امرأة فرعون ودعاؤها المستجاب

امرأة فرعون ودعائها المستجاب

ربِّ ابنِ لي بيتًا

أناسٌ ممن كانوا قبلَ أمةِ محمدٍ عرفوا قدرَ الآخِرَةِ فهانَتْ عليهم نفوسُهم، فصبروا وثبتوا ورأَوُا الكراماتِ عندَ الموتِ، ومنهم السيدة ءاسيةُ بنتُ مزاحِمٍ رضيَ اللهُ عنها امرأةُ فرعونَ. كانت أغنى امرأةٍ في مصرَ، كانت تقيةً صالحةً تبعثُ بالمالِ لِمصالحِ المسلمينَ تُـجاهدُ بِمالِهَا ليكونَ ذاكَ عونًا للمسلمينَ على نشرِ دينِ اللهِ.

فرعونُ هو الذي كانَ يقولُ عن نفسِهِ إنَّهُ ربُّ الناسِ ربُّ الخلقِ ربُّ العبادِ، كان كما أخبر الله عنه يقولُ للناسِ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾. كانَ أهلُ بلدِهِ يعبدونَهُ وءاسيةُ زوجتُهُ ما كانت تعبدُهُ، هي مؤمنةٌ مسلمةٌ لكن في ذلكَ الزمنِ كان حلالًا أن تكونَ الـمسلمةُ متزوجةً من غيرِ المسلمٍ.

ثبات السيدة ءاسيةُ على الحق في وجه الظالم

كانت ءاسيةُ تُخفي إيمانَها وفرعونُ ما كان يعرفُ أنَّها مسلمةٌ مؤمنةٌ لا تعبدُهُ، ثم بعد ذلك عرَفَ أنها لا تُؤمنُ بِهِ وأنها تعبدُ اللهَ ولا تعبدُهُ. لَما عرفَ ذلكَ صارَ يُعذِّبُها.

ذاتَ يومٍ دخلَ عليها فرعونُ وأخبرَها بقتلِ الماشطةِ وأولادِها فقامَتْ ءاسيةُ وقالَت لهُ: “الويلُ لك ما أجرأكَ على اللهِ”. فقالَ: “لعلكِ اعتراكِ الجنونُ الذي اعترى الماشطةَ”. فقالت له: “ما بي جنونٌ ولكني ءامنتُ باللهِ تعالى ربِّ العالمينَ” فعَرَفَ أنها مسلمةٌ، عرفَ أنَّها مؤمنةٌ. فأقسمَ فرعونُ أن تذوقَ الموتَ أو تكفرَ بإلهِ موسى، فقالت لهُ: “أمَّا أنْ أكفرَ باللهِ فلا واللهِ”.

تعذيب فرعون للسيدة ءاسية

أمرَ فرعونُ بتعذيبِها، فمَدَّ أي نصَبَ أربعةَ أوتادٍ في الأرضِ. وضعَ لها الأوتادَ الحديديةَ فكانت يدُها اليُمنى في وتدٍ واليُسرى في وتدٍ وكذلكَ رجلَاها بالأوتادِ الحديديةِ، وكان يعذبُها ويضربُها تحتَ حرارةِ الشمسِ القويةِ، ولكنها دعَتْ وطلبَتْ مِنَ اللهِ تعالى أن يُخَلِّصَها مِنْ فرعونَ وعملِهِ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

معنى عندك في الآية الكريمة

معنى (عندَكَ) أي في المكانِ المشرَّفِ عندَكَ، المكانِ الذي أنتَ شرّفتَهُ وهو الجنةُ ليسَ معناهُ أن يبنيَ اللهُ لها بيتًا في مكانٍ قريبٍ منهُ بالمسافةِ. هي لا تعتقدُ أنَّ اللهَ جسمٌ لهُ مكانٌ بل تعتقدُ أنَّ اللهَ موجودٌ ليسَ جسمًا، منزهٌ عن المكانِ والجهةِ ومع هذا قالَتْ: (عندَكَ) على معنى أنَّ البيتَ الذي تَبنيهِ في مكانٍ مشرَّفٍ في مكانٍ شرّفتَهُ وهو الجنةُ.

كشفَ اللهُ عن بصرِها، فرأتْ بيتَها في الجنةِ، رأَتْ قصرَها في الجنةِ وهي في الأرضِ، وصارَتْ تنزِلُ عليها ملائكةُ الرحمةِ وتُظِلُّها من حرارةِ الشمسِ.

عُذِّبَتْ حتى ماتَتْ، فهنيئًا لِمن يبني لآخرتِهِ، ويثبت على الإيمانِ وعلى طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ.

فضل السيدة ءاسية ومكانتها عند الله

الأنبياءُ عليهمُ السلامُ هم أفضلُ البشرِ، والأولياءُ مِنَ البشرِ هُم بعدَ الأنبياءِ أفضلُ الناسِ إنْ كانَ رجلًا وإنْ كانَ امرأةً. كانَتْ مريمُ مِنَ الولياتِ وهِيَ خيرُ امرأةٍ على الإطلاقِ أفضلُ امرأةٍ عندَ اللهِ تعالى على الإطلاقِ. بعدَها بالفضلِ عندَ اللهِ من بين النساء فاطمةُ بنتُ محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم خديجةُ بنتُ خويلدٍ زوجةُ سيدِنا محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم بعدَ ذلكَ بالفضلِ ءاسيةُ امرأةُ فرعونَ.

قال رسول الله ﷺ

خيرُ النساءِ مريمُ بنتُ عمرانَ ثم فاطمةُ بنتُ محمدٍ ثم خديجةُ بنتُ خويلدٍ ثم ءاسيةُ بنتُ مُزاحِمٍ

رواهُ الإمامُ أحمدُ في المسندِ والطبرانيُّ في الكبيرِ

هؤلاءِ الأربعةُ مِنَ النساءِ هُنَّ أفضلُ النساءِ على الإطلاقِ، لا يأتي مَنْ هي أفضلُ منهن عندَ اللهِ.

Comments2

Comments are closed.