حكم كشف وجه المرأة

وجه المرأة ليس عورة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

أَنزَلَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كِتَابَهُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيَانًا لِلأَحكَامِ، وَأَرسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ سَمحَةً وَوَاسِعَةً، تُحَقِّقُ مَقَاصِدَ الدِّينِ فِي حِفظِ الأَعرَاضِ وَصَونِ القُلُوبِ وَالأَبصَارِ.

وَقَد كَثُرَ الكَلَامُ فِي مَسأَلَةِ كَشفِ المَرأَةِ لِوَجهِهَا، وَهَل هُوَ عَورَةٌ أَو لَيسَ بِعَورَةٍ؟ غَيرَ أَنَّ كَثِيرًا مِن أَدعِيَاءِ العِلمِ صَارُوا يُفتُونَ فِي المَسأَلَةِ فَتَاوًى بَاطِلَةً مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ، لَا تَستَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ، بَل هِيَ مُجَرَّدُ تَحَكٌّمٍ وَاتِّبَاعٍ لِلهَوَى، وَصَارُوا يَتَشَدَّدُونَ فِي ذَلِكَ وَيُبَالِغُونَ فِي التَّشَدُّدِ مِن غَيرِ حَاجَةٍ لِذَلِكَ، فَفِي هَذَا المَقَالِ نُبَيِّنُ حُكمَ المَسأَلَةِ، وَنَعرِضُ الأَدِلَّةَ وَالنُّقُولَ المُعتَبَرَةَ الَّتِي وَرَدَت فِي كُتُبِ الفُقَهَاءِ وَالمُفَسِّرِينَ وَالمُحَدِّثِينَ، لِيَكُونَ القَارِئُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن هَذِهِ المَسأَلَةِ المُهِمَّةِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

حكم كشف وجه المرأة

قَرَّرَ جُمهُورُ الأَئِمَّةِ وَالمُحَقِّقِينَ أَنَّ وَجهَ المَرأَةِ وَكَفَّيهَا لَيسَا بِعَورَةٍ، وَذَلِكَ استِنَادًا إِلَى أَحَادِيثَ وَرَدَت عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ تُبَيِّنُ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ لِلمَرأَةِ أَن تَخرُجَ كَاشِفَةً لِوَجهِهَا وَكَفَّيهَا إِذَا كَانَت غَيرَ مُتَزَيِّنَةٍ وَلَم تَقصِد بِذَلِكَ فِتنَةَ الرِّجَالِ وَجَرَّهُم إِلَى الحَرَامِ، فَإِن كَانَت مُتَزَيِّنَةً كَانَ مَكرُوهًا لَكِن لَيسَ حَرَامًا، وَإِن كَانَت قَصَدَت بِذَلِكَ فِتنَةَ الرِّجَالِ فَهُوَ حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَت مُتَزَيِّنَةً أَو غَيرَ مُتَزَيِّنَةٍ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ حُكمِ المَسأَلَةِ بِالتَّفصِيلِ فِي المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ:

قول الشافعية:

لَم يَعُدَّ الشَّافِعِيَّةُ وَجهَ المَرأَةِ عَورَةً، فَقَد قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رَوضَةِ الطَّالِبِينَ مَا نَصُّهُ: «وَأَمَّا المَرأَةُ فَإِن كَانَت حُرَّةً فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَورَةٌ إِلَّا الوَجهَ وَالكَفَّينِ ظَهرَهُمَا وَبَطنَهُمَا إِلَى الكُوعَينِ».اهـ وَالكُوعُ العَظمُ الَّذِي يَلِي الإِبهَامَ فِي أَوَّلِ السَّاعِدِ.

وَفِي كِتَابِ بَحرِ المَذهَبِ لِأَبِي المَحَاسِنِ الرُّويَانِيُّ الشَّافِعِيُّ مَا نَصُّهُ: «فَرعٌ: يُكرَهُ لِلمَرأَةِ أَن تَنتَقِبَ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الوَجهَ مِنَ المَرأَةِ لَيسَ بِعَورَةٍ، فَهِيَ كَالرَّجُلِ يُكرَهُ لَهُ أَن يُصَلِّيَ مُتَلَثِّمًا».

وَقَالَ زَكَرِيَا الأَنصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي «أَسنَى المَطَالِبِ بِشَرحِ رَوضِ الطَّالِبِ» مَا نَصُّهُ: «وَمَا نَقَلَهُ الإِمَامُ (أَي إِمَامُ الحَرَمَينِ) مِنَ الاتِفَاقِ عَلَى مَنعِ النِّسَاءِ (أَي مَنعِ الوُلَاةِ لَهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ كَاشِفَاتٍ لِلوَجهِ) لَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ القَاضِي عِياضٌ عَنِ العُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى المَرأَةِ سَترُ وَجهِهَا فِي طَرِيقِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ البَصَرِ عَنهُنَّ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبصَارِهِم﴾، [سُورَةُ النُّورِ:30] الآيَةَ، لِأَنَّ مَنعَهُنَّ مِن ذَلِكَ لَا لِأَنَّ السَّترَ وَاجِبٌ عَلَيهِنَّ فِي ذَاتِهِ، بَل لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَفِيهِ مَصلَحَةٌ عَامَّةٌ وَفِي تَركِهِ إِخلَالٌ بِالمُرُوءَةِ».

وَقَالَ أَيضًا: «وَعَورَةُ الحُرَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَعِندَ الأَجنَبِيِّ وَلَو خَارِجَهَا (أَي خَارِجَ الصَّلَاةِ) جَمِيعُ بَدَنِهَا إِلَّا الوَجهَ وَالكَفَّينِ ظَهرًا وَبَطنًا إِلَى الكُوعَينِ».اهـ

وَقَالَ الرَّملِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى أَسنَى المَطَالِبِ مَا نَصُّهُ: «وَلِأَنَّهُمَا لَو كَانَا عَورَةً لَمَا وَجَبَ كَشفُهُمَا فِي الإِحرَامِ».اهـ

قول المالكية:

لَم يُحَرِّمِ المَالِكِيَّةُ أَيضًا عَلَى المَرأَةِ كَشفَ وَجهِهَا وَكَفَّيهَا لِأَنَّهُمَا لَيسَا عَورَةً عِندَهُم، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ القَاضِي عِيَاضٌ حَيثُ قَالَ: «الوَجهُ وَالكَفَّانِ لَيسَا عَورَةً، وَيَجُوزُ كَشفُهُمَا، وَالوَاجِبُ عَلَى الرِّجَالِ غَضُّ البَصَرِ».

وَقَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ عِلَيش المَالِكِيُّ فِي «مِنَحِ الجَلِيلِ شَرحِ مُختَصَرِ خَلِيلٍ» مَمزُوجًا بِالمَتنِ:«وَهِيَ مِن حُرَّةٍ مَعَ رَجُلٍ أَجنَبِيٍّ مُسلِمٍ جَمِيعُ جَسَدِهَا غَيرُ الوَجهِ وَالكَفَّينِ ظَهرًا وَبطنًا، فَالوَجهُ وَالكَفَّانِ لَيسَا عَورَةً، فَيَجُوزُ لَهَا كَشفُهُمَا لِلأَجنَبِيِّ، وَلَهُ نَظَرُهُمَا إِن لَم تُخشَ الفِتنَةُ، فَإِن خِيفَتِ الفِتنَةُ بِهِ فَقَالَ ابنُ مَرزُوقٍ: مَشهُورُ المَذهَبِ وُجُوبُ سَترِهِمَا، وَقَالَ عِيَاضٌ: لا يَجِبُ سَترُهُمَا، وَيَجِبُ عَلَيهِ غَضُّ بَصَرِهِ».اهـ

قول الحنفية:

نَصَّ الحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ وَجهَ المَرأَةِ وَكَفَّيهَا لَيسَا عَورَةً، فَقَد قَالَ السَّرَخسِيُّ الحَنَفِيُّ فِي المَبسُوطِ: «ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إِلَى ثِيَابِهَا، وَلَا يُعتَبَرُ خَوفُ الفِتنَةِ فِي ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إِلَى وَجهِهَا وَكَفَّيهَا».اهـ

وَقَالَ الحَافِظُ الزَّبِيدِيُّ فِي الإِتحَافِ مَا نَصُّهُ: «وَلَسنَا نَقُولُ إِنَّ وَجهَ الرَّجُلِ فِي حَقِّهَا عَورَةٌ كَوَجهِ المَرأَةِ فِي حَقِّهِ»اهـ أَيِ الحُكمُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلمَرأَةِ أَن تَنظُرَ إِلَى وَجهِ الرَّجُلِ كَمَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَن يَنظُرَ إِلَى وَجهِ المَرأَةِ.

وَقَالَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ مَا نَصُّهُ: «وَعَورَةُ الحُرَّةِ مَا سِوَى الوَجهِ وَالكَفَّينِ، ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، مِن رُؤُوسِ الأَصَابِعِ إِلَى الكُوعَينِ».

قول الحنابلة:

المَشهُورُ عِندَهُم أَنَّ الوَجهَ وَالكَفَّينِ لَيسَا عَورَةً، وَنَصُّوا عَلَى كَرَاهَةِ انتِقَابِ المَرأَةِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا تُغَطِّي غَيرَ عَورَةٍ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ عَلَاءُ الدِّينِ المَردَاوِيُّ الحَنبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ الإِنصَافُ: «فَأَمَّا إِن كَانَ – أَي السَّاتِرُ – يَستُرُ اللَّونَ وَيَصِفُ الخِلقَةَ لَم يَضُرَّ، قَالَ الأَصحَابُ: لَا يَضُرُّ إِذَا وَصَفَ التَّقَاطِيعُ وَلَا بَأسَ بِذَلِكَ، نَصَّ عَلَيهِ – أَي أَحمَدُ – لِمَشَقَّةِ الاحتِرَازِ».اهـ

الدليل من السنة النبوية على أن وجه المرأة ليس عورة

مِن أَوضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ وَجهَ المَرأَةِ لَيسَ عَورَةً مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَغَيرُهُمَا مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي قِصَّةِ المَرأَةِ الخَثعَمِيَّةِ يَومَ العِيدِ، حَيثُ جَاءَت تَسأَلُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ حَجِّ أَبِيهَا، وَكَانَت شَابَّةً وَضِيئَةً أَي جَمِيلَةً، وَكَانَ الفَضلُ بنُ العَبَّاسِ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ أَي يَركَبُ خَلفَهُ عَلَى النَّاقَةِ، وَكَانَ جَمِيلَ الخِلقَةِ أَيضًا، فَجَعَلَ يَنظُرُ إِلَيهَا أَعجَبَهُ حُسنُهَا وَجَعَلَت تَنظُرُ إِلَيهِ أَعجَبَهَا حُسنُهُ، فَلَوَى النَّبِيُّ ﷺ وَجهَ الفَضلِ عَنهَا، وَلَم يَأمُرِ المَرأَةَ بِتَغطِيَةِ وَجهِهَا، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: لِمَ لَوَيتَ عُنُقَ ابنِ عَمِّكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ ﷺ: «رَأَيتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَخَشِيتُ عَلَيهِمَا الشَّيطَانَ».

فَانظُر -أَخِي- كَيفَ أَنَّ الرَّسُولَ لَم يَأمُر هَذِهِ المَرأَةَ بِتَغطِيَةِ الوَجهِ مَعَ أَنَّهُ خَشِيَ الفِتنَةَ عَلَيهِمَا، وَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَولِهِ ﷺ: «فَخَشِيتُ عَلَيهِمَا الشَّيطَانَ»، وَلَو كَانَ الوَجهُ عَورَةً وَتَغطِيَتُهُ وَاجِبَةً لَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِتَغطِيَتِهِ، لَكِن أَشَارَ النَّبِيُّ بِهَذَا إِلَى أَنَّ الوَاجِبَ هُوَ أَن يَغُضَّ الرَّجُلُ بَصَرَهُ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ ذَلِكَ بَعدَ نُزُولِ آيةِ الحِجَابِ بِخَمسِ سَنَوَاتٍ.

وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهِ عَنهَا حين دَخَلَت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيهَا ثِيَابٌ شَامِيَّةٌ رِقَاقُ، فَأَعرَضَ عَنهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَسمَاءُ، إِنَّ المَرأَةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَم يَصلُح أَن يُرَى مِنهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا»، وَأَشَارَ إِلى وَجهِهِ وَكَفَّيهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَكَذَا مَا جَاءَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ وَعَطَاءٍ وَغَيرِهِم أَنَّهُم فَسَّرُوا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنهَا﴾، [سُورَةُ النُّورِ:31]، بِالوَجهِ وَالكَفَّينِ، فَقَد قَالَ الدِّميَاطِيُّ فِي إِعَانَةِ الطَّالِبِينَ مَا نَصُّهُ: «قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ هُوَ الوَجهُ وَالكَفَّانِ، وَلِأَنَّهُمَا لَو كَانَا عَورَةً فِي العِبَادَاتِ لَمَا وَجَبَ كَشفُهُمَا فِي الإِحرَامِ، وَلِأَنَّ الحَاجَةَ تَدعُو إِلَى إِبرَازِهِمَا».

الدليل من الإجماع على أن وجه المرأة ليس عورة

نَقَلَ عِدَّةٌ مِنَ العُلَمَاءِ إِجمَاعَ عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ عَلَى جَوَازِ كَشفِ المَرأَةِ وَجهَهَا وَأَنَّهُ لَيسَ بِعَورَةٍ، وَفِي مَا يَلِي بَعضُ النُّقُولِ فِي ذَلِكَ:

قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ المَالِكِيُّ وَغَيرُهُ مِنَ المَالِكِيَّةِ: «لِلمَرأَةِ كَشفُ وَجهِهَا إِجمَاعًا، وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ البَصَرِ».

وَنَقَلَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ الشَّافِعيُّ هَذَا الإِجمَاعُ فِي أَكثَرَ مِن مَوضِعٍ، مِنهَا «الفَتَاوَى الكُبرَى» نَاقِلًا الإِجمَاعَ عَنِ إِمَامِ الحَرَمَينِ، وَ«حَاشِيَةِ شَرحِ الإِيضَاحِ عَلَى مَنَاسِكِ الحَجِّ لِلنَّوَوِيِّ»، مُقِرِّرًا أَنَّ كَشفَ الوَجهِ جَائِزٌ بِالإِجمَاعِ، وَأَنَّ أَمرَ المَرأَةِ بِتَغطِيَتِهِ لِلمَصلَحَةِ العَامَّةِ لَا يَلزَمُ منه الوُجُوبُ.

وَذَكَرَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفسِيرِهِ أَنَّ القَولَ الرَّاجِحَ أَنَّ الوَجهَ وَالكَفَّينِ هُمَا المُستَثنَيَانِ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنهَا﴾، وَأَكَّدَ أَنَّ إِجمَاعَ الأُمَّةِ عَلَى أَنَّ لِلمَرأَةِ أَن تَكشِفَ وَجهَهَا فِي الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيسَ عَورَةً.

بعض الاعتراضات على المسألة والرد عليها

الرد على من يحرم على المرأة كشف وجهها لخوف الفتنة

قَالَ بَعضُ المُتَأَخِرِينَ بِوُجُوبِ سَترِ الوَجهِ فِي زَمَانِنَا بِحُجَّةِ دَفعِ الفِتنَةِ، وَهَذَا مَردُودٌ، إِذ إِنَّ الفِتنَةَ كَانَت مَوجُودَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَع ذَلِكَ لَم يُوجِب تَغطِيَةَ الوَجهِ، بَل إِنَّهُ صَرَّحَ بِخَوفِ الفِتنَةِ بَينَ المَرأَةِ الخَثعَمِيَّةِ وَابنِ عَمِّهِ الفَضلِ بنِ العَبَّاسِ مَعَ ذَلِكَ لَم يَأمُرهَا بِتَغطِيَةِ الوَجهِ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَو صَحَّ هَذَا القَولُ لَلَزِمَ أَن يُلزِمَ المُردَانَ أَيضًا بِتَغطِيَةِ وُجُوهِهِم لِكَثرَةِ الفِتنَةِ بِهِم فِي هَذِهِ الأَيَّامِ.

حديث «احتجبا منه»

أَمرِ النَّبِيُّ ﷺ زَوجَتَيهِ أَن تَحتَجِبَا مِن ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ الأَعمَى، وَبَيَّنَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ أَنَّ هَذَا الحُكمَ خَاصٌّ بِأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ فقَالَ بَعدَ ذِكرِ هَذَا الحَدِيثِ: «هَذَا خَاصٌّ بِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ»، أَمَّا سَائِرُ النِّسَاءِ فَلَهُنَّ كَشفُ وُجُوهِهِنَّ أَمَامَ الأَجَانِبِ، فَقَدِ اتَفَقَ العُلَمَاءُ أَنَّ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ لَهُنَّ أَحكاَمٌ خَاصَّةٌ فِي الحِجَابِ، مِنهَا وُجُوبُ سَترِ وُجُوهِهِنَ حَتَّى مِنَ الأَعمَى، أَمَّا بَقِيَّةُ النِّسَاءِ فَلَيسَ عَلَيهِنَّ ذَلِكَ.

خلاصة أقوال العلماء

  • عَورَةُ المَرأَةِ أَمَامَ الأَجنَبِيِّ جَمِيعُ بَدَنِهَا إِلَّا الوَجهَ وَالكَفَّينِ.
  • يَجُوزُ لَهَا كَشفُ الوَجهِ وَالكَفَّيِن، وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ البَصَرِ.
  • سَترُ الوَجهِ مُستَحَبٌّ عِندَ خَوفِ الفِتنَةِ، لَكِنَّهُ لَيسَ وَاجِبًا وَلَا هُوَ مِنَ العَورَةِ.
  • مَا وَرَدَ مِن أَقوَالٍ لِبَعضِ المُتَأَخِّرِينَ بِوُجُوبِ سَترِ الوَجهِ دَفعًا لِلفِتنَةِ لَا يَنسَخُ الإِجمَاعَاتِ المَنقُولَةِ عَنِ الأَئِمَةِ المُتَقَدِّمِينَ.
  • إِذَا خَرَجَتِ المَرأَةُ كَاشِفَةً وَجهَهَا بِقَصدِ فِتنَةِ الرِّجَالِ عَلَيهَا مَعصِيَةٌ، وَالمَعصِيَةُ لِأَنَّهَا قَصَدَت فِتنَتَهُم، لَا لِمُجَرَّدِ أَنَّهَا خَرَجَت كَاشِفَةً وَجهَهَا.

الخاتمة

بَعدَ عَرضِ الأَدِلَّةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَقوَالِ الأَئِمَّةِ مِن مُختَلَفِ المَذَاهِبِ، يَتَّضِحُ أَنَّ القَولَ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيهِ جُمهُورُ العُلَمَاءِ أَنَّ وَجهَ المَرأَةِ وَكَفَّيهَا لَيسَا عَورَةً، وَأَنَّ كَشفَهُمَا جَائِزٌ، مَع وُجُوبِ غَضِّ البَصَرِ عَلَى الرِّجَالِ. أَمَّا سَترُ الوَجهِ فَمُستَحَبٌّ عِندَ وُجُودِ الفِتنَةِ، لَكِنَّهُ لَيسَ وَاجِبًا فِي ذَاتِهِ.

فَعَلَى طَالِبِ الحَقِّ أَن يَتَّبِعَ الدَّلِيلَ وَلَا يَتَّبِعَ أَيَّ نَاعِقٍ يَنعَقُ بِفَتَاوَى بِلَا دَلِيلٍ بَلِ اعتِمَادًا عَلَى الهَوَى وَالتَّشَهِّي، فَإِنَّ اجتِنَابَ هَؤُلَاءِ مَطلُوبٌ لِلنَّجَاةِ يَومَ القِيَامَةِ، نَسأَلُ اللهَ أَن يَرزُقَنَا الفِقهَ فِي الدِّينِ، وَالبَصِيرَةَ فِي أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَأَن يَجعَلَنَا مِن أَهلِ الاعتِدَالِ، وَالاتِّبَاعِ لَا الِابتِدَاعِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر والمراجع

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
  6. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلنَّوَوِيِّ.
  7. إِعَانَةِ الطَّالِبِينَ لِلدِّميَاطِيِّ.
  8. بَحرِ المَذهَبِ لِلرُّويَانِيِّ.
  9. أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  10. حَاشِيَةِ الرَّملِيِّ عَلَى أَسنَى المَطَالِبِ.
  11. الفَتَاوَى الكُبرَى لِابنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ.
  12. حَاشِيَةِ ابنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ عَلَى شَرحِ الإِيضَاحِ لِلنَّوَوِيِّ.
  13. إِتحَافِ السَّادَةِ المُتَّقِينَ لِلزَّبِيدِيِّ.
  14. مِنَحِ الجَلِيلِ شَرحِ مُختَصَرِ خَلِيلٍ لِمُحَمَّد علِيش المَالِكِيِّ.
  15. المَبسُوطِ لِلسَّرَخسِيِّ.
  16. الإِنصَافِ لِلمَردَاوِيِّ الحَنبَلِيِّ.
  17. تَفسِيرِ الطَّبَرِيِّ.