَّاج.
وَمِنَ الْمَشْهُورِ أَنَّ عَمْرو بْن عُثْمَان رَأَى الْحُسَينَ بْن مَنْصُورٍ يَكْتُبُ شَيْئًا فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هُوَ ذَا أُعَرَاضُ القُرْءَان فَدَعَا عَلِيْهِ وَهَجَرَهُ هَذَا كُتِبَ فِي الْرِسَالَةِ الْقُشَّيرِيَة.
التحذير من التجانية وضلالاتهم
كَالَّذِي حَصَلَ مِنْ بَعْضِ التِّجَّانِيَّةِ فِي الْحَبَشَةِ مِنْ إِظْهَارِ الِاسْتِغْنَاءِ بِصَلَاةِ الْفَاتِحِ عَنِ الْقُرْءَانِ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ بِكَلَامِهِمْ مَا مَعْنَاهُ:
«مَا لَكُمْ تَحْمِلُونَ هَذَا الرَّغِيفَ الثَّقِيلَ»
يَعْنِي الْقُرْءَانَ وَنَحْنُ بِغُنْيَةٍ عَنْهُ بِصَلَاةِ الْفَاتِحِ.
صلاة الفاتح
وَصَلَاةُ الْفَاتِحِ هِيَ كَلِمَةٌ وَجِيزَةٌ وَهِيَ هَذِهِ الصِّيغَةُ:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ»
وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لَا ضَرَرَ فِيهَا.
وَهِيَ فِي الأَصْلِ مِنْ تَأْلِيفِ الشَّيْخِ مُصْطَفَى الْبَكْرِيِّ الصُّوفِيِّ، وهو شَيخُ الطّرِيقَةِ البَكرِيّةِ الخَلْوَتِيَّةِ قُربَ الأَزهَرِ فِي القَاهِرَةِ فِي الدَّرَّاسَةِ، فِي كُتُبِ التَّرَاجِمِ يَذكُرُونَ عَنهُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الأَولِيَاءِ مِن أَهلِ الكَرَامَاتِ.
ثُمَّ اسْتَعْمَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ التِّجَانِيَّةِ وَاعْتَبَرَ قِسْمٌ مِنْهُمُ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ مِنْهَا تَعْدِلُ سِتَّةَ ءَالَافِ خَتْمَةٍ مِنَ الْقُرْءَانِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ.
هُنَاكَ أُنَاسٌ يُقَالُ لَهَمْ التِّجَّانِيَّة، يُوجَدُ مِنْهُم فِي غَربِيِّ وَشَرْقِيِّ الْحَبَشَةِ وَمَوْجُودُونَ فِي الْمَغْرِبِ وَمُورِيتَانِيَا وَالْسُّودَانِ وَفِي السِّنِغَالِ يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنْهُم.
بَعْضٌ مِنْهُم قَالَ بِمَا مَعْنَاهُ: «أَنْتُمْ لِمَاذَا تَتْعَبُونَ وَتَشْغَلُونَ أَنْفُسَكُم بِالْقُرْءَانِ، تَحْمِلُونَ هَذَا الرِّغِيفَ الثَقِيلَ؟ نَحْنُ مُسْتَغْنُونَ عَنْ هَذَا بِصَلَاةِ الْفَاتِحِ».
عَلَى زَعْمِهِم هُنَاكَ صِيغَةُ صَلاَةٍ عَلَى النَّبِيِّ، إِذَا قَالَهَا الوَاحِدُ، يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ أَكْثَرُ مِمَّا لَوْ قَرَأَ الْقُرْءَانَ وَهَذَا كُفْرٌ! وَالْعِيَاذُ بِاللهِ. مِثْلُ هَذَا استِخْفَافٌ بِكِتَابِ اللهِ، وَهُوَ كُفْرٌ، نَعُوذُ بِاللهِ.
وَادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا شَافَهَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ يَقَظَةً الشَّيْخَ أَبَا الْعَبَّاسِ التِّجَّانِيَّ الَّذِي تَنْتَسِبُ إِلَيْهِ التِّجَّانِيَّةُ، عَلَى أَنَّنَا لَا نَجْزِمُ وَلَا نَعتَقِدُ بِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْعَبَّاسِ هُوَ الْقَائِلُ لِمَا يَدَّعُونَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ كَذَبُوا عَلَيْهِ.
بعض مفاسدهم والرد عليها
مِن ضَلَالَاتِ التِّجَّانِيَّةِ قَولُهم إِنَّ أَبَا العَبَّاسِ الِتّجَّانِيَّ أَفضَلُ مِن جَمِيعِ الأَولِيَاءِ مِن لَدُن ءادَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
الرد على ادعائهم
وَهَذَا ضِدُّ قَولِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ:
﴿والسّابِقُونَ الأوَّلونَ مِنَ المُهاجِرينَ والأنصَارِ والّذينَ اتَّبَعُوهُم بإحسَانٍ رضيَ الله عنهُم ورَضُوا عنهُ﴾، [سورة التوبة:١٠٠]
السَّابِقُونَ الأوَّلُونَ كُلُّهُم أَولِيَاءُ، مَعنَاهُ يُسَلّمُونَ للهِ تَسلِيمًا كَامِلًا، مَهمَا أَصَابَهُم مَنَ المَصَائِبِ فَإِنَّهُم لَا يَخرُجُونَ عَنِ الرِّضَا عَنِ اللهِ.
الرِّضَا عَنِ اللهِ مَرتَبَةٌ عَالِيَةٌ لَا يَصِلُ إِلَيهَا إِلَّا القَلِيلُ مِنْ عِبَادِهِ. هَؤُلَاءِ هُم أَسعَدُ الخَلقِ لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَضِيَ عَنهُم كَمَا أَنَّهُم رَاضُونَ عَنهُ.
وَرِضَى اللهِ تَعَالَى صِفَةٌ مِن صِفَاتِهِ لَيسَ كَرِضَى الخَلقِ وَأَمَّا رِضَى العَبِيدِ عَن رَبِّهِم فَذَلِكَ أَنَّهُم آمَنُوا بِهِ وَاستَسلَمُوا لِقَضَائِهِ وَسَلَّمُوا الأَمرَ لَهُ أَي لَم يَعتَرِضُوا عَلَى اللهِ فِي أَمرٍ مِنَ الأُمُورِ.
إِن أَصَابَتْهُم فَاقَةٌ لَا يَعتَرِضُونَ عَلَى اللهِ وَإِن أَصَابَتهُم مُصِيبَةٌ فِي أَبدَانِهِم لَا يَعتَرِضُونَ عَلَى اللهِ، وَإِنْ أصَابَتهُم مَصَائِبُ فِي أَهْلِيهِم فَلَا يَعتَرِضُونَ عَلَى اللهِ، هَذَا مَعنَى رِضَى العِبَادِ عَن رَبِّهِم.
حديث: خير أمتي قرني
وَالرَّسُولُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ:
«خَيرُ أُمَّتي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم»
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَغَيرُهُمَا.
هَذَا الحَدِيثُ يُوصِي فِيهِ رَسُولُ اللهِ أُمَّتَهِ بِتَفضِيلِ هَؤُلَاءِ أَهلِ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ المِائَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَعَلَى تَفسِيرِ القَرنِ بِمَائَةِ سَنَةٍ فَالسَّلَفُ مَن كَانُوا ضِمنَ الثَّلَاثَمِائَةِ وَمِنهُم أَي مِنَ العُلَمَاءِ مَن جَعَل مُنتَهَى السَّلَفِ سَنَةَ مَائَتَينِ وَعِشرِينَ.
هَؤُلَاءِ هُم قَرنُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن يَلِيهِم مِمَّنِ اتّبَعَ أَصحَابَ رَسُولِ اللهِ بِإِحسَانٍ، وَفِي هَذَا الحَدِيثِ تَحذِيرٌ لِأُمَّتِهِ مِن أَنْ يَنحَرِفُوا عَمَّا كَانَ عَلَيهِ أَهلُ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ مَنِ انحَرَفَ عَمَّا كَانَ عَلَيهِ أُولَئِكَ فَهُوَ فِي ضَلَالٍ.
الأئمة الأربعة
ومِنْ هَؤُلَاءِ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ الِإمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالإِمَامُ مَالِكُ بنُ أنَسٍ وَالإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بنُ إِدرِيسَ وَالإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ.
فَأَصحَابُ رَسُولِ اللهِ لَم يَختَلِفُوا فِي العَقِيدَةِ وَهَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ اتّبَعُوا أَصحَابَ رَسُولِ اللهِ فِي العَقِيدَةِ لَيسَ بَينَهُم تَعَارُضٌ فِي العَقِيدَةِ إِنَّمَا اختَلَفُوا فِي الفُرُوعِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الكَمَالِ لَيسَ فِيهِ عَيبٌ فِي حَقِّهِم.
فَمَن اعتَقَدَ أَو ظَنَّ أَنَّ أَحَدًا مِن هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ زَاغَ عَن طَرِيقِ اللهِ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ فِي الاعتِقَادِ أَو أَنَّهُ ضَلَّ فِي الاجتِهَادِ فَهُوَ الفَاسِدُ الضَّالُّ.
كُلُّ هَؤُلَاءِ الأَربَعَةِ أَخَذُوا عِلمَ الدِّينِ مِمَّن قَبلَهُم حَتَّى يَتَّصِلَ التَّسَلسُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَيسُوا مِمَّن يَعتَمِدُ عَلَى التَّفكِيرِ وَالهَوَى.
الولاية طريقها العلم والعمل
الأَولِيَاءُ لَيسُوا فَقَط صَارُوا أَولِيَاءَ لِمُجَرَّدِ أَن عَمِلُوا حَلَقَاتِ ذِكرٍ أَو مَجلِسًا يَجتَمِعُونَ فِيهِ لِقَولِ صِيغَةٍ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، لَيسَ لِمُجَرَّدِ هَذَا صَارُوا أَولِيَاءَ، بَل بِالعِلمِ وَالعَمَلِ.
وَهَذَا هُوَ المِيزَانُ الَّذِي لَا يَنبَغِي أَن نَترُكَهُ مِن أَيدِينَا طَرفَةَ عَينٍ، الوِلَايَةُ طَرِيقُهَا عِلمٌ وَعَمَلٌ وَزُهدٌ وَوَرَعٌ وَفِقهٌ فِي دِينِ اللهِ، وَلَيسَ طَرِيقُهَا مَبنِيًّا عَلَى الكَذِبِ وَالدَّجَلِ وَالتِفَافِ النَّاسِ حَولَ شَيخِهِم وَهُو يَكذِبُ وَيُدَلِّسُ وَلَا يُعَلِّمُهُم أُمُورَ دِينِهِم.
جُهَّالٌ حَولَ جَاهِلٍ، هَذِهِ طَامَّةٌ وَمُصِيبَةٌ وَبَلَاءٌ كَبِيرٌ.
آية: الأخسرين أعمالا
وَالأَمَرُ كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا﴾، [سورة الكهف:١٠٣]
قصة أويس القرني
رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو نُعَيمٍ فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«إِنَّ خَيرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ مِنْ قَرَنٍ ثُمَّ مِنْ مُرَادٍ» مِن مُرَادٍ يَعنِي قَبِيلَتُهُ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ فَصِيلَةِ قَبِيلَةِ مُرَادٍ يُقَالُ لَهُم قَرَنٌ مِنَ اليَمَنِ.
الرَّسُولُ تَحَدَّثَ عَنهُ بِطَرِيقِ الوَحيِ قَبلَ أَنْ يَذهَبَ هَذَا الرَّجُلُ إِلَى المَدِينَةِ، قَالَ هُوَ أَفضَلُ التَّابِعِينَ، أَفضَلُ مَنْ بَعدَ الصَّحَابَةِ هَذَا مَعنَاهُ، أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ، يُقَالُ لَهُ أُوَيسٌ القَرَنِيُّ .
الآنَ قَبرُهُ فِي سُورِيَّا بِصِفِّينَ حَيثُ وَقَعَتِ الْمَعرَكَةُ بَينَ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَبَينَ مُعَاوِيَةَ، هُنَاكَ دُفِنَ وَعَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ، هُنَاكَ قَبرُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَنَفَعَنَا اللهُ بِهِمَا. وَهَذِهِ النَّاحِيَةُ الآنَ يُسَمُّونَهَا الرِّقَّةَ.
رَئِيسُ أَولِيَاءِ البَشَرِ أَي أَفضَلُهُم أَبُو بَكرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ.
صفة أويس القرني
أوَيسٌ القَرَنِيُّ وَصَفَهُ الرَّسُولُ بِأَنّهُ بَارٌّ بِأُمِّهِ وَقَالَ لَهُم:
«إذَا لَقِيتُمُوهُ فَاطْلُبُوا مِنهُ أَنْ يَستَغفِرَ لَكُم»
فَكَانَ سَيِّدُنَا عُمَرُ يَسأَلُ عَنهُ، ذَاتَ مَرَّةٍ سَأَلَ وَفْدًا مِنَ اليَمَنِ فَقَالُوا: هُوَ مَعَنَا.
فَقَالَ لَهُ: أَنتَ أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ مِن مُرَادٍ ثُمَّ مِن قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: كَانَ لَكَ أُمٌّ أَنتَ بَارٌّ بِهَا؟ قَالَ: نَعَم.
قَالَ: استَغفِرْ لَنَا. فَقَالَ مِن تَوَاضُعِهِ: أَنتُم أَحدَثُ عَهدًا بِالحَجِّ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: استَغفِرْ لَنَا فَإِنَّ الرَّسُولَ قَالَ كَذَا وَكَذَا.
ثُمَّ سَيِّدُنَا عُمَرُ قَالَ لهُ: أَكتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِي الَّذِي وَلَّيتُهُ بِالكُوفَةِ أَنْ يَعمَلَ لَكَ مُرَتَّبًا؟ قَالَ: أَنَا أُحِبُّ أَنْ أَبقَى هَكَذَا فَقِيرًا، وَلَم يُوَافِق.
زهد أويس القرني
أُوَيسٌ القَرَنِيُّ جَمَاعَةُ مُعَاوِيَةَ قَتَلُوهُ، قُتِلَ فِي مَعرَكَةِ صِفِّينَ وَكَانَ هُوَ مَع جَيشِ عَلِيٍّ.
أُوَيسٌ القَرَنِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ مِن شِدَّةِ فَقرِهِ وَرَثَاثَةِ هَيأَتِهِ يَظُنُّهُ بَعضُ النَّاسِ أَنَّهُ مَجنُونٌ وَبَعضُ الأَولَادِ الصِّغَارِ كَانُوا يَرمُونَهُ بِالحِجَارَةِ.
رواية أخرى عن قصته
الرَّسُولُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ:
«إِنَّ خَيرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ مِن مُرَادٍ ثُمَّ مِن قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَأَذهَبَهُ اللهُ عَنهُ إِلَّا قَدرَ دِرهَمٍ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُ فَمُرُوهُ فَلْيَستَغفِر لَكُم»
رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ.
سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَمِعَ هَذَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَارَ لَمَّا يَطلُبِ النَّاسَ لِلجِهَادِ، لَمَّا يَأتِيْهِ وُفُودٌ مِنَ اليَمَنِ يَسأَلُهُم: هَل فِيكُم أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى وَجَدَهُ.
فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ: استَغفِر لَنَا.
فَقَالَ لَهُ أُوَيسٌ: أَنتُم أَحدَثُ عَهدًا بِسَفَرِ صَالِحٍ، مَعنَاهُ أَنتَ فِي الحَجّ مِن وَقتٍ قَرِيبٍ أَنتَ استَغفِر لَنَا.
فَذَكَرَ لَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ فَاستَغفَرَ لَهُم. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
فضل أويس القرني
مِن عِلمِ أَهلِ السُّنَّةِ أَنَّ أَفضَلَ الأُمَّةِ بَعدَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَبُو بَكرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ بَعدَ أَولِيَاءِ الصَّحَابَةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيسٌ القَرَنِيُّ مِنَ اليَمَنِ هَذَا أَفضَلُ الأَولِيَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ.
هَذَا أُوَيسٌ مَا جَاءَ إِلَى المَدِينَةِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ، مَا لَقِيَ الرّسُولَ لَكِنَّ اللهَ أَوحَى إِلَى الرَّسُولِ فَتَكلَّمَ بِشَأنِهِ، مَدَحَهُ قَبلَ أَن يَعرِفَهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَالأَولَادُ مِن أَجلِ رَثَاثَةِ هَيئَتِهِ كَانُوا إِذَا لَقُوهُ فِي الطَّرِيقِ يَلحَقُونَهُ، يَضحَكُونَ مِنهُ وَهُوَ قَلبُهُ مُستَغرِقٌ فِي حُبِّ اللهِ.
أَمَّا هَؤُلَاءِ الجُهَّالِ التِّجَّانِيَّةِ قَالُوا شَيخُنَا أَفضَلُ الأَولِيَاءِ مِن أَيَّامِ آدَمَ إِلَى نِهَايَةِ الدُّنيَا.
حكم مس المصحف بدون طهارة
وَقَدْ تَكُونُ الِاسْتِهَانَةُ بِالإِخْلَالِ بِالتَّعْظِيمِ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِلَ الإِخْلَالُ إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ.
مسألة: نسيان القرآن بعد حفظه
زَعَمَ بَعْضُ أَدعَيَاءِ التَّصَوُّفِ أَنَّ مِنَ الْمَعَاصِي نِسْيَانَ القُرْءَانِ وَلَوْ حَرْفًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ حَفِظَهُ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيح، لِأَنَّ هَذَا فِيهِ حَرَجًا.
فَإِنْ حَفِظَ المُسْلِمُ شَيْئًا مِنَ القُرْءَانِ ثُمَّ نَسِيَهُ فَهَذَا لَا يُعَدُّ اسْتِخْفَافًا وَلَا تَهَاوُنًا بِالْقُرْءَانِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ.
فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ إِنَّ نِسْيَانَ مَا حَفِظَهُ مِنَ القُرْءَانِ حَرَامٌ مَرْدُودٌ مَا لَهُ سَنَدٌ.
الحديث الذي يعتمدون عليه ضعيف
أَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَهُوَ:
«عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذَاةُ «أَيْ القَذَرُ» يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرْءَانِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلُ ثُمَّ نَسِيَهَا»
وَمِنَ الْدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحَرَجُ عَلَى مُقْتَضَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو الْحَفَظَةُ لِلْقُرْءَانِ غَالِبًا مِنْ نِسْيَانِ شَيءٍ مِنْهُ وَاللهُ لَمْ يَجْعَل فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فَقَوْلُهُمْ هَذَا فِيهِ تَنْفِيرٌ لِلْنَّاسِ مِنْ حِفْظِ القُرْءَانِ.
آية: سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله
ثُمَّ أَلَيْسَ وَرَدَ فِي القُرْءَانِ الكَرِيمِ:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شاءَ اللهُ﴾، [سورة الأعلى:٦]
مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بَعْدَ أَنْ يَحْفَظَ القُرْءَانَ يُبَلِّغُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَامِلًا مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلٍ وَلَا تَنْقِيصٍ وَلَا نِسْيَانٍ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ يَنْسَى فِي أَثْنَاءِ التِّلَاوَةِ شَيْئًا مِنْهُ لَكِنَّهُ يَعُودُ وَيَتَذَكَّرُهُ أَمَّا عِنْدَ التَّبْلِيغَ فَلَا يَنْسَى شَيْئًا مِنْهُ البَّتَّةَ.
توضيح المسألة
حِفظُ القُرءَانِ مِن فُرُوضِ الكِفَايَةِ الَّتِي إِذَا قَامَ بِهَا بَعضُ المُسلِمِينَ سَقَطَ عَنِ البَقِيَّةِ، لَا مِن فُرُوضِ العَينِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ المُسلِمِينَ حِفظُهُ.
وَهَذَا المَعنَى إِجمَاعٌ مِنَ الأُمَّةِ ظَاهِرٌ لَا يَخفَى، فَلَا يَجُوزُ القَولُ بِأَنَّ مَن حَفِظَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ ثُمَّ نَسِيَهُ أَو نَسِيَ بَعضًا مِنهُ عَلَيهِ مَعصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَلَو كَانَ المُرَادُ مِن ذَلِكَ الحَثُّ عَلَى حِفظِ القُرءَانِ.
وَلَا إِثمَ وَلَا حَرَجَ عَلَى مَن يَحفَظُ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ ثُمَّ يَنسَاهُ.
خطورة القول بأن نسيان القرآن معصية
وَالقَولُ بِأَنَّ نِسيَانَ القُرءَانِ مَعصِيَةٌ هُوَ مِنَ الغُلُوِّ فِي الدِّينِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى جَعلِ الحَرَجِ فِي الدِّينِ، بَل وَيُؤَدِّي إِلَى عَكسِ المَقصُودِ مِنهُ حَيثُ يُنَفِّرُ النَّاسَ عَن حِفظِ القُرءَانِ وَلَوِ القَلِيلِ مِنهُ لِئَلَّا يَقَعُوا فِي الكَبِيرَةِ إِذَا نَسُوا مِنهُ شَيئًا بِحَسَبِ دَعوَاهُمُ الفَاسِدَةِ.
وَقَد سُمِعَ ذَلِكَ مِن بَعضِ مَن بَدَأَ بِحِفظِ القُرءَانِ حَيثُ قَالَ عِندَمَا سَمِعَ هَذِهِ الفَتوَى البَاطِلَةَ: إِن كَانَ فِي نِسيَانِ شَيءٍ مِنَ القُرءَانِ مَعصِيَةٌ فَالأَسلَمُ أَن لَا أَحفَظَ حَتَّى لَا أَقَعَ فِي المَعصِيَةِ إِن نَسِيتُهُ، فَلَا يَحصُلُ بِهَذَا تَشجِيعُ النَّاسِ عَلَى حِفظِ القُرءَانِ.
النسيان ليس بيد الإنسان
ثُمَّ إِنَّ أَمرَ النِّسيَانِ لَيسَ بِيَدِ الشَّخصِ، وَمَا سُمِّيَ الإِنسَانُ إِنسَانًا إِلَّا لِنِسيَانِهِ، وَلَو كَانَ الأَمرُ كَمَا يَقُولُونَ فَلَا يَكَادُ يَسلَمُ شَخصٌ وَاحِدٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الكَبَائِرِ.
فَعَلِمنَا أَنَّ القَولَ بِأَنَّ مَن نَسِيَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ يَكُونُ وَاقِعًا فِي كَبِيرَةٍ مُصَادِمٌ وَمُعَارِضٌ لِلإِجمَاعِ، وَمُصَادِمٌ لِلنُّصُوصِ الحَدِيثِيَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالصَّرِيحَةِ.
تفصيل الدليل على هذه المسألة
حديث: إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَن أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسيَانَ وَمَا استُكرِهُوا عَلَيهِ»
رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَالبَيهَقِيُّ وَقَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ عَنهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَهَذَا الحَدِيثُ مَشهُورٌ عَلَى أَلسِنَةِ النَّاسِ.
أحاديث نسيان النبي ﷺ لآيات من القرآن
وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَقرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيلِ فَقَالَ:
«يَرحَمُهُ اللهُ لَقَد أَذكَرَنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا كُنتُ أُنسِيتُهَا مِن سُورَةِ كَذَا وَكَذَا»
رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: “نَسِيتُهَا”، وَفِي رِوَايَةٍ: “أَسقَطتُهَا”، أَي أَسقَطتُهَا سَهوًا لَا عَمدًا.
فَقَد يَحصُلُ لِلنَّبِيِّ نِسيَانُ بَعضِ الآيَاتِ مِنَ القُرءَانِ بَعْدَ أَنْ يُبَلِّغَهُ للنَّاسِ لَكِنَّهُ يَعُودُ وَيَتَذَكَّرُهَا عَن قُربٍ.
وَهَذَا كَمَا ذَكَرْتُ يَحصُلُ بَعدَ تَبلِيغِ هَذِهِ الآيَاتِ أَمَّا قَبلَ تَبلِيغِهَا فَلَا يَجُوزُ عَلَيهِ أَن يَنسَى القُرءَانَ أَصلًا، قَالَ هَذَا الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى الحَدِيثِ.
وَعَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ أُسقِطَ آيَةً فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنهَا قَالَ:
«أَفِي القَومِ أُبَيٌّ؟»
قَالَ: نَعَم يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ:
«فَلِمَ لَم تُذَكِّرنِي؟»
قَالَ: خَشِيتُ أَنَّهَا رُفِعَت. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«لَم تُرفَع وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالبَيْهَقِيِّ.
مثال من العلماء
وَقَد وَرَدَ فِي تَرَاجِمِ بَعضِ العُلَمَاءِ أَنَّ بَعضَهُم نَسِيَ مَا كَانَ حَفِظَهُ مِن كِتَابِ اللهِ، فَهَل يُقَالُ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَو هَؤُلَاءِ العُلَمَاءَ ارتَكَبُوا كَبِيرَةً لِمُجَرَّدِ أَنَّهُم نَسُوا آيَةً أَو آيَاتٍ مِن كِتَابِ اللهِ؟!
وَهَل يُقَالُ إِنَّ الإِمَامَ إِذَا نَسِيَ فِي صَلَاتِهِ آيَةً كَانَ عَاصِيًا؟!
وَلَقَد قِيلَ: مَا سُمِّيَ الإِنسَانُ إِنسَانًا إِلَّا لِنِسيَانِهِ، مَعنَاهُ أَنَّ الإِنسَانَ يَكثُرُ مِنهُ النِّسيَانُ.
فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَو كَانَ هُنَاكَ مَعصِيَةٌ عَلَى مَن نَسِيَ شَيئًا مِنَ القُرءَانِ لَكَانَ هُنَاكَ حَرَجٌ فِي الدِّينِ، وَأَيُّ حَرَجٍ.
الجواب عن بعض الأحاديث التي ظاهرها أن نسيان القرءان معصية
قَالَ أَهلُ العِلمِ: إِذَا خَالَفَ مَضمُونُ الحَدِيثِ ـ وَإِن رُوِيَ مِن طَرِيقِ بَعضِ الثِّقَاتِ ـ رِوَايَةَ مَن هُوَ أَوثَقُ مِنهُ، أَو رِوَايَةَ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ، وَكَانَ لَا يُمكِنُ الجَمعُ بَينَهُمَا، فَهُوَ حَدِيثٌ شَاذٌّ يُرَدُّ وَلَا يُعمَلُ بِهِ، فَكَيفَ إِن كَانَ الحَدِيثُ الَّذِي يُخَالِفُ الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ حَدِيثًا ضَعِيفًا.
الحديث الأول وتضعيفه
فَعُلِمَ مِن هَذِهِ القَاعِدَةِ أَنَّهُ لَا يُقبَلُ الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ:
«عُرِضَت عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَم أَرَ ذَنبًا أَعظَمَ مِن آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَقَد تَكَلَّمَ فِيهِ التِّرمِذِيُّ وَصَرَّحَ بِتَضعِيفِهِ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَقَالَ عَنهُ: «ضَعِيفٌ»، وَضَعَّفَهُ أَيضًا الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
كلام الترمذي والبخاري عن الحديث
وَقَالَ التِّرمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعرِفُهُ إِلَّا مِن هَذَا الوَجهِ، قَالَ: وَذَاكَرتُ بِهِ مُحَمَّدَ بنَ إِسمَاعِيلَ ـ يَعنِي الإِمَامَ البُخَارِيَّ ـ فَلَم يَعرِفهُ وَاستَغرَبَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ـ يَعنِي الإِمَامَ البُخَارِيَّ ـ: لَا أَعرِفُ لِلمُطَّلِبِ بنِ عَبدِ اللهِ ـ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الحَدِيثِ ـ سَمَاعًا مِن أَحَدٍ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا قَولَهُ: حَدَّثَنِي مَن شَهِدَ خُطبَةَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَسَمِعتُ عَبدَ اللهِ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ يَقُولُ: لَا نَعرِفُ لِلمُطَّلِبِ سَمَاعًا مِن أَحَدٍ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ عَبدُ اللهِ: وَأَنكَرَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ أَن يَكُونَ المُطَّلِبُ سَمِعَ مِن أَنَسٍ.
الحديث الثاني وضعفه
وَعَلَى القَاعِدَةِ المَذكُورَةِ أَيضًا لَا يُقبَلُ الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ:
«مَن قَرَأَ القُرءَانَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجذَمُ»
وَقَالَ عَنهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ: «وَفِي إِسنَادِهِ مَقَالٌ».
الخلاصة
فَالحَاصِلُ أَنَّ هَذَينِ الحَدِيثَينِ وَإِن رُوِيَا وَذُكِرَا فِي بَعضِ كُتُبِ الحَدِيثِ لَا يُقَاوِمَانِ الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ السَّابِقَةَ.