معاصي تتنوع بين البدن والسلوك: فهل تعرفها؟

معاصي البدن

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا

سورة الأحزاب: 36

فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحيَانِ يَكُونُ سَبَبُ الهَمِّ وَالغَمِّ وَضِيقِ الرِّزقِ هُوَ ارتِكَابَ المَعَاصِي لَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَشعُرُونَ، فَمِن أَكثَرِ أَسبَابِ خَرَابِ أَحْوَالِ النَّاسِ هُوَ ارتِكَابُ المَعَاصِي فَضلًا عَن كَونِهَا سَبَبًا لِعَذَابِ اللهِ تَعَالَى فِي القَبرِ وَالآخِرَةِ.

وَإِنَّ مِن أَسبَابِ النَّجَاةِ يَومَ القِيَامَةِ اجتِنَابَ المَعَاصِي، وَاجتِنَابُ المَعَاصِي مِنَ التَّقوَى الَّتِي إِذَا مَاتَ عَلَيهَا الإِنسَانُ يَكُونُ مِنَ النَّاجِينَ يَومَ القِيَامَةِ، وَمِن هَذِهِ المَعَاصِي مَا يَكُونُ بِالبَدَنِ كُلِّهِ لَا يَختَصُّ وَلَا يَلزَمُ جَارِحَةً مِنَ الجَوَارِحِ بِخُصُوصِهَا، نَذكُرُ مِنهَا مَا يَلِي:

معاصي البدن

عقوق الوالدين

أَي عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَإِنْ عَلَا كَالجَدِّ وَالجَدَّةِ وَأَبِي الجَدِّ وَأَبِي الجَدَّةِ وَهَكَذَا، وَلَو مَعَ وُجُودِ أَقرَبَ مِنْهُ.

قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي تَعرِيفِ عُقُوقِ الوَالِدَينِ: (هُوَ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ فِي الْعُرْفِ).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالدَّيُّوثُ وَرَجُلَةُ النِّسَاءِ

رواه البيهقي

أَيْ لا يَدْخُلُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ الْجَنَّةَّ مَعَ الأَوَّلِينَ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا وَيَعْفُوا اللهُ عَنْهُمْ، وَأَمَّا إِنْ تَابُوا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ“، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

الفرار من الزحف

مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِي الْبَدَنِ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِجْمَاعًا، وَهَذَا الحُكمُ فِيمَا إِذَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ وَلَقُوا ضِعْفَهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ، فَيَحرُمُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفِرُّوا إِلَّا مُتَحَرِّفِينَ لِقَتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِهِمْ فَقَد قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (لَمْ أُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا وَلَا يَسْتَوْجِبُونَ السَّخَطَ عِنْدِي مِنَ اللَّهِ لَوْ وَلَّوْا عَنْهُمْ عَلَى غَيْرِ التَّحَرُّفِ لِقَتَالٍ أَوِ التَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ).

قطيعة الرحم

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ بِالإِجْمَاعِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ

سورة النساء: 1

أَيِ اتَّقُوا الأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا.

وَتَحْصُلُ الْقَطِيعَةُ بِإيِحَاشِ قُلُوبِ الأَرْحَامِ (أَي أَن يَشعُرَ الأَرحَامُ بِالوَحشَةِ مِنهُ) وَتَنْفِيرِهَا، إِمَّا بِسَبَبِ تَركِ الإِحسَانِ بِالمَالِ بِلا عُذْرٍ إِذَا كَانَ الأَرحَامُ مُحتَاجِينَ لِلمَالِ، أَوْ تَركِ زِيَارَتِهِم بِلَا عُذرٍ كَذَلِكَ، وَالعُذْرُ كَأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ مَالٌ أَوْ يَكُونَ يَحْتَاجُهُ لِمَا هُوَ أَوْلَى بِصَرْفِهِ فِيهِ مِنْهُم.

وَالْمُرَادُ بِالرَّحِمِ الأَقَارِبُ كَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَأَوْلَادِهِنَّ وَالأَخْوَالِ وَالأَعْمَامِ وَأَوْلَادِهِمْ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ إِذَا قَطَعَتْ

رواه البخاري والترمذي وغيرهما

فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِعلَامٌ بِأَنَّ صِلَةَ الرَّجُلِ رَحِمَهُ الَّتِي لَا تَصِلُهُ أَفْضَلُ مِنْ صِلَتِهِ رَحِمَهُ الَّتِي تَصِلُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ الَّذِي حَثَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ حَثًّا بَالِغًا.

إيذاء الجار

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ إِيذَاءُ الْجَارِ إِيذَاءً ظَاهِرًا وَلَوْ كَانَ الجَارُ كَافِرًا لَهُ أَمَانٌ، وَالإِيذَاءُ كَأَنْ يَنظُرَ إِلَى حُرَمِهِ وَنِسَائِهِ مَثَلًا، أَو يَنظُرَ فِي بَيتِهِ بِلَا إِذنٍ وَهُوَ لَا يَرضَى، أَمَّا الِاسْتِرْسَالُ فِي سَبِّهِ وَضَرْبِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَأَشَدُّ وِزْرًا بِحَيْثُ إِنَّ الأَذَى الْقَلِيلَ لِغَيْرِ الْجَارِ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَيَنْبَغِي الإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ لَهُ.

خضب (صبغ) الشعر بالسواد

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الْخَضْبُ بِالسَّوَادِ أَيْ دَهْنُ الشَّعَرِ وَصَبْغُهُ بِالأَسْوَدِ، وَهُوَ حَرَامٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا لِلرِّجَالِ لِلْجِهَادِ، وَأَجَازَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُؤَدِّي إِلَى الغَشِّ وَالتَّلْبِيسِ، وَمِثَالُ الغَشِّ وَالتَّلبِيسِ امْرَأَةٌ شَابَ شَعَرُهَا فَسَوَّدَتْهُ حَتَّى يَخْطُبَهَا الرِّجَالُ وَيَظُنُّوا أَنَّهَا صَغِيرَةٌ فَهَذِهِ لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي إِلَى الْغَشِّ وَالتَّلْبِيسِ.

تشبه الرجال بالنساء وعكسه

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فِي الْمَشْيِ أَوْ فِي الْكَلامِ أَوِ اللِّبَاسِ، وَعَكْسُهُ أَي تَشَبُّهُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ لَكِنَّ تَشَبُّهَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ أَشَدُّ إِثْمًا، فَمَا كَانَ فِي الأَصْلِ خَاصًّا بِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الزِّيِّ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الصِّنْفِ الآخَرِ، وَمَا لَا فَلا.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ

لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ

رواه البخاري

إسبال الثوب للخيلاء

أَي تَطْوِيلُ الثَّوْبِ لِلْخُيَلاءِ أَيِ لِلكِبْرِ وَالفَخرِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِتَطوِيلِ الإِزَارِ وَنَحْوِهِ من دِشدَاشٍ وَنَحوِ ذَلِكَ تَحتَ الكَعبَينِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ

رواه البخاري

أَيْ لَا يُكْرِمُهُ بَلْ يُهِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

فَإِنْزَالُ الإِزَارِ إِلَى مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ إِنْ كَانَ لِلْبَطَرِ وَالكِبرِ وَالفَخرِ، وَإِذَا لَم يَكُن لِلكِبرِ وَالفَخرِ كَانَ مَكْرُوهًا لِلرَّجُلِ، وَالطَّرِيقَةُ الْمُسْتَحْسَنَةُ شَرْعًا لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ الإِزَارُ وَنَحْوُهُ إِلَى نِصْفِ السَّاقَيْنِ.

قال رسول الله ﷺ

إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ

رواه أبو داود

الحناء في اليدين والرجلين للرجل بلا حاجة

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ اسْتِعْمَالُ الْحِنَّاءِ أَيِ الْخِضَابُ بِهِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِلرَّجُلِ بِلَا حَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، أَمَّا إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَأَنْ قَالَ لَهُ طَبِيبٌ ثِقَةٌ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِلتَّدَاوِي فَيَجُوزُ.

قطع الفرض بلا عذر

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ قَطْعُ الْفَرْضِ أَيِ الأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَلَوْ كَانَ مُوَسَّعًا أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ مَا يَزَالُ وَاسِعًا، فَلَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ مَثَلًا ثُمَّ قَطَعَهَا بِلَا عُذْرٍ وَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّةً ثَانِيَةً ضِمْنَ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ

سورة محمد: 33

وَمِثلُ الصَّلَاةِ غَيْرُهَا كَالحَجِّ وَالصَوْمِ وَالِاعْتِكَافِ المَنْذُورِ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ الْقَطْعُ بِلا عُذْرٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ فَلا يَحْرُمُ فَيَجُوزُ قَطْعُ الصَّلاةِ لإِنْقَاذِ غَرِيقٍ أَوْ طِفْلٍ مِنَ الْوُقُوعِ فِي نَارٍ أَوِ السُّقُوطِ فِي مَهْوَاةٍ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الْغَرِيقُ مَعْصُومًا.

وَمِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَيضًا قَطْعَ نَفْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ يَصِيرُ إِتْمَامُهُ وَاجِبًا فَهُوَ كَفَرْضِهِ فِي النِيَّةِ وَالكَفَّارَةِ وَغَيْرِهِمَا.

محاكاة المؤمن استهزاء به

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ مُحَاكَاةُ الْمُؤْمِنِ أَيْ تَقْلِيدُهُ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِشَارَةٍ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ﴾، الآيَةَ.

سورة الحجرات: 11

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ

سورة الحجرات: 11

مَعنَاهُ (كَمَا قَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ) مَنْ لَقَّبَ أَخَاهُ وَسَخِرَ بِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ.

وَقَدْ تَكُونُ الْمُحَاكَاةُ بِالضَّحِكِ عَلَى كَلامِهِ إِذَا تَخَبَّطَ فِيهِ وَغَلِطَ أَوْ عَلَى صَنْعَتِهِ أَوْ عَلَى قُبْحِ صُورَتِهِ، فَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ.

التجسس على عورات الناس

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ التَّجَسُّسُ عَلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ أَيِ التَّطَلُّعُ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَالتَّتَبُّعَ لَهَا، مَعْنَاهُ الْبَحْثُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ أَيْ أَنْ يُفَتِّشَ عَمَّا لَا يُرِيدُ النَّاسُ اطِّلَاعَ الْغَيْرِ عَلَيْهِ أَيْ يُفَتِّشَ عَنْ مَسَاوِئِ النَّاسِ لَا عَنْ مَحَاسِنِهِمْ وَيُرِيدَ أَنْ يَعْرِفَ عَنْهُمُ الْقَبِيحَ مِنَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ فَيَسْأَلَ عَنْهُ النَّاسَ أَوْ يَبْحَثَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ مِنْ دُونِ سُؤَالٍ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَلا تَجَسَّسُوا

سورة الحجرات: 12

وَقَالَ رَسُولُ

لَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا

رواه البخاري ومسلم

الوشم

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْوَشْمُ وَهُوَ غَرْزُ الجِلدِ بِالإِبرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى الْمَحَلِّ مَا يُحْشَى بِهِ الْمَحَلُّ مِنْ نِيلَةٍ أَوْ نَحْوِهَا لِيَزْرَقَّ أَوْ يَسْوَدَّ.

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ

لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ

رواه البخاري ومسلم

وَيُؤخَذُ مِنَ الحَدِيثِ أَيضًا أَنَّهُ يَحْرُمُ الْوَصْلُ بِشَعَرٍ نَجِسٍ أَوْ شَعَرِ ءَادَمِيٍّ مُطْلَقًا.

هجر المسلم فوق ثلاث إلا لعذر شرعي

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ هَجْرُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ أَكثَرَ مِن ثَلاثَةِ أَيَّامٍ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ

رواه البخاري ومسلم

فَأَفْهَمَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ إِثْمَ الْهَجْرِ يَرْتَفِعُ بِالسَّلَامِ.

وَأَمَّا الْعُذْرُ الَّذِي يُبِيحُ الْهَجْرَ فَكَأَنْ يَكُونَ هَجَرَهُ لِفِسْقٍ فِيهِ بِتَرْكِ صَلاةٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ وَلَوْ إِلَى الْمَمَاتِ.

مجالسة المبتدع أو الفاسق للإيناس له على بدعته أو فسقه

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ مُجَالَسَةُ الْمُبْتَدِعِ أَوِ الفَاسِقِ لإِينَاسِهِ عَلَى فِعْلِهِ الْمُنْكَرِ إِذَا جَالَسَهُ بِغَيرِ عُذرٍ.

وَالْمُرَادُ بِالْمُبْتَدِعِ الْمُبْتَدِعُ بِدْعَةً اعْتِقَادِيَّةً أَيْ مَنْ لَيْسَ عَلَى عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الْمُرَادُ بِالْفَاسِقُ فَهُوَ مُتَعَاطِي الْكَبِيرَةِ كَشَارِبِ الْخَمْرِ.

لبس الذهب والفضة والحرير للرجال إلا خاتم الفضة

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ أَن يَلبَسَ الرَّجُلُ البَالِغُ الذَّهَبَ مُطْلَقًا، وَأَن يَلبَسَ الْفِضَّةَ إِلَّا الْخَاتَمَ مِنْهَا، وَأَن يَلبَسَ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ أَوْ مَا أَكْثَرُهُ مِنَ الحَرِيرِ وَزْنًا.

وَأَمَّا خَاتَمُ الْفِضَّةِ فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَهُ، وَخَرَجَ بِالرَّجُلِ الْمَرْأَةُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَلَوْ اتِّخَذَتْ مِنْهُمَا ثَوْبًا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْبَطَرِ وَالْفَخْرِ.

عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ

أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا

رواه النسائي والترمذي وصححه

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ إِلْبَاسِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلصَّبِيِّ إِلَى الْبُلُوغِ.

الخلوة بالأجنبية

أَيِ الخَلوَةُ بِالمَرأَةِ الَّتِي لَيسَت زَوجَتَهُ وَلَا مَحرَمَهُ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا ثَالِثٌ بَصِيرٌ يُسْتَحَى مِنْهُ، فَلَا يَكْفِي الأَعْمَى.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

لا يَدْخُلَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ

رواه مسلم

وَالْمُغِيبَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمَرْأَةُ الَّتِي زَوْجُهَا غَائِبٌ.

وَيَجُوزُ خَلْوَةُ رَجُلَيْنِ فَأَكْثَرَ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ ثِقَةً، وَلَوْ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ الْمَسْجِدَ عَلَى رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ خَلْوَةً لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ كُلُّ أَحَدٍ، إِذَا كَانَ فِي مَسْجِدٍ مَطْرُوقٍ لَا يَنْقَطِعُ طَارِقُوهُ عَادَةً  (أَي يَتَرَدَّدُ عَلَيهِ النَّاسُ كَثِيرًا)، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقُ وَغَيْرُهُ كَالدُّكَّانِ إِذَا كَانَ مَطرُوقًا أَي لَا يَخلُو مِنَ النَّاسِ عَادَةً، بِخِلافِ مَا لَيْسَ مَطْرُوقًا فَيَحرُمُ.

قاعدة في ضبط الخلوة المحرمة

القَاعِدَةُ فِي الْخَلْوَةِ أَنَّهُ إِذَا اجتَمَعَ رَجُلٌ وَامرَأَةٌ بِشَكلٍ لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الرِّيبَةُ أَيِ التُّهَمَةُ وَالشَّكُّ عَادَةً فَهُوَ حَرَامٌ كَأَن يَكُونَا فِي غُرفَةٍ أَو مَكتَبٍ أَو مَصعَدٍ بِحَيثُ لَا يَرَاهُمَا ثَالِثٌ بَصِيرٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَم تُوجَدِ الرِّيبَةُ فَلَا يَحرُمُ هَذَا الِاجتِمَاعُ كَأَن يَكُونَا فِي طَرِيقٍ فِيهِ نَاسٌ كَثِيرٌ عَادَةً وَلَو كَانَ الطَّرِيقُ فِي وَقتٍ مِنَ الأَوقَاتِ فَارِغًا أَو يَكُونَا فِي دُكَّانٍ لَا يَنقَطِعُ النَّاسُ مِنهَا عَادَةً وَلَو كَانَت فَارِغَةً فِي وَقتٍ مِنَ الأَوقَاتِ.

سفر المرأة بغير زوج أو محرم أو نحوه

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ سَفَرُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ نَحْوِ مَحْرَمٍ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، فَفِي بَعْضِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْهُ ذِكْرُ مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَفِي بَعْضِهَا ذِكْرُ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا ذِكْرُ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَفِي بَعْضِهَا ذِكْرُ بَرِيدٍ وَالْبَرِيدُ مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْرِيمُ مَا يُسَمَّى سَفَرًا عَلَى الْمَرْأَةِ بِدُونِ الْمَحْرَمِ أَوِ الزَّوْجِ وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لا تَكُونَ ضَرُورَةٌ لِلسَّفَرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ ضَرُورَةٌ بِأَنْ كَانَ سَفَرُهَا لِحَجِّ الْفَرْضِ أَوْ عُمْرَةِ الْفَرْضِ أَوْ لِتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ الضَّرُورِيِّ إِذَا لَمْ تَجِدْ فِي بَلَدِهَا مَنْ يُعَلِّمُهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ.

وَلَيسَ المُرَادُ بِالسَّفَرِ الذَّهَابَ مِن دَولَةٍ إِلَى دَولَةٍ فَقَط، بَلِ المُرَادُ مَا يَشمَلُ حَتَّى التَّنَقُّلَ بَينَ بَعضِ المُحَافَظَاتِ فِي الأُرْدُنِّ كَالذَّهَابِ مِن عَمَّانَ إِلَى إِربِدَ مَثَلًا أَو إِلَى عَجلُونَ أَوِ العَكسَ، فَهَذَا يُعَدُّ سَفَرًا يَحرُمُ عَلَيهَا بِدُونِ مَحرَمٍ.

استخدام الحر كرها

مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِي الْبَدَنِ اسْتِخْدَامُ الحُرِّ كُرْهًا أَيْ قَهْرًا وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَرِقَّ الْحُرَّ وَيَسْتَعْبِدَهُ أَوْ يَقْهَرَهُ عَلَى عَمَلٍ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ.

معاداة الولي

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ مُعَادَاةُ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَلِيُّ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُسْتَقِيمُ بِطَاعَةِ اللَّهِ أَيِ الْمُؤَدِّي لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُجْتَنِبُ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُكْثِرُ مِنَ النَّوَافِلِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، الآيَةَ.

سورة الأحقاف: 13

فَالِاسْتِقَامَةُ هِيَ لُزُومُ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ ءَاذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، الْحَدِيثَ. رواه البخاري وغيره.

وَمَعْنَى ءَاذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ: أَعْلَمْتُهُ أَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ.

فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ كُلِّ وَلِيٍّ فَكَيْفَ مُعَادَاةُ خَوَاصِّ الأَوْلِيَاءِ الصِّدِّيقِينَ الْمُقَرَّبِينَ كَأَحَدِ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

الإعانة على المعصية

مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِي الْبَدَنِ الإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، أَي مُعَاوَنَةُ شَخْصٍ لِشَخْصٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، كَحَمْلِ إِنْسَانٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى إِلَى مَحَلٍّ يُعْبَدُ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ لِمُشَارَكَةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُوَافَقَتِهِمْ فِي شِرْكِهِمْ وَذَلِكَ كُفْرٌ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

سورة المائدة: 2

ترويج الزائف

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ تَرْوِيجُ الزَّائِفِ (المُزَوَّرِ) كَتَرْوِيجِ الْعُمْلَةِ الزَّائِفَةِ أَوْ طَلْيِ النُّحَاسِ بِالذَّهَبِ لإِيهَامِ النَّاسِ أَنَّهُ ذَهَبٌ وَبَيْعِهِ عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْغِشِّ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

استعمال أواني الذهب والفضة واتخاذها

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاتِّخَاذُهَا أَيِ اقتِنَاؤُهَا.

وَالِاسْتِعْمَالُ يَكُونُ بِالأَكْلِ فِي أَوَانِيهِمَا أَوِ الشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا وَلَوْ مِيلًا وَمُكْحُلَةً (وَالمِيلُ هُوَ الخَشَبَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُكتَحَلُ بِهَا، وَالمُكحُلَةُ الوِعَاءُ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الكُحلُ) وَهَذَا الِاستِعمَالُ مِنَ الْكَبَائِرِ.

وَأَمَّا الِاتِّخَاذُ الَّذِي هُوَ اقْتِنَاءُ أَوَانِيهِمَا بِلا اسْتِعْمَالٍ فَهُوَ حَرَامٌ كَذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِ مُقْتَنِيهِ قَصْدُ الِاسْتِعْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الِاقْتِنَاءُ لِزِينَةِ الْبَيْتِ فَخْرًا وَبَطَرًا فَهُوَ أَشَدُّ إِثْمًا.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي ءَانِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ

رواه مسلم

وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ أَوْ عُذْرٌ، وَقِيلَ لا يَحْرُمُ الِاقتِنَاءُ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِقَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ.

ترك الفرض أو فعله على غير الوجه المأمور به أو تأخيره عن وقته بغير عذر

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ تَرْكُ الْفَرْضِ مِنْ صَلاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَو فِعْلُهُ صُورَةً عَلَى غَيرِ الوَجهِ المَأمُورِ بِهِ أَي مَعَ الإِخْلَالِ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ مَعَ فِعْلِ مُبْطِلٍ لَهُ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ يَتَهَاوَنُ بِالصَّلاةِ فَيُخْرِجُهَا عَنْ وَقْتِهَا

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ

سورة الماعون: 4، 5

وَالْوَيْلُ هُوَ شِدَّةُ الْعَذَابِ، فَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ مَنْ يَتَهَاوَنُونَ بِالصَّلاةِ بِأَنْ يُؤَخِّرُوهَا عَمْدًا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى بِلا عُذْرٍ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْجُمُعَةِ بِلا عُذْرٍ فِي حَقِّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ صَلَّى الظُهْرَ بَدَلَهَا، وَكَذَلِكَ تَرْكُ نَحْوِ أَهْلِ بَلَدٍ أَيْ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ أَو مَا بَيْنَهُمَا الْجَمَاعَةَ فِي الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ

رواه أبو داود

وَمِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ تَأْخِيرُ الْفَرْضِ عَنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.

قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ

وَأَمَّا التَّأْخِيرُ أَوِ التَّقْدِيمُ بِعُذْرٍ فَلا إِثْمَ عَلَى فَاعِلِهِ، وَالْعُذْرُ إِمَّا سَفَرٌ مُبِيحٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ صَلاتَيْنِ أَوْ مَطَرٌ بِشَرْطِهِ وَهُوَ يُبِيحُ الْجَمْعَ تَقْدِيمًا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً تَهْوِينًا عَلَيْهِ مِنْ مَشَقَّةِ الْعَوْدِ لِلصَّلاةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَمِنَ الأَعْذَارِ أَيْضًا الْمَرَضُ.

رمي الصيد بالمثقل المذفف

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ رَمْيُ الصَّيْدِ بِالْمُثَقَّلِ الْمُذَفِّفِ، وَعُدَّ هَذَا مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ لِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ غَيْرُ الْيَدِ مَعَهَا.

  • وَالْمُثَقَّلُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ: هُوَ مَا يَقْتُلُ بِثِقَلِهِ كَالصَّخْرَةِ.
  • وَالْمُذَفِّفُ: هُوَ الْمُسْرِعُ لإِزْهَاقِ الرُّوحِ.

وَعَلَى هَذَا فَمَا يُقْتَلُ بِبُنْدُقِ الرَّصَاصِ الَّذِي عُرِفَ اسْتِعْمَالُهُ لِلصَّيْدِ مَيْتَةٌ، إِلَّا إِذَا لَم يَمُت بِهَا بَل أَدْرَكَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ثُمَّ ذَكَّاهُ بِالسِّكِينِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَهُ حَدٌّ.

اتخاذ الحيوان غرضا

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ اتِّخَاذُ الْحَيَوَانِ غَرَضًا أَيْ هَدَفًا لِتَعَلُّمِ الرِّمَايَةِ، كَالشَّيءِ الَّذِي يُنْصَبُ لِيُصِيبُوهُ بِالرِّمَايَةِ مِنْ نَحْوِ الْقِرْطَاسِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ الشَّبَابِ لِلَّهْوِ أَوْ لِتَعَلُّمِ الرِّمَايَةِ.

وَالْقِرْطَاسُ قِطْعَةٌ مِنْ جِلْدٍ تُنْصَبُ لِلرَّمْيِ.

ترك الإحداد على الزوج إذا مات وعدم ملازمة المعتدة للمسكن

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ تَرْكُ الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الإِحْدَادَ عَلَى زَوْجِهَا، وَالإِحْدَادُ هُوَ الْتِزَامُ تَرْكِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ إِلَى انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ، وَلا يَخْتَصُّ الإِحْدَادُ بِلَوْنٍ وَاحِدٍ مِنَ الثِّيَابِ بَلْ يَجُوزُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَغَيْرُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ ثِيَابَ زِينَةٍ، بَل وَيَحْرُمُ مِنَ الأَسْوَدِ مَا كَانَ فِيهِ زِينَةٌ.

وَلَيْسَ مِنَ الإِحْدَادِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا تَرْكُ مُكَالَمَةِ الرِّجَالِ غَيْرِ الْمَحَارِمِ بِكَلَامٍ لَيسَ فِيهِ مَعصِيَةٌ فَهَذَا لَيْسَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي الإِحْدَادِ الشَّرْعِيِّ إِنَّمَا هَذِهِ عَادَةٌ أَضَافَهَا بَعْضُ النَّاسِ وَنَسَبَهَا إِلَى شَرْعِ اللَّهِ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ، فَلْيُنْشَرْ ذَلِكَ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَجْهَلُونَ ذَلِكَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مِنَ الإِحْدَادِ الشَّرْعِيِّ وَذَلِكَ تَحْرِيفٌ لِلدِّينِ.

وَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي إِحْدَادِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ لِغَيرِ الحَامِلِ، وَلِلْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا.

وَيَجُوزُ لِلمَرأَةِ الإِحْدَادُ عَلَى غَيرِ زَوجِهَا مِن أَبٍ أَو أَخٍ أَوِ ابنٍ أَو نَحوِهِم إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَقَط، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الإِحدَادُ مُطلَقًا.

وَلا يَجُوزُ لِلْمُحِدَّةِ أَنْ تَبِيتَ خَارِجَ بَيْتِهَا، لَكِنْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِتَسْتَأْنِسَ بِبَعْضِ جَارَاتِهَا ثُمَّ تَعُودَ إِلَى الْبَيْتِ لِلْمَبِيتِ.

تنجيس المسجد وتقذيره

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ تَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ تَقْذِيرُهُ وَلَوْ بِشَيءٍ طَاهِرٍ، فَيَحْرُمُ تَنْجِيسُهُ بِالنَّجَاسَةِ وَكَذَلِكَ تَقْذِيرُهُ بِغَيْرِ النَّجَاسَةِ كَالْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ

سورة الحج: 32

وَمِنْ تَعْظِيمِ المَسَاجِدِ تَطْيِيبُهَا، فَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِي الْمَدِينَةِ بِتَبْخِيرِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعُودِ كُلَّ جُمُعَةٍ مِنْ زَمَانِ خِلافَةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ مِنَ الْقُرُبَاتِ إِلَى اللَّهِ.

تأخير أداء الحج بعد الاستطاعة إلى أن يموت

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ تَأْخِيرُ أَدَاءِ الْحَجِّ بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْنَاكُم مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّالِحِينَ

سورة المنافقون: 10

وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾: أَيْ أُزَكِّيَ، وَقَولِهِ: ﴿وَأَكُنْ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾: أَيْ أَحُجَّ.

فَوُجُوبُ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَءَاخَرِينَ مِنَ الأَئِمَّةِ (أَي لَا يَلزَمُهُ أَوَّلَ مَا يَستَطِيعُ أَن يَذهَبَ إِلَى الحَجِّ بَل يُمكِنُهُ التَّأخِيرُ إِلَى السَّنَةِ المُقبِلَةِ)، لِكَنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ الْمُسْتَطِيعُ حَتَّى مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ.

الاستدانة لمن لا يرجو وفاء لدينه من جهة ظاهرة

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الِاسْتِدَانَةُ لِلَّذِي لَيْسَ بِحَالَةِ الِاضْطِرَارِ إِنْ كَانَ لا يَرْجُو وَفَاءً لِلدَّيْنِ الَّذِي يَسْتَدِينُهُ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ أَيْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِلْكٌ وَلا مِهْنَةٌ يَسْتَغِلُّهَا لِرَدِّ الدَّيْنِ، هَذَا إِذَا لَمْ يُعْلِمْ دَائِنَهُ بِحَالِهِ أَيْ أَنَّهُ لا يَرْجُو لِهَذَا الدَّيْنِ وَفَاءً مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ، فَإِنْ أَعلَمَهُ بِذَلِكَ أَو كَانَ يَرْجُو لِدَينِهِ وَفَاءً مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِدَانَةِ.

عدم إنظار المعسر

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ تَرْكُ الدَّائِنِ إِنْظَارَ (أَي إِمهَالَ) الْمُعْسِرِ (أَيِ الْعَاجِزِ عَنْ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّينِ) مَعَ عِلْمِهِ بِإِعْسَارِهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُلازَمَتُهُ (بِأَن يَلحَقَهُ أَينَمَا ذَهَبَ وَيُطَالِبَهُ بِالدَّينِ) أَوْ حَبْسُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِعَجْزِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ الآنَ تُعْطِينِي مَالِي.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ

رواه مسلم

وَالْمَعْنَى أَيْ أَظَلَّهُ اللهُ فِيْ ظِلِّ الْعَرْشِ فَاللهُ تَعَالَى لَا يُوْصَفُ بِالظِّلِّ فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ جِسْمًا وَلَا يُشْبِهُ الْأَجْسَامَ وَلَا يُوْصَفُ بِصِفَاتِ الْأَجْسَامِ.

بذل المال في معصية

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ بَذْلُ الْمَالِ فِي مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا الإِنْفَاقِ الْمُحَرَّمِ مَا يُبْذَلُ لِلْمُغَنِيَّاتِ وَالْمُغَنِينَ أُجْرَةً فِي الأَعرَاسِ وَنَحوِهَا، وَالْمَقْصُوْدُ مَا كَانَ فِيْ الْمُحَرَّمَاتِ.

الاستهانة بالمصحف وكتب العلم الشرعي

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الِاسْتِهَانَةُ بِالْمُصْحَفِ أَيْ فِعْلُ مَا يُشْعِرُ بِتَرْكِ تَعْظِيمِهِ، وَكَذَلِكَ فِعْلُ ذَلِكَ بِكُتُبِ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ كَكُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ، وَكَذَلِكَ الْوَرَقَةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِي فِيهَا قُرْءَانٌ أَوْ عِلْمٌ شَرْعِيٌّ.

وَيَدْخُلُ فِيمَا ذُكِرَ تَمْكِينُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمُحْدِثِ وَلَوْ حَدَثًا أَصْغَرَ مِنَ الْمُصْحَفِ لِغَيْرِ حَاجَةِ دِرَاسَتِهِ وَحَمْلِهِ لِلتَّعَلُّمِ فِيهِ وَنَقْلِهِ إِلَى مَوْضِعِ التَّعَلُّمِ.

وَأَمَّا مَا يُعْتَبَرُ اسْتِخْفَافًا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعْدُودٌ مِنْ أَسْبَابِ الرِّدَّةِ كَدَوْسِهِ عَمْدًا وَلَوْ لِتَصْفِيفِ النُّسَخِ فِي الْمَطَابِعِ أَوِ الْمَكَاتِبِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَغْرَاضِ.

تغيير منار الأرض والتصرف في الشارع بما لا يجوز

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَغْيِيرُ مَنَارِ الأَرضِ أَي تَغيِيرُ حُدُودِ الأَرْضِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُدْخِلَ مِنْ حُدُودِ جَارِهِ شَيْئًا فِي حَدِّ أَرْضِهِ، وَكَذَلِكَ اتِّخَاذُ أَرْضِ الْغَيْرِ طَرِيقًا.

وَيَحرُمُ أَيضًا التَّصَرُّفُ فِي الشَّارِعِ بِمَا لَا يَجُوزُ فِعلُهُ فِيهِ مِمَّا يَضُرُّ بِالمَارَّةِ كَأَن يُغلِقَهُ لِعُرسٍ أَو نَحوِ ذَلِكَ.

وَالشَّارِعُ اسْمٌ لِلطَّرِيقِ الْنَافِذِ، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ النَّافِذِ فَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ أَهْلُهُ.

استعمال المعار في غير المأذون له فيه أو زاد على المدة المأذون له فيها أو أعاره لغيره

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ اسْتِعْمَالُ الشَّىْءِ الَّذِي هُوَ عَارِيَّةٌ (أَعَارَهُ إِيَّاهُ صَاحِبُهُ) فِي غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا بِدُونِ إِذنٍ إِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ مُقَيَّدَةً، كَأَنْ قَدَّرَ لَهُ سَنَةً فَاسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، وَكَذَلِكَ إِعَارَتُهُ لِلْغَيْرِ بِلَا إِذْنٍ مِنَ الْمَالِكِ فِي ذَلِكَ.

تحجير المباح

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَحْجِيرُ الْمُبَاحِ أَيْ مَنْعُ النَّاسِ مِنَ الأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ لَهُمْ عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، كَشَوَاطِئِ الأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ، وَكَالْمَرْعَى الَّذِي فِي أَرْضٍ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ، وَكَالِاحْتِطَابِ أَيْ أَخْذِ الْحَطَبِ مِنْ الأَرْضِ الْمَوَاتِ، وَكَذَلِكَ الشَّوَارِعُ وَالْمَسَاجِدُ وَالرُّبُطُ أَيِ الأَمَاكِنُ الْمَوْقُوفَةُ لِلْفُقَرَاءِ مَثَلًا، فَلا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَحْجِيرُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَكَذَلِكَ الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ كَأَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ أَخْذِ الْمِلْحِ مِنْ مَعْدِنِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَنْعُ مِنَ الشُّرْبِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي حَفَرَهُ الشَّخْصُ فِي الأَرْضِ الْمَوَاتِ وَكَانَ إِذَا أُخِذَ مِنْهُ شَىْءٌ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ، الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ

رواه أبو داود وغيره

وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ فِيمَا ذُكِرَ الْمَاءُ الَّذِي لَمْ يَحُزْهُ الشَّخْصُ أَيْ لَمْ يَحْتَوِهِ فِي إِنَائِهِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مَا حِيزَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مِلْكٌ خَاصٌ لِلَّذِي حَازَهُ.

استعمال اللقطة قبل التعريف بشروطه

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ اسْتِعْمَالُ اللُّقَطَةِ، وَهِيَ مَا ضَاعَ مِنْ مَالِكِهِ بِسُقُوطٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فِي نَحْوِ الشَّارِعِ كَالْمَسْجِدِ وَالْبَحْرِ مِمَّا لا يُعْرَفُ مَالِكُهُ.

وَهَذَا الِاستِعمَالُ حَرَامٌ قَبْلَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِشَرطِهِ وَهُوَ أَنْ يُعَرِّفَهَا سَنَةً بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا إِن لَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُهَا، فَإِذَا عَرَّفَهَا سَنَةً حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فَيَتَصَرَّفَ فِيهَا بِنِيَّةِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهَا إِذَا ظَهَرَ.

الجلوس في مكان فيه منكر بدون عذر مع علمه بالمنكر

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الْجُلُوسُ فِي مَحَلٍّ فِيهِ مُنْكَرٌ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْمُنْكَرِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِي جُلُوسِهِ فِيهِ، بِأَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ الْمُنْكَرَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَهَذَا حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُفَارِقَ الْمَكَانَ فَلَمْ يَفْعَلْ.

التطفل في الولائم

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ أَنْ يَحْضُرَ الْوَلائِمَ الَّتِي لَمْ يُدْعَ إِلَيْهَا أَوْ دُعِيَ إِلَيْهَا اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ أَوْ أَدْخَلُوهُ حَيَاءً.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ

رواه ابن حبان

وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ مَالِ الْمُسْلِمِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ، بَلْ إِنَّ مُجَرَّدَ دُخُولِ مِلْكِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ رِضَاهُ لا يَجُوزُ.

عدم التسوية والعدل بين الزوجات

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْكُ الْعَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، كَأَنْ يُرَجِّحَ وَاحِدَةً مِنَ الزَّوْجَتَيْنِ أَوْ الزَّوْجَاتِ عَلَى غَيْرِهَا ظُلْمًا فِي النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَبِيتِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يُنفِقَ عَلَى الزَّوجَتَينِ بِنَفسِ المِقدَارِ وَيَبِيتَ عِندَ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمِقدَارِ مَا يَبِيتُ عِندَ البَاقِي، فَيَبِيتُ عِندَ هَذِهِ يَومًا وَعِندَ هَذِهِ يَومًا أَو عِندَ هَذِهِ يَومَينِ وَعِندَ هَذِهِ يَومَينِ أَو نَحوَ ذَلِكَ.

وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كَالْمَحَبَّةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْجِمَاعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ عَلَى الزَّوْجِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ فِي كُلِّ شَىْءٍ، بَل وَلَيْسَ مِنْ مُسْتَطَاعِ الزَّوْجِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ فِي كُلِّ شَىْءٍ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ

سورة النساء: 129

خروج المرأة من البيت بقصد التعرض للرجال

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ خُرُوجُ المَرْأَةِ مِن بَيتِهَا إِنْ قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا أَنْ تَفْتِنَ الرِّجَالَ أَيْ أَن تَسْتَمِيلَهُمْ لِلْمَعْصِيَةِ، سَوَاءً خَرَجَت مُتَعَطِّرَةً أَوْ غَيْرَ مُتَعَطِّرَةٍ، مُتَزَيِّنَةً أَوْ غَيْرَ مُتَزَيِّنَةٍ، مُتَسَتِّرَةً بِالسِّتْرِ الْوَاجِبِ أَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مُتَعَطِّرَةً فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ

رواه ابن حبان

وَشَرْحُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَقْصِدُ بِخُرُوجِهَا مُتَطَيِّبَةً اسْتِمَالَةَ الرِّجَالِ إِلَيْهَا أَيْ لِلْفَاحِشَةِ أَوْ لِمَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ الْمُحَرَّمِ فَهِيَ زَانِيَةٌ أَيْ شِبْهُ زَانِيَةٍ لِأَنَّ فِعْلَهَا هَذَا مُقَدِّمَةٌ لِلزِّنَى.

وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ إِثْمَهَا كَإِثْمِ مَن تَزنِي الزِّنَى الْحَقِيقِيَّ الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.

وَأَمَّا إِذَا خَرَجَتْ وَلَو مُتَعَطِّرَةً أَوْ مُتَزَيِّنَةً وَكَانَت سَاتِرَةً لِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ مِنْ بَدَنِهَا وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهَا فِتنَةَ الرِّجَالِ فَإِنَّهَا تَقَعُ فِي الْكَرَاهَةِ التَّنزِيهِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ إِثْمٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَيَّدَ حُصُولَ الإِثْمِ بِقَصْدِ الْفِتْنَةِ وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: “لِيَجِدُوا رِيحَهَا“، بَل ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ أَنَّهُ يُسَنُّ التَّطَيُّبُ لِلأُنْثَى كَمَا لِلذَّكَرِ لِلإِحْرَامِ لِلْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.

السحر

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ السِّحْرُ وَهُوَ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِهِ.

وَيَكُونُ السِّحرُ بِمُزَاوَلَةِ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ خَبِيثَةٍ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ:

مِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى كُفْرٍ قَوْلِيٍّ أَو عَمَلٍ كُفْرِيٍّ كَالسُّجُودِ لِلْشَّمْسِ أَوِ السُّجُودِ لإِبْلِيسَ أَوْ تَعْظِيمِ الشَّيْطَانِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا النَّوعُ مِنَ السِّحرِ كُفرٌ.

وَمِنْهُ مَا لَا يُحْوِجُ إِلَى كُفْرٍ، وَهَذَا النَّوعُ مِنَ السِّحرِ كَبِيرَةٌ.

وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَحْريِمَ تَعَلُّمِهِ، وَفَصَّلَ بَعْضٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إِنْ كَانَ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ لَا يُحْوِجُ إِلَى الْكُفْرِ وَلَا إِلَى تَعَاطِي مُحَرَّمٍ جَازَ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ تَطْبِيقَهُ بِالْعَمَلِ وَإِلَّا فَتَحْرِيمُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ كَفَرَ.

قَاَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَسَحَّرَ أَوْ تُسُحِّرَ لَهُ أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ

رواه الطبراني

الخروج عن طاعة الإمام

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَخْرُجُ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً

رواه مسلم

أَيْ تُشْبِهُ مِيتَةَ الْجَاهِلِيِّينَ لَا أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا بِذَلِكَ، فَيُؤخَذُ مِنَ الحَدِيثِ حُرمَةُ الخُرُوجِ عَلَى الإِمَامِ كَالَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى سَيِّدِنَا عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

إِنَّكَ لَتُقَاتِلُ عَلِيًّا وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ

رواه الحاكم

فَلَمَّا حَضَرَ الْفَرِيقَانِ فِي الْبَصْرَةِ نَادَى عَلِيٌّ الزُّبَيْرَ فَذَكَّرَهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: «نَسِيتُ» فَذَهَبَ مُنْصَرِفًا لِأَنَّ اللَّهَ كَتَبَ لَهُ السَّعَادَةَ وَالْمَنْزِلَةَ الْعَالِيَةَ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لا يَمُوتَ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِمَعْصِيَةِ الْخُرُوجِ عَلَى عَلِيٍّ، وَكَذَلِكَ طَلْحَةُ مَا قُتِلَ إِلَّا وَقَدِ انْصَرَفَ مِنَ الثُّبُوتِ فِي الْمُعَسْكَرِ الْمُضَادِّ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْجَمِيعِ.

فَهَذَانِ الصَّحَابِيَّانِ الْجَلِيلانِ لا شَكَّ أَنَّهُمَا مِنَ الصِّدِّيقِينَ الْمُقَرَّبِينَ وَمَعَ ذَلِكَ نَفَذَ فِيهِمَا الْقَدَرُ بِحُضُورِهِمَا إِلَى هَذَا الْمُعَسْكَرِ الْمُضَادِّ لِعَلِيٍّ.

التولي على شيء مع علمه بعجزه عن القيام به

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ أَنْ يَتَوَلَّى الشَّخْصُ الإِمَامَةَ الْعُظْمَى أَوْ إِمَارَةً دُونَهَا أَوْ وِلايَةً مِنَ الْوِلايَاتِ مَعَ عِلْمِهِ مِنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا، كَالتَّوَلِّي عَلَى مَالِ يَتِيمٍ أَوْ عَلَى وَقْفٍ أَوْ فِي وَظِيفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ أَوْ تَوَلِّي الْقَضَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ مِنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا كَأَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فِيهِ أَوْ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، فَعِنْدَئِذٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ سُؤَالُ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَبِالأَحْرَى بَذْلُ الْمَالِ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ.

إيواء الظالم وحمايته ممن يريد أخذ الحق منه

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِيوَاءُ الظَّالِمِ لِحِمَايَتِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ لِيَحُولَ بَيْنَ الظَّالِمِ وَبَيْنَ مَنْ يُرِيدُ أَخْذَ الْحَقِّ مِنْهُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ءَاوَى مُحْدِثًا

رواه مسلم

أَيْ حَمَى الْجَانِيَ الظَّالِمَ مِمَّنْ يُرِيدُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ مِنْهُ.

ترويع المسلمين

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْوِيعُ الْمُسْلِمِينَ أَيْ تَخْوِيفَهُم وَإِرْعابَهُمْ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْوِيفِ، كَالتَّرْوِيعِ بِنَحْوِ حَدِيدَةٍ يُشِيرُ بِهَا إِلَيْهِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ لَعَنَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ

رواه مسلم

قطع الطريق

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ قَطْعُ الطَّرِيقِ وَذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مَعَهُ قَتْلٌ أَوْ أَخْذُ مَالٍ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مَعَهُ قَتْلٌ أَوْ جَرْحٌ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ  يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، الآيَةَ.

سورة المائدة: 33

وَفِي ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِعِظَمِ ذَنْبِ قَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى قَطعِ الطَّرِيقِ أَحْكَامٌ مِنهَا:

  1. إِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ إِخَافَةَ المَارِّينَ مِنَ الطَّرِيقِ فَقَطْ فَيُعَزَّرُ بِحَبْسٍ أَوْ تَغْرِيبٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرَاهُ الإِمَامُ.
  2. وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ الإِخَافَةِ بِلَا قَتْلٍ وَلَا جَرْحٍ فَعِقَابُهُ بِقَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْ خِلافٍ بِأَنْ تُقَطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فَإِنْ عَادَ فَيَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَالُ الَّذِي أَخَذَهُ نِصَابَ سَرِقَةٍ أَيْ رُبْعَ دِينَارِ ذَهَبٍ.
  3. وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَالْقَتْلِ فَعُقُوبَتُهُ بِالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ (أَي وَضعِهِ عَلَى خَشَبَةٍ لَكِن لَيسَ عَلَى هَيأَةِ الصَّلِيبِ)، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يُقْتَلَ وَيُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبَ أَيْ يُعَلَّقَ عَلَى خَشَبَةٍ بِالعَرضِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَإِلَّا أُنْزِلَ، وَقِيلَ يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُطْعَنُ حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ يُدْفَنُ.
  4. وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ الْقَتْلَ بِلا أَخْذِ مَالٍ فَعُقُوبَتُهُ بِالْقَتْلِ بِلَا صَلْبٍ.

وَلا يَسْقُطُ قَتْلُ الْقَاطِعِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْقَتْلِ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ، وَأَمَّا أَعْوَانُ الْقُطَّاعِ فَيُعَزَّرُونَ كَمَا هُوَ حُكْمُ مَنْ فَعَلَ مَعْصِيَةً لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فَيَفْعَلُ الإِمَامُ بِهِمْ مَا يَرَى مِنَ التَّعْزِيرِ إِمَّا بِحَبْسٍ وَإِمَّا بِضَرْبٍ وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ.

عدم الوفاء بالنذر

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَشَرْطُ النَّذْرِ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ قُرْبَةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ، فَلا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْقُرْبَةِ الْوَاجِبَةِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلا نَذْرُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلا نَذْرُ مُبَاحٍ أَيْ مَا يَسْتَوِي فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فَلا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ قُرْبَةً.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهْ

رواه البخاري

الوصال في الصوم

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ تَنَاوُلِ مَطْعُومٍ عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ وَلَوْ بِاللَّيْلِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (وَلَم يَقُل هَذَا اعتِرَاضًا عَلَى الحُكمِ)، فَقَالَ ﷺ: “وَأَيُّكُمْ مِثْلِي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي“. رواه البخاري ومسلم.

مَعْنَاهُ يَجْعَلُ فِيَّ قُوَّةَ الطَّاعِمِ وَالشَّارِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ ءَاكُلَ، وَهَذَا مُؤَقَّتٌ لِأَنَّهٌ ﷺ كَانَ يَجُوعُ فِي أَوْقَاتٍ أُخْرَى.

أخذ مجلس غيره أو نوبته ومزاحمته المؤذية له

مِنْ مَعَاصِي الْبَدَنِ أَنْ يَأْخُذَ مَجْلِسَ غَيْرِهِ وَلَوْ ذِمِيًّا إِذَا سَبَقَ إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَارِعٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْوُقُوفُ فِي الشَّارِعِ وَلَوْ وَسَطَهُ وَالْجُلُوسُ بِهِ لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ مَثَلًا، هَذَا إِنِ اتَّسَعَ وَلَمْ يُضَيِّقْ بِذَلِكَ عَلَى الْمَارَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الإِمَامِ أَمْ لا، وَلَكِنْ إِنْ نَشَأَ مِنْ نَحْوِ وُقُوفِهِ ضَرَرٌ يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَالِانْصِرَافِ.

ما الحكم إذا قام من مجلسه ونوى الرجوع ثم رجع إليه

السَّابِقُ لِمَحَلٍّ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوِ الشَّارِعِ وَنَحْوِهِ لِصَلَاةٍ أَو قَضَاءِ حَاجَةٍ أَو بَيعٍ أَو نَحوِ ذَلِكَ هُوَ أَحَقُّ بِهَذَا المَكَانِ حَتَّى يُفَارِقَهُ، فَإِنْ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ كَتَجْدِيدِ وُضُوءٍ وَإِجَابَةِ دَاعٍ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ وَنَوَى الْعَوْدَةَ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ

رواه مسلم

وَلَا يَجُوزُ مُزَاحَمَةُ المُسلِمِ بِالدَّورِ أَو نَحوِهِ بِحَيثُ يُؤذِيهِ، وَلَو كَانَ هُنَاكَ نَهَرٌ أَو بِئرٌ أَو نَحوُ ذَلِكَ مِنَ الأَشيَاءِ المُبَاحَةِ يَأخُذُ مِنهُ النَّاسُ بِالدَّورِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَن يَأخُذَ دَورَ أَحَدٍ ءَاخَرَ لِأَنَّ هَذَا ظُلمٌ، وَالنَّاسُ سَوَاءٌ فِي الْمِيَاهِ الْمُبَاحَةِ كَالأَنْهَارِ، وَتُقَدَّمُ حَاجَةُ إِنسَانٍ عَلَى حَاجَةِ بَهِيمَةٍ وَحَاجَةُ بَهِيمَةٍ عَلَى حَاجَةِ زَرْعٍ، وَمِثْلُ الْمِيَاهِ غَيْرُهَا مِنَ الْمَعَادِنِ (أَيِ الأَمَاكِنِ الَّتِي يُستَخرَجُ مِنهَا الأَشيَاءُ) فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الِاسْتِيلاءُ عَلَى دَورِ أَحَدٍ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ كَمَا تَقَدَّمَ.

الخاتمة

بَابُ التَّوبَةِ مَفتُوحٌ، فَمَا دَامَتِ الرُّوحُ تَتَرَدَّدُ بَينَ جَنبَيِ المُسلِمِ فَبَابُ التَّوبَةِ مَفتُوحٌ أَمَامَهُ، فَليُسَارِعِ الشَّخصُ لِلتَّوبَةِ مَهمَا كَثُرَت ذُنُوبُهُ، وَلَا يَقنَط مِن رَحمَةِ اللهِ وَلَو كَانَت ذُنُوبُهُ مِثلَ زَبَدِ البَحرِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

سورة الزمر: 53

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. المِنهَاجِ القَوِيمِ شَرحِ المُقَدِّمَةِ الحَضرَمِيَّةِ.
  2. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  3. كِفَايَةِ النَّبِيهِ لِابنِ الرِّفعَةِ.
  4. كِفَايَةِ الأَخيَارِ لِتَقِيِّ الدِّينِ الحِصنِيِّ.
  5. حَاشِيَةِ البُجَيرِمِيِّ.
  6. حَاشِيَتَيِ القَليُوبِي وَعَمِيرَةَ.
  7. فَتحِ العَزِيزِ لِلإِمَامِ الرَّافِعِيِّ.
  8. مُغنِي المُحتَاجِ لِلشَّربِينِيِّ.
  9. بَحرِ المَذهَبِ لِلرُّويَانِيِّ.
  10. البَيَانِ لِلعِمرَانِيِّ.
  11. أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  12. فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  13. مَتنِ الغَايَةِ وَالتَّقرِيبِ لِأَبِي شُجَاعٍ وَشُرُوحَاتِهِ.
  14. التَّوَسُّطِ لِلأَذْرَعِيِّ.
أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما

أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share