الحكمة من الكسوف والخسوف
تَخويفٌ مِنَ اللهِ لعِبادِه وتَذكيرٌ لهم حتّى يَنتَبِهُوا مِن غَفلَتِهم ويَتُوبُوا إلى الله، وهَذا لحِكمَةٍ يَعلَمُها الله، وليس الخُسُوف والكسُوفُ يحصلان لأنّ إنسانًا عَظيمًا يمُوتُ ولا لأنّ إنسَانًا عَظيمًا يُولَدُ إنّما هو تَخويفٌ وتَذكيرٌ لعِبادِ الله حتّى يَنتَبِهُوا ويَستَيقِظُوا مِن غَفلَتِهم فيَتُوب مَن يَتُوب، فالخُسُوفُ والكُسُوف ءايتَانِ مِن ءاياتِ اللهِ تَخويفٌ مِنَ اللهِ لعِبَادِه. معنَاهُ استَعِدُّوا لآخِرَتِكُم. الشّمسُ والقَمرُ يَزُولانِ وهَذه الأرضُ تَزُولُ ومَا علَيها يَزُولُ تَهيَّؤوا بالاستِعدَادِ للآخِرَة.
وقيل إنّ من حكمة وقوع الكسوف تبين أنموذج ما سيقع في القيامة والتنبيه على سلوك طريق الخوف والرجاء لوقوع الكسوف، ثم كُشف ذلك ليكون المؤمن من ربه على حالتي الخوف والرجاء.
وفي الكسوف إشارة إلى تقبيح رأي من يَعبُد الشمس والقمر، إذ هما جِرمان مخلوقان لهما حجم وهيئة وكيفية ولون وعمق ومساحة، أما الله تعالى المعبود بحق فليس كمثله شىء.
التسمية
الأشهَر أن يُقَالَ خُسُوفُ القَمر وكُسُوف الشّمس لكن يجُوز أن يُقَالَ الكُسُوفَان.
صلاة الكسوف
- تصلى صلاة الكسوف جماعة وفرادى، وهي ركعتان على صفة مخصوصة فينوي المرء معتدلا ويكبر
- ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من سورة البقرة
- ثم يركع ركوعا طويلا
- ثم يرفع رأسه ويعتدل
- ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر من سورة ءال عمران
- ثم يركع ركوعا ثانيا
- ثم يعتدل
- ثم يسجد مرتين كما هي الصلاة المعهودة، فيكون قد أتم ركعة
- ثم يكرر ما فعله في الأولى ويسلم
- ثم يتَذكَّرُ الآخرَة ويُبَادِرُ إلى التّوبَة
فعن أبي بَكْرَةَ رضيَ الله عنه قالَ: كُنّا عندَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فانْكَسَفَتِ الشّمسُ فقَامَ النّبيّ صَلّى الله عليه وسلم يَجُرُّ رِداءَه حتى دَخَل المسجِدَ فدَخَلنَاه، فصَلَّى بِنَا ركعتَين حتى انجَلَتِ الشّمسُ، فقَال النّبيُّ صلّى الله عليه وسلم: “إنّ الشّمسَ والقَمَر لا يَنكَسِفَانِ لِمَوتِ أحَدٍ فإذَا رأَيتُمُوهُمَا فصَلُّوا وادْعُوا حتى يَنكَشِفَ مَا بِكُم” رواه البزار.
وعن عائشةَ رضيَ الله عنها قَالَت: خُسِفَتِ الشّمسُ في عَهدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فصَلَّى بالنّاس فقَام فأَطَالَ القِيَامَ ثم ركَع فأَطَالَ الرّكُوعَ ثم قامَ فأَطَالَ القِيَامَ وهوَ دُونَ القِيَام الأوَّل ثم ركعَ فأَطَالَ الركُوعَ وهوَ دُونَ الركُوع الأوّل ثم سَجَد فأَطَالَ السّجُودَ ثم فَعل في الركعةِ الثّانيَةِ مِثلَ مَا فَعَلَ في الركعةِ الأُولى ثم انصَرَف وقَدِ انْجَلَتِ الشّمسُ فخَطَبَ النّاسَ فحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى علَيه ثم قال: “إنّ الشّمسَ والقَمَر ءايَتَانِ مِن ءاياتِ الله لا يَنخَسِفَانِ لموتِ أحَدٍ ولا لحَياتِه فإذَا رأَيتُم ذلك فادْعُوا اللهَ وكَبّرُوا وصَلُّوا وتَصَدَّقُوا” رواه البيهقي.
حدوث الكسوف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
إنّ حدوث الكسوف أمر غير اعتيادي يحصل في الحياة الدنيا مرات قليلة، وقد جعل الله فيه موعظة وتنبيها للعباد. وقد حدث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق عندما مات ابنه إبراهيم عليه السلام، قال بعض الناس وقد كسفت الشمس: إنما كسفت لموت إبراهيم، فقام النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وقال:
قال رسول الله ﷺ
إنّ الشمس والقمر ءايتان من ءايات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة
وقوله عليه السلام: “فافزعوا” أي فالتجئوا إلى الله، فالالتجاء إليه عند المخاوف والشدائد بالدعاء والاستغفار سبب لمحو ما فُرط من العصيان فإنّ الذنوب سبب للبلايا والعقوبات الآجلة والعاجلة نسأل الله رحمته وعفوه وغفرانه.
قال الله تعالى
وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا
سورة الاسراء ءاية 59
فسر بعض العلماء هذه الآية الكريمة أنّ فيها ردّا لما كانت الجاهلية تعتقد أنّ الشمس والقمر إنما ينخسفان لموت عظيم وبعض المنجمين يعتقدون تأثيرهما في العالم.
الإرشادات النبوية عند حصول الكسوف والخسوف
جاء الإرشاد النبوي الكريم للأمة المحمدية فيما ينبغي فعله إذا ما حصل الكسوف، وهو الالتجاء إلى الله تعالى والتضرع إليه سبحانه، فقد قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا وصلّوا وتصدّقوا”. لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة والصدقة، والتعوذ بالله من عذاب القبر، إذ ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر وإن كان نهارا، والشىء بالشىء يذكر فيخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل التمسك بما ينجي من عذاب الآخرة.