وقعة اليرموك

غزوة اليرموك

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿وَقَاتِلُوهُم حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ فَإِنِ انتَهَوا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعمَلُونَ بَصِيرٌ

سورة الأنفال (39)

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

إِذَا ‌هَلَكَ ‌كِسرَى فَلَا كِسرَى بَعدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيصَرُ فَلَا قَيصَرَ بَعدَهُ وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ

رَوَاهُ البُخَارِيُّ

بَعدَ أَنِ اجتَمَعَ العَرَبُ تَحتَ رَايَاتِ التَّوحِيدِ، وَصَارُوا أُمَّةً عَظِيمَةً تَنشُرُ العَدلَ والإسلَامَ، وَإثرَ الفُتُحَواتِ العَظِيمَةِ التِي حَقَّقَهَا المُسلِمُونَ، اتَّجَهَ نَظَرُ المُسلِمِينَ لِفَتحِ أَرضِ الشَّامِ الَّتِي بَشَّرَهُم بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكَانَ يَومُ اليَرمُوكِ يَومًا مِن أَيَامِ اللهِ، أَذَلَّ اللهُ فِيهِ الشِّركَ وَأَهلَهُ.

تاريخ وقوعها

وَقَعَت مَعرَكَةُ اليَرمُوكِ عَلَىْ قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي العَامِ الخَامِسَ عَشَرَ مِنَ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَي بَعدَ أَربَعِ سِنِينَ تَقرِيبًا مِن وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فِي زَمَنِ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَذَهَبَ بَعضُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهَا وَقَعَت فِي العَامِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الهِجرَةِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إِنَّهَا وَقَعَتْ فِيْ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ.

أطراف القتال

وَوَقَعَت أَحدَاثُهَا بَينَ جَيشِ المُسلِمِينَ وَجَيشِ الرُّومِ (الإِمبرَاطُورِيَّةِ البِيزَنطِيَّةِ) الَّتِي تَحَالَفَت مَعَهَا بَعضُ قَبَائِلِ الغَسَاسِنَةِ مِن مُتَنَصِّرَةِ العَرَبِ.

مكان وقوعها

وَوَقَعَتْ قُربَ نَهرِ اليَرمُوكِ فِي بِلَادِ الشَّامِ وَتَحدِيدًا فِي شَمَالِ الأُردُنِّ.

الأهمية التاريخية لليرموك

وَالْأَهَمِّيَّةُ التَّارِيْخِيَّةُ لِهَذِهِ الْمَعْرَكَةِ تَكْمُنُ فِي أَنَّهَا تُعتَبَرُ مِن أَهَمِّ المَعَارِكِ فِي التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ، لِأَنَّهَا كَانَت بِدَايَةَ أَوَّلِ مَوجَةِ انتِصَارَاتٍ لِلمُسلِمِينَ خَارِجَ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَمَهَّدَت لِتَقَدُّمِ الإِسلَامِ السَّرِيعِ فِي بِلَادِ الشَّامِ.

عدد المقاتلين من الجيشين

وَأَمَّا عَدَدُ الْجُيُوْشِ، فَقَدْ كَانَت قُوَّاتُ جَيشِ المُسلِمِينَ تَعُدُّ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلفَ مُجَاهِدٍ، استُشهِدَ مِنهُم نَحوُ الأَربَعَةِ ءَالَافِ مُقَاتِلٍ، فِي حِينِ كَانَت جُيُوشُ الرُّومِ تَبلُغُ مِائَتَينِ وَأَربَعِينَ أَلفَ مُقَاتِلٍ، قُتِلَ مِنهُم قُرَابَةُ السَّبعِينَ أَلفًا.

مقدمة أحداث المعركة

قَسَّمَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ جَيشَ المُسلِمِينَ إِلَى أَقسَامٍ حَتَّى يَتَوَغَّلُوا أَرضَ الشَّامِ، فَأَرسَلَ أَبَا عُبَيدَةَ مَعَ قِسمٍ مِنَ الجَيشِ إِلَى حِمصَ، وَأَرسلَ شُرَحبِيلَ بنَ حَسنَةَ مَعَ قِسمٍ ءَاخَرَ مِنَ الجَيشِ إِلَى الأُردُنِّ، وَأَرسَلَ يَزِيْدَ بْنَ أَبِي سُفيَانَ مَعَ قِسمٍ ثَالِثٍ مِنَ الجَيشِ إِلَى دِمَشقَ، وَأَرسَلَ عَمرَو بنَ العَاصِ مَع قِسمٍ رَابِعٍ مِنَ الجَيشِ إِلَى فِلَسطِينَ، فَكَانَ رَدُّ هِرَقلَ مَلِكِ الرُومِ أَن بَعَثَ إِلَى عَمرِو بنِ العَاصِ أَخَاهُ لِأَبَوَيهِ وَاسمُهُ تَذَارِقُ فِي تِسعِينَ أَلفًا مِنَ المُقَاتِلَةِ، وَبَعَثَ جَرَجَةَ بنَ تُوذرَا إِلَى نَاحِيَةِ يَزِيدَ بنِ أَبِي سُفيَانَ فَعَسكَرَ قُربَهُ، وَبَعَثَ الدُّرَاقِصَ إِلَى شُرَحبِيلَ بنِ حَسنَةَ، وَبَعَثَ القَيقَارَ  ابنَ نَسطُورِسَ فِي سِتِّينَ أَلفًا إِلَى أَبِي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ، وَقَالَتِ الرُّومُ: وَاللهِ لَنَشغَلَنَّ أَبَا بَكرٍ عَن أَن يُورِدَ الخُيُولَ إِلَى أَرضِنَا.

وَكَانَ مَجمُوعُ عَسَاكِرِ المُسلِمِينَ وَاحِدًا وَعِشرِينَ أَلفًا سِوَى الجَيشِ الَّذِي مَعَ عِكرِمَةَ بنِ أَبِي جَهلٍ، وَكَانَ وَاقِفًا فِي طَرَفِ الشَّامِ رِدءًا لِلنَّاسِ فِي سِتَّةِ آلَافٍ.

فكَتَبَ أُمَرَاءُ جَيشِ المُسلِمِينَ إِلَى أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ يُعلِمُونَهُمَا بِمَا وَقَعَ مِنَ الأَمرِ العَظِيمِ، فَأَمَرَ أَبُو بَكرٍ المُسلِمِينَ أَن يَتَجَمَّعُوا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لِيَتَمَكَّنُوا مِن إِحبَاطِ خُطَّةِ الرُّومِ وَإِجبَارِهِم عَلَى خَوضِ مَعرَكَةٍ فَاصِلَةٍ تَخُوضُهَا كُلُّ الجُيُوشِ الإِسلَامِيَّةِ، وَكَانَ رَأيُهُ أَن يَجتَمِعُوا فِي اليَرمُوكِ.

اجتماع الناس في اليرموك

لَمَّا بَلَغَ هِرَقلَ مَا أَمَرَ بِهِ الصِّدِّيقُ أُمَرَاءَهُ مِنَ الِاجتِمَاعِ بَعَثَ إِلَى أُمَرَائِهِ أَن يَجتَمِعُوا أَيضًا، وَأَن يَنزِلُوا بِالجَيشِ مَنزِلًا وَاسِعًا، ضَيِّقَ المَهرَبِ، وَوَلَّى عَلَى جَيشِ الرُّومِ  أَخَاهُ تَذَارِقُ، وَعَلَى المُقَدِّمَةِ جَرَجَةُ، وَعَلَى المُجَنِّبَتَينِ بَاهَانُ وَالدُّرَاقِصُ، وَعَلَى الحَربِ القَيقَلَانُ.

وأَقبَلَتِ الرُّومُ فِي خُيَلَائِهَا وَفَخرِهَا بِجَيشٍ قَد قُدِّرَ بِنَحوِ مِائَتَينِ وَأَربَعِينَ أَلفًا سَدَّ أَقطَارَ تِلكَ البُقعَةِ سَهلِهَا وَوَعرِهَا، كَأَنَّهُم غَمَامَةٌ سَودَاءُ يَصِيحُونَ بِأَصوَاتٍ مُرتَفِعَةٍ، وَرُهبَانُهُم يَقرَأونَ كُتُبَهُم وَيَحُثُّونَهُم عَلَى القِتَالِ.

 فَلَمَّا نَظَرَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى كَثرَةِ جُيُوشِ الرُّومِ قَالُوا: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، قَالَ عَطِيَّةُ بنُ عَامِرٍ: فَوَاللهِ مَا شَبَّهتُ عَسَاكِرَ اليَرمُوكِ إِلَّا كَالجَرَادِ المُنتَشِرِ إِذ سَدَّ بِكَثرَتِهِ الوَادِيَ، قَالَ: وَنَظَرتُ إِلَى المُسلِمِينَ قَد ظَهَرَ مِنهُمُ القَلَقُ وَهُم لَا يَفتُرُونَ عَن قَولِ لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَأُبُو عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: ﴿رَبَّنَا أَفرِغ عَلَينَا صَبرًا وَثَبِّت أَقدَامَنَا وَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ﴾، [سورة البقرة: 250]، وَقَالَ أَبُو عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَا أَرجُو مِنَ اللهِ تَعَالَى أَن يَجعَلَهُم غَنِيمَةً لَنَا.

إمداد جيش المسلمين بخالد بن الوليد

قَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: وَاللهِ لَأَشغَلَنَّ الرُّومَ عَن وَسَاوِسِ الشَّيطَانِ بِخَالِدِ بنِ الوَلِيدِ، فَالأَمرُ بِالشَّامِ يَحتَاجُ إِلَى قَائِدٍ يَجمَعُ بَينَ قُدرَةِ أَبِي عُبَيدَةَ وَدَهَاءِ عَمرٍو وَحِنكَةِ عِكرِمَةَ وَإِقدَامِ يَزِيدَ، وَأَن يَكُونَ صَاحِبَ قُدرَةٍ عَسكَرِيَّةٍ فَائِقَةٍ مَعَ قُدرَةٍ عَلَى حَسمِ الأُمُورِ، وَصَاحِبَ دَهَاءٍ وَحِيلَةٍ وَإِقدَامٍ، وَصَاحِبَ حِنكَةٍ وَدِرَايَةٍ مَعَ دِقَّةٍ فِي تَقدِيرِ المَوَاقِفِ، وَصَاحِبَ تَجرِبَةٍ طَوِيلَةٍ فِي المَعَارِكِ، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ أَن يَنتَقِلَ بِجَيشِهِ مِنَ العِرَاقِ إِلَى الشَّامِ، فَنَفَّذَ خَالِدٌ أَمرَ الخَلِيفَةِ، وَبَدَأَ بِرِحلَةٍ عَبرَ الصَّحرَاءِ لَم يَذكُرِ التَّارِيخُ شَبِيهًا لَهَا، فَوَصَلَ مِنَ العِرَاقِ إِلَى جَيشِ المُسلِمِينَ فِي الشَّامِ فِي خَمسَةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ مَجمُوعُ جَيشِهِ نَحوَ تِسعَةِ آلَافٍ.

تقسيم خالد لجيش المسلمين

قَسَّمَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ جَيشَ المُسلِمِينَ إِلَى سِتٍّ وَثَلَاثِينَ كَتِيبَةً، كُلُّ كَتِيبَةٍ أَلفُ رَجُلٍ عَلَيهِم أَمِيرٌ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيدَةَ فِي القَلبِ، وَعَلَى المَيمَنَةِ عَمرَو بنَ العَاصِ وَمَعَهُ شُرَحبِيلُ بنُ حَسنَةَ، وَعَلَى المَيسَرَةِ يَزِيدَ بنَ أَبِي سُفيَانَ، وَالقَاضِي يَومَئِذٍ أَبُو الدَّردَاءِ، وَقَاصُّهُمُ (أَيْ وَاعِظُهُمْ) الَّذِي يَعِظُهُم وَيَحُثُّهُم عَلَى القِتَالِ أَبُو سُفيَانَ بنُ حَربٍ، وَقَارِئُهُمِ الَّذِي يَدُورُ عَلَى النَّاسِ فَيَقرَأُ سُورَةَ الأَنفَالِ وَآيَاتِ الجِهَادِ المِقدَادُ بنُ الأَسوَدِ، وَقَسَمَ خَالِدٌ الخَيلَ فِرقَتَينِ وَجَعَلَهَا مِن وَرَاءِ المَيمَنَةِ وَالمَيسَرَةِ، وَكَانَ هُوَ عَلَى رَأسِ الخَيَّالَةِ، وَهُوَ المُشِيرُ فِي الحَربِ الَّذِي يَصدُرُ النَّاسُ كُلُّهُم عَن رَأيِهِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الجَمعِ أَلفُ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنهُم مِائَةٌ مِن أَهلِ بَدرٍ.

سير المعركة

تَقَدَّمَ خَالِدٌ إِلَى عِكرِمَةَ بنِ أَبِي جَهلٍ وَالقَعقَاعِ بنِ عَمرٍو وَهُمَا عَلَى مُجَنِّبَتَيِ القَلبِ أَن يُنشِئَا القِتَالَ، فَدَعَوا إِلَى البِرَازِ، وَتَنَازَلَ الأَبطَالُ، وَتَجَاوَلُوا وَحَمِيَتِ الحَربُ وَقَامَت عَلَى سَاقٍ، هَذَا وَخَالِدٌ مَعَهُ كُردُوسٌ مِنَ الحُمَاةِ الشُّجعَانِ الأَبطَالِ بَينَ يَدَيِ الصُّفُوفِ، وَالأَبطَالُ يَتَصَاوَلُونَ مِنَ الفَرِيقَينِ بَينَ يَدَيهِ، وَهُوَ يَنظُرُ وَيَبعَثُ إِلَى كُلِّ قَومٍ مِن أَصحَابِهِ بِمَا يَعتَمِدُونَهُ مِنَ الأَفَاعِيلِ، وَيُدَبِّرُ أَمرَ الحَربِ أَتَمَّ تَدبيرٍ.

وَقَد كَانَ فِيمَن شَهِدَ اليَرمُوكَ الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، وَهُوَ أَفضَلُ مَن هُنَاكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِن فُرسَانِ النَّاسِ وَشُجعَانِهِم، فَاجتَمَعَ إِلَيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَبطَالِ يَومَئِذٍ فَقَالُوا: أَلَا تَحمِلُ فَنَحمِلَ مَعَكَ؟، فَقَالَ: إِنَّكُم لَا تَثبُتُونَ، فَقَالُوا: بَلَى، فَحَمَلَ وَحَمَلُوا، فَلَمَّا وَاجَهُوا صُفُوفَ الرُّومِ أَحجَمُوا وَأَقدَمَ هُوَ، فَاختَرَقَ صُفُوفَ الرُّومِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ وَعَادَ إِلَى أَصحَابِهِ، ثُمَّ جَاءُوا إِلَيهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ فِي الأُولَى، وَجُرِحَ يَومَئِذٍ جُرحَينِ بَينَ كَتِفَيهِ.

وَجَعَلَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ كَلَّمَا سَمِعَ أَصوَاتَ القِسِّيسِينَ وَالرُّهبَانِ يَقُولُ: اللهُمَّ زَلزِل أَقدَامَهُم، وَأَرعِب قُلُوبَهُم، وَأَنزِلِ عَلَينَا السَّكِينَةَ، وَأَلزِمنَا كَلِمَةَ التَّقوَى، وَحَبِّب إِلَينَا اللِّقَاءَ، وَرَضِّنَا بِالقَضَاءِ.

وَثَبَتَ كُلُّ قَومٍ عَلَى رَايَتِهِم حَتَّى صَارَتِ الرُّومُ تَدُورُ كَأَنَّهَا الرَّحَى، فَلَم يُرَ يَومَ اليَرمُوكِ أَكثَرَ قِحفًا سَاقِطًا (الْقِحْفُ: أَعْلَى الدِّمَاغِ)، وَمِعصَمًا نَادِرًا، وَكَفًّا طَائِرَةً، مِن ذَلِكَ المَوطِنِ، ثُمَّ حَمَلَ خَالِدٌ بِمَن مَعَهُ مِنَ الخَيَّالَةِ عَلَى المَيسَرَةِ الَّتِي حَمَلَت عَلَى مَيمَنَةِ المُسلِمِينَ، فَأَزَالُوهُم إِلَى القَلبِ، فَقَتَلَ فِي حَملَتِهِ هَذِهِ سِتَّةَ آلَافٍ مِنهُم، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَم يَبقَ عِندَهُم مِنَ الصَّبرِ وَالجَلَدِ غَيرُ مَا رَأَيتُم، وَإِنِّي لَأَرجُوَ أَن يَمنَحَكُمُ اللهُ أَكتَافَهُم.

ثُمَّ اعتَرَضَهُم فَحَمَلَ بِمِائَةِ فَارِسٍ مَعَهُ عَلَى نَحوٍ مِن مِائَةِ أَلفٍ، فَمَا وَصَلَ إِلَيهِم حَتَّى انفَضَّ جَمعُهُم، وَحَمَلَ المُسلِمُونَ عَلَيهِم حَملَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانكَشَفُوا وَتَبِعَهُمُ المُسلِمُونَ لَا يَمتَنِعُونَ مِنهُم.

وَقَالَ عِكرِمَةُ بنُ أَبِي جَهلٍ يَومَ اليَرمُوكِ: قَاتَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنكُمُ اليَومَ؟!، ثُمَّ نَادَى: مَن يُبَايِعُ عَلَى المَوتِ؟، فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بنُ الأَزوَرِ فِي أَربَعِمِائَةٍ مِن وُجُوهِ المُسلِمِينَ وَفُرسَانِهِم، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلَ مِنهُم خَلقٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُم.

وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه

وَبَينَمَا هُم فِي جَولَةِ الحَربِ وَحَومَةِ الوَغَى، وَالأَبطَالُ يَتَصَاوَلُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ، إِذ قَدِمَ البَرِيدُ مِن نَحوِ الحِجَازِ، فَدُفِعَ إِلَى خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ فَقَالَ لَهُ: مَا الخَبَرُ؟ فَقَالَ لَهُ، فِيمَا بَينَهُ وَبَينَهُ: إِنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَد تُوُفِّيَ، وَاستُخلِفَ عُمَرُ، فَاستَنَابَ عَلَى الجُيُوشِ أَبَا عُبَيدَةَ عَامِرَ بنَ الجَرَّاحِ، فَأَسَرَّهَا خَالِدٌ وَلَم يُبدِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ لِئَلَّا يَحصُلَ ضَعفٌ وَوَهَنٌ فِي تِلكَ الحَالِ، وَأَخَذَ مِنهُ الكِتَابَ فَوَضَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ، وَاشتَغَلَ بِمَا كَانَ فِيهِ مِن تَدبِيرِ الحَربِ وَالمُقَاتِلَةِ.

إسلام جرجة

وَفِي أَثنَاءِ المَعرَكَةِ خَرَجَ جَرَجَةُ أَحَدُ الأُمَرَاءِ الكِبَارِ مِنَ الصَّفِّ وَاستَدعَى خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ، فَجَاءَ إِلَيهِ حَتَّى اختَلَفَت أَعنَاقُ فَرَسَيهِمَا، فَقَالَ جَرَجَةُ: يَا خَالِدُ، أَخبِرنِي فَاصدُقنِي وَلَا تَكذِبنِي، فَإِنَّ الحُرَّ لَا يَكذِبُ، وَلَا تُخَادِعنِي، فَإِنَّ الكَرِيمَ لَا يُخَادِعُ المُستَرشِدَ، هَل أَنزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّكُم سَيفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعطَاكَهُ فَلَا تَسُلُّهُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا هَزَمتَهُم؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَبِمَ سُمِّيتَ سَيفَ اللهِ؟، قَالَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ فِينَا نَبِيَّهُ ﷺ، فَدَعَانَا فَنَفَرنَا مِنهُ وَنَأَينَا عَنهُ جَمِيعًا، ثُمَّ إِنَّ بَعضَنَا صَدَّقَهُ وَتَابَعَهُ، وَبَعضَنَا كَذَّبَهُ وَبَاعَدَهُ، فَكُنتُ فِيمَن كَذَّبَهُ وَبَاعَدَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَخَذَ بِقُلُوبِنَا وَنَوَاصِينَا فَهَدَانَا بِهِ وَبَايَعنَاهُ، فَقَالَ لِي: “أَنتَ سَيفٌ مِن سُيُوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ عَلَى المُشرِكِينَ“، وَدَعَا لِي بِالنَّصرِ، فَسُمِّيتُ سَيفَ اللهِ بِذَلِكَ، فَأَنَا مِن أَشَدِّ المُسلِمِينَ عَلَى المُشرِكِينَ، فَقَالَ جَرجَةُ: يَا خَالِدُ، إِلَامَ تَدعُونَ؟ قَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالإِقرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِن عِندِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَمَن لَم يُجِبكُم؟ قَالَ: فَالجِزيَةُ، قَالَ: فَإِن لَم يُعطِهَا؟ قَالَ: نُؤذِنُهُ بِالحَربِ ثُمَّ نُقَاتِلُهُ، قَالَ: فَمَا مَنزِلَةُ مَن يُجِيبُكُم وَيَدخُلُ فِي هَذَا الأَمرِ اليَومَ؟ قَالَ: مَنزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ فِيمَا افتَرَضَ اللهُ عَلَينَا، شَرِيفُنَا وَوَضِيعُنَا وَأَوَّلُنَا وَآخِرُنَا.

فَقَالَ جَرَجَةُ: بِاللهِ لَقَد صَدَقتَنِي وَلَم تُخَادِعنِي؟، قَالَ: بِاللهِ لَقَد صَدَقتُكَ، وَإِنَّ اللهَ وَلِيُّ مَا سَأَلتَ عَنهُ، فَعِندَ ذَلِكَ قَلَبَ جَرَجَةُ التُّرسَ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ، وَقَالَ: عَلِّمنِي الإِسلَامَ، فَنَطَقَ جَرَجَةُ بِالشَّهَادَتَينِ، وَمَالَ بِهِ خَالِدٌ إِلَى فُسطَاطِهِ، فَصَبَّ عَلَيهِ قِربَةً مِن مَاءٍ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ رَكعَتَينِ.

انتصار المسلمين

حَمَلَتِ الرُّومُ مَعَ انقِلَابِ جَرَجَةَ إِلَى خَالِدٍ، فَأَزَالُوا المُسلِمِينَ عَن مَوَاقِفِهِم إِلَّا المُحَامِيَةَ، عَلَيهِم عِكرِمَةُ بنُ أَبِي جَهلٍ وَالحَارِثُ بنُ هِشَامٍ، فَرَكِبَ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ مَعَهُ، وَالرُّومُ خِلَالَ المُسلِمِينَ، فَتَنَادَى النَّاسُ وَثَابُوا وَتَرَاجَعَتِ الرُّومُ إِلَى مَوَاقِفِهِم، وَزَحَفَ خَالِدٌ بِالمُسلِمِينَ حَتَّى تَصَافَحُوا بِالسُّيُوفِ، فَضَرَبَ فِيهِم خَالِدٌ وَجَرَجَةُ مِن لَدُنِ ارتِفَاعِ النَّهَارِ إِلَى جُنُوحِ الشَّمسِ لِلغُرُوبِ، وَصَلَّى المُسلِمُونَ صَلَاةَ الظُّهرِ وَصَلَاةَ العَصرِ إِيمَاءً، وَأُصِيبَ جَرَجَةُ رَحِمَهُ اللهُ وَلَم يُصَلِّ للهِ إِلَّا تِلكَ الرَّكعَتَينِ مَعَ خَالِدٍ، رحِمَهُ اللهُ تعالَى، وَتَضَعضَعَتِ الرُّومُ عِندَ ذَلِكَ، ثُمَّ نَهَدَ خَالِدٌ بِالقَلبِ حَتَّى صَارَ فِي وَسَطِ خُيُولِ الرُّومِ، فَعِندَ ذَلِكَ هَرَبَت خَيَّالَتُهُم، وَاشتَدَّت بِهِم فِي تِلكَ الصَّحرَاءِ، وَأَفرَجَ المُسلِمُونَ بِخُيُولِهِم حَتَّى ذَهَبُوا، وَأَخَّرَ النَّاسُ صَلَاتَيِ العِشَاءِ حَتَّى استَقَرَّ الفَتحُ، وَعَمَدَ خَالِدٌ إِلَى رَجلِ الرُّومِ، وَهُمُ الرَّجَّالَةُ فَفَصَلُوهُم عَن آخِرِهِم، حَتَّى صَارُوا كَأَنَّهُم حَائِطٌ قَد هُدِمَ، ثُمَّ تَبِعُوا مَن فَرَّ مِنَ الخَيَّالَةِ، وَاقتَحَمَ خَالِدٌ عَلَيهِم خَندَقَهُم، وَجَاءَ الرُّومُ فِي ظَلَامِ اللَّيلِ إِلَى الوَاقُوصَةِ، فَجَعَلَ الَّذِينَ تَسَلسَلُوا وَقَيَّدُوا بَعضَهُم بِبَعضٍ إِذَا سَقَطَ وَاحِدٍ مِنهُم سَقَطَ الَّذِينَ مَعَهُ، فَسَقَطَ فِيهَا وَقُتِلَ عِندَهَا مِائَةُ أَلفٍ وَعِشرُونَ أَلفًا سِوَى مَن قُتِلَ فِي المَعرَكَةِ، وَكَانَ تَذَارِقُ أَخُو هِرَقلَ قَد قُتِلَ فِيمَن قُتِلَ.

عبرة عظيمة

عِندَمَا وَصَلَ الرُّومُ الَّذِين فَرُّوا إِلَى أَنطَاكِيَا حَيثُ مَقَرُّ هِرقلَ قَالَ لَهُم هِرَقلُ: وَيلَكُم أَخبِرُونِي عَن هَؤُلَاءِ القَومِ الَّذِين يَقَاتِلُونَكُم، أَلَيسُوا بَشَرًا مِثلَكُم، قَالُوا بَلَى، قَالَ لَهُم فَأَنتَم أَكَثَرُ أَم هُم، فَقَالُوا نَحنُ أَكثَرُ مِنهُم أَضعَافًا أَضعَافًا فِي كُلِّ مَوطِنٍ، فَقَالَ لَهُم هِرَقلُ: فَمَا بَالُكُم تَنهَزِمُونَ كُلَّمَا لَقيتُمُوهُم؟، فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِن عُظَمَائِهِم: مِن أَجلِ أَنَّهُم يَقُومُونَ اللَّيلَ، وَيَصُومُونَ النَّهَارَ، وَيُوفُونَ بِالعَهدِ، وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ، وَينَهونَ عَنِ المُنكَرِ، وَيَتَنَاصَفُونَ فِيمَا بَينَهُم، أَمَّا نَحنُ يَا هِرقلُ فَنَشرَبُ الخَمرَ، وَنَرتَكِبُ الزِّنَا، وَنَركَبُ الحَرَامَ، وَنَنَقُضُ العَهدَ، وَنغتَصِبُ، وَنَظلِمُ، وَنَأمُرُ بِمَا يُسخِطُ اللهَ، وَنَنَهَى عَمَّا يَرضِي اللهَ، وَنُفسِدُ فِي الأَرضِ، فَقَالَ لَهُ هِرقَلُ: أَنتَ صَدَقتَ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. الْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ.
  2. الْكَامِلِ فِيْ التَّارِيْخِ لِابْنِ الْأَثِيْرِ. 
  3. تَارِيْخِ الْأُمَمِ وَالْمُلُوْكِ لِابْنِ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ.
خطبة الجمعة بعنوان ولذكر الله أكبر

خطبة الجمعة: ولذكر الله أكبر

الخطبة الأولى الحمدُ للهِ المتفرِّدِ بالعزِّ والجلال، المتفضلِ بالعطاءِ والإِفضال، مسخِّرِ السَّحابِ الثقال، جلَّ وتقدّسَ ربّي عن مثلٍ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share