بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
سورة الأحزاب: 23
إِنَّ تَارِيخَ أُمَّتِنَا مَلِيءٌ بِالرِّجَالِ الَّذِينَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ، رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ فَأَنزَلَ عَلَيهِمُ السَّكِينَةَ وَالرِّضوَانَ، وَجَاهَدُوا فِي اللهِ حَقَّ الجِهَادِ وَلَم يَهَابُوا المَوتَ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلًا، هُم نُجُومٌ تَهتَدِي بِهِمُ الأُمَمُ عَلَى مَدَا الأَزمَانِ، وَمِنهُمُ السُّلطَانُ النَّاصِرُ المُجَاهِدُ صَلَاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ.
اسمه ونسبه
هُوَ العَالِمُ الوَرِعُ وَالفَارِسُ النَّاصِرُ المُجَاهِدُ السُّلطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بنُ أَيُّوبَ بنِ شَادِي.
مولده
وُلِدَ سَنَةَ خَمسِمِائَةٍ وَاثنَينِ وَثَلَاثِينَ لِلهِجرَةِ فِي قَلعَةِ “تِكرِيتَ” وَهِيَ مَدِينَةٌ تَقَعُ عَلَى ضِفَافِ دِجلَةَ جَنُوبِيَّ بَغدَادَ فِي العِرَاقِ.
نشأته
انتقل والده نجم الدين أيوب مع أهله إلى بعلبك بعد أن عيّنه عماد الدين واليًا عليها، ولكن لم يطل مقامهم في بعلبك حيث انتقلوا للعيش في دمشق، وقد تولّى صلاح الدين رئاسة شرطة دمشق في عهد نور الدين، ثُمَّ انتَقَلَ مَعَ وَالِدِهِ إِلَى المَوصِلِ وَاستَقَرَّ فِيهَا فِيْ خِدْمَةِ وأَعْمَالِ عِمَادِ الدِّينِ زِنكِي.
وَبَعدَ وَفَاةِ نُورِ الدِّينِ بنِ عِمَادِ الدِّينِ زِنكِي عَامَ خَمسِمِائَةٍ وَتِسعَةٍ وَسِتِّينَ لِلهِجرَةِ استَقَلَّ صَلَاحُ الدِّينِ بِحُكمِ مِصرَ وَالشَّامِ وَغَيرِهَا، ثُمَّ شَمَّرَ عَن سَاعِدِهِ لِتَوحِيدِ البِلَادِ وَقَد وَفَّقَهُ اللهُ إِلَى ذَلِكَ.
شجاعته
بَلَغَ السُّلطَانُ فِي الشَّجَاعَةِ وَالصَّبرِ شَأنًا كَبِيرًا، فَكَانَ رَحِمَهُ اللهُ مِن عُظَمَاءِ الشُّجعَانِ، قَوِيَّ النَّفسِ شَدِيدَ البَأسِ عَظِيمَ الثَّبَاتِ، لَا يَهُولُهُ أَمرُ العَدُوِّ بَل كَانَ يَدُورُ حَولَ العَدُوِّ المَرَّةَ وَالمَرَّتَينِ فِي اليَومِ، يَستَطلِعُ أَخبَارَهُ بِنَفسِهِ إِن كَانَ قَرِيبًا مِنهُ، فَيُحكِمُ خِطَّتَهُ بِهُدُوءٍ وَتَرَوٍّ، فَإِذَا مَا اشتَدَّتِ الحَربُ يَختَرِقُ بَينَ الصَّفَّينِ وَيُرَتِّبُ العَسَاكِرَ وَيَأمُرُهُم بِالتَّقَدُّمِ وَالثَّبَاتِ ثُمَّ يُشرِفُ عَلَى العَدُوِّ بِنَفسِهِ يُبَاشِرُهُ بِالطَّعنِ فَيَكُونُ أَقرَبَ إِلَيهِ فِي مَوَاطِنِ النِّزَالِ حَتَّى تَنكَشِفَ الحَربُ وَهُوَ ثَابِتٌ لَا يَبرَحُ كَلَيثٍ هَصُورٍ تَفِرُّ أَمَامَهُ الحُمُرُ الوَحشِيَّةُ.
وَقَد حَدَّثَ عَنهُ ابنُ شَدَّادٍ فَقَالَ: وَلَقَد رَأَيتُهُ رَحِمَهُ اللهُ يَخرُجُ إِلَى عَكَّا وَهُوَ عَلَى غَايَةٍ مِن مَرَضٍ اعتَرَاهُ بِسَبَبِ دَمَامِيلَ كَثِيرَةٍ كَانَت ظَهَرَت عَلَيهِ مِن وَسَطِهِ إِلَى رُكبَتَيهِ بِحَيثُ لَا يَستَطِيعُ الجُلُوسَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُنكَبًّا عَلَى جَانِبِهِ إِن كَانَ بِالخَيمَةِ، وَامتَنَعَ مِن مَدِّ الطَّعَامِ بَينَ يَدَيهِ لِعَجزِهِ عَنِ الجُلُوسِ، وَكَانَ يَأمُرُ أَن يُفَرَّقَ عَلَى النَّاسِ.
وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ قَد نَزَلَ بِخَيمَةِ الحَربِ قَرِيبًا مِنَ العَدُوِّ وَقَد رَتَّبَ النَّاسَ مَيمَنَةً وَمَيسَرَةً وَقَلبًا لِلقِتَالِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ يَركَبُ مِن بَكرَةِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ المَغرِبِ يَطُوفُ عَلَى الجَيشِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَقَد رَأَيتُهُ لَيلَةً عَلَى صَفَدٍ وَهُوَ يُحَاصِرُهَا وَقَد قَالَ لَا نَنَامُ اللَّيلَةَ حَتَّى تُنصَبَ لَنَا خَمسَةُ مَجَانِيقَ، وَرَتَّبَ لِكُلِّ مَنجَنِيقٍ قَومًا يَتَوَلَّونَ نَصبَهُ، وَكُنَّا طَوَالَ اللَّيلِ فِي خِدمَتِهِ وَالأَخبَارُ تَتَوَاصَلُ بِأَن قَد نُصِبَ المِنجَنِيقُ الفُلَانِيُّ وَالمِنجَنِيقُ الفُلَانِيُّ حَتَّى أَتَى الصَّبَاحُ وَقَد فَرَغَ مِنهَا وَكَانَت مِن أَطوَلِ اللَّيَالِي وَأَشَدِّهَا بَردًا. اهـ.
تحرير أراضي المسلمين
جَهَّزَ السُّلطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ الجُيُوشَ لِقِتَالِ الإِفرِنجِ وَانتِزَاعِ مَا بَقِيَ مِن أَرَاضِي الشَّامِ كَمَا جَهَّزَ جَيشًا لِاستِردَادِ اليَمَنِ عَلَى رَأسِهِ أَخُوهُ تُورَان شَاه بنُ أَيُّوبَ، حَيثُ وَجَدَ صَلَاحُ الدِّينِ أَنَّهُ إِذَا ضَمَّ بِلَادِ اليَمَنِ إِلَى مُلكِهِ سَيَجعَلُ المُسلِمِينَ يُحكِمُونَ السَّيطَرَةَ عَلَى مَنَافِذِ البَحرِ الأَحمَرِ لِحِمَايَةِ الأَرَاضِي المُقَدَّسَةِ فِي الحِجَازِ، خُصُوصًا بَعدَ استِعَادَةِ العَقَبَةِ الوَاقِعَةِ عَلَى البَحرِ الأَحمَرِ، كَمَا وَأَنَّ عَدَنَ قَد أَصبَحَت مَركَزًا مُهِمًّا لِلتِّجَارَةِ الإِسلَامِيَّةِ، فَالمَطلُوبُ حِمَايَتُهَا مِن هَجَمَاتِ الإِفرِنجِ الَّذِينَ قَد يُفَكِّرُونَ بِالِاتِّصَالِ بِأَنصَارِهِم فِي بِلَادِ الحَبَشَةِ، فَكَانَ مِنَ المُهِمِّ تَحصِينُ المَنفَذِ الجَنُوبِيِّ لِلبَحرِ الأَحمَرِ.
وَهَكَذَا، وَبَعدَ أَن جَهَّزَ صَلَاحُ الدِّينِ الجَيشَ، عَبَرَ أَخُوهُ بِالجُيُوشِ الإِسلَامِيَّةِ البَحرَ إِلَى جُدَّةَ وَمِنهَا إِلَى مَكَّةَ حَيثُ دَخَلَهَا مُعتَمِرًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى “زَبِيدَ” فِيْ اليَمَنِ وَتَمَّتِ السَّيطَرَةُ عَلَيهَا، وَتَمَّ أَسرُ حَاكِمِ “عَدَنَ”، كَمَا وَاصَلَ الجَيشُ تَقَدُّمَهُ فَمَلَكَ القَلعَةَ فِي “تَعِزّ” وَهِيَ مِن أَحصَنِ القِلَاعِ، وَعَامَلَ أَهلَهَا بِالإِحسَانِ وَقَضَى عَلَى الانقِسَامِ وَالتَّشَرذُمِ فِيهَا، وَقَضَى عَلَى بَقَايَا النُّفُوذِ الفَاطِمِيِّ، وَقَد حَكَمَ بَنُو أَيُّوبَ اليَمَنَ أَكثَرَ مِن نِصفِ قَرنٍ مِنَ الزَّمَنِ بَعْدَ ذَلِكَ.
كَمَا أَنَّ السُّلطَانَ صَلَاحَ الدِّينِ بَعَثَ حَملَةً إِلَى غَربِيِّ مِصرَ بِقِيَادَةِ “قَرَاقُوش” فَاستَولَى عَلَى بَرقَةَ وَطَرَابُلُسَ الغَربِ وَتُونُسَ، وَهَكَذَا تَمَّ تَوحِيدُ البِلَادِ الإِسلَامِيَّةِ فِي جَبهَةٍ وَاحِدَةٍ تَمتَدُّ مِن بَرْقَةَ وَتُونُسَ غَربًا إِلَى الفُرَاتِ شَرقًا، وَمِنَ المُوصِلِ وَحَلَبٍ شَمَالًا إِلَى النَّوبَةِ وَاليَمَنِ جَنُوبًا، وَبَقِيَ لَدَى صَلَاحِ الدِّينِ هَمٌّ كَبِيرٌ وَهُوَ تَحرِيرُ الأَقصَى مِنَ العَدُوِّ الجَاثِمِ فِي فِلَسطِينَ.
فتحه بيت المقدس
مِن أَشهَرِ أَعمَالِهِ الحَربِيَّةِ وَأَعظَمِهَا تَحرِيرُ بَيتِ المَقدِسِ وَفَتحُ القُدسِ، حَيثُ نَزَلَ عَلَيهَا فِي الخَامِسَ عَشَرَ مِن رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمسِمِائَةٍ، وَتَسَلَّمَهَا يَومَ الجُمُعَةِ فِي السَّابِعِ وَالعِشرِينَ مِن رَجَبٍ لِمُنَاسَبَةِ ذِكرَى الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ وَأُقِيمَتِ الجُمُعَةُ، فَعَلَتِ الأَصوَاتُ بِالتَّكبِيرِ وَالتَّهلِيلِ، وَكَانَ فَتحًا وَتَحرِيرًا عَظِيمًا مَهِيبًا.
مناقبه رضي الله عنه
كَانَ السُّلطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شَافِعِيَّ المَذهَبِ، أَشعَرِيَّ الاعتِقَادِ، طَاهِرَ القَلبِ عَفِيفَ اللِّسَانِ، يَرُدُّ الحُقُوقَ إِلَى أَهلِهَا وَيَمنَعُ الرِّشوَةَ وَيُعَاقِبُ عَلَيهَا، لَا يُحَابِي فِي الحَقِّ أَحَدًا، وَكَانَ رَحِمَهُ اللهُ سِيَاسِيًّا بَارِعًا، وَقَائِدًا فَذًّا، وَفَارِسًا مِقدَامًا عَمَّ ذِكرُهُ فِي الآفَاقِ شَرقًا وَغَربًا.
وَكَانَ دَيِّنًا وَرِعًا زَاهِدًا كَثِيرَ العِبَادَةِ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمسِ فِي أَوقَاتِهَا جَمَاعَةً فِي المَسجِدِ، حَتَّى فِي أَيَّامِ مَرَضِهِ كَانَ يَتَجَلَّدُ وَيَحضُرُهَا كَمَا ذَكَرَهُ ابنُ شَدَّادٍ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُوَاظِبًا عَلَى السُّنَنِ وَالرَّوَاتِبِ وَقِيَامِ اللَّيلِ، وَكَانَ إِذَا أَدرَكَتهُ الصَّلَاةُ وَهُوَ سَائِرٌ نَزَلَ وَصَلَّى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ رَحِمَهُ اللهُ كَانَ يَنتَقِي إِمَامَهُ وَيَتَخَيَّرُهُ عَالِمًا بِالقُرءَانِ مُتقِنًا ضَابِطًا لِحِفظِهِ، وَكَانَ رَحِمَهُ اللهُ خَاشِعَ القَلبِ غَزِيرَ الدَّمعَةِ رَفِيقًا حَلِيمًا شَفُوقًا نَاصِحًا، إِذَا سَمِعَ القُرءَانَ خَشَعَ قَلبُهُ وَدَمَعَت عَينَاهُ، وَكَانَ كَثِيرَ التَّعظِيمِ لِشَعَائِرِ الإِسلَامِ.
وَكَانَ مُوَاظِبًا عَلَى صَلَاةِ السُنَّةِ وَكَانَ لَهُ رَكَعَاتٌ يُصَلِّيهَا إِذَا استَيقَظَ بِوَقتٍ مِنَ اللَّيلِ، وَإِلَّا صَلَّاهَا قَبلَ صَلَاةِ الصُّبحِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِمًا فِي مَرَضِهِ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ فِي ءَاخِرِ أَيَّامِهِ وَكَانَ سَبَبًا فِي وَفَاتِهِ.
حبه للقرءان رضي الله عنه
كَانَ كَثِيرًا مَا يَتَأَثَّرُ بِسَمَاعِ القُرءَانِ الكَرِيمِ، وَلَرُبَّمَا استَقرَأَ الحَارِسَ بِاللَّيلِ الجُزءَينِ وَالثَّلَاثَةَ وَالأَربَعَةَ وَهُوَ يَسمَعُ.
وَمِمَّا يَشهَدُ عَلَى مَدَى حُبِّهِ وَتَعظِيمِهِ لِلقُرءَانِ مَا رُوِيَ أَنَّ صَبِيًا مَرَّ بَينَ يَدَيهِ وَهُوَ يَقرَأُ القُرءَانَ فَاستَحسَنَ قِرَاءَتَهُ فَقَرَّبَهُ وَجَعَلَ لَهُ حَظًّا مِن طَعَامِهِ وَوَقَفَ عَلَيهِ وَعَلَى أَبِيهِ جُزأَينِ مِن مَزرَعَةٍ يَجنِيَانِ مِنهَا.
عدله رضي الله عنه
كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَادِلًا رَؤُوفًا رَحِيمًا نَاصِرًا لِلضَّعِيفِ المَظلُومِ، وَلَهُ مَجَالِسُ لِلخُصُومَاتِ كُلَّ يَومِ اثنَينِ وَخَمِيسٍ يَحضُرُهُ الفُقَهَاءُ وَالقُضَاةُ، وَيَفتَحُ البَابَ لِلمُتَحَاكِمِينَ حَتَّى يَصِلَ إِلَيهِ مَن شَاءَ مِن كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ أَو عَجُوزٍ أَو شَيخٍ وَمَا استَغَاثَ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا سَمِعَ لَهُ وَكَشَفَ ظَلَامَتَهُ إِن كَانَ عَلَيهِ ظَلَامَةٌ وَدَفَعَهَا عَنهُ، وَقَد حَدَّثَ ابنُ شَدَّادٍ مَرَّةً فَقَالَ: “لَقَد رَأَيتُهُ وَقَدِ استَغَاثَ بِهِ إِنسَانٌ مِن أَهلِ دِمَشقَ يُقَالُ لَهُ ابنُ زُهَيرٍ عَلَى تَقِيِّ الدِّينِ ابنِ أَخِيهِ فَأَنفَذَ إِلَيهِ لِيَحضُرَ مَجلِسَ الحُكمِ وَكَانَ تَقِيُّ الدِّينِ هَذَا مُقَرَّبًا إِلَيهِ مَحبُوبًا لَدَيهِ عَظِيمًا فِي عَينَهِ وَلَكِنَّهُ لَم يُحَابِهِ فِي مِثلِ هَذَا الأَمرِ بَلِ استَدعَاهُ حِرصًا عَلَى إِقَامَةِ العَدلِ.
حبه للعلم الديني رضي الله عنه
كَانَ مُحِبًّا لِلعِلمِ وَطَلَبِهِ، شَدِيدَ الرَّغبَةِ فِي سَمَاعِ الحَدِيثِ، فَكَانَ إِذَا سَمِعَ بِشَيخٍ مُحَدِّثٍ ذِي رِوَايَةٍ عَالِيَةٍ وَكَانَ مِمَّن يَحضُرُ مَجَالِسَ السَّلَاطِينِ استَدعَاهُ وَأَخَذَ عَنهُ فَسِمَعُ وَأَسمَعَ أَولَادَهُ وَمَمَالِيكَهُ، وَإِن كَانَ هَذَا الشَّيخُ مِمَّن لَا يَقصِدُونَ أَبوَابَ السَّلَاطِينِ سَارَ إِلَيهِ بِنَفسِهِ فَسَمِعَ مِنهُ وَقَرَأَ وَأَخَذَ عَنهُ.
يَقُولُ السُّبكِيُّ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ عَنِ السُّلطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ إِنَّهُ سَمِعَ الحَدِيثَ مِنَ الحَافِظِ أَبِي طَاهِرٍ السِّلَفِيِّ وَأَبِي طَاهِرٍ بنِ عَوفٍ وَالشَّيخِ قُطبِ الدِّينِ النَّيسَابُورِيِّ وَعَبدِ اللهِ بَرِّي النَّحوِيِّ وَجَمَاعَةٍ غَيرِهُم.
وَقَد سَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ مَسلَكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى الدِّينِ وَالتَّمَسُّكِ بِالعَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ النَّقِيَّةِ عَقِيدَةِ أَهلِ الحَقِّ، فَقَد أَمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِتَدرِيسِ العَقِيدَةِ الإِسلَامِيَّةِ وَالَّتِي فِيهَا تَنزِيهُ اللهِ عَنِ المَكَانِ وَالحَيِّزِ وَاللَّونِ وَغَيرِهَا مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ فِي الكَتَاتِيبِ وَالمَدَارِسِ، وَقَد أَلَّفَ العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بنُ هِبَةِ اللهِ المَكِّيِّ رِسَالَةً فِي العَقِيدَةِ سَمَّاهَا “حَدَائِقَ الفُصُولِ وَجَوَاهِرَ الأُصُولِ” فِي عِلمِ الكَلَامِ عَلَى أُصُولِ أَبِي الحَسَنِ الأَشعَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، أَهدَاهَا إِلَى السُّلطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ الَّذِي أَمَرَ بِتَعلِيمِهَا فِي المَدَارِسِ لِلصِّبيَةِ الصِّغَارِ فَعُرِفَت بِالعَقِيدَةِ الصَّلَاحِيَّةِ وَمِمَّا يَقُولُهُ فِيهَا:
وَصَانِعُ العَالَمِ فَرْدٌ وَاحِدُ *** لَيسَ لَهُ فِي خَلقِهِ مُسَاعِدُ
جَلَّ عَنِ الشَّرِيكِ وَالأَولَادِ *** وَعَزَّ عَن نَقِيصَةِ الأَندَادِ
وَهُوَ قَدِيمٌ مَالَهُ ابتِدَاءُ *** وَدَائِمٌ لَيسَ لَهُ انتِهَاءُ
من وصاياه رضي الله عنه
وَرَدَ أَنَّهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَوصَى أَحَدَ أَولَادِهِ قَائِلًا:
(أُوصِيكَ بِتَقوَى اللهِ فَهِيَ رَأسُ كُلِّ خَيرٍ، وَءَامُرُكَ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ فَإِنَّهُ سَبَبُ نَجَاتِكَ، وَاحذَر مِنَ الدِّمَاءِ وَالدُّخُولِ فِيهَا وَالتَّقَلُّدِ بِهَا فَإِنَّ الدَّمَ لَا يَنَامُ، وَأُوصِيكَ بِحِفظِ قُلُوبِ الرَّعِيَّةِ وَالنَّظَرِ فِي أَحوَالِهَا، وَلَا تَحقِد عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّ المَوتَ لَا يُبقِي عَلَى أَحَدٍ).
ءاثاره رضي الله عنه
بَنَى المَسَاجِدَ وَالمَدَارِسَ وَعَمَّرَ قَلعَةَ الجَبَلِ فِي القَاهِرَةِ وَسَوَّرَهَا، وَبَنَى قُبَّةَ الشَّافِعِيِّ، وَقَد كَانَ لِهَذَا السُّلطَانِ المُجَاهِدِ ثَلَاثَةَ عَوَامِلَ هَيَّأَت لَهُ النَّجَاحَ بِتَوفِيقِ اللهِ وَكَرَّسَتهُ حَاكِمًا وَقَائِدًا وَفَارِسًا فَذًّا، الطَّبعُ المَوهُوبُ، وَالعِلمُ المُكتَسَبُ، وَالتَّجرِبَةُ العَمَلِيَّةِ، يَزِينُهَا جَمِيعًا دِينٌ وَتَقوًى وَوَرَعٌ وَحِنكَةٌ عَسكَرِيَّةٌ، فَمَا هِيَ إِلَّا سَنَوَاتٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى استَطَاعَ أَن يَمُدَّ سُلطَانَهُ مِن مِصرَ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ وَيُوَحِّدَ البِلَادَ وَالعِبَادَ، وَيُعِيدَ الأَرضَ لِأَصحَابِهَا وَلِلأُمَّةِ قُوَّتَهَا بَعدَ الوَهنِ وَالضَّعفِ الَّذِي أَصَابَهَا.
وفاته رضي الله عنه
لَحِقَهُ لَيلَةَ السَّبتِ فِي السَادِسَ عَشَرَ مِن صَفَرٍ تَعَبٌ عَظِيمٌ وَغَشِيَتهُ فِي نِصفِ اللَّيلِ حُمًى شَدِيدَةٌ وَأَخَذَ المَرَضُ فِي التَّزَايُدِ فَقَصَدَهُ الأَطِبَّاءُ وَاجتَمَعُوا لَدَيهِ يَنظُرُونَ أَمرَهُ وَالحُمَّى تَثقُلُ عَلَيهِ حَتَّى أَخَذَتهُ رَعشَةٌ وَأُغمِيَ عَلَيهِ، وَاشتَدَّ الخَطبُ فِي البَلَدِ فَعَمَّ الحُزنُ وَكَثُرَ البُكَاءُ وَلَحِقَهُ فِي اليَومِ العَاشِرِ مِن مَرَضِهِ عَرَقٌ شَدِيدٌ حَتَّى نَفَذَ مِنَ الفِرَاشِ، وَاشتَدَّ مَرَضُهُ لَيلَةَ الثَّانِي عَشَرَ مِن مَرَضِهِ فَحَضَرَ عِندَهُ الشَّيخُ أَبُو جَعفَرٍ إِمَامُ الكَلَّاسَةِ لِيَبِيتَ عِندَهُ فِي القَلعَةِ يُذَكِّرُهُ الشَّهَادَتَينِ عِندَ الاحتِضَارِ، فَكَانَ أَن تُوُفِّيَ السُّلطَانُ مِن تِلكَ اللَّيلَةِ فِي السَّابِعِ وَالعِشرِينَ مِن صَفَرٍ وَأُخرِجَ بَعدَ صَلَاةِ الظُّهرِ مِن يَومِ الأَربِعَاءِ فِي تَابُوتٍ مُسَجًّى وَصَلَّى عَلَيهِ النَّاسُ ثُمَّ دُفِنَ فِي قَلعَةِ دِمَشقَ فِي الدَّارِ الَّتِي كَانَ يُقِيمُ بِهَا وَأُنزِلَ إِلَى لَحدِهِ وَقتَ العَصرِ بَعدَ الصَّلَاةِ مِنَ اليَومِ المَذكُورِ، وَقَد كَانَت وَفَاتُهُ سَنَةَ تِسعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمسِمِائَةٍ عَن سَبعٍ وَخَمسِينَ سَنَةً، وَخَلَّفَ سَبعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا وَبِنتًا وَاحِدَةً، وَيُذكَرُ أَنَّهُ لَم يُوجَد فِي خِزَانَتِهِ الخَاصَّةِ سِوَى دِينَارٍ وَأَربَعِينَ دِرهَمًا وُزِّعَت عَلَى أَولَادِهِ كُلِّهِم.
أَقَامَ فِي السَّلطَنَةِ أَربَعًا وَعِشرِينَ سَنَةً تُوُفِّيَ بَعدَهَا وَعُمُرُهُ سَبعٌ وَخَمسُونَ سَنَةً، وَلَهُ مَقَامٌ ظَاهِرٌ يَزُورُهُ المُسلِمُونَ تَبَرُّكًا بِسِيرَتِهِ العَطِرَةِ وَنَهجِهِ السَّوِيِّ.
رَحِمَ اللهُ السُّلطَانَ المُجَاهِدَ صَلَاحَ الدِّينِ بَطَلِ وَقعَةِ حِطِّينَ وَمُحَرِّرِ بَيتِ المَقدِسِ، فَقَد كَانَ رَجُلَ عَقِيدَةٍ وَصَاحِبَ زُهدٍ وَتُقًى، حَقَّقَ لِأُمَّةِ الإِسلَامِ عِزَّهَا وَقَهَرَ أَعدَاءَهَا لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَعلُومَاتُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- سِيرَةِ صَلَاحِ الدِّينِ الأَيُّوبِيِّ المُسَمَّاةِ بِالنَّوَادِرِ السُّلطَانِيَّةِ وَالمَحَاسِنِ اليُوسُفِيَّةِ لِبَهَاءِ الدِّينِ ابنِ شَدَّادٍ.
- طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ لِلسُّبكِيِّ.
- الْبِدَايَةِ والنِّهَايَةِ لِابْنِ كَثِيْرٍ.