المجاهد الباسل طارق بن زياد رحمه الله

المجاهد باسل طارق بن زياد رحمه الله

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

‌‌ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، [سورة القصص:83].

وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعدِلُ الجِهَادَ، قَالَ: “لَا أَجِدُهُ”، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَرَوَى البُخَارِيُ أنَّ فِي الجَنَّةِ ‌مِائَةَ ‌دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَينِ مَا بَينَهُمَا كَمَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ.

وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِ مَن يَغْزُوْ بِنَفسِهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُليَا وَكَلِمَةُ الذِينَ كَفَرُوا هِيَ السُّفلَى، فَطُوبَى لِمُجَاهِدٍ مُخلِصٍ اغبَرَّت قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمِن هَؤُلَاءِ المُجَاهِدِينَ الأبطَالِ طَارِقُ بنُ زِيَادٍ رحمه اللهُ تَعَالَى.

من هو طارق بن زياد

هُوَ التَّابِعِيُّ الدَّيِّنُ التَّقِيُّ  طَارِقُ بنُ زِيَادِ بنِ عَبدِ اللهِ البَربَرِيُّ وَقِيلَ العَرَبِيُّ، وُلِدَ سَنَةِ خَمسِينَ مِنَ الهِجرَةِ، وَكَانَ رَحِمَهُ اللهُ قَائِدًا عَسكَرِيًا قَادَ الفَتحَ الإِسلَامِيَّ بِأَمرٍ مِن مُوسَى بنِ نُصَيرٍ لِبِلَادِ الأَندَلُسِ، وَإِلَيهِ يُنسَبُ جَبَلُ طَارِقٍ، وَهُوَ المَوضِعُ الذِي وَطِأَهُ جَيشُهُ فِي بِدَايَةِ فَتحِهِ لِلأَندَلُسِ، أَسلَمَ عَلَى يَدِ مَولَاهُ مُوسَى بنُ نُصَيرٍ وَالِي أَفرِيقِيَّةَ، وَقَد جَعَلَهُ وَالِيًا عَلَى طَنجَةَ.

البشارة النبوية له رحمه الله بفتح الأندلس

رَوَى ابنُ الأَثِيرِ وَغيرُهُ أَنَّهُ لَمَا رَكِبَ طَارِقُ بنُ زِيَادٍ البَحرَ لِفَتحِ الأَندَلُسِ وَمَعَهُ سَبعَةُ آلَافٍ مِنَ المُسلِمِينَ، غَلَبَتهُ عَينَاهُ فَنَامَ، فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنصَارُ قَد تَقَلَّدُوا السُّيُوفَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يَا طَارِقُ تَقَدَّم لِشَأنِكَ، وَأَمَرَهُ بِالرِّفقِ بِالمُسلِمِينَ وَالوَفَاءِ بِالعَهدِ، فَنَظَرَ طَارِقٌ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَأَصحَابَهُ قَد دَخَلُوا الأَندَلُسَ أَمَامَهُ، فَاستَيقَظَ مِن نَومِهُ مُستَبشِرًا، وَبَشَّرَ أَصحَابَهُ، وَقَوِيَت نَفسُهُ، وَلَم يَشُكَّ فِي الظَّفَرِ.

يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّهُ لَم يَبقَ مِن مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا ‌الرُّؤيَا ‌الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا المُسلِمُ أَو تُرَى لَهُ“، وَقَالَ: “مَن رَآنِي ‌فِي ‌المَنَامِ ‌فَقَد رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ بِي“، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

فَرُؤيَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِي المَنَامِ هِيَ رُؤيَا حَقٍّ وَفِيهَا بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلرَّائِي، وَهَذَا فَضلٌ مِنَ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ مَن عِبَادِهِ.

وَلَمَّا نَزَلَ طَارِقٌ فِي الأَندَلُسِ وتَكَامَلَ أَصحَابُ طَارِقٍ بِالجَبَلِ (وَهُوَ الجَبَلُ المَشهُورُ فِي أَيَّامِنَا بِجَبَلِ طَارِقٍ) نَزَلَ وَفَتَحَ الجَزِيرَةَ الخَضرَاءَ فَأَصَابَ بِهَا عَجُوزًا، فَقَالَت لَهُ: إِنِّي كَانَ لِي زَوجٌ، وَكَانَ عَالِمًا بِالحَوَادِثِ، وَكَانَ يُحَدِّثُهُم عَن أَمِيرٍ يَدخُلُ بَلَدَهُم فَيَغلِبُ عَلَيهِ، وَوَصَفَ مِن نَعتِهِ أَنَّهُ ضَخمُ الهَامَةِ، وَأَنَّ فِي كَتِفِهِ اليُسرَى شَامَةً عَلَيهَا شَعَرٌ، فَكَشَفَ طَارِقٌ ثَوبَهُ فَإِذَا ‌الشَّامَةُ كَمَا ذَكَرَت.

خطبته الشهيرة

كَانَ لُذرِيقُ مَلِكُ الأندَلُسِ قد استَخلَفَ عَلَيهَا شَخصًا يُقَالُ لَهُ تُدمِيرُ، فَلَمَّا نَزَلَ طَارِقُ مِنَ الجَبَلِ (المَعرُوفِ اليومَ بِجَبَلِ طَارِقٍ) كَتَبَ تُدمِيرُ إِلَى لُذرِيقَ أَنَّهُ قَد نَزَلَ بِأَرضِنَا قَومٌ لَا نَدرِي أَمِنَ السَّمَاءِ هُم أَم مِنَ الأَرضِ، فَلَمَّا بَلَغَ لُذرِيقَ ذَلِكَ – وَكَانَ قَصَدَ بَعضَ الجِهَاتِ البَعِيدَةِ لِغَزوٍ لَهُ فِي بَعضِ أَعدَائِهِ – رَجَعَ عَن مَقصِدِهِ فِي سَبعِينَ أَلفِ فَارسٍ، وَمَعَهُ العجولُ تَحمِلُ الأَموَالَ وَالمَتَاعَ، وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ بَينَ دَابَّتَينِ، وَعَلَيهِ مِظَلَّةٌ مُكَلَّلَةٌ بِالدُّرِّ وَاليَاقُوتِ وَالزَّبَرجَدِ.

فَلَمَّا بَلَغَ طَارِقًا دُنُوُّهُ قَامَ فِي أَصحَابِهِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيهِ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، ثُمَّ حَثَّ المُسلِمِينَ عَلَى الجِهَادِ، وَرَغَّبَهُم ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَينَ المَفَرُّ؟ البَحرُ مِن وَرَائِكُم، ‌وَالعَدُوُّ ‌أَمَامَكُم، وَلَيسَ لَكُم وَاللهِ إِلَّا الصِّدقُ وَالصَّبرُ، وَاعلَمُوا أَنَّكُم فِي هَذِهِ الجَزِيرَةِ أَضيَعُ مِنَ الأَيتَامِ فِي مَأَدُبَةِ اللِّئَامِ، وَقَد استَقبَلَكُم عَدُوُّكُم بِجَيشِهِ وَأَسلِحَتِهِ، وَأَقوَاتُهُ مَوفُورَةٌ، وَأَنتُم لَا وِزرَ لَكُم إِلَّا سُيُوفُكُم، وَلَا أَقوَاتَ إِلَّا مَا تَستَخلِصُونَهُ مِن أَيدِي عَدُوِّكُم، وَإِنِ امتَدَّت بِكُمُ الأَيَّامُ عَلَى افتِقَارِكُم وَلَم تُنجِزُوا لَكُم أَمرًًا ذَهَبَت رِيحُكُم، وَتَعَوَّضَتِ القُلُوبُ مِن رُعبِهَا مِنكُم الجَرَاءَةَ عَلَيكُم، فَادفَعُوا عَن أَنفُسِكُم خِذلَانَ هَذِهِ العَاقِبَةَ مِن أَمرِكُم بِمُنَاجَزَةِ هَذَا الطَّاغِيَةِ، فَقَد أَلقَت بِهِ إِلَيكُم مَدِينَتُهُ الحَصِينَةُ، وَإِنَّ انتِهَازَ الفُرصَةِ فِيهِ لَمُمكِنٌ إِن سَمَحتُم لِأَنفُسِكُم بِالمَوتِ.

طارق بن زياد بعد الفتح

بَعدَ الفُتُوحَاتِ العَظِيمَةِ التِي فَتَحَهَا طَارِقٌ استَدعَاهُ إِلَيهِ الوَلِيدُ بنُ عَبدِ المَلِكِ إِلَى الشَّامِ، فَقَصَدَهَا مَع مَولَاهُ مُوسَى بنِ نُصَيرٍ سَنَةَ سِتٍ وَتِسعِينَ لِلهِجرَةِ، وَأقوَالُ المُؤَرِّخِينَ مُضطَرِبَةٌ فِي خَاتِمَةِ أَعمَالِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَم يُوَلَّ القِيَادَةَ بَعدَ ذَلِكَ، رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً وَجَزَاهُ الْأَجْرَ الْعَظِيْمَ…

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. صَحِيحِ البُخَارِيِِّ
  2. الكَامِلِ فِي التَّارِيخِ
  3. الأَعلَامِ لِلزَركَلِ
  4. نَفحِ الطِّيبِ مِن غُصنِ الأَندَلُسِ الرَّطِيبِ لِلتِّلِمسَانِيِّ
خطبة الجمعة: فضل العشر من ذي الحجة وفضل التكبير

خطبة الجمعة: فضل العشر من ذي الحجة وفضل التكبير

الخطبة الأولى   الحَمْدُ للَّهِ الْعَالِمِ عَدَد الرَّمْلِ وَالنَّمْلِ وَالْقَطْرِ، وَمُصَرِّفِ الْوَقْتِ وَالزَّمَنِ وَالدَّهْرِ، الْخَبِيرِ بِخَافِي السِّرِّ وَسَامِعِ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share