ما حكم إخراج زكاة الفطر بالقيمة كالعملة الورقية؟
الجواب
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
سورة الإسراء: 36
إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الشَّخْصُ حُكْمَ الشَّرِيْعَةِ فِي أَمْرٍ فَلْيَسْأَلْ أَهْلَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ يَكْشِفُوْنَ كَثِيْرًا مِنَ الْمَكْنُوْنَاتِ مِنْ مُخَبَّآتِ الْعُلُوْمِ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنَ الْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، قال تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، [سورة النحل: 16].
وَقَد تَكَرَّرَ عَلَينَا كُلَّ عَامٍ الكَلَامُ فِي حُكمِ إِخرَاجِ زَكَاةِ الفِطرِ، وَهَل يَجُوزُ دَفعُ القِيمَةِ؟، أَم لَابُدَّ مِن دَفعِ الحُبُوبِ وَالطَّعَامِ مِن غَالِبِ قُوتِ البَلَدِ؟، وَالمَسأَلَةُ لَيسَت جَدِيدَةً مُستَحدَثَةً، وَقَد أَشبَعَهَا الفُقَهَاءُ بَحثًا فِي كُتُبِهِم، لِذَلِكَ فَإِنَّ إِخرَاجَ زَكَاةِ الفِطرِ بِالقيمة جَائِزٌ كالعملة الورقية، وَلَم يُنكِر أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ الأَجِلَّاءِ هَذَا الخِلَافَ، فَهِيَ مَسأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ مُنْذُ زَمَانٍ بَعِيْدٍ، وَسَنَذكُرُ بَعضَ أَدِلَّةِ الفَرِيقِ الَّذِي قَالَ بِجَوَازِ دَفعِ القِيمَةِ لِإِزَالَةِ الغِشَاوَةِ عَمَّن ضَلَّلَ هَذَا الفَرِيقَ وَبَدَّعَهُ رَفعًا لِلإِشكَالِ وَلِلقِيلِ وَالقَالِ.
توضيح: ما المقصود بالقيمة؟
.عندما نقول بالقيمة نريد بذلك الذهب والفضة أوالعملة الورقية
شرح المسألة: حكم إخراج زكاة الفطر بالقيمة
أولًا: هذا القول ليس قولًا خاصًا بالحنفية
إِنَّ هَذَا القَولَ لَيسَ قَولًا خَاصًّا بِالحَنَفِيَّةِ كَمَا اشتَهَرَ عِندَ البَعضِ، بَل هُوَ مَذهَبُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ وَالفُقَهَاءِ، وَقَد قَالَهُ قَبلَهُم عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، فَالطَّاعِنُ بِهَذَا القَولِ طَاعِنٌ بِكُلِّ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ وَالفُقَهَاءِ وَمَن جَاءَ قَبلَهُم مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَهُوَ قَولُ:
- الحَسَنِ البِصرِيِّ
- وَعُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ
- وَهُوَ مَذهَبُ سُفيَانَ الثَّورِيِّ
- وَأَبِي حَنِيفَةَ
- وَأَبِي يُوسُفَ القاضي تِلمِيذِ أَبِي حَنِيفَةَ
- وَاختَارَهُ مِنَ الحَنَفِيَّةِ الفَقِيهُ أَبُو جَعفَرٍ، وَبِهِ العَمَلُ وَالفَتوَى عِندَهُم فِي كُلِّ زَكَاةٍ وَفِي الكَفَّارَاتِ وَالنُّذُرِ وَالخَرَاجِ
- وَبِهِ قَالَ إِسحَاقُ بنُ رَاهَوَيهِ شَيخِ البُخَارِيِّ، وَأَبُو ثَورٍ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَيَّدَا ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ.
- وَهُوَ أَيضًا قَولُ جَمَاعَةٍ مِنَ المَالِكِيَّةِ:
- كَابنِ حَبِيبٍ
- وَأَصبَغَ
- وَابنِ أَبِي حَازِمٍ
- وَابنِ دِينَارٍ
- وَابنِ وَهبٍ
بعض نصوص هؤلاء العلماء والصحابة
فَمِن ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَعَقَدَ بَابًا سَمَّاهُ «بَابَ إِعطَاءِ الدَّرَاهِمِ فِي زَكَاةِ الفِطرِ»، ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبدَ العَزِيزِ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى عَدِيٍّ بِالبَصرَةِ: يُؤخَذُ مِن أَهلِ الدِّيوَانِ مِن أَعطِيَتِهِم عَن كُلِّ إِنسَانٍ نِصفُ دِرهَمٍ.اهـ، يَعنِي زَكَاةَ الفِطرِ، وَعُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ مِن أَهلِ الِاجتِهَادِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ رَاشِدٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى: كَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ فِي صَدَقَةِ الفِطرِ نِصفُ صَاعٍ عَن كُلِّ إِنسَانٍ، أَو قِيمَتُهُ نِصفَ دِرهَمٍ.اهـ
وَذَكَرَ أَيضًا أَنَّ الحَسَنَ البِصرِيَّ قَالَ: لَا بَأسَ أَن تُعطَى الدَّرَاهِمُ فِي صَدَقَةِ الفِطرِ.اهـ
وَذَكَرَ ابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ أَنَّ أَبَا إِسحَاقَ يَقُولُ: أَدرَكتُهُم وَهُم يُعطُونَ فِي صَدَقَةِ الفِطرِ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ.اهـ، قَالَ المُحَدِّثُ أَحمَدُ الغُمَارِيُّ: وَأَبُو إِسحَاقَ هَذَا هُوَ عَمرُو بنُ عَبدِ اللهِ السَّبِيعِيُّ مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسطَى مِنَ التَّابِعِينَ، أَدرَكَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَجَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ يَحكِي عَنهُم وَيُثبِتُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَعمُولًا بِهِ فِي عَصرِهِم.اهـ
ثانيًا: أن الأصل في الصدقة المال
قَالَ تَعَالَى
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾
سورة التوبة: 103
وَالمَالُ فِي الأَصلِ مَا يُملَكُ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَأُطلِقَ عَلَى مَا يُقتَنَى مِنَ الأَعيَانِ مَجَازًا، وَأَكثَرُ مَا يُطلِقُهُ العَرَبُ عَلَى الإِبِلِ لِكَونِهَا أَكثَرَ مَالِهِم، وَبَيَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ المَنصُوصُ فِيهِ بِأَن تُؤخَذَ الصَّدَقَةُ مِن أَنعَامِهِم إِنَّمَا هُوَ لِلتَّيسِيرِ وَرَفعِ الحَرَجِ، لَا لِتَقيِيدِ الوَاجِبِ وَحَصرِ المَقصُودِ فِيهِ، لِأَنَّ أَهلَ البَادِيَةِ وَأَصحَابَ المُوَاشِي تَقِلُّ فِيهِمُ النُّقُودُ، وَهُم أَكثَرُ مَن تَجِبُ عَلَيهِمُ الزَّكَاةُ، فَكَانَ الإِخرَاجُ مِمَّا عِندَهُم أَيسَرَ عَلَيهِم، فَلِذَلِكَ فَرَضَ عَلَى أَهلِ المَوَاشِي أَن يَتَصَدَّقُوا مِن مَاشِيَتِهِم، وَعَلَى أَهلِ الحَبِّ أَن يَتَصَدَّقُوا مِن حَبِّهِم، وَعَلَى أَهلِ الثِّمَارِ مِن ثِمَارِهِم، وَعَلَى أَهلِ النَّقدِ مِن نَقدِهِم، تَيسِيرًا عَلَى الجَمِيعِ، وَلِئَلَّا يُكَلَّفَ أَحَدٌ استِحضَارَ مَا لَيسَ عِندَهُ مَعَ اتِّحَادِ المَقصِدِ فِي الجَمِيعِ وَهُوَ مُوَاسَاةُ الفُقَرَاءِ.
ثالثًا: إن أخذ القيمة في الزكاة ثابت عن النبي ﷺ، وعن أصحابه
إِنَّ أَخذَ القِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَن جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي عَصرِهِ وَبَعدَ عَصرِهِ، فَقَالَ مُعَاذٌ بِاليَمَنِ: ائتُونِي بِعَرضِ ثِيَابٍ آخُذُهُ مِنكُم مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَهوَنُ عَلَيكُم وَخَيرٌ لِلمُهَاجِرِينَ بِالمَدِينَةِ.اهـ
وَقَالَ ابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي المُصَنَّفِ عَن طَاوُوسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ فَأَمَرَهُ أَن يَأخُذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الحِنطَةِ وَالشَّعِيرِ، فَأَخَذَ العُرُوضَ وَالثِّيَابَ بَدَلَ الحِنطَةِ وَالشَّعِيرِ.اهـ
فَيَظهَرُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُعَاذًا، وَهُوَ صَحَابِيٌّ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمُجتَهِدٌ مِنَ المُجتَهِدِينَ، وَهُوَ أَعلَمُ الأُمَّةِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ كَمَا أَخبَرَ عَنهُ الصَّادِقُ المَصدُوقُ، قَالَ بِجَوَازِ الأَخذِ بِالقِيمَةِ وَالعِوَضِ، وَلَم يَفهَم مِن نَصِّ النَّبِيِّ ﷺ التَّقيِيدَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ جَاءَ بَعدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَن أَخَذَ القِيمَةَ وَهُوَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كَانَ يَأخُذُ العُرُوضَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الوَرِقِ وَغَيرِهَا، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيضًا كَانَ يَأخُذُ العُرُوضَ فِي الجِزيَةِ، كَمَا رَوَاهُ ابنُ أَبِي شَيبَةَ عَنهُمَا ثُمَّ قَالَ: قَد رَخَّصَا – أَي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ – فِي أَخذِ العُرُوضِ وَالحَيَوَانِ مَكَانَ الجِزيَةِ، وَإِنَّمَا أَصلُهَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَالطَّعَامُ.اهـ
وَمِن أَشهَرِ مَن وَافَقَ الحَنَفِيَّةَ فِي هَذَا القَولِ مِنَ المُحَدِّثِينَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَبَوَّبَ لَهُ بَابًا سَمَّاهُ: «بَابَ العُرُوضِ فِي الزَّكَاةِ»، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ جُملَةً مِنَ الأَحَادِيثِ، مِنهَا حَدِيثُ مُعَاذٍ السَّابِقُ، وَكَذَلِكَ الإِمَامُ البَيهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ بَوَّبَ بَابًا سَمَّاهُ: «بَابَ مَن أَجَازَ أَخذَ القِيَمِ فِي الزَّكَاةِ»، وَذَكَرَ الحَدِيثَ أَيضًا، وَمَعلُومٌ أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُرسِلُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّهُ مُتَوَلِّي الصَّدَقَةِ وَمُفَرِّقُهَا عَلَى الفُقَرَاءِ بِالمَدِينَةِ، وَقَد قَبِلَ ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ عَلَيهِ، مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى اليَمَنِ قَالَ لَهُ: “خُذِ الحَبَّ مِنَ الحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الغَنَمِ، وَالبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالبَقَرَةَ مِنَ البَقَرِ“، كَمَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ.
وَمَعَ هَذَا التَّعيِينِ الصَّرِيحِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مُعَاذٌ لِلنَّاسِ: ائتُونِي بِعَرضِ ثِيَابٍ بَدَلَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ.اهـ، لِعِلمِهِ أَنَّ المُرَادَ سَدُّ حَاجَةِ الفُقَرَاءِ لَا خُصُوصُ هَذِهِ الأَعيَانِ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَلَو كَانَ خِلَافَ الشَّرعِ المُفتَرَضِ لَمَا أَقَرَّهُ، وَلَأَمَرَهُ بِرَدِّ ذَلِكَ إِلَى أَهلِهِ، وَلَنَهَاهُ عَنهُ.
رابعًا: إرادة القيمة، وما هو أنفع للفقير
مَا يَدُلُّكَ عَلَى إِرَادَةِ القِيمَةِ، وَمَا هُوَ أَنفَعُ لِلفَقِيرِ، وَرَفعِ الحَرَجِ وَالتَّيسِيرِ، أُمُورٌ كَثِيرَةٌ:
مِنهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “فِي خَمسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ“، وَعَينُ الشَّاةِ لَا تُوجَدُ فِي الإِبِلِ، فَلَمَّا أَجَازَ إِخرَاجَهَا مِنَ الإِبِلِ وَلَيسَت مِنهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ المُرَادَ قَدرُهَا مِنَ المَالِ.
وَقَد رَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَومَاءَ، أَي عَظِيمَةَ السَّنَامِ، فَغَضِبَ وَقَالَ: “أَلَم أَنهَكُم عَن أَخذِ كَرَائِمِ أَموَالِ النَّاسِ“، فَقَالَ السَّاعِي أَخَذتُهَا بِبَعِيرَينِ مِن إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ ﷺ: “نَعَم إِذًا“، وَأَخذُ البَعِيرِ بِبَعِيرَينِ، إِنَّمَا يَكُونُ بِاعتِبَارِ القِيمَةِ، فَهَذَا أَيضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّنصِيصَ عَلَى الأَسنَانِ المَخصُوصَةِ وَالشَّاةِ إِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ قَدرِ المَالِيَّةِ الَّتِي هِيَ الأَصلُ، وَأَنَّ التَّخصِيصَ المَذكُورَ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّيسِيرِ عَلَى أَصحَابِ المَوَاشِي.
وَمِن ذَلِكَ مَا استَدَلَّ بِهِ البُخَارِيُّ فَقَالَ فِي صَحِيحِهِ: قَالَ ﷺ: “وَمَن بَلَغَت صَدَقَتُهُ بِنتَ مَخَاضٍ وَلَيسَت عِندَهُ وَعِندَهُ بِنتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقبَلُ مِنهُ، وَيُعطِيهُ المُصَّدِّقُ عِشرِينَ دِرهَمًا أَو شَاتَينِ“، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَخذِ القِيمَةِ بَدَلَ الوَاجِبِ، وَقَدِ استَدَلَّ البُخَارِيُّ بِأَحَادِيثَ أُخرَى تُشبِهُ مَا ذَكَرنَا سَاقَهَا البُخَارِيُّ.
قَالَ العَينِيُّ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ: وَاعلَم أَنَّ دَفعَ القِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ جَائِزٌ عِندَنَا، وَكَذَلِكَ الكَفَّارَةُ وَصَدَقَةُ الفِطرِ وَالعُشرِ وَالخَرَاجِ وَالنَّذرِ، وَهُوَ قَولُ عُمَرَ وَابنِهِ عَبدِ اللهِ وَابنِ مَسعُودٍ وَابنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٍ وَطَاوُوسٍ، وَقَالَ الثَّورِيُّ يَجُوزُ إِخرَاجُ العُرُوضِ فِي الزَّكَاةِ إِذَا كَانَت بِقِيمَتِهَا، وَهُوَ مَذهَبُ البُخَارِيِّ، وَإِحدَى الرِّوَايَتَينِ عَن أَحمَدَ، وَلَو أَعطَى عَرضًا عَن ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ قَالَ أَشهَبُ: يَجُوزُ، وَقَالَ الطَّرطُوشِيُّ هَذَا قَولٌ بَيِّنٌ فِي جَوَازِ إِخرَاجِ القِيَمِ فِي الزَّكَاةِ.اهـ
قَالَ: وَأَجمَعَ أَصحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَو أَعطَى فِضَّةً عَن ذَهَبٍ أَجزَأَهُ، وَأَجَازَ ابنُ حَبِيبٍ دَفعَ القِيمَةِ إِذَا رَآهُ أَحسَنَ لِلمَسَاكِينِ، وَقَاَل مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَولُ دَاوُودَ.اهـ
ثُمَّ قَالَ العَينِيُّ: وَحَدِيثُ البَابِ حُجَّةٌ لَنَا، لِأَنَّ ابنَ لَبُونٍ لَا مَدخَلَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ إِلَّا بِطَرِيقِ القِيمَةِ، لِأَنَّ الذَّكَرَ لَا يَجُوزُ فِي الإِبِلِ إِلَّا بِالقِيمَةِ، وَلِذَلِكَ احتَجَّ بِهِ البُخَارِيُّ أَيضًا فِي جَوَازِ إِخرَاجِ القِيَمِ مَعَ شِدَّةِ مُخَالَفَتِهِ لِلحَنَفِيَّةِ.اهـ، وَكَذَلِكَ قَبُولُ بِنتِ لَبُونٍ مَكَانَ بِنتِ مَخَاضٍ مَعَ أَخذِ عِشرِينَ دِرهَمًا مِنَ المُصَّدِّقِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ القِيمَةِ لِأَنَّ الوَاجِبَ بَعضُ بِنتِ لَبُونٍ لَا هِيَ كُلُّهَا.
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِزَكَاةِ الفِطرِ، إِذ لَا فَرقَ أَصلًا، وَالقِيمَةُ كَمَا تَكُونُ عَرضًا تَكُونُ نَقدًا، بَلِ النَّقدُ هُوَ الأَصلُ فِيهَا.
خامسًا: إثبات جواز أخذ القيمة في زكاة الفطر
إِذَا ثَبَتَ جَوَازُ أَخذِ القِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ المَفرُوضَةِ فِي الأَعيَانِ فَجَوَازُهَا فِي الزَّكَاةِ المَفرُوضَةِ عَلَى الرِّقَابِ مِن بَابِ أَولَى، لِأَنَّ الشَّرعَ أَوجَبَ الزَّكَاةَ فِي عَينِ الحَبِّ وَالتَّمرِ وَالمَاشِيَةِ وَالنَّقدَينِ، فَهُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي أَعيَانِ هَذِهِ الأَشيَاءِ، وَأَمَّا الفِطرُ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي الرِّقَابِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَت عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنثَى، وَالحُرِّ وَالعَبدِ، وَالكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ.
وَلَمَّا كَانَ الحَالُ فِيهَا كَذَلِكَ اقتَضَت حِكمَةُ الشَّرعِ البَالِغَةُ أَمرَ النَّاسِ بِإِخرَاجِ الطَّعَامِ، لِيَتَمَكَّنَ جَمِيعُهُم مِن أَدَاءِ مَا فُرِضَ عَلَيهِم وَلَا يَحصُلَ لَهُم فِيهِ عُسرٌ وَلَا مَشَقَّةٌ قَد يُؤَدِّيَانِ بِالكَثِيرِ مِنهُم إِلَى تَركِهِ وَتَفوِيتِهِ لِمَشَقَّتِهِ أَو عَدَمِ القُدرَةِ عَلَيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّقُودَ كَانَت نَادِرَةَ الوُجُودِ فِي تِلكَ الأَزمَانِ فِي العَرَبِ لَا سِيَّمَا البَوَادِي مِنهَا.
فَلَو أُمِرَ بِإِعطَاءِ النُّقُودِ فِي الزَّكَاةِ المَفرُوضَةِ عَلَى الرُّؤُوسِ لَتَعَذَّرَ إِخرَاجُهَا عَلَى الكَثِيرِ مِنهُم بِالكُلِّيَّةِ، وَلَتَعَسَّرَ أَيضًا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الأَغنِيَاءِ، فَإِنَّ الكَثِيرَ مِن أَغنِيَاءِ البَادِيَةِ لَا تُوجَدُ بِيَدِهِمُ النُّقُودُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ النُّدرَةِ لِعَدَمِ احتِيَاجِهِم إِلَيهَا فِي غَالِبِ أَحوَالِهِم، حَتَّى أَنَّ مَن يَحتَاجُ مِنهُم إِلَى شَيءٍ مِنَ النُّقُودِ يُخرِجُ بَعضَ الطَّعَامِ أَوِ المَاشِيَةِ لِيَحصُلَ عَلَيهِ كَمَا هُوَ مَعلُومٌ مِن حَالِهِم، خُصُوصًا فِي البَوَادِي البَعِيدَةِ مِنَ المُدُنِ، أَمَّا الطَّعَامُ فَإِنَّهُ مُتَيَسِّرٌ لِلجَمِيعِ، وَلَا يَخلُو مِنهُ مَنزِلٌ إِلَّا مَن بَلَغَ بِهِ الفَقرُ مُنتَهَاهُ، فَكَانَ مِن أَعظَمِ المَصَالِحِ وَأَبلَغِ الحُكمِ العُدُولُ عَنِ المَالِ النَّادِرِ العَسِيرِ إِخرَاجُهُ إِلَى الطَّعَامِ المُتَيَسِّرِ وُجُودُهُ وَإِخرَاجُهُ لِكُلِّ النَّاسِ.
سادسًا: اعتبار القيمة من قِبل النبي ﷺ
قَد بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ القَدرَ الوَاجِبَ مِنَ الأَعيَانِ المَنصُوصِ عَلَيهَا، مَعَ تَسَاوِيهَا فِي كِفَايَةِ الحَاجَةِ وَسَدِّ الخُلَّةِ، فَأَوجَبَ مِنَ التَّمرِ وَالشَّعِيرِ صَاعًا وَمِنَ البُرِّ نِصفَ صَاعٍ، وَذَلِكَ لِكَونِهِ أَعلَى ثَمَنًا لِقِلَّتِهِ بِالمَدِينَةِ فِي عَصرِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ اعتَبَرَ القِيمَةَ وَلَم يَعتَبِرِ الأَعيَانَ، إِذ لَوِ اعتَبَرَهَا لَسَوَّى بَينَهَا فِي المِقدَارِ، وَوَرَدَ أَيضًا عَنِ الصَّحَابَةِ التَّصَرُّفُ فِي القَدرِ الوَاجِبِ فِي الفِطرَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاجتِهَادِ مِنهُم، فَمِنهُم مَن جَعَلَ مُدَّينِ مِن صِنفٍ مِنَ الأَصنَافِ بَدَلَ صَاعٍ مُرَاعَاةً لِلقِيمَةِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُم فَهِمُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اعتِبَارَ القِيمَةِ وَمُرَاعَاةَ المَصلَحَةِ، إِذ لَو لَم يَكُن ذَلِكَ جَائِزًا لَمَا استَجَازَ الصَّحَابَةُ، خُصُوصًا عُمَرُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، مُخَالَفَةَ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَيءٍ مِن حَدِّهِ وَقَدرِهِ.
الخاتمة
بَعدَ مَا ذَكَرنَا طَرَفًا مِنَ الأَدِلَّةِ الَّتِي بَيَّنَهَا العُلَمَاءُ وَالفُقَهَاءُ، وَبَعدَ بَيَانِ أَوجُهِ دِلَالَتِهَا، فَإِنَّ القَولَ بِجَوَازِ إِخرَاجِ القِيمَةِ فِي زَكَاةِ الفِطرِ هُوَ قَولٌ قَالَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَعَدَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَعلَامِ مِن مُجتَهِدِي هَذِهِ الأُمَّةِ، فَلَا يَسَعُنَا رَدُّهُ وَلَا إِنكَارُهُ، وَقَد وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَإِقرَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي أَخذِ البَدَلِ، وَفِعلِ الصَّحَابَةِ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم، فَلَا عِبرَةَ بِمَن بَدَّعَ وَضَلَّلَ وَأَنكَرَ عَلَى مَن أَخَذَ بِهَذَا القَولِ مِنَ المُسلِمِينَ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ يَأبَاهُ العَقلُ وَلَا يَرضَاهُ الدَّلِيلُ، وَنَحنُ مُكَلَّفُونَ بِاتِّبَاعِ الحَقِّ وَالدَّلِيلِ لَا استِحسَانِ النَّاسِ وَآرَائِهِم.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- مُصَنَّفِ ابنِ أَبِي شَيبَةَ.
- سُنَنِ البَيهَقِيِّ الكُبرَى.
- عُمْدَةِ الْقَارِي بِشَرْحِ صَحِيْحِ الْبُخَارِي لِبَدْرِ الدِّيْنِ الْعَيْنِيِّ الْحَنَفِيِّ.
- فَتْحِ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيْحِ الْبُخَارِي لِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ.