معاصي اليدين

معاصي اليدين

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

إِنَّ إِلحَاقَ الأَذَى بِالمُسلِمِ الَّذِي مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي حَذَّرَنَا مِنهَا عَلَّامُ الغُيُوبِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾

سورة الأحزاب (58)

فَجَاءَ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَحرِيمُ أَذَى المُسلِمِ إِلَّا بِوَجهٍ شَرعِيٍّ، وَمِنهُ مَا يَكُونُ بِاليَدَينِ، فَلِذَلِكَ نَذكُرُ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذَا المَقَالِ جُملَةً مِن مَعَاصِي اليَدَينِ:

التطفيف في الكيل والوزن والذرع

مِنْ مَعَاصِي اليَدَيْنِ التَّطْفِيفُ أَيِ الإِنقَاصُ فِي الكَيْلِ وَالوَزْنِ وَالذَّرْعِ (أَي عِندَ الحِسَابِ بِالذِّرَاعِ) وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، [سُورَةَ الْمُطَفِّفِينَ: 1، 2، 3].

وَالْوَيْلُ هُوَ شِدَّةُ الْعَذَابِ، وَقَدْ فَسَّرَتِ الآيَةُ الْمُطَفِّفِينَ بِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا مِنَ النَّاسِ يَأْخُذُونَ حُقُوقَهُمْ مِنْهُم كَامِلَةً، وَإِذَا كَالُوا أَوْ وَزَنُوا مِنْ أَمْوَالِهِم لِلغَيْرِ يَنْقُصُونَ.

السرقة

ما هي السرقة؟

السَّرِقَةُ فِي الأَصْلِ: أَخْذُ مَالِ الغَيْرِ خُفْيَةً لَيْسَ اعْتِمَادًا عَلَى القُوَّةِ فِي العَلَنِ أَو عَلَى الهَربِ فِي العَلَنِ.

متى يقام الحد على السارق؟

وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ إِنْ سَرَقَ مَا يُسَاوِي رُبُعَ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ الْمَحْضِ مِنْ حِرْزِهِ، وَالْحِرْزُ هُوَ مَكَانُ حِفظِ الأَموَالِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَمْوَالِ وَالأَحْوَالِ وَالأَوْقَاتِ، فَحِرْزُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مَثَلًا غَيْرُ حِرْزِ أَثَاثِ الْبَيْتِ.

كيفية حد السرقة

وَكَيْفِيَّةُ الْحَدِّ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنَ الْكُوعِ (وَهُوَ العَظمُ الَّذِي يَلِي الإِبهَامَ وَلَيسَ المُرَادُ المِرفَقَ)، ثُمَّ إِنْ عَادَ ثَانِيًا تُقطَعُ رِجلُهُ اليُسْرَى مِنَ الكَعْبِ (وَهُوَ العَظمُ النَّاتِئُ فَوقَ القَدَمِ وَلَيسَ المُرَادُ العَقِبَ)، ثُمَّ إِنْ عَادَ ثَالِثًا تُقطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى مِنَ الكُوعِ، ثُمَّ إِنْ عَادَ رَابِعًا تُقطَعُ رِجلُهُ اليُمْنَى مِنَ الكَعْبِ، ثُمَّ إِنْ عَادَ خَامِسًا عُزِّرَ وَلا يُقْتَلُ، ثُمَّ يُغْمَسُ مَحَلُّ الْقَطْعِ فِي الزَّيْتِ الْمُغْلَى لِتَنْسَدَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ.

وَالسَّرِقَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ المُجْمَعِ عَلَى تَحْريِمِهَا المَعْلُومَةِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.

النهب والغصب والمكس والغلول

النَّهْبُ: هُوَ أَخْذُ المَالِ جِهَارًا.

وَالغَصْبُ: هُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ الغَيْرِ ظُلْمًا وَهُمَا مِنَ الكَبَائِرِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأَرْضٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

أَيْ أَنَّ مَن أَخَذَ قِطعَةً مِنَ الأَرضِ ظُلمًا، تُخسَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الْبُقْعَةُ فِي عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ يُعَذَّبُ بِهَا.

وَالمَكْسُ: هُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ التُّجَّارِ كَالعُشْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ.

وَالغُلُولُ: هُوَ الأَخْذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ.

قَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ فِي رَجُلٍ فِي غَزْوَةٍ مَاتَ وَقَدْ أَخَذَ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبلَ القِسمَةِ: “إِنَّهُ فِي النَّارِ“. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. 

القتل

قَتْلُ المُسْلِمِ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ ظُلْمًا هُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الكُفْرِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.

قَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ: “وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ“، أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ.

وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/191] فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْكُفْرَ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ كَمَا تَقَدَّمَ. إقرأ هنا للمزيد.

من أحكام القتل في الدنيا

  1. وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ: وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ عَمَّا يُخِلُّ بِالكَسْبِ وَالعَمَلِ إِخْلالًا ظَاهِرًا، فَإِنْ عَجَزَ بِأَنْ لَمْ يَمْلِكْهَا وَلا ثَمَنَهَا فَاضِلًا عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَلَا إِطعَامَ هُنَا.
  2. القِصَاصُ فِي قَتْلِ العَمْدِ: إِلَّا إِذَا عُفِيَ عَنِ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ أَوْ مَجَّانًا، فَإِذَا عَفَا وَرَثَةُ الْقَتِيلِ عَنِ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ أَوْ عَلَى مَالٍ غَيْرِهَا أَوْ مَجَّانًا سَقَطَ الْقَتْلُ، وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ وَشِبْهُ الخَطَأِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِيهِمَا لا الْقِصَاصُ.
  3. وَالدِّيَةُ: هِيَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ فِي الذَّكَرِ الحُرِّ المَعْصُومِ المُسْلِمِ وَنِصْفُهَا فِي الأُنْثَى الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ المَعْصُومَةِ وَمِثلُهَا الخُنْثَى.

حكم الانتحار

مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْكَبَائِرِ قَتْلُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ: “مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي جَهَنَّمَ“، لَكِنْ لا يَكْفُرُ قَاتِلُ نَفْسِهِ كَمَا أَنَّهُ لا يَكْفُرُ قَاتِلُ نَفْسِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعضِ النَّاسِ فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ إِنَّهُ كَافِرٌ فَهُوَ بَاطِلٌ.

الضرب بغير حق

مِنْ مَعَاصِي اليَدِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ ضَرْبُ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا

وَمِثْلُ الضَّرْبِ تَرْوِيعُ الْمُسْلِمِ وَالإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِنَحْوِ سِلاحٍ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ

رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ

هَذَا إِنْ قَصَدَ تَرْوِيعَهُ، أَمَّا إِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَرْوِيعَهُ وَظَنَّ أَنَّهُ لا يَتَرَوَّعُ فَرَفَعَ عَلَيْهِ نَحْوَ حَدِيدَةٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.

أخذ الرشوة وإعطاؤها

مِنْ مَعَاصِي اليَدِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَخْذُ الرِّشْوَةِ وَإِعْطَاؤُهَا، فَأَمَّا الأَخْذُ فَيَحْرُمُ عَلَى الحَاكِمِ وَلَو حَكَمَ بِحَقٍّ، وَأَمَّا الإِعْطَاءُ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْطِي إِنْ كَانَ يَطْلُبُ بَاطِلًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الإِعْطَاءُ لِيَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِحَقٍّ أَوْ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ظُلْمًا أَوْ لِيَنَالَ مَا يَسْتَحِقُّهُ فَسَقَ الآخِذُ وَلَمْ يَأْثَمِ الْمُعْطِي لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَى ذَلِكَ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى حَقِّهِ.

إحراق الحيوان والمثلة فيه وهو حي

مِنْ مَعَاصِي الْيَدِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ وَهُوَ حَيٌّ، سَوَاءٌ كَانَ مَأكُولًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

لا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا“، أَيِ اللهُ

رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

أَمَّا إِذَا كَانَ الحَيَوَانُ مُؤْذِيًا وَتَعَيَّنَ الإِحْرَاقُ طَرِيقًا لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ فَلَا حُرمَةَ فِي ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ مِنْ مَعَاصِي الْيَدِ الْمُثْلَةُ بِالْحَيَوَانِ وَهُوَ حَيٌّ، وَمَعْنَى المُثْلَةِ تَقْطِيعُ الأَجْزَاءِ وَتَغْيِيرُ الخِلْقَةِ.

اللعب بالنرد وكل ما فيه قمار

مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْيَدِ اللَّعِبُ بِالنَّرْدَشِيرِ (أَيِ النَّردِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ نِسْبَةً لِأَوَّلِ مُلُوكِ الْفُرْسِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ وُضِعَ لَهُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ

رَوَاهُ مُسْلِمٌ

وَالحِكمَةُ فِي تَحْريِمِهِ أَنَّ فِيهِ حَزْرًا وَتَخْمِينًا فَيُؤَدِّي لِلتَّخَاصُمِ وَالفِتَنِ الَّتِي لَا غَايَةَ لَهَا فَمُنِعَ النَّاسُ عَنْهُ حَذَرًا مِنَ الشُّرورِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ.

وَيُقَاسُ عَلَى النَّرْدِ كُلُّ مَا كَانَ مِثْلَهُ أَيْ أَنَّ كُلَّ لُعْبَةٍ كَانَ الِاعْتِمَادُ فِي لَعِبِهَا عَلَى الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ لَا عَلَى الفِكْرِ وَالحِسَابِ فَهِيَ حَرَامٌ.

حكم لعب الشدة

يَلْتَحِقُ بِالنَّرْدِ فِي الْحُكْمِ اللَّعِبُ بِالأَوْرَاقِ الْمُزَوَّقَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْكَنْجَفَةِ أَوِ الْكَمَنْجَفَةِ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي بَعْضِ الْبِلادِ بِوَرَقِ الشَّدَّةِ، فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِأَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَالًا أَو غَيرَهُ وَالفَائِزُ يَأخُذُ المَالَ فَهِيَ قِمَارٌ، وَالقِمَارُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَإِذَا لَم تَكُن كَذَلِكَ فَهِيَ كَالنَّرْدِ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ بِوَجْهِ الإِطْلاقِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمَالِ.

وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ اللَّعِبُ بِكُلِّ مَا فِيهِ قِمَارٌ وَصُورَتُهُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا كَمَا يَحْصُلُ فِي لعِبِ الصِّبيَانِ بِالجَوْزِ وَالكِعَابِ أَوِ الكُرَاتِ الزُّجَاجِيَّةِ (مَا يُسَمَّى بِالجلُولِ) إِذَا كَانَ الشَّرطُ أَن يَأخُذَ الفَائِزُ شَيئًا مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَيَحرُمُ عَلَى الوَلِيِّ تَمكِينُ ابنِهِ مِنَ اللَّعِبِ بِذَلِكَ.

أَمَّا الشّطْرَنْجُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِثلَ النَّردِ لِأَنَّ الْعُمْدَةَ فِيهِ عَلَى الْفِكْرِ وَالحِسَابِ قَبْلَ النَّقْلِ.

استعمال الآلات المطربة

مِنْ مَعَاصِي اليَدِ اللَّعِبُ بِالآلَاتِ المُطرِبَةِ مِثلِ العُودِ وَالمِزْمَارِ، وَمِثْلُهُمَا فِي الحُرمَةِ كُلُّ ذِي وَتَرٍ كَالرَّبَابِ وَالكَمَنْجَةِ وَغَيرِهِمَا.

لمس المرأة الأجنبية

أَي لَمْسُ المَرأَةِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ وَغَيْرِ الزَّوْجَةِ وَنَحْوِهَا (وَتُسَمَّى أَجنَبِيَّةً عِندَ الفُقَهَاءِ)، إِذَا كَانَ اللَّمسُ عَمدًا، بِغَيْرِ حَائِلٍ، بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَكَذَا لَمسُ رَجُلٍ لِرَجُلٍ بِشَهوَةٍ وَلَمسُ امرَأَةٍ لِامرَأَةٍ بِشَهوَةٍ، وَكَذَا لَمسُ مَحرَمٍ كَأُختِهِ بِشَهوَةٍ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

وَالْيَدَانِ زِنَاهُمَا الْبَطْشُ

رَوَاهُ مُسْلِمٌ

وَالْبَطْشُ هُنَا مَعْنَاهُ الْعَمَلُ بِالْيَدِ أَيِ اللَّمْسُ، كَمَا قَالَ الْفَيُّومِيُ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ وَهُوَ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ.

وَمِنَ الضَلَالَاتِ الَّتِي انتَشَرَت فِي هَذَا العَصرِ تَحلِيلُ مُصَافَحَةِ الرَّجُلِ المَرْأَةَ الأَجنَبِيَّةَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

لَأَنْ يُطْعَنَ أَحَدُكُمْ بِحَدِيدَةٍ فِي رَأْسِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ

رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسنَادٍ جَيِّدٍ

تصوير ذي روح

مِن مَعَاصِي اليَدِ تَصوِيرُ شَيءٍ لَهُ رُوحٌ، سَوَاءٌ كَانَ مُجَسَّمًا أَوْ مَنْقُوشًا فِي سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ مُصَوَّرًا فِي وَرَقٍ أَوْ مَنْسُوجًا فِي ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاثَةِ المَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالمَذْهَبِ الحَنَفِيِّ وَالمَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ، وَأَبَاحَ ذَلِكَ المَالِكِيَّةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُجَسَّمًا.

وَيَحرُمُ أَيضًا استِبقَاءُ الصُّورَةِ بِشَرطِ أَنْ تَكُونَ الصُّورَةُ بِهَيئَةٍ يَعِيشُ عَلَيْهَا الحَيَوَانُ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ اسْتِبْقَائِهَا إِذَا كَانَتْ عَلَى أَرْضٍ أَوْ بِسَاطٍ يُدَاسُ، وَقَدْ نُصُّوا عَلَى جَوَازِ اسْتِبْقَاءِ الصُّورَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالْفَلْسِ وَسَائِرِ مَا يُعَدُّ مُمْتَهَنًا.

وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ لُعَبُ البَنَاتِ الصِّغَارِ الَّتِي عَلَى هَيْئَةِ البِنْتِ الصَّغِيرَةِ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ شِرَاءِ ذَلِكَ لِلبَنَاتِ الصِّغَارِ.

منع الزكاة وإخراج ما لا يجزئ وإعطاؤها لمن لا يستحقها

مِنْ مَعَاصِي اليَدِ الَّتِي هِيَ مِنَ الكَبَائِرِ مَنْعُ الزَّكَاةِ أَيْ تَركُ دَفْعِهَا أَوْ إِعْطَاءُ بَعْضِهَا وَتَرْكُ بَعْضٍ، وَمِنْهُ تَأْخِيرُ إِخْرَاجِهَا بَعْدَ وَقْتِ الوُجُوبِ إِذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إِخْرَاجِهَا وَأَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، فَلا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ رَمَضَانَ كَشَهْرِ رَجَبٍ أَوْ شَعْبَانَ مَثَلًا أَنْ يُؤَخِّرَ إِلَى رَمَضَانَ، فَلَيْسَ رَمَضَانُ مَوْسِمًا لِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ، فَمَن وَجَبَت عَلَيهِ قَبلَ رَمَضَانَ وَجَبَ عَلَيهِ أَن يُخرِجَهَا وَلَا يُؤَخِّرُ إِلَى رَمَضَانَ.

وَكَذَلِكَ مِنْ مَعَاصِي الْيَدِ دَفْعُ مَا لا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهُ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنَ الْمُجْزِئِ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ قِيمَةِ المُجزِئِ عِنْدَ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ.

وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ إِعْطَاؤُهَا مَنْ لا يَسْتَحِقُّهَا كَإِعْطَائِهَا لِلْجَمْعِيَّاتِ الَّتِي تَصْرِفُ الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهَا، وَأَمَّا إِنْ وَكَّلَ الْمُزَكِّي جَمْعِيَّةً يَثِقُ بِأَنَّهَا تَصْرِفُ الزَّكَاةَ فِي مَصَارِفِهَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا.

منع الأجير أجرته

مِنْ مَعَاصِي الْيَدِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْكُ إِعْطَاءِ الأَجِيرِ أُجْرَتَهُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ (أَي هُوَ مَغْلُوبٌ لا حُجَّةَ لَهُ)، رَجُلٌ أَعْطَى بِيَ الْعَهْدَ ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ“، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

منع المضطر ما يسده وعدم إنقاذ غريق من غير عذر فيهما

مِنْ مَعَاصِي الْيَدِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ عَدَمُ إِعطَاءِ المُضْطَرِّ الَّذِي شَارَفَ عَلَى الهَلَاكِ بِسَبَبِ عَطَشٍ أَو جُوعٍ أَو نَحوِهِ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُ وَيَدفَعُ عَنهُ الهَلَاكَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلا فَرْقَ فِي الْمُضْطَرِّ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ يَشْمَلُ الذِّمِيَّ.

وَمِنْ مَعَاصِي الْيَدِ أَيْضًا عَدَمُ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ مَعْصُومٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلا إِثْمَ عَلَى مَنْ هُوَ غَيْرُ قَادِرٍ.

كتابة ما يحرم النطق به

مِنْ مَعَاصِي اليَدِ كِتَابَةُ مَا يَحرُمُ النُّطْقُ بِهِ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي بِدَايَةِ الْهِدَايَةِ: لِأَنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ فَاحْفَظْهُ عَمَّا يَجِبُ حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْهُ مِنْ غِيبَةٍ وَغَيْرِهَا اهـ.

فَلَا يُكتَبُ بِالقَلَمِ مَا يَحرُمُ النُّطْقُ بِهِ، وَمِثلُ القَلَمِ فِي ذَلِكَ سَائِرُ أَدَوَاتِ الكِتَابَةِ مِن آلَاتِ طِبَاعَةٍ وَحَاسُوبٍ وَنَحْوِهَا.

الخيانة

مِن مَعَاصِي اليَدِ الخِيَانَةُ سَوَاءٌ كَانَت بِالقَولِ أَو بِالفِعلِ أَو بِالحَالِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا

سُورَةَ النِّسَاء: 58

وَتُطْلَقُ الأَمَانَةُ عَلَى مَا يَسْتَأْمِنُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ الْوَدَائِعِ كَمَا تَشْمَلُ الأَمَانَةُ مَا يَأتَمِنُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ أَجِيرَهُ مِنَ العَمَلِ وَمَا يَأتَمِنُ عَلَيهِ الزَّوجُ زَوجَتَهُ فِي بَيتِهِ بِأَن لَا تَخُونَهُ فِي فِرَاشِهِ أَو مَالِهِ.

عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “لَا دِينَ لِمَن لَا عَهدَ لَهُ وَلَا إِيِمَانَ لِمَن لَا أَمَانَةَ لَهُ“، رَوَاهُ أَحمَدُ وَابنُ حِبَّانَ.

أَي لَا يَكُونُ مَن لَا يُحَافِظُ عَلَى الأَمَانَةِ مُؤمِنًا كَامِلًا وَلَا يَكُونُ دِينُ مَن يُضَيِّعُ العَهدَ كَامِلًا.

الخاتمة

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

أَي أَنَّ المُسلِمَ الكَامِلَ المُلتَزِمَ لِأَحكَامِ الإِسلَامِ هُوَ الَّذِي يَكُفُّ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ، وَالمُرَادُ مِنهُ الحَضُّ عَلَى تَركِ أَذَى المُسلِمِينَ بِاللِّسَانِ وَاليَدِ وَالأَذَى كُلِّهِ.

فَاحذَرُوا عِبَادَ اللهِ مِنَ الوُقُوعِ فِي الأَذِيَّةِ، فَإِنَّهَا سَبَبٌ مِن أَسبَابِ الإِفلَاسِ يَومَ القِيَامَةِ، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: “أتَدْرُونَ مَا المُفلِسُ؟“، قَالُوا: المُفلِسُ فِينَا مَن لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ ﷺ: “إِنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأتِي قَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعطَى هَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَت حَسَنَاتُهُ قَبلَ أَن يُقضَى مَا عَلَيهِ أُخِذَ مِن خَطَايَاهُم، فَطُرِحَت عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  2. أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  3. مَتنِ الغَايَةِ وَالتَّقرِيبِ لِأَبِي شُجَاعٍ وَشُرُوحَاتِهِ.
  4. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  5. مُغنِي المُحتَاجِ لِلشِّربِينِيِّ.
  6. حَاشِيَةِ البُجَيرِمِيِّ.
  7. التَّنبِيهِ لِلشِّيرَازِيِّ.
  8. المُهَذَّبِ لِلشِّيرَازِيِّ.
  9. نِهَايَةِ المُحتَاجِ لِلشَّبرَامَلِّسِيِّ.
حديث الغزالة-الظبية

تكليم الغزالة لرسول الله ﷺ

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share