معاصي العين

معاصي العين - غض البصر

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

سورة النور: 30، 31

ذَكَرَت هَاتَانِ الآيَتَانِ الكَرِيمَتَانِ حُكمَ نَظَرِ العَينِ إِلَى الغَيرِ، وَأَشَارَت إِلَى أَنَّ النَّظَرَ هُوَ مِن مُقَدِّمَاتِ الزِّنَى الَّتِي لَا بُدَّ مِنَ الابتِعَادِ عَنهَا لِحِفظِ النَّفسِ مِنَ الوُقُوعِ فِي الزِّنَى أَوِ الاقتِرَابِ مِنهُ، وَأَنَّ غَضَّ البَصَرِ هُوَ طَرِيقُ إِعفَافِ النَّفسِ مِنَ الوُقُوعِ فِي مِثلِ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ، كَمَا أَشَارَتِ الآيَتَانِ إِلَى أَنَّ الحُكمَ لَيسَ مُرتَبِطًا بِالرِّجَالِ فَحَسبُ، بَل إِنَّ النِّسَاءَ أَيضًا يَجِبُ عَلَيهِنَّ غَضُّ البَصَرِ عَن عَورَاتِ الرِّجَالِ، وَيَجِبُ عَلَيهِنَّ حِفظُ أَنفُسِهِنَّ مِنَ الوُقُوعِ فِي أَسبَابِ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلَيهِنَّ مِن سَترِ العَورَةِ وَعَدَمِ إِظهَارِ الزِّينَةِ بِقَصدِ الفِتنَةِ وَنَحوِ ذَلِكَ.

قَالَ الشَّاعِرُ:

كُلُّ الحَوَادِثِ ‌مَبدَاهَا ‌مِنَ ‌النَّظَرِ
وَمُعظَمُ النَّارِ مِن مُستَصغَرِ الشَّرَرِ

كَم نَظرَةٌ بَلَغَت فِي قَلبِ صَاحِبِهَا
كَمَبلَغِ السَّهمِ بَينَ القَوسِ وَالوَتَرِ

وَالعَبدُ مَا دَامَ ذَا طَرفٍ يُقَلِّبُهُ
فِي أَعيُنِ العِينِ مَوقُوفٌ عَلَى الخَطَرِ

يَسُرُّ مُقلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهجَتَهُ
لَا مَرحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ

وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا يَروِيهِ عَن رَبِّهِ:

إِنَّ النَّظرَةَ سَهمٌ ‌مِن ‌سِهَامِ ‌إِبلِيسَ مَسمُومٌ، مَن تَرَكَهَا مَخَافَتِي أَبدَلتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلبِهِ

رواه الطبراني وغيره

وَفِي هَذَا المَقَالِ نَذكُرُ جُملَةً مِن مَعَاصِي العَينِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الإِنسَانِ أَن يَحفَظَ نَفسَهُ مِنهَا:

النظر إلى العورات ولو بلا شهوة، أو إلى غير العورة بشهوة

قَسَّمَ الشَّرعُ النَّظَرَ إِلَى الغَيرِ إِلَى أَقسَامٍ تَختَلِفُ بِحَسَبِ النَّاظِرِ وَمَوضِعِ النَّظَرِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ قِسمًا مِنهَا حُكمًا، نَذكُرُ مِنهَا مَا يَلِي:

النظر إلى العورات

حَرَّمَ الشَّرعُ النَّظَرَ إِلَى العَورَاتِ مُطلَقًا حَتَّى لَو كَانَ بِلَا شَهوَةٍ مِنَ النَّاظِرِ، بَل هُوَ حَرَامٌ وَلَو مَعَ اتِّحَادِ الجِنسِ فِي النَّاظِرِ وَالمَنظُورِ إِلَيهِ، وَلَكِنَّ العَورَةَ تَختَلِفُ هُنَا بِحَسَبِ النَّاظِرِ وَالمَنظُورِ إِلَيهِ، فَهِيَ كَمَا يَلِي:

  1. عَورَةُ المَرأَةِ أَمَامَ الرَّجُلِ الأَجنَبِيِّ: جَمِيعُ بَدَنِهَا سِوَى الوَجهِ وَاليَدَينِ، وَنَقَلَ بَعضُ الفُقَهَاءِ كَالْقَاضِيْ عِيَاضٍ الإِجمَاعَ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ بِلا شَهوَةٍ إِلَى الوَجهِ وَالكَفَّينِ.
  2. وَعَورَةُ المَرأَةِ أَمَامَ المَرأَةِ المُسلِمَةِ أَوِ الرَّجُلِ المَحرَمِ: مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ، كَمَا نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِيْ المَجْمُوْعِ والحَافِظُ ابْنُ القَطَّانِ فِيْ كِتَابِه أَحْكَامِ النَّظَرِ.
  3. وَعَورَةُ المَرأَةِ أَمَامَ المَرأَةِ الكَافِرَةِ: مَا يَظهَرُ مِنهَا عِندَ المِهنَةِ أَي عِندَ العَمَلِ فِي نَحوِ البَيتِ كَالرَّأسِ وَالسَّاعِدِ وَالعُنُقِ وَنِصفِ السَّاقِ.
  4. وَعَورَةُ الرَّجُلِ أَمَامَ الرَّجُلِ أَوِ المَرأَةِ: مَا بَينَ سُرَّتِهِ وَرُكبَتِهِ.
  5. وَعَورَةُ الرَّجُلِ فِي الخَلوَةِ بِلَا حَاجَةٍ: السَّوأَتَانِ، وَعَورَةُ المَرأَةِ فِي الخَلوَةِ بِلَا حَاجَةٍ: مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ.
    • أَي يَحرُمُ أَن يَكشِفَ الرَّجُلُ سَوأَتَيهِ (وَهُمَا القُبُلُ وَالدُّبُرُ) وَأَن تَكشِفَ المَرأَةُ مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ فِي حَالِ الخَلوَةِ (أَيِ الجُلُوسِ وَحِيدًا) بِلَا حَاجَةٍ، وَالحَاجَةُ مِثلُ قَضَاءِ الحَاجَةِ أَوِ التَّنَظُّفِ أَوِ التَّبَرُّدِ أَوِ التَّدَاوِي، أَمَّا أَن يَجلِسَ وَلَو لَم يَكُن مَعَهُ أَحَدٌ وَيَكشِفَ الرَّجُلُ سَوأَتُهُ أَو تَكشِفَ المَرأَةُ مَا بَينَ السُّرَّةِ وَالرُّكبَةِ بِلَا حَاجَةٍ فَهَذَا حَرَامٌ.
  6. وَلَا عَورَةَ لِلرَّجُلِ أَمَامَ زَوجَتِهِ، وَلَا عَورَةَ لِلمَرأَةِ أَمَامَ زَوجِهَا.

حكم النظر إلى العورة بغير قصد

عَن بُرَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ

يَا عَلِيُّ لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ

رواه الترمذي وأبو داود

مَعنَاهُ إِذَا نَظَرَ شَخصٌ إِلَى عَورَةِ شَخصٍ ءَاخَرَ بِلَا قَصدٍ فَيَجِبُ عَلَيهِ إِبعَادُ نَظَرِهِ عَنهُ فَورًا، وَإِذَا نَظَرَ بقَصدٍ إِلَى غَيرِ العَورَةِ بِلَا شَهوَةٍ ثُمَّ شَعَرَ مِن نَفسِهِ التَّلَذُّذَ وَجَبَ عَلَيهِ إِبعَادُ نَظَرِهِ أَيضًا.

فَهَذَا هُوَ مَعنَى النَّظرَةِ الأُولَى الَّتِي وَرَدَت فِي الحَدِيثِ، أَي أَن يَنظُرَ إِلَى العَورَةِ بِلَا قَصدٍ أَو إِلَى غَيرِ العَورَةِ ثُمَّ شَعَرَ مِن نَفسِهِ التَّلَذُّذَ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ لَكَ أَن تَنظُرَ مَعَ القَصدِ إِلَى العَورَةِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ لَا تَنظُرَ بَعدَ ذَلِكَ.

النظر إلى غير العورات

النَّظَرُ إِلَى غَيرِ العَورَاتِ الَّتِي مَرَّ تَفصِيلُهَا جَائِزٌ فِي الشَّرعِ بِلَا شَكٍّ، لَكِنَّ هَذَا الحُكمَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ النَّظَرُ بِلَا شَهوَةٍ وَتَلَذُّذٍ مِنَ النَّاظِرِ، أَمَّا لَو كَانَ النَّظَرُ مَعَ شَهوَةٍ وَتَلَذُّذٍ فَيَحرُمُ النَّظَرُ إِلَى أَيِّ جُزءٍ مِن بَدَنِ المَرأَةِ أَوِ الرَّجُلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الكَلَامَ هُنَا عَنْ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ.

النظر بالاستحقار إلى المسلم

مِن مُحَرَّمَاتِ العَينِ أَن يَنظُرَ الشَّخصُ إِلَى المُسلِمِ نَظَرَ استِحقَارٍ وَازدِرَاءٍ وَتَكَبُّرٍ، أَي أَن يَنظُرَ إِلَيهِ بِطَرِيقَةٍ تُشعِرُ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنهُ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ أَو ضَعِيفٌ أَو نَحوَ ذَلِكَ، وَعَادَةً مَا يَكُونُ سَبَبُ هَذَا هُوَ التَّكَبُّرُ مِنَ النَّاظِرِ الَّذِي هُوَ مِن أَمرَاضِ وَمَعَاصِي القُلُوبِ نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.

النظر في بيت الغير أو إلى شيء أخفاه بغير إذنه

يَحرُمُ النَّظَرُ فِي بَيتِ الغَيرِ بِغَيرِ إِذنِهِ أَي إِذَا كَانَ يَكرَهُ أَو يَتَأَذَّى صَاحِبُ البَيتِ بِذَلِكَ، كَالنَّظَرِ فِي نَحوِ شَقِّ البَابِ أَو ثُقبٍ فِيهِ إِلَى مَن فِي البَيتِ وَلَو عَلِمَ أَنَّهُم لَا يَكشِفُونَ عَورَاتِهِم.

وَكَذَلِكَ يَحرُمُ النَّظَرُ إِلَى مَا يَحتَوِي عَلَيهِ البَيتُ مِن أَثَاثٍ وَنَحوِهِ إِذَا كَانَ يَكرَهُ أَو يَتَأَذَّى صَاحِبُ البَيتِ بِالنَّظَرِ إِلَيهِ.

وَكَذَلِكَ يَحرُمُ النَّظَرُ إِلَى شَيءٍ أَخفَاهُ صَاحِبُهُ مِمَّا يَتَأَذَّى بِالنَّظَرِ إِلَيهِ وَلَو كَانَ أَخفَاهُ فِي غَيرِ بَيتِهِ.

الخاتمة

مَن عَرَفَ أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلِيهِ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَغُضَّ بَصَرَهُ إِلَّا عَمَّا أَحَلَّ لَهُ اللهُ النَّظَرَ إِلَيهِ، فَلَا يَعصِي رَبَّهُ بِنَظَرِهِ لِلمُحَرَّمَاتِ، وَلَا سِيَّمَا وَأَنَّ النَّظَرَ نِعمَةٌ مِن نِعَمِ اللهِ عَلَى العَبدِ فَلَا يَستَخدِمَنَّ الشَّخصُ نِعمَةَ اللهِ فِي مَعصِيَتِهِ، وَليَتَذّكَّر قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يَعلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. [سورة غافر: 19].

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
  4. سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
  5. فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا.
  6. أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا.
  7. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلنَّوَوِيِّ.
  8. إِحكَامِ النَّظَرِ فِي أَحكَامِ النَّظَرِ لِلحَافِظِ ابنِ القَطَّانِ المَالِكِيِّ.
حادثة حنين الجذع - معجزة الحنانة

حنين الجذع لرسول الله ﷺ معجزة الحنانة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share