المؤمن دائما هو الرابح

نعمة الإيمان وتحمل البلاء

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾


سورة إبراهيم (32 – 34)

وإن نِعَمَ اللهِ عَلَينَا كَثِيرَةٌ وَرَحمَةَ اللهِ بالمُؤمِنِ عَظِيمَةٌ كَبِيرَةٌ فَهُوَ سُبحَانَهُ الَّذِي أَسبَغَ عَلَينَا نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، فَنَحنُ نَحمَدُهُ تَعَالَى حَمدًا كَثِيرًا عَلَى إِنعَامَاتِهِ وَهِبَاتِهِ وَعَطِيَّاتِهِ الوَاصِلَةِ إِلَينَا وَالفَائِضَةِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾

سورة النحل (53)

وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

سورة النحل (18)

مَعنَاهُ نَحنُ لَا نَحصُرُهَا بِالعَدِّ، وَلَكِنْ أَعظَمُ نِعمَةٍ أَنعَمَ اللهُ بِهَا عَلَينَا هِيَ الإِسلَامُ وَأَن جَنَّبَنَا الكُفرَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَنِعمَةُ الإِيمَانِ أَفضَلُ مِنْ نِعمَةِ الصِّحَّةِ وَالمَالِ، وَقَدِ اعتَادَ بَعضُ المُسلِمِينَ قَولَ كَلِمَةٍ حُلوَةٍ هِيَ: “الحَمدُ للهِ عَلَى نِعمَةِ الإِسلَامِ وَكَفَى بِهَا مِن نِعمَةٍ”.

وَلِذَلِكَ قَالُوا: “مَنْ أُعطِيَ الدُّنيَا وَلَم يُعطَ الإِيمَانَ فَكَأنَّمَا مَا أُعطِيَ شَيئًا، وَمَنْ أُعطِيَ الإِيمَانَ وَلَم يُعطَ الدُّنيَا فَكَأنَّمَا مَا مُنِعَ شيئًا”، وَفِي ذَلِكَ أَنشَدَ بَعضُهُم فَقَالَ:

نِعَمُ الإِلَهِ عَلَى العِبَادِ كَثِيرَةٌ
وَأَجَلُّهُنَّ فَنِعمَةُ الإِيمَانِ

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

وإِنَّ الله عَزَّ وجلَّ يُعْطِي الدُّنْيا مَنْ يُحِبُّ ومَنْ لا يُحِبُّ، ولا يُعْطِي الدِّينَ إِلاَّ مَنْ أَحَبَّ، فمنْ أَعطاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحبَّهُ

رواه أحمد

المسلم حكما ومعنى هو الرابح

مَعنَى أَنَّ المُؤمِنَ حُكمًا وَمَعنًى دَائِمًا هُوَ الرَّابِحُ: أَي أنه يَربَحُ الثَّوَابَ فِي الآخِرَةِ دَائِمًا فِي كُلِّ أَحوَالِهِ إِذَا صَبَرَ عَلَى البَلَاءِ.

وَأَحيَانًا يَكُونُ رَابِحًا حُكمًا وَمَعنًى وَحِسًّا، وَمَعنَى أَنَّهُ رَابِحٌ حِسًّا: أَي أَنَّهُ يَربَحُ الثَّوَابَ وَمَعَ ذَلِكَ يَعلُو عَلَى أَعدَائِهِ الكُفَّارِ فِي الدُّنيَا وَيَغلِبُهُم.

فَفِي كُلِّ الأَحوَالِ حُكمًا وَمَعنًى هُوَ المُستَفِيدُ، إِذَا قُتِلَ ظُلمًا فَهُوَ شَهِيدٌ، لَا يُعَذَّبُ فِي القَبرِ وَلَا فِي مَوَاقِفِ القِيَامَةِ وَلَا يَدخُلُ النَّارَ، إِذَا جُرِحَ فَصَبَرَ فَلَهُ أَجرٌ، إِذَا سُجِنَ، إِذَا هُجِّرَ مِن بَلَدِهِ وَأَرضِهِ، إِذَا أُتلِفَت أَموَالُهُ، إِذَا اعتُدِيَ عَلَى أَرضِهِ وَعِرضِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ وَهُوَ رَابِحٌ إِن قُتِلَ مَعَ ذَلِكَ.

جاء في عدة أحاديث أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ

مَن قُتِلَ دُونَ أَرضِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن قُتِلَ دُونَ عِرضِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ

رواه البخاري وغيره

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

وَإِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ

رواه الترمذي

فَالعِبرَةُ لَيسَت بِالدُّنيَا، فَإِنَّ مَن حَصَّلَ الدُّنيَا مِن أَوَّلِ وِلَادَتِهِ إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ ذَا جَاهٍ أَو سُلطَانٍ أَو نَحوَ ذَلِكَ وَكَانَ عَلَى غَيرِ الإِسلَامِ وَلَو لَم يُبتَلَ بِأَيِّ بَلَاءٍ دُنيَوِيٍّ بِالمَرَّةِ فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى حُسنِ حَالِهِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ، بَل هَذَا يَدُلُّ عَلَى سُوءِ حَالِهِ.

بين نعمة الإيمان وتحمل البلاء

الإِيمَانُ هُوَ أَفضَلُ نِعمَةٍ وَأَغلَى نِعمَةٍ يُؤتَاهَا العَبدُ، لَكِن هَذَا لَا يُعَارِضُ أَن يُبتَلَى المُؤمِنُ فِي دُنيَاهُ إِذَا سَلَّمَ اللهُ لَهُ أَمرَ دِينِهِ، فَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبدًا ابتَلَاهُ فِي الدُّنيَا وَحَفِظَهُ مِنَ البَلَاءِ فِي الدِّينِ يَعنِي حَفِظَهُ مِنَ الكُفرِ، لِأَنَّ الشَّخصَ مَهمَا كَانَت حَالَتُهُ المَادِّيَّةُ فِي الدُّنيَا، إِذَا كَانَ عَلَى الإِيمَانِ وَعَمِلَ الأَعمَالَ الصَّالِحَةَ وَأَطَاعَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَهَذَا قَد أَعَدَّ اللهُ لَهُ الخَيرَ العَظِيمَ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَضُرُّهُ إِن كَانَ فِي الدُّنيَا فَقِيرًا أَو مُستَضعَفًا، لِأَنَّ الخَيرَ وَالفَوزَ الحَقِيقِيَّ هُوَ بِالنَّجَاةِ مِن عَذَابِ اللهِ تَعَالَى وَنَيلِ نَعِيمِهِ وَرِضَاهُ فِي الآخِرَةِ.

ثُمَّ إِنَّ عِبَادَ اللهِ الصَّالِحِينَ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ عَبرَ الأَزمِنَةِ كَانُوا مِن أَكثَرِ النَّاسِ بَلَاءً، وَبَعضُهُم كَانَ مِن أَشَدِّ النَّاسِ فَقرًا، فَإِذَا نَظَرنَا مَثَلًا إِلَى سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَجِدُ أَنَّهُ مِن بِدَايَةِ حَيَاتِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ كَانَ فِي بَلَاءٍ دُنْيَوِيٍّ شَدِيْدٍ، فَقَد مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ مَا زَالَ حَملًا فِي بَطنِ أُمِّهِ، ثُمَّ مَاتَت أُمُّهُ وَهُوَ فِي عُمُرِ السِّتِّ سَنَوَاتٍ، ثُمَّ مَاتَ جَدُّهُ ثُمَّ مَاتَ عَمُّهُ وَزَوجَتُهُ وَأُخرِجَ مِن بَلَدِهِ مَكَّةَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ حَتَّى سُمِّيَ هَذَا العَامُ بِعَامِ الحُزنِ لِشِدَّةِ مَا أَصَابَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِن بَلَاءٍ وَهَمٍّ وَضِيقٍ.

وَإِذَا نَظَرنَا إِلَى الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم نَجِدُ أَنَّ أَكثَرَهُم كَانَ مِنَ المُستَضعَفِينَ، عَذَّبَهُمُ المُشرِكُونَ وَءَاذَوهُم لِإِسلَامِهِم وَإِيمَانِهِم بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَم عُذِّبَ خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ وَكَم عُذِّبَ بِلَالٌ الحَبَشِيُّ وَكَم عُذِّبَ ءَالُ يَاسِرَ حَتَّى قُتِلُوا، وَكَم عَذِّبَ غَيرُهُمُ الكَثِيرُ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ هُم مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَضُرُّهُم عِندَ اللهِ، فَمَن عُذِّبَ مِنهُم كَانَ لَهُ الثَّوَابُ وَمَن مَاتَ كَانَت لَهُ الشَّهَادَةُ، فَهُمُ الفَائِزُونَ الحَقِيقِيُّونَ وَلَيسَ المُشرِكُونَ الَّذِينَ عَذَّبُوهُم فائزين، ثُمَّ كَانَت نَتِيجَةُ صَبرِهِم أَن نَصَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى عَدُوِّهِم وَأَثلَجَ صُدُورَهُم بِإعلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ حَتَّى عَادُوا إِلَى مَكَّةَ فَاتِحِينَ مُنتَصِرِينَ رَافِعِي رُؤُوسِهِم، وَلَم يَكُن هَذَا دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ رِضَا اللهِ تَعَالَى عَنهُم، بَل قَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرءَانِ أَنَّهُ رَاضٍ عَن السابقين الأولين.

قَالَ تَعَالَى

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

سورة التوبة (100)

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

“إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَومًا ابتَلَاهُم”، وَقَالَ ﷺ فيما رواه ابن ماجه: “أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنبِيَاءُ ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ، يُبتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ”.

رواه أحمد

ما هو الإيمان؟

  • الإِيمَانُ لُغَةً: مَأخُوذٌ مِنَ الفِعلِ ءَامَنَ بِهِ إِيمَانًا أَي صَدَّقَهُ جَازِمًا.
  • وَأَمَّا اصطِلَاحًا: فَهُوَ التَّصدِيقُ الجَازِمُ وَالاعتِقَادُ بِوُجُودِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مَعَ الإِقرَارِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِكُلِّ مَا أَخبَرَ بِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ الطَّوِيلِ المَشهُورِ

الإِيمَانُ أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ

رواه مسلم

وَلَا يَصِحُّ الإِيمَانُ وَالإِسْلَامُ وَلَا تُقْبَلُ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ بِدُونِ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ خُصُوصُ هَذَا اللَّفْظِ بَلْ يَكْفِي مَا يُعْطِي مَعْنَاهُمَا.

وَاعْتِقَادُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَطْ لا يَكْفِي مَا لَمْ يُقْرَنْ بِاعْتِقَادِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

قَالَ تَعَالَى

﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾

سورة ءال عمران (32)

أَيْ لَا يُحِبُّ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالرَّسُولِ لِكُفْرِهِمْ وَالْمُرَادُ بِطَاعَةِ اللهِ وَالرَّسُولِ فِي هَذِهِ الآيَةِ الإِيمَانُ بِهِمَا.

الإسلام هو الدين الذي رضيه الله لعباده

الإِسْلامُ هُوَ الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الَّذِي أَحَبَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ دِينُ كُلِّ الأَنبِيَاءِ، وَهُوَ دِينُ اللهِ فِي الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، يَدِينُ بِهِ مَن رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ البَشَرِ وَالجِنِّ فِي الأَرضِ وَيَدِينُ بِهِ المَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ دِينُ أَهلِ الجَنَّةِ.

فَقَدِيمًا كَانَ الْبَشَرُ جَمِيعُهُمْ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَى الإِسْلامِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ كَافِرٌ، فَعَلَّمَ أَوْلادَهُ الدِّينَ كَمَا عَلَّمَهُمْ أُصُولَ الْمَعِيشَةِ وَعَمِلَ لَهُمُ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الْمَعِيشَةِ.

وَإِنَّمَا حَدَثَ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ بِاللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا ءَادَمَ بِأَلْفِ سَنَةٍ وَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا إِدْرِيسَ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى هَذَا زَمَانًا إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سَيِّدَنَا نُوحًا يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَبَيْنَ إِدْرِيسَ وَنُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلامُ أَلْفُ سَنَةٍ وَتِلْكَ الْفَتْرَةُ تُسَمَّى الْجَاهِلِيَّةَ الأُولَى.

العقيدة هي رأس مال المسلم

إِنَّ حَربَ الكُفَّارِ عَلَى المُسلِمِينَ حَربٌ عَقَائِدِيَّةٌ، هُم يُحَارِبُونَنَا لِأَنَّنَا مُسلِمُونَ، فَهَدَفُهُم هُوَ مَحوُ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ وَهَدمُ دِينِ اللهِ تَعَالَى.

لِذَلِكَ يَنبَغِي عَلَينَا أَن نَنتَبِهَ لِهَذَا الجَانِبِ وَنَحذَرَ العَدُوَّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وَهَذَا يَكُونُ بِالتَّمَكُّنِ فِي دِينِنَا وَتَعلِيمِ الكِبَارِ وَالصِّغَارِ تَعَالِيمَ الإِسلَامِ الحَنِيفِ وَعَقِيدَةَ المُسلِمِينَ كَمَا فَعَلَ الإِمَامُ الغَازِي صَلَاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ بَدَأَ بِتَعلِيمِ النَّاسِ دِينَهُم أَربَعِينَ سَنَةً قَبلَ أَن يُعَلِّمَهُم القِتَالَ، فَكَانَ هَذَا هُوَ سَبَبَ النَّصرِ وَالفَتحِ العَظِيمِ الَّذِي حَقَّقَهُ، لِأَنَّهُ بِدُونِ الإِيمَانِ لَا يَقبَلُ اللهُ مِنَ العَبدِ أَيَّ عَمَلٍ صَالِحٍ، لِذَلِكَ يَنبَغِي أَن نُعَزِّزَ هَذَا الجَانِبَ لَدَى الكِبَارِ وَالصِّغَارِ لِيَقوَى إِيمَانُهُم فَتَقوَى عَزِيمَتُهُم بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.

وَيَنبَغِي عَلَينَا أَن نَتَذَكَّرَ دَائِمًا أَنَّ مِن أَهَمِّ مَا يُعطِي الأُمَّةَ القُوَّةَ وَالعِزَّةَ هُوَ نَشرَ عِلمِ الدِّينِ بَينَ النَّاسِ وَتَعلِيمَ عَقِيدَةِ المُسلِمِينَ لِلكِبَارِ وَالصِّغَارِ، فَإِنَّ المُؤمِنَ مَهمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ البَلَايَا الدُّنيَوِيَّةِ إِذَا صَبَرَ يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ فِيهَا، أَمَّا البَلَايَا فِي الدِّينِ فَإِنَّهَا شَدِيدَةٌ مُهلِكَةٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، لِأَنَّنَا نَرَى اليَومَ الكَثِيرَ مِن شَبَابِ وَشَابَّاتِ المُسلِمِينَ يَنجَرِفُونَ نَحوَ المَعَاصِي وَنَحوَ التَّقلِيدِ الأَعمَى الَّذِي فِيهِ هَلَاكُهُم، وَيَنسَونَ دِينَهُم.

الخاتمة

تَكَرَّرَ وَعدُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ الصَّابِرِينَ الثَّابِتِينَ عَلَى دِينِ الإِسلَامِ بِالنَّصرِ فِي ءَايَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَخبَرَ بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، وَوَعدُ اللهِ حَقٌّ لَا يَتَخَلَّفُ، فَالمُؤمِنُ إِمَّا أَن يَنتَصِرَ فِي الدُّنيَا وَيَعلُوَ عَلَى أَعدَاءِهِ وَأَعدَاءِ الدِّينِ، وَإِمَّا أَن يُحَصِّلَ الثَّوَابَ مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَى إِيمَانِهِ وَثَبَاتِهِ وَصَبرِهِ، فَيَكُونَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الفَائِزِينَ، وَمَن زُحزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فَازَ وَنَجَا وَظَفِرَ بِعَظِيمِ الكَرَامَةِ، فَهَذِهِ هِيَ حَقِيقَةُ الفَوزِ، وَمَا الحَيَاةُ الدُّنيَا إِلَّا شَيءٌ زَائِلٌ لَا عِبرَةَ بِهِ.

صَحَّ عَن خَبَّابٍ أَنَّهُ قَالَ: شَكَونَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بِبُرْدٍ لَهُ فِي ظِلِّ الكَعبَةِ، فَقُلنَا: أَلَا تَستَنصِرُ لَنَا؟ فَجَلَسَ مُحمَرًّا وَجهُهُ وَقَالَ: قَد كَانَ مِنْ قَبلِكُم يُؤخَذُ الرَّجُلُ فَيُحفَرُ لَهُ فِي الأَرضِ، ثُمَّ يُجَاءُ بِالمِنشَارِ فَيُجعَلُ فَوقَ رَأسِهِ، مَا يَصرِفُهُ عَن دِينِهِ، وَيُمشَطُ بِأَمشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحمِهِ مِن عَظمٍ وَعَصَبٍ، مَا يَصرِفُهُ عَن دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنعَاءَ إِلَى حَضرَمَوتَ لَا يَخشَى إِلَّا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَالذِّئبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُم تَسْتَعجِلُوْنَ. رواه البخاري ومسلم

فَمَهمَا عَلَا الشَّخصُ فِي الدُّنيَا إِذَا كَانَ فِي الآخِرَةِ مِن أَصحَابِ النَّارِ فَهُوَ الخَاسِرُ، أَمَّا المُؤمِنُ فَهُوَ الرَّابِحُ الحَقِيقِيُّ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا، وَبِهِ فَاسْتَعِينُوا، لَا بِالْجُمُوعِ وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ، فَإِنَّ نَصْرَكُمْ يَكُونُ بِعَوْنِ اللهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ عَبَادَهُ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ الفَوَائِدُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرآنِ الكَرِيمِ.
  2. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  3. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  4. سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
  5. سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
  6. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  7. الرَّوضِ الأُنُفِ لِأَبِي القَاسِمِ السُّهَيلِيِّ.