صفة الكلام لله تعالى (الجزء الأول)

صفة الكلام لله تعالى

    بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

    الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

    المقدمة

    إِنَّ العِلمَ بِاللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ أَجَلُّ العُلُومِ وَأَعلَاهَا وَأَوجَبَهَا وَأَولَاهَا، وَقَد خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ نَفسَهُ بِالتَّرقِي فِي هَذَا العِلمِ فَقَالَ: «أَنَا أَعلَمُكُم بِاللهِ وَأَخشَاكُم لَه» رَوَاهُ البُخَارِيُّ، فَكَانَ هَذَا العِلمُ أَهَمَّ العُلُومِ تَحصِيلًا وَأَحَقَّهَا تَبجِيلًا وَتَعظِيمًا، قَالَ اللهُ تَعَالى:﴿فَاعلَم أَنَّهُ لَا إِله إِلَّا الله وَاستَغفِر لِذَنبِكَ﴾ [سورة محمد الآية:١٩]، قُدِّمَ الأَمرُ بِمَعرِفَةِ التَّوحِيدِ عَلَى الأَمرِ بِالاستِغفَارِ لِتَعَلُّقِ التَّوحِيدِ بِعلمِ الأُصُولِ وَتَعَلُّقِ الاستِغفَارِ بِعِلمِ الفُرُوعِ. 

    التعريف بعلم التوحيد وذكر أسمائه

    عِلمُ التَّوحِيدِ هُوَ عِلمٌ يُبحَثُ فِيهِ عَن أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَفعَالِهِ وَأَحوَالِ المَخلُوقِينَ مِنَ المَلَائِكَةِ وَالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ وَالأَئِمَّةِ وَالمَبدَأِ وَالمِيعَادِ عَلَى قَانُونِ الإِسلَامِ لَا عَلَى أُصُولِ الفَلَاسِفَةِ، فعلم التوحيد هو أعظم العلوم وأجلها لأنه يتعلق بأشرف العلوم والعلم يشرف بشرف المعلوم، فَمَن عَرَفَ اللهَ تعالى صَحَّت عِبَادَتُهُ وَرَجَاهُ وَخَافَهُ، وَمَن لَم يَعرِفِ اللهَ تعالى مَا صَحَّت عِبَادَتُهُ وَلَو سَجَدَ عُمُرَهُ كُلَّهُ، لِأَنَّ العِبَادَةَ هِيَ الإِخلَاصُ وَالتَّقَرُّبُ لِلمَعبُودِ، فَكَيفَ يُخلِصُ الْمُخلِصُ أو يَتَقَرَّبُ المُتَقَرِّبُ لِمَن لَا يَعرِفُهُ، فَالعِبَادَةُ مَشرُوطَةٌ بِالعِلمِ وَالمَشرُوطُ لَا يَصِحُّ دُونَ شَرطِهِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَعَلُّقًا عَقلِيًّا، فَكَمَا لَا يَصِحُّ مِنكَ العِلمُ إِلَّا مَعَ الحَيَاةِ الَّتِي هِيَ شَرطٌ في العِلمِ، كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنكَ العِبَادَةُ مَعَ عَدَمِ المَعرِفَةِ الَّتِي هِيَ شَرطٌ في العِبَادَةِ.

    وَمِن أَسمَائِهِ عِلمُ التَّوحِيدِ وَعِلمُ الأُُصُولِ وَعِلمُ العَقِيدَةِ وَعِلمُ الكَلَامِ. 

    سَبَبُ تَسمِيَتِهِ بِعِلمِ الأُصُولِ لِأَنَّ كُلَّ العُلُومِ الأُخرَى تَفتَقِرُ لَهُ لِأَنَّهُ الأَصلُ، وَسَبَبُ تَسمِيَتِهِ بِعِلمِ الكَلَامِ لِأَنَّ أَكثَرَ مَا بُحِثَ فِيهِ فِي المَاضِي مَسأَلَةُ الكَلَامِ فَصَارَت مَنَاظَرَاتٌ كَبِيرَةٌ بَينَ أَهلِ السُّنَّةِ وَبَينَ المُعتَزِلَةِ، فَإِنَّ المُعتَزِلَةُ كَانُوا يَنفُونَ كَلَامَ اللهِ الذَّاتِيَّ، وَالمُجَسِّمَةُ يَقُولُونَ لَهُ تَعالى كَلَامٌ وَكَلَامُهُ حُرُوفٌ وَأَصوَاتٌ تَحدُثُ وَتَنقَضِي فَجَعَلُوهُ كَالبَشَرِ، تَعَالى اللهُ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّهُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ.  

    صفات الله تعالى الثلاث عشرة

    يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مَعرِفَةُ ثَلَاثَ عَشرَةَ صِفَةً ثَابِتَةً للهِ تَعَالَى بِالاتِّفَاقِ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَجِبُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى الْمُكَلَّفِ وَلا يَجِبُ حِفْظُ أَلْفَاظِهَا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَهِيَ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَقِّ أَيْ لَيْسَتْ حَادِثَةً فِي ذَاتِ اللَّهِ بَلْ هي ثابتة لله  أَزَلًا وَأَبَدًا فَلا تَتَغَيَّرُ وَلا تَزِيدُ وَلا تَنْقُصُ كَصِفَاتِ الْخَلْقِ وقد جَرَتْ عَادَةُ الْعُلَمَاءِ الْمُؤَلِّفِينَ فِي الْعَقِيدَةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْوَاجِبَ الْعَيْنِيَّ الْمَفْرُوضَ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أيِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةًالْوُجُودَ، وَالْقِدَمَ، وَالْمُخَالَفَةَ لِلْحَوَادِثِ، وَالْوَحْدَانِيَّةَ، وَالْقِيَامَ بِنَفْسِهِ، وَالْبَقَاءَ، وَالْقُدْرَةَ، وَالإِرَادَةَ، وَالْحَيَاةَ، وَالْعِلْمَ، وَالْكَلامَ، وَالسَّمْعَ، وَالْبَصَرَ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ مَا يُنَافِي هَذِهِ الصِّفَاتِ. وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ ذُكِرَتْ كَثِيرًا فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجِبُ مَعْرِفَتُهَا وُجُوبًا عَيْنِيًّا أَيْ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ. 

    صفات الله تعالى كلها أزلية أبدية كاملة

    وَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَا بِدَايَةَ وَلَا نِهَايَةَ لَهُ، فَاللهُ هُوَ الخَالِقُ فَهُوَ أَزَلِيٌّ وَلَا أَزَلِيَّ غَيرُهُ قَالَ تَعَالَى:﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [سورة الحديد الآية:٣] وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ» فَلَمَّا كَانَ اللهُ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا وَجَبَ أَن تَكُونَ صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةً أَبَدِيَّةً لَا تَقْبَلُ التَّغَيُّرَ وَالتَّطَوُّرَ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ وَالتَّطَوُّرَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ عَلامَةُ الْحُدُوثِ، فَالإِنْسَانُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَالتَّغَيُّرَ مِنَ الْكَمَالِ إِلَى النَّقْصِ وَالْعَكْسَ أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى لا يَزْدَادُ وَلا يَنْقُصُ، فَصِفَاتُ اللَّهِ لا تَقْبَلُ التَّطَوُّرَ مِنَ كَمَالٍ إِلَى أَكْمَلَ وَعِلْمُ اللَّهِ لا يَزْدَادُ وَلا يَنْقُصُ بَلْ عِلْمُهُ كَامِلٌ كَمَا سَائِرُ صِفَاتِهِ يَعْلَمُ بِهِ كُلَّ شَيءٍ، فَلا يَتَجَدَّدُ لَهُ عِلْمٌ جَدِيدٌ بَلْ هُوَ عَالِمٌ فِي الأَزَلِ بِكُلِّ شَيءٍ فَالتَّغَيُّرُ يَحْصُلُ فِي الْمَعْلُومِ الْحَادِثِ لا فِي عِلْمِ اللَّهِ الأَزَلِيِّ، فَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ فِي الْمَاضِي وَمَا يَكُونُ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ وَمَا سَيَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى الأَشْيَاءَ الَّتِي تَتَجَدَّدُ فِي الآخِرَةِ اللَّهُ عَلِمَ بِهَا فِي الأَزَلِ، وَيَجِبُ أَن يَكُونَ الخَالِقُ مُخَالِفًا لِمَخلُوقَاتِهِ فَإِنَّ الخَالِقَ لَا يُشبِهُ المَخلُوقَاتِ  وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْخَلْقِ مِنَ التَّغَيُّرِ وَالتَّطَوُّرِ وَالْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَلَوْ جَازَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ يُغَيِّرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ لا يَكُونُ إِلَهًا فَوَجَبَ أَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا، وَالْبُرْهَانُ النَّقْلِيُّ لِوُجُوبِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ ءَايَاتٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى الآية:١١]، وَهُوَ أَوْضَحُ دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ فِي ذَلِكَ جَاءَ فِي الْقُرْءَانِ، لِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُفْهِمُ التَّنْزِيهَ الْكُلِّيَّ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَ فِيهَا لَفْظَ شَىْءٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَالنَّكِرَةُ إِذَا أُورِدَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَهِيَ لِلشُّمُولِ، فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَفَى بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ عَنْ نَفْسِهِ مُشَابَهَةَ الأَجْرَامِ وَالأَجْسَامِ وَالأَعْرَاضِ فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَمَا لا يُشْبِهُ ذَوِي الأَرْوَاحِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلائِكَةٍ وَغَيْرِهِمْ لا يُشْبِهُ الْجَمَادَاتِ مِنَ الأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُقَيِّدْ نَفْيَ الشَّبَهِ عَنْهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَوَادِثِ بَلْ شَمَلَ نَفْيَ مُشَابَهَتِهِ لِكُلِّ أَفْرَادِ الْحَادِثَاتِ، وَيَشْمَلُ نَفْيُ مُشَابَهَةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ تَنْزِيهَهُ تَعَالَى عَنِ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، فَالْكَمِّيَّةُ هِيَ مِقْدَارُ الْجِرْمِ فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ كَالْجِرْمِ الَّذِي يَدْخُلُهُ الْمِقْدَارُ وَالْمِسَاحَةُ وَالْحَدُّ فَهُوَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ ذِي مِقْدَارٍ وَمَسَافَةٍ وَمَنْ قَالَ فِي اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ لَهُ حَدًّا فَقَدْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ لِأَنَّ كُلَّ الأَجْرَامِ لَهَا حَدٌّ إِمَّا حَدٌّ صَغِيرٌ وَإِمَّا حَدٌّ كَبِيرٌ وَذَلِكَ يُنَافِي الأُلُوهِيَّةَ، وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَوْ كَانَ ذَا حَدٍّ وَمِقْدَارٍ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ بِذَلِكَ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ كَمَا تَحْتَاجُ الأَجْرَامُ إِلَى مَنْ جَعَلَهَا بِحُدُودِهَا وَمَقَادِيرِهَا لِأَنَّ الشَّىْءَ لا يَخْلُقُ نَفْسَهُ عَلَى مِقْدَارِهِ، وَلا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ هُوَ جَعَلَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ الْحَدِّ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ لا يَكُونُ إِلَهًا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الإِلَهِ الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ كُلِّ شَىْءٍ.

    الكلام من صفات الله تعالى

    الْكَلامُ هُوَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِهَا ءَامِرٌ، نَاهٍ، وَاعِدٌ، مُتَوَعِّدٌ، لَيْسَ كَكَلامِ غَيْرِهِ، بَلْ أَزَلِيٌّ بِأَزَلِيَّةِ الذَّاتِ لا يُشْبِهُ كَلامَ الْخَلْقِ وَلَيْسَ بِصَوْتٍ يَعْتَمِدُ عَلَى مَخَارِجَ وَمَقَاطِعَ وَيُبْتَدَأُ وَيُخْتَتَمُ وَيَكُونُ بِلُغَاتٍ وَحُرُوفٍ يَحْدُثُ مِنَ انْسِلالِ الْهَوَاءِ أَوِ اصْطِكَاكِ الأَجْرَامِ، وَلا بِحَرْفٍ يَنْقَطِعُ بِإِطْبَاقِ شَفَةٍ أَوْ تَحْرِيكِ لِسَانٍ

    وَكَلامُهُ تَعَالَى الذَّاتِيُّ لَيْسَ حُرُوفًا مُتَعَاقِبَةً كَكَلامِنَا، وَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ مِنَّا كَلامَ اللَّهِ فَقِرَاءَتُهُ حَرْفٌ وصَوْتٌ لَيْسَتْ أَزَلِيَّةً. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ عَيْنَ الْكَلامِ الذَّاتِيِّ بَلْ هِيَ عِبَارَاتٌ عَنْهُ إِذ يَستَحِيلُ الذَّاتُ الأَزَلِيُّ أَن تَقُومُ بِهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ، وَالحَرفُ وَالصَّوتُ لَا يَكُونَانِ إِلَّا حَادِثَينِ فَيَجِبُ تَنزِيهُ اللهِ عَن ذَلِكَ. 

    قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الفِقهِ الأَكبَرِ: “اللهُ يَتَكَلَّمُ لَا كَكَلَامِنَا يَتَكَلَّمُ بِلَا حَرفٍ وَلَا صَوتٍ” اهـ فَلَا يَلزَمُ مِن نَفيِ الحَرفِ وَالصَّوتِ نَفيُ الكَلَامِ وَلَا يَلزَمُ مِن إِثبَاتِ الكَلَامِ إِثبَاتُ الحَرفِ وَالصَّوتِ، وَأَمَّا النُّطقُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِالحَرفِ وَالصَّوتِ وَكَذَا اللَّفظُ.

    الكَلَامُ قَد يُطلَقُ وَتَختَلِفُ مَعَانِيهِ بِحَسَبِ الاستِخدَامِ:

    فعند العرب معناه:

    مَا دَلَّ عَلى المَطلُوبِ، إِذَا قُلتَ مَثَلًا هَذَا مِحرَابٌ لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ هَذَا حَرفٌ وَصَوتٌ وَإِنَّمَا مَعناَهُ أَنَّ القِبلَةَ مِن هُنَا وَلَم يَنطِق بِهَذَا، سَيِّدُنَا عُمَرُ قَالَ: “كُنتُ زَوَّرتُ فِي نَفسِي كَلَامًا” أَي هَيَّأتُ فِي نَفسِي، اللهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِم﴾[سورة المجادلة الآية:٨] لَم يَنطِقُوا بِهِ وَسَمَّاهُ اللهُ قَولًا، لِأَنَّهُ لَا يُشتَرَطُ فِي القَولِ وَالكَلَامِ أَن يَكُونَ بِحَرفٍ وَصَوتٍ، وَقَالَ الفَيُّومِيُّ فِي المِصبَاحِ المُنِيرِ وَالكَلَامُ فِي الحَقِيقَةِ هُوَ المَعنَى القَائِمُ بِالنَّفسِ لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي نَفسِي كَلَامٌ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِم﴾ [سورة المجادلة الآية:٨]اﻫ قَالَ ابنُ عُصفُورٍ فِي شَرحِ جَمَلِ الزَّجَّاجَيُّ فِي بَابِ أَقسَامِ الكَلَامِ لِأَنَّ الكَلَامَ بِالنَّظَرِ إِلَى اللُّغَةِ لَفظٌ مُشتَرَكٌ بَينَ مَعَانٍ كَثِيرَةٍ مِنهَا المَعَانِي الَّتِي فِي النَّفسِ دَلِيلُ ذَلِكَ قَولُ الأَخطَلِ مِنَ الكَامِلِ

                إِنَّ الكَلَامَ لَفِي الفُؤَادِ وَإِنَّمَا     جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الفُؤَادِ دَلِيلا

    قَالَ الفَيرُوزَابَادِي صَاحِبُ القَامُوسِ عِندَ الكَلَامِ عَن كَلِمَةِ نَطَقَ قَالَ” تَكَلَّمَ بِحَرفٍ وَصَوتٍ “ فَالنُّطقُ خَاصٌ بِالكَلَامِ بِالحَرفِ وَالصَّوتِ لِذَلِكَ أَهلُ السُّنَّةِ مَا قَالُوا قَطُّ اللهُ نَاطِقٌ، لِأَنَّ النُّطقَ فِي لُغَةِ العَرَبِ مَعنَاهَا تَكَلَّمَ بِحَرفٍ وَصَوتٍ هَذَا مَعنَى نَطَقَ فِي لُغَةِ العَرَبِ لِذَلِكَ لَا يَقُولُ أَهلُ السُّنَّةِ عَنِ اللهِ نَاطِقٌ إِنَّمَا يَقُولُونَ مُتَكَلِّمٌ لِأَنَّ الكَلَامَ لَا يُشتَرَطُ أَن يَكُونَ بِحَرفٍ وَصَوتٍ لِذَلِكَ مَا جَاءَ فِي القُرءَانِ وَلَا فِي الحَدِيثِ وَصفُ اللهِ بِأَنَّهُ نَاطِقٌ إِنَّمَا وَرَدَ فِي القُرءَانِ وَالحََدِيثِ وَصفُ اللهِ بِالكَلَامِ.

    وعند علماء النحو

    قَالُوا: الكَلَامُ هُوَ اللَّفظُ المُرَكَّبُ المُفِيدُ بِالوََضعِ. 

     فَالكَلَامُ لَا يُشتَرَطُ أَن يَكُونَ بِحَرفٍ وَصَوتٍ إِلَّا إِذَا نَطَقتَ بِهَذَا الكَلَامِ فَعِندَئِذٍ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ نُطقُكَ بِالحَرفِ وَالصَّوتِ، أَمَّا كَلَامُ اللهِ لَا يَكُونُ حَرفًا وَلَا صَوتًا لِأَنَّ الحُرُوفَ وَالأَصوَاتَ مَخلُوقَةٌ وَالإِله الأَزَلِيُّ يَستَحِيلُ أَن تَقُومَ بِهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ لِأَنَّهُ هُوَ الخَالِقُ فَكَيفَ تَقُومُ بِهِ صِفَةٌ مَخلُوقَةٌ ثُمَّ مَا أَطلَقَهُ اللهُ عَلَى نَفسِهِ أَطلَقنَاهُ عَلَيهِ مَع تَنزِيهِهِ تَعَالَى عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ وَمَا لَم يُطلِقهُ لَم نُطلِقهُ عَلَيهِ واللهُ أَخبَرَ عَن نَفسِهِ بِأَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ وَهَذَا ثَابِتٌ لَهُ أَيضًا بِالعَقلِ وَمَا قَالَ عَن نَفسِهِ بِأَنَّهُ نَاطِقٌ أَو مُصَوِّتٌ وَهَذَا كُلُّهُ وَرَدَ فِي القُرءَانِ وَالأَحَادِيثِ.      

    الدليل العقلي على أن الله متكلم

    لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ أَبْكَمَ وَالْبَكَمُ نَقْصٌ وَالنَّقْصُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ الخَالِقُ وَالخَالِقُ صِفَاتُهُ كُلُّهَا كَامِلَةٌ.

    الدليل من القرءان على أن الله متكلم

    قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/164] أَيْ أَسْمَعَهُ كَلامَهُ الأَزَلِيَّ الأَبَدِيَّ فَفَهِمَ مِنْهُ مُوسَى مَا فَهِمَ، فَتَكْلِيمُ اللَّهِ أَزَلِيٌّ وَمُوسَى وَسَمَاعُهُ لِكَلامِ اللَّهِ حَادِثٌ، قَالَ الأَصمَعِيُّ وَالفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيد القَاسِمُ بنُ سلام وَغَيرُهُم مِن أَهلِ اللُّغَةِ: التَّأكِيدُ بِالمَصدَرِ يَدُلُّ عَلَى ارتِفَاعِ الوَاسِطَةِ أَي أَنَّ تَأكِيدَ الفِعلِ ﴿وَكَلَّمَ﴾ بِالمَصدَرِ ﴿تَكلِيمًا﴾ أَدَّى إِلى ارتِفَاعِ المَجَازِ فَسَمِعَ مُوسَى كَلَامَ اللهِ عَلَى الحَقِيقَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ يُقَالُ: كَلَّمَ اللهُ مُوسَى ﷺ بِكَلَامِهِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ فَسَمِعَهُ سَيِّدُنَا مُوسَى ﷺ بِأُذُنِهِ بَعدَ أَن رَفَعَ اللهُ عَنهُ الحِجَابَ المَعنَوِيَّ، وَلِذَلِكَ امتَنَّ اللهُ عَلَيهِ فِي قَولِهِ: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] فَلَولَا أَنَّهُ سَمِعَ كَلَامَهُ وَإِلَّا لَم يَكُن لِلتَّخصِيصِ فَائِدَةٌ.

    معنى قوله تعالى ﴿قُل لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَو جِئنَا بِمِثلِهِ مَدَدًا﴾ 

    كَلَامُ اللَّهِ لَيسَ شَيئًا لَهُ أَبعَاضٌ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كَلِمَٰتِ﴾ بِلَفظِ الجَمعِ لِلتَّعظِيمِ لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ لَهُ كَلَامًا مُتَجَزِّئًا فِي القُرءَانِ فِي مَوضِعٍ وَرَدَ ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ﴾ [سورة التوبة الآية:٤٠]. وَوَرَدَ: ﴿ كَلِمَٰتُ﴾، [سُورَةُ لُقمَانَ:٢٧]، بِلَفظِ الجَمع وَبِلَفِظِ الإِفرَادِ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ عَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمع وَبِلَفظِ الإِفرَادِ، ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾، [سُورَةُ الإِخلاص: ١]، هَذَا صَرِيحٌ فِي الإِفرَادِ، وَعَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ مُجُيِ ٱلْمَوْتَى﴾، [سُورَةُ يس:١٢ ]، وَهُوَ وَاحِدٌ، لَكِن عَبَّرَ عَن نَفسِهِ بِلَفظِ الجَمع وَهُوَ وَاحِدٌ لَيسَ جَمعًا، وَعَبَّرَ بِلَفظِ: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ وَهُوَ سُبحَانَهُ فَاعِلٌ وَاحِدٌ خَالِقٌ وَاحِدٌ، وَمِن أَوضَح الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الأَلفَاظَ المُنَزَّلَةَ عَلَى الأَنبِيَاءِ لَيسَت عَينَ كَلَامِ اللَّهِ الذَّاتِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَىَ: ﴿قُل لَوْكَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّي﴾ فَالكُتُبُ لسَّمَاوِيَّةُ هِيَ تُعَبِّرُ عَن كَلَامِ اللَّهِ الذَّاتِيِّ الأَزَليِّ، أَمَّا كَلَامُ اللَّهِ الأَزَليِّ فَلَيسَ حَرفًا وَلَيسَ صَوتًا وَلَيسَ لُغَةً، فَيُطلَقُ كَلَامُ اللَّهِ وَيُرَادُ بِهِ الكَلَامُ الأَزَليُّ الأَبَدِيُّ الَّذِي لَيسَ كَكَلَامِنَا، لَيسَ بِحَرفٍ وَلَيسَ بِصَوتٍ، وَيُطلَقُ وَيُرَادُ بِهِ اللَّفظُ المُنَزَّلُ عَلَى الأَنبِيَاءِ، فَهَذِهِ الكُتُبُ السَّمَاويَّةُ المُنَزَّلَةُ الأربَعَةُ وَغَيرُهَا لَو فَرَضنَا البَحرَ مِدَادًا لَنَفِدَت قَبلَ أَن يَنفَدَ البَحرُ، فَبَيَّنَتِ الآيَةُ أَنَّ المُرَادَ غَيرُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، بَل المُرَادُ الكَلَامُ الذَّاتِيُّ الَّذِي لَيسَ حَرفًا وَلَيس صَوتًا، وَإِذَا قِيلَ القُرءانُ كَلَامُ اللَّهِ نصَرَفَ المَعنَى إِلَى صِفَةِ الكَلَامِ للَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيرُ مَخلُوقٍ، وَأَمَّا لَفظَةُ ﴿كَلِمَتُ﴾ قَالَ البَيهَقِيُّ: جُمِعَت لِلتَّعظِيمِ، فَكَلَامُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَو كَانَ حَرْفًا وَصَوتًا لَكَانَ يُبِدَأُ ثُمَّ يُختَمُ، هَذِهِ الكُتُبُ الأَربَعَةُ وَبَقِيَّةُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ لَا يَنفَدُ البَحرُ دُونَ نَفَادِ هَذِهِ الحُرُوفِ، لَو فَرَضنَا أَنَّ البَحرَ مِدَادً فَكُتِبَت هَذِهِ لكُتُبُ المُنَزَّلَةُ بِهِ فَلَا بُدَّ أَن تَنقَضِيَ قَبلَ أَن يَنفَدَ البَحرُ، قَبلَ أَن يَنفَدَ هَذَا لمِدَادُ الَّذِي هُوَ البَحرُ، فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحُ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ عَنهُ ﴿لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّى﴾ لَيسَ هَذَا الكَلَامَ اللَّفظِيَّ لأَنَّ هَذَا يَنفَدُ، إِنَّمَا ذَلِكَ الكَلَامُ الَّذِي لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا فَكُتِبَ بِهِ يَنفَدُ البَحرُ وَلَو مُدَّ هَذَا البَحرُ بِمِثلِهِ إِلَى سَبعَةِ أَبحُرٍ أَو إِلَى أَكثَرَ مِن ذَلِكَ هُوَ الكَلَامُ الَّذَاتِيُّ، هَذَا دَلِيلً وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ كَلَامُهُ الذَّاتِيُّ شَيءٌ لَيسَ حَرفًا وَصَوتًا، لَيسَ شَيئًا يَبِدَأْ ثُمَّ يَنقَضِي ثُمَّ يَبدَأْ ثُمَّ يَنقَضِي كَمَا نَحنُ نَتَكَلَّمُ بِالقُرءانِ وَبِغَيرِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى الَّذِي يَجِبُ اتِّصَافُ اللهِ بِهِ عَقلًا وَنَقلًا هُوَ شَيءٌ غَيرُ هَذَا، وَأَمَّا هَذِهِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَهِيَ عِبَارَاتٌ عَن ذَلِكَ الكَلَامِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ الَّذِي لَا يَدخُلُهُ تَعَاقُبٌ أَوِ ابتِدَاءً ثُمَّ اختِتَامٌ وَانقِضَاءً.اهـ الأَسماءُ وَالصِفَاتُ، لأَبي بَكرٍ البَيهَقِي (ج١ ص٤٩٠_٤٦٧)، الاعتِقَادُ، لِأَبي بَكرِ البَيهَقِيّ (ص١١١-٩٤). 

    معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾

    مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا ءَايَاتٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/62] وَقَالُوا لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ كَخَلْقِهِ لَجَازَ عَلَيْهِ كُلُّ صِفَاتِ الْخَلْقِ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا مُحَالٌ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرَ حَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ كُلَّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُسْمِعُهُ كَلامَهُ وَيُحَاسِبُ مَنْ يُحَاسِبُهُ مِنْهُمْ بِهِ فَيَفْهَمُ الْعَبْدُ مِنْ كَلامِ اللَّهِ السُّؤَالَ عَنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ، وَيَنْتَهِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِسَابِهِمْ فِي سَاعَةٍ أَيْ وَقْتٍ قَصِيرٍ مِنْ مَوْقِفٍ مِنْ مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ، وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ كُلُّهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ.

       فَلَوْ كَانَ حِسَابُ اللَّهِ لِخَلْقِهِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ مَا كَانَ يَنْتَهِي مِنْ حِسَابِهِمْ فِي مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لِأَنَّ الْخَلْقَ كَثِيرٌ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَحْدَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْ مِائَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ كَوَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ، وَبَعْضُ الْجِنِّ يَعِيشُونَ ءَالافًا مِنَ السِّنِينَ، فَلَوْ كَانَ حِسَابُ الْخَلْقِ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَكَانَ إِبْلِيسُ وَحْدَهُ يَأْخُذُ حِسَابُهُ وَقْتًا كَثِيرًا لِأَنَّ إِبْلِيسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَاشَ مِائَةَ أَلْفِ سَنَةٍ وَلا يَمُوتُ إِلَّا يَوْمَ النَّفْخَةِ، وَحِسَابُ الْعِبَادِ لَيْسَ عَلَى الْقَوْلِ فَقَطْ بَلْ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ. وَكَذَلِكَ الإِنْسُ مِنْهُمْ مَنْ عَاشَ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ أَلْفًا وَزِيَادَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ مِئَاتٍ مِنَ السِّنِينَ فَلَوْ كَانَ حِسَابُهُمْ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَاسْتَغْرَقَ حِسَابُهُمْ زَمَانًا طَوِيلًا جِدًّا وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ بَلْ لَكَانَ أَبْطَأَ الْحَاسِبِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.

    والله تعالى أعلم وأحكم

    صفة الكلام لله تعالى

    صفة الكلام لله تعالى (الجزء الثاني)

    بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: كنّا قد…

    ربما يعجبك أيضا

    Total
    0
    Share