أحكام الخِطبة

احكام الخطبة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:

ما هي الخِطبة؟

الخِطبة بكسرِ الخاء لغةً: من الخطاب وهو الكلام بين متكلم وسامع، يقال خطب المرأة إلى القوم إذا طلب أن يتزوج منهم.

أمّا اصطلاحاً: فهي التماسُ الخاطبِ مِنَ الْمخطوبة النكاحَ، أي أن يطلب الرجل الزواج من امرأة ما، أو هي إظهار الرجل لرغبته في الزواج من امرأة ما، وإعلام وليّ أمرها بذلك، وقد ورد لفظ الخِطبة في القرآن الكريم.

قال الله تعالى

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ

سورة البقرة: 235

الحكمة من تشريع الخِطبة

يترتب على الزواج العديد من الأمور، وله أهمية بالغة على مستوى الفرد والمجتمع، لذا كان لا بدّ من التمهيد له والتّأني فيه.

ولهذا شرع الإسلام الخِطبة كمرحلة تمهيدية للزواج يتمكّن خلالها كلا الطرفين من فهم الآخر، والإحاطة بصفاته وأخلاقه، والاطلاع على ظروفه المادية.

لذا فإن الخطبة تمنع صدمة كُلّ من الزوجين بالآخر أو التّفاجؤ به بعد الزواج،كما أن من شأنها أن تجعل الحياة الزوجية لاحقاً مُستمرّة بين الزوجين بسهولة ويُسر، ودليل ذلك ما رواه شعبة بن المغيرة رضي الله عنه، قال: أتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فذَكرتُ لَهُ امرأةً أخطبُها

فقالَ النَّبِيُّ ﷺ

اذْهب فانظر إليْها فإنَّهُ أجدرُ أن يؤدمَ بينَكُما


رواه أحمد والنسائي والترمذي وغيرهم

ومعنى يؤدم بينكما أي أن نظر الخاطبين إلى بعضهما البعض قبل الزواج من الأمور التي تؤدي إلى حصول الألفة والمحبة بينهما.

فتُعدّ الخِطبة خطوة ومرحلة مُهمَّة قبل إقدام كُلّ من الرجل والمرأة على الزواج من الطرف الآخر، لِما لها من أهميّة في التّعرف والاطلاع على طبيعة الشخص المُراد الزواج به من صفات وأخلاق ونحو ذلك.

أنواع ألفاظ الخِطبة

ألفاظ الخطبة على نوعين هما:

  1. التصريح: وهي الألفاظ التي تقطع بالرغبة بالنكاح، مثل أريد أن أنكحك أي أن أتزوجك أو إذا انتهت عدتك نكحتك أو تزوجتك.
  2. التعريض: وهي الألفاظ التي تحتمل الرغبة بالنكاح وغيرها، مثل أن يقول لها من يجد مثلك أو إذا انتهت عدتك فأعلميني أو رُبَّ رَاغب فيكِ.

حكم خِطبة المرأة

يجوز بالإجماع خطبة المرأة الخلية عن النكاح وعن العدة وعن خطبة سابقة (أي عن كونِ غيرِهِ سبقَ إلى خِطبتِها فقُبِلَ طلبُهُ مِمَّنْ يُعتَبَرُ قَبولُهُ)، فيجوز خطبتها تعريضا أو تصريحا.

ولا يجوزُ أن يصرِّحَ بخِطْبَةِ امرأة متزوجة أو معتدةٍ عن وفاةٍ أو عن طلاقٍ بائنٍ أو رجعيٍّ والتصريحُ ما يقطعُ بالرغبةِ في النكاحِ كقوله للمعتدَّةِ أريد نِكاحَكِ أو إذا انقضت عدتُك نَكَحْتُكِ.

ويجوز أن يعرض بخطبة الْمعتدةِ غيرِ الرجعيَّة (كالمعتدة عن وفاة أو طلاق بائن أو فسخ) (كأن يقول لها رُبَّ راغب فيكِ) وينكحها بعد انقضاءِ عدتِها، أما الرجعيةُ فلا يجوز له ذلك معها.

قال الله تعالى

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ

سورة البقرة: 235

أما التصريح بخطبة المعتدة ولو كانت غير الرجعية فحرام.

وحيثُ حَرُمَت الخِطبةُ حَرُمَ جوابُها بالقبولِ وحيث حَلَّت حَلَّ.

مسألة مهمة

مِنْ مَعَاصِي اللِّسَانِ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ أَيْ أَخِيهِ فِي الإِسْلامِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بَعْدَ الإِجَابَةِ مِمَّنْ تُعْتَبَرُ مِنْهُ مِنْ وَلِيٍّ مُجْبِرٍ أَوْ مِنْهَا أَوْ مِنْهَا وَمِنْ وَلِيٍّ، ويحرم ذلك أيضا إذا كان بِدُونِ إِذْنِ الْخَاطِبِ الأَوَّلِ، وَذَلِكَ لِمَا فِي الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ وَمَا تُسَبِّبُهُ مِنَ الْقَطِيعَةِ، فَأَمَّا إِنْ أَذِنَ فَلا حُرْمَةَ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْرَضَ عَنْهَا.

عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

لا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ

رواه البخاري ومسلم

حكم نظر الخاطب للمخطوبة

يُستحبّ نظر كل من المرأة والرجل إلى الآخر إذا عزم على خِطبته والزواج منه، وينظر إلى غير العورة، أما النظر إلى العورة أو خيف من النظر الفتنة فلا يجوز.

أمّا مَوضع النظر وإلى ما ينظر الخاطب من المرأة التي يريد الزواج بها؛ فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنّ النظر يكون إلى وجهها وكفّيها؛ وذلك لأنّ الوجه يدلُّ على جمال المرأة أو ضِده، ولأنّ الكفين يدلان على خُصوبة البدن وامتلائه أو ضِدِّه، ومن العلماء من أجاز النظر إلى قدميها مع وجهها وكفّيها كأبي حنيفة.

وإنما جوز هذا النظر للحاجة إليه لأنه أحرى بأن تدوم المودة والألفة بينهما، وحتى لا يندم بعد نكاحه إذا لم ينظر قبل الخطبة، وإنما اعتبر هذا قبل الخطبة لئلا يعرض بعد الخطبة إذا لم يعجبه فيؤذي المخطوب.

الدليل على جواز هذا النظر

دلّ على ذلك العديد من الأحاديث النبويّة ومنها ما يأتي:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كُنْتُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ، فأتَاهُ رَجُلٌ فأخْبَرَهُ أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ

فَقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: “أَنَظَرْتَ إلَيْهَا؟” قالَ: لَا، قالَ: “فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إلَيْهَا، فإنَّ في أَعْيُنِ الأنْصَارِ شيئًا”

رواه مسلم

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: خُطِبَتِ امرأةٌ على عهدِ رسولِ الله ﷺ

فقال النبيُّ ﷺ: “أَنَظَرْتَ إليها؟” قلتُ: لا. قال: “فانظرْ إليها؛ فإنه أَجْدَرُ أن يُؤْدَمَ بينكما”

رواه أحمد والنَّسائي والترمذي وغيرهم

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال

إذا خطب أحدُكم المرأةَ فإن استطاعَ أن يَنظرَ منها إلى ما يَدعوهُ إلى نِكاحِها فليفعلْ

قال جابرٌ: فخطبتُ جاريةً من بنِي سَلمةَ فكُنتُ أتَخَبَّأُ لها حتى رأيتُ منها بعضَ ما دعاني إلى نكاحِها

رواه أحمد وأبو داود وغيرهما

المصادر

هذه المسائل مجموعة وملخصة من:

  1. فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب للشيخ زكريا.
  2. شرح ابن القاسم الغزي على متن أبي شجاع.
  3. أسنى المطالب للشيخ زكريا.
  4. المصباح المنير للإمام الفيومي.
المحرمات من النساء

المحرمات من النساء

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد: قال…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share