بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
أَنزَلَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الشَّرَائِعَ رَحمَةً بِعِبَادِهِ، وَحَفِظَ بِهَا الأَعرَاضَ وَالأَنفُسَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ مَسأَلَةٍ مِن مَسَائِلِ الدِّينِ ضَوَابِطَ تَضبِطُهَا وَأَحكَامًا تُنِيرُ سَبِيلَهَا.
وَمِنَ القَضَايَا الَّتِي تَكثُرُ الحَاجَةُ إِلَيهَا فِي هَذَا العَصرِ مَسأَلَةُ عِلَاجِ الرَّجُلِ لِلمَرأَةِ وَعِلَاجُ المَرأَةِ لِلرَّجُلِ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهَا مِن أَحكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ وَالمَسِّ وَكَشفِ العَورَةِ، وَهِيَ أَحكَامٌ دَقِيقَةٌ تُمَثِّلُ جَانِبًا مُهِمًّا مِن الفِقهِ وَفِي ضَبطِهِ حِفظُ الحُرُمَاتِ.
الأصل في أحكام النظر والمس بين الجنسين
الأَصلُ المُقَرَّرُ فِي شَرِيعَةِ الإِسلَامِ أَنَّ المَرأَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَن تَكشِفَ مِن بَدَنِهَا أَمَامَ الأَجَانِبِ سِوَى الوَجهِ وَالكَفَّينِ، وَيَحرُمُ عَلى الأَجنَبِيِّ النَّظَرُ إِلى غَيرِ ذَلِكَ، وَيَحرُمُ عَلَيهَا هِيَ أَن تَنظُرَ مِنَ الرَّجُلِ الأَجنَبِيِّ إِلَى مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِشَهوَةٍ أَو بِغَيرِ شَهوَةٍ، وَيَحرُمُ النَّظَرُ مِنَ الرَّجُلِ وَالمَرأَةِ إِلَى أَيِّ جُزءٍ مِن بَدَنِ الآخَرِ بِشَهوَةٍ.
قَالَ الفُقَهَاءُ: وَحَيثُ حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ المَسُّ بِطَرِيقِ الأَولَى.
وَهَذَا أَصلٌ عَامٌّ تُبنَى عَلَيهِ مَسَائِلُ العِلَاجِ وَغَيرُهُ، إِذِ النَّظَرُ وَالمَسُّ كِلَاهُمَا مِن وَسَائِلِ الفِتنَةِ، فَإِذَا حُرِّمَ الأَضعَفُ (النَّظَرُ) فَمِن بَابِ أَولَى أَن يَحرُمَ الأَقوَى (المَسُّ).
ضوابط العلاج عند الحاجة
- تَقدِيمُ الطَّبِيبَةِ المُسلِمَةِ عَلى غَيرِهَا: إِذَا احتَاجَتِ المَرأَةُ إِلى عِلَاجٍ فَإِنَّهَا تُقَدِّمُ فِي عِلَاجِهَا الطَّبِيبَةَ المُسلِمَةَ، فَإِن تَعَذَّرَت فَطَبِيبَةٌ كَافِرَةٌ، فَإِن تَعَذَّرَ الجَمِيعُ فَقَد ذَكَرَ البُلقِينِيُّ فِي تَرتِيبِ مَرَاتِبِ المُعَالِجِ:
- امرَأَةٌ مُسلِمَةٌ
- فَإِن تَعَذَّرَت: فَصَبِيٌّ مُسلِمٌ غَيرُ مُرَاهِقَ.
- فَإِن تَعَذَّرَ: فَصَبِيٌ كَافِرٌ غَيرُ مُرَاهِقَ.
- فَإِن تَعَذَّرَ: فَامرَأَةٌ كَافِرَةٌ.
- فَإِن تَعَذَّرَت: فَرَجُلٌ مُسلِمٌ.
- فَإِن تَعَذَّرَ: فَرَجُلٌ كَافِرٌ.
وَيُفهَمُ مِن هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلمَرأَةِ المُسلِمَةِ أَن تَذهَبَ إِلى طَبِيبٍ رَجُلٍ مَعَ وُجُودِ طَبِيبَةٍ مُسلِمَةٍ إِذَا كَانَ العِلَاجُ يَستَلزِمُ كَشفَ عَورَةٍ، إِلَّا إِذا كَانَ الطَّبِيبُ أَمهَرَ أَو أَقدَرَ أَو أُجرَتُهُ أَيسَرَ.
- تَقدِيرُ الضَّرُورَةِ بِقَدرِهَا: لَا يُكشَفُ إِلَّا المَوضِعُ الَّذِي يَحتَاجُ إِلى العِلَاجِ، وَيُستَرُ مَا عَدَاهُ مِنَ العَورَاتِ.
- المَسُّ دُونَ النَّظَرِ أَولَى: إِذَا أَمكَنَ لِلطَّبِيبِ مَعرِفَةُ العِلَّةِ بِالمَسِّ فَقَط دُونَ نَظَرٍ، جَازَ المَسُّ وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ.
- حُضُورُ مَانِعِ الخَلوَةِ: لَا يَجُوزُ أَن تَختَلِيَ المَرأَةُ بِالطَّبِيبِ الأَجنَبِيِّ، بَل لَا بُدَّ مِن وُجُودِ مَحرَمٍ أَوِ امرَأَةٍ أُخرَى تَحفَظُ مِنَ الخَلوَةِ المُحَرَّمَةِ.
- مُرَاعَاةُ الأَمهَرِ وَالأَصلَحِ: نَصَّ الفُقَهَاءُ عَلى أَنَّ الطَّبِيبَ الأَمهَرَ يُقدَّمُ عَلى غَيرِهِ، وَلَو كَانَ مِن غَيرِ جِنسِ المَرِيضِ أَو مِن غَيرِ مِلَّتِهِ، وَأَنَّ مَن يَطلُبُ أُجرَةً زَائِدَةً عَنِ المُعتَادِ كَالمَعدُومِ فِي الحُكمِ.
الخاتمة
يَتَّضِحُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسلَامِيَّةَ وَضَعَت ضَوَابِطَ دَقِيقَةً فِي مَسأَلَةِ العِلَاجِ بَينَ الجِنسَينِ، تَقُومُ عَلى حِفظِ الأَعرَاضِ وَصِيَانَةِ الحُرُمَاتِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الضَّرُورَاتِ الَّتِي قَد تَفرِضُهَا الأَحوَالُ. فَالأَصلُ هُوَ المَنعُ، وَالاستِثنَاءُ يُقَدَّرُ بِقَدرِهِ، وَالضَّرُورَةُ تُبِيحُ القَدرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنهُ، مَعَ تَقدِيمِ الأَصلَحِ وَالأَحوَطِ فِي الدِّينِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
القُرءَانِ الكَرِيمِ.
السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
حَوَاشِي الرَّوضَةِ.