صفة الكلام لله تعالى (الجزء الثاني)

صفة الكلام لله تعالى

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

كنّا قد بينّا في المقال الأول أنّ صفات الله تعالى أزلية أبدية لا يلحقها تغيّر ، لأنّ التغيّر دليل الحدوث، وهو مستحيل في حقّ الخالق سبحانه. وبيّنّا أنّ كلام الله صفة أزلية أبدية قائمة بذاته، فكلامه سبحانه ليس بحرف ولا صوت ولا لغة٫ لا يتجزّأ ولا يطرأ عليه تقطّع ولا انفصال ولا تعاقب، ولا يشبه كلام المخلوقين بأي وجه من الوجوه. وفي هذا المقال الثاني نكمل كلامنا عن صفة الكلام في حق الله ونبسط الأدلة في هذا الموضوع.

الدليل من الحديث

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ وَلا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَكُلُّ مَا أَخبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المُغَيَّبَاتِ يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، فَمِن ذَلِكَ البَعثُ وَالحِسَابُ وَالحَشرُ وَوُقُوفُ النَّاسِ لَهُ وَهُوَ حَقٌّ حَاصِلٌ بِلَا رَيبٍ وَيَكُونُ الحِسَابُ بَعدَ خُرُوجِ النَّاسِ مِن قُبُورِهِم وَحَشرِهِم إِلى المَوقِفِ بِتَكلِيمِ اللهِ لِلعِبَادِ جَمِيعِهِم مُؤمِنِهِم وَكَافِرِهِم يَسمَعُونَ كلامَ اللهِ الذَّاتِيَّ الَّذِي لَا يُشبِهُ كَلَامَ المَخلُوقِينَ فَيَفهَمُونَ مِنهُ السُّؤالَ عَمَّا فَعَلُوا بِالنِّعَمِ الَّتِي أَعطَاهُمُ اللهُ إِيَّاهَا وَهَذَا المَوقِفُ الَّذِي يَقِفُه العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ وَيَسمَعُ فِيهِ كَلَامَ اللهِ لَيسَ هُوَ كَوُقُوفِ إِنسَانٍ أَمَامَ مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ بَأَن يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَينَ ذَلِكَ الْمَلِكِ مَسَافَةٌ وَمُقَابَلَةٌ بِجَهةٍ، بَل وُقُوفُ العَبدِ بَينَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ لَيسَ بِحُصُولِ كَيفِيَّةٍ للهِ وَلَا هَيئَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عُلُيهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ عَن أَبِي هُرَيرَةَ مَرفُوعًا: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِم» فَمْعَنَى «وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِم» أَنَّهُ لَا يُكْرِمُهُم بَل يُهِينُهُم، ومَعْنَى «لَا يُكَلِّمُهُم» أنََّهُم لَا يَفْرَحُونَ حِينَ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ كَمَا يَفرَحُ الأَتقِيَاءُ، أَمَّا سَمَاعُ كَلَامِهِ تَعَالَى فَهُوَ حَاصِلٌ لِأُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ وَلِغَيرِهِم مِنَ المُؤمِنِينَ وَالكَافِرِينَ، فَالَّذِينَ يَسمَعُونَ كَلَامَ اللهِ حَالَ كَونِهِم مَرضِيِّينَ عِندَ اللهِ مَقبُولِينَ لَدَيهِ فَإِنَّهُ يَحصُلُ لَهُم مِن الفَرَحِ وَالسُّرُورِ مَا لَا يُوصَفُ، وَأَمَّا الكُفَّارُ فَإِنَّهُم لَا يَشعُرُونَ بِأَمْنٍ بَل يُصِيبُهُم خَوفٌ عَظِيمٌ وَقَلَقٌ مَتِينٌ لَا يُوصَفُ، وَأَمَّا بَعضُ عُصَاةِ المُسلِمِينَ أَهلِ الكَبَائِرِ فَإِنَّهُم يَكُونُونَ فِي حَالَةٍ بَينَ هَؤُلَاءِ وَبَينَ هَؤُلَاءِ.  

ما حكم الأحاديث التي فيها نسبة الصوت لله تعالى

    إِنَّ اللَّهَ مَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالنُّطْقِ إِنَّمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْكَلامِ أَيْ بِأَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ فَلَوْ كَانَ كَلامُ اللَّهِ نُطْقًا لَجَاءَتْ بِذَلِكَ ءَايَةٌ مِنَ الْقُرْءَانِ. وَالْمَوْجُودُ فِي الْقُرْءَانِ الْكَلامُ وَالْقَوْلُ وَهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى قَائِمٍ بِذَاتِ اللَّهِ أَيْ ثَابِتٍ لَهُ مَعْنَاهُ الذِّكْرُ وَالإِخْبَارُ وَلَيْسَ نُطْقًا بِالْحُرُوفِ وَالصَّوْتِ. وَقَدْ أَلَّفَ الْحَافِظُ أَبُو الْمَكَارِمِ الْمَقْدِسِيُّ جُزْءًا فِي تَضْعِيفِ أَحَادِيثِ الصَّوْتِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ، وَالْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لا يَصِحُّ حَدِيثٌ فِي نِسْبَةِ الصَّوْتِ إِلَى اللَّهِ. 

   وَأَمَّا مَا فِي كِتَابِ فَتْحِ الْبَارِي فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنَ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ أَحَادِيثِ الصَّوْتِ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَهُوَ نَفْسُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ذَكَرَ خِلافَ مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ إِثْبَاتِ الصَّوْتِ قَالَ إِنَّهُ صَوْتٌ قَدِيمٌ وَلَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي تَقُولُهُ الْمُشَبِّهَةُ إِنَّهٌ صَوْتٌ حَادِثٌ يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا يَتَخَلَّلُهُ سُكُوتٌ كَمَا قَالَ الْمُشَبِّهَةُ إِنَّ كَلامَهُ تَعَالَى قَدِيمُ النَّوْعِ حَادِثُ الأَفْرَادِ، وَمِثْلَ ذَلِكَ قَالُوا فِي إِرَادَةِ اللَّهِ وَكِلا الأَمْرَيْنِ بَاطِلٌ. وَالْحَافِظُ ابن حجر لا يَعْتَقِدُ قِيَامَ الْحَادِثِ أي المَخلُوقِ بِذَاتِ اللَّهِ، فَشَرْحُهُ هَذَا مَشْحُونٌ بِذِكْرِ نَفْيِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ يُؤَوِّلُ الأَحَادِيثَ الَّتِي ظَاهِرُهَا قِيَامُ صِفَةٍ حَادِثَةٍ بِذَاتِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ.

   ثُمَّ إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ مُخَالِفٌ لِمُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ الأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ فَلْيُحْذَرْ. وَلا حُجَّةَ لِلْمُشَبِّهَةِ الصَّوْتِيَّةِ فِيمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَ عَزْرَائِيلُ أَرْوَاحَ الْخَلْقِ وَالْمَلائِكَةِ فَيَقْبِضُ اللَّهُ رُوحَ عَزْرَائِيلَ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، لِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. يُقَالُ لَهُمْ أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ هَذِهِ الْحُرُوفِ فَهِيَ مُحْدَثَةٌ أَحْدَثَهَا هُوَ فَكَيْفَ يَتَّصِفُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مُحْدَثٍ بَلْ قَوْلُهُمْ فِيهِ نِسْبَةُ الْحُدُوثِ إِلَى ذَاتِ اللَّهِ لِأَنَّ مَا يَتَّصِفُ بِالْحَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْءَانِ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِهِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ فَالْكَلامُ الأَزَلِيُّ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الْمَاضِي وَبِلَفْظِ الْمُضَارِعِ وَبِلْفَظِ الأَمْرِ فَكَلامُ اللَّهِ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ وَلا مُتَبَعِّضٍ كَمَا أَنَّ حَيَاتَهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ لا تَتَجَزَّأُ وَلا يَتَخَلَّلُهَا انْقِطَاعٌ.

   وَأَحْسَنُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ الإِسْنَادُ مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ الْبَعْث ص26 قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بنُ يَحْيَى بنِ كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بنُ أَخْضَر عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:« يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ الصَّيْحَةِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ – وَمَدَّ بِهَا التَّيْمِيُّ صَوْتَهُ – قَالَ فَيَسْمَعُهُ الأَحْيَاءُ وَالأَمْوَاتُ وَيَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ». أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الدَّيْلَمِيُّ فِي فِرْدَوْسِ الأَخْبَارِ وَعَزَاهُ السُّيُوطِيُّ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْبَعْثِ وَعَزَاهُ لِعَبْدِ بنِ حُمَيْدٍ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَهَذَا سَالِمٌ مِنْ نِسْبَةِ النُّطْقِ بِالصَّوْتِ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ عَقِيدَةُ أَهْلِ التَّنْزِيهِ وَهُمْ أَهْلُ الإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ، يُثْبِتُونَ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ وَمَا أَثْبَتَهُ لَهُ نَبِيُّهُ مَعَ تَجَنُّبِ حَمْلِ النُّصُوصِ عَلَى ظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهِ بَلْ يَعْتَقِدُونَ لِلْمُتَشَابِهِ مَعَانِيَ تَلِيقُ بِاللَّهِ لَيْسَ فِيهَا إِثْبَاتُ صِفَةٍ حَادِثَةٍ لِلَّهِ كَمَا أَنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ ذَاتَهُ عَنِ الْحَجْمِيَّةِ وَالْجِسْمِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لا يُلْتَفَتَ إِلَى مَا يُذْكَرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَقُولُ بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ سِوَى الْجِنِّ وَالْمَلائِكَةِ مُجِيبًا لِنَفْسِهِ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِ الْمُطَالِعِ أَنَّ اللَّهَ يَنْطِقُ بِالصَّوْتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهَذَا مِمَّا لا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ.

ما حكم من قال إن الله يتكلم بالحرف واللغة والصوت

   المُشَبِّهَةُ الَّذِينَ شَبَّهُوا اللهَ بِخَلقِهِ قَالُوا إِنَّ كَلامَ اللَّهِ حُرُوفٌ مُتَعَاقِبَةٌ يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَتَخَلَّلُهُ سُكُوتٌ، فَجَعَلُوا اللَّهَ تَعَالَى مُتَّصِفًا بِصِفَةٍ حَادِثَةٍ، نَسَبُوا الْحُدُوثَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ مَنْ يَقُومُ بِهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ فَهُوَ حَادِثٌ فَكَفَرُوا بِاللهِ العَظِيمِ وَإِن قَالُوا يَتَكَلَّمُ بِصَوتٍ لَا كَأَصوَاتِنَا، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ صِفَةَ اللَّهِ حَادِثَةٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ أَوْ تَوَقَّفَ اهـ وَذَلِكَ فِي إِحْدَى رَسَائِلِهِ الْخَمْسِ الَّتِي هِيَ صَحِيحَةُ النِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ الْمُحَدِّثُ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ وَذَلِكَ فِي شَرْحِهِ عَلَى إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ فِي أَوَائِلِ الْجُزْءِ الثَّانِي، قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ اخْتِلافِ النَّاسِ فِي نِسْبَتِهَا إِلَيْهِ. وَهَذَا دَلِيلُ فَسَادِ فَهمِهِم وَفَسَادِ عَقْلِهِم. وَلا مَعْنَى لِقَوْلِ إِنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ لا كَأَصْوَاتِنَا.

  معنى الآية: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

   مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اللَّهَ يُوجِدُ الأَشْيَاءَ بِدُونِ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ وَبِدُونِ مُمَانَعَةِ أَحَدٍ لَهُ، أَيْ أَنَّهُ يَخْلُقُ الأَشْيَاءَ الَّتِي شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهَا بِسُرْعَةٍ بِلا تَأَخُّرٍ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَ وُجُودَهَا فِيهِ، فَمَعْنَى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَدُلُّ عَلَى سُرْعَةِ الإِيْجَادِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كُلَّمَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيءٍ يَقُولُ كُنْ كُنْ كُنْ وَإِلَّا لَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ كُلَّ الْوَقْتِ يَقُولُ كُنْ كُنْ كُنْ وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُ فِي اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ.

   ثُمَّ (كُنْ) لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَاللَّهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا وَقَبْلَ أَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِن قِيلَ اللهُ يَتَكلَّمُ بِلُغَةٍ وَحَرفٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سَاكِتًا قَبْلُ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْبَشَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لَوْ كَانَ يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ أَنَّ يَتَكَلَّمَ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَجَازَ عَلَيْهِ كُلُّ الأَعْرَاضِ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْبُرُودَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَالأَلْوَانِ وَالرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا مُحَالٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ بَعْضَ الْعَالَمِ مُتَحَرِّكًا دَائِمًا كَالنُّجُومِ وَخَلَقَ بَعْضَ الْعَالَمِ سَاكِنًا دَائِمًا كَالسَّمَوَاتِ، وَخَلَقَ بَعْضَ الْعَالَمِ مُتَحَرِّكًا فِي وَقْتِ وَسَاكِنًا فِي وَقْتٍ وَهُمُ الإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلائِكَةُ وَالرِّيَاحُ وَالنُّورُ وَالظَّلامُ وَالظِّلالُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَالِمِ كُلِّهَا.

   وَأَمَّا مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْمُجَسِّمَةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يَنْطِقُ بِالْكَافِ وَالنُّونِ عِنْدَ خَلْقِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَخْلُوقَاتِ فَهُوَ سَفَهٌ لا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا قَبْلَ إِيْجَادِ الْمَخْلُوقِ يَنْطِقُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْ كَافٍ وَنُونٍ فَيَكُونُ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ، وَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ إِيْجَادِ الشَّيْءِ فَلا مَعْنَى لإِيْجَادِ الْمَوْجُودِ.

   وَأَمَّا التَّفْسِيرُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الْمُجَسِّمَةِ بَشَاعَةٌ كَبِيرَةٌ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يَتَفَرَّغُ مِنَ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ كُنْ وَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ إِلَّا ذَلِكَ، لِأَنَّهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ يَخْلُقُ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ. فَكَيْفَ يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَذَا الْحَرْفِ. كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَنْطِقَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكَافِ وَالنُّونِ بِعَدَدِ كُلِّ مَخْلُوقٍ يَخْلُقُهُ فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَيْسَ لَهُ كَلامٌ إِلَّا الْكَافُ وَالنُّونُ. فَمَا أَبْشَعَ هَذَا الِاعْتِقَادَ الْمُؤَدِّي إِلَى هَذِهِ الْبَشَاعَةِ. 

   ثُمَّ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ بِلَفْظِ كُنْ الَّذِي هُوَ لَفْظٌ مَرَكَّبٌ مِنْ حَرْفَيْنِ خَلْقُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ وَهَذَا مُحَالٌ، إِنَّمَا يَخْلُقُ اللَّهُ الْمَخْلُوقَاتِ بِقُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ وَمَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ الْقَدِيمِ.

الرد على من نفى صفة من صفات الله ولا سيما صفة الكلام

المُعتَزِلَةُ وَهُم فِرقَةٌ يَنفُونَ صِفَاتِ اللهِ عَنهُ وَيَنفُونَ صِفَةَ الكَلَامِ النَّفسِيِّ الصِّفَةَ القَائِمَةَ بِذَاتِ اللهِ مَعَ كُلِّ مَا وَرَدَ فِي القُرءَانِ وَالحَدِيثِ وَدَلِيلِ العَقلِ عَلَى إِثبَاتِ أَنَّ اللهَ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَلَا لُغَةً وَأَنَّهُ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، فَقَالُوا اللهُ مُتَكَلِّمٌ بِمَعنَى أَنَّهُ خَالِقُ الكَلَامِ في غَيرَهَ فَلَا نَنفِي أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِمعنَى خَالِقِ الكَلَامِ فِي غَيرِهِ، وَسَيِّدُنَا مُوسَى سَمِعَ كَلامًا اللهُ خَلَقَهُ فِي شَجَرَةٍ وَهَذَا بَاطِلٌ إِذ لَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ الكَلَامُ قَائِمًا بِغَيرِهِ ثُمَّ يَكُونَ هُوَ مُتَكَلِّمًا بِهِ دُونَ ذَلِكَ الغَيرِ فَلَا يَصِحُّ أَن أَتَكَلَّمَ بِكَلَامً ثُمَّ يَكُونَ غَيرِي مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامِي قَائِمٌ بِذَلِكَ الغَيرِ فَالمُتَكَلِّمُ عَلَى الحَقِيقَةِ العَقلِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ وَالشَّرعِيَّةِ هُوَ مَن قَامَ الكَلَامُ بِهِ، فَيَلزَمُ المُعتَزِلَةُ إِذَا قَالُوا ذَلِكَ إِنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَم يَسمَع كَلَامَ اللهِ الذَّاتِيِّ بَل سَمِعَ كَلَامًا مَخلُوقًا فِي شَجَرَةٍ وَ تَكُونُ الشَّجَرَةُ قَد كَلَّمَت سَيِّدَنَا مُوسَى وَقَالَت إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إلهَ إِلَّا أَنَا وَلَا يَصِحُّ إِذَا قَامَ الكَلَامُ بِالشَّجَرَةِ أَن يُقَالَ هَذَا لَيسَ كَلَامَهَا مِمَّا يَقطَعُ بِفَسَادِهِ كَيفَ وَقَد أَسنَدَ اللهُ تَعَالَى الكَلَامَ إِلَى نَفسِهِ وَأَكَّدَهُ بِالمَصدَرِ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكلِيمًا﴾[سورة النساء الآية:١٦٤] فَثَبَتَ أَنَّ اللهَ كَلَّمَهُ علََى الحَقِيقَةِ.  

القرءان يطلق على شيئين فما هما هذان الشيئان؟

كَلِمَةُ القُرآنِ تُطلَقُ عَلَى شَيئَينِ: يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى الْكَلامِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ هُوَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ وَلا لُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَلا غَيْرِهَا. فَإِنْ قُصِدَ بِالقُرءَانِ الْكَلامُ الذَّاتِيُّ فَهُوَ أَزَلِيٌّ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ، وَإِنْ قُصِدَ بِهِ وَبِسَائِرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ فَمِنْهُ مَا هُوَ بِاللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ وَمِنْهُ مَا هُوَ بِاللُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ وَهَذِهِ اللُّغَاتُ وَغَيْرُهَا مِنَ اللُّغَاتِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي الأَزَلِ فَخَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَصَارَتْ مَوْجُودَةً وَاللَّهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَىْءٍ، وَكَانَ مُتَكَلِّمًا قَبْلَهَا وَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَكَلامُهُ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ وَهُوَ كَلامٌ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَهَذِهِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ كُلُّهَا عِبَارَاتٌ عَنْ ذَلِكَ الْكَلامِ الذَّاتِيِّ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْعِبَارَةِ حَادِثَةً كَوْنُ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ حَادِثًا. إِذَا كَتَبْنَا عَلَى لَوْحٍ أَوْ جِدَارٍ (اللَّه) فَقِيلَ هَذَا اللَّهُ فَهَلْ مَعْنَى هَذَا أَنَّ أَشْكَالَ الْحُرُوفِ الْمَرْسُومَةَ هِيَ ذَاتُ اللَّهِ لا يَتَوَهَّمُ هَذَا عَاقِلٌ إِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ عِبَارَةٌ عَنِ الإِلَهِ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ مَعْبُودٌ خَالِقٌ لِكُلِّ شَىْءٍ وَمَعَ هَذَا لا يُقَالُ الْقُرْءَانُ مَخْلُوقٌ لَكِنْ يُبَيَّنُ فِي مَقَامِ التَّعْلِيمِ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ لَيْسَ قَائِمًا بِذَاتِ اللَّهِ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ لِأَنَّهُ حُرُوفٌ يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا دَالَّةٌ عَلَى كَلَََامِ اللهِ الأَزَلِيِّ القَائِمِ بِهِ فَهَذِهِ الحُرُوفُ مَخلُوقَةٌ قَطعًا وَمَع ذَلِكَ يَحرُمُ التَّلَفُظُّ بِعِبَارَةِ الْقُرْءَانُ مَخْلُوقٌ. 

 فَالْقُرْءَانُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ عَلََى الحَقِيقَةِ الْكَلامُ الذَّاتِيُّ الَّذِي هُوَ مَعْنًى أَيْ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّه الَّذِي لا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ، وَلا بِأَنَّهُ عِبْرانِيٌّ، وَلا بِأَنَّهُ سُرْيَانِيٌّ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ عَلََى الحَقِيقَةِ الشَّرعِيَّةِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ. 

 فَاللَّفْظُ إِذَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ لِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى فَإِذَا اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ يُقَالُ لَهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وَإِنْ نُقِلَ إِلَى مَعْنًى ءَاخَرَ فَذَلِكَ الْمَعْنَى الآخَرُ مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا اللَّفْظِ.

   وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّ حَمَلَةَ الشَّرْعِ أَحْيَانًا يَسْتَعْمِلُونَ تِلْكَ الْكَلِمَةَ فِي مَعْنًى مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمُ اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، فَهَذَا الإِطْلاقُ الَّذِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ يُقَالُ لَهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ بِحَيْثُ إِذَا أُطْلِقَ هَذَا اللَّفْظُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَعَارَفَهُ حَمَلَةُ الشَّرْعِ. 

   وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ فَالْمُرَادُ بِهَا فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ، مِثَالُ ذَلِكَ كَلِمَةُ الدَّابَّةِ فِي الأَصْلِ مَعْنَاهَا كُلُّ مَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ إِنْسَانٍ وَبَهَائِمَ وَحَشَرَاتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ النَّاسُ جَعَلُوهُ لِلْحِمَارِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَعَلَى الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَعْنَاهَا الْحِمَارُ وَشِبْهُ ذَلِكَ.

إثبات أن هذين الإطلاقين من القرآن الكريم

قَالَ تَعَالَى ﴿قُل لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَو جِئنَا بِمِثلِهِ مَدَدًا﴾ [ سورة الكهف الآية:١٠٩] فَالكَلَامُ هُنَا يَدُلُّ عَلَى الكَلَامِ الأَزَلِيِّ الأَبَدِيِّ الَّذِي لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا لَا يُبتَدَأُ وَلَا يُختَتَمُ لَيسَ لُغَةً وَلَا حُرُوفًا مُتََعَاقِبَةً وَجَمعُهَا هُنَا للِتَّعظِيمِ.  

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [سُورَةَ الْفَتْح/15] فَالْكُفَّارُ يُرِيدُونَ تَبْدِيلَ اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ لا الصِّفَةَ الذَّاتِيَّةَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ أَنْ يُغَيِّرُوا صِفَةَ اللَّهِ الذَّاتِيَّةَ كَالْكَلامِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجِرهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾[سورة التوبة الآية:٦] المراد بكلام الله هنا اللفظ المنزل ليس قائما بذات الله إنما هو دال على كلام الله الذاتي لأن الفظ المنزل الذي بين أيديناوَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ [سُورَةَ الْقِيَامَة الآية:١٨] أَيْ إِذَا جَمَعْنَاهُ فِي صَدْرِكَ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ أَيِ اعْمَلْ بِهِ، وَيُقَالُ قَرَأْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ.

القرآن الكريم ليس من تأليف ملك

جِبْرِيلُ وَجَدَ اللَّفظَ الَّذِي أُنزِلَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ مَكْتُوبًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَأَنْزَلَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ لا مَكْتُوبًا فِي صُحُفٍ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيْمٍ﴾ [سُورَةَ التَّكْوِيرالآية:١٩] أَيْ مَقْرُوءُ جِبْرِيلَ فَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ الذَّاتِيِّ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيْمٍ﴾ [سُورَةَ التَّكْوِيرالآية:١٩] أَيْ جِبْرِيلَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الْمُرَادُ بِالرَّسُولِ الْكَرِيْمِ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ صَوْتًا بِهَيْئَةِ أَلْفَاظِ الْقُرْءَانِ فَسَمِعَهُ جِبْرِيلُ فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ، قَالَهُ الْقَوْنَوِيُّ شَارِحُ الطَّحَاوِيَّةِ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْرَإِ الْقُرْءَانَ عَلَى جِبْرِيلَ كَمَا قَرَأَهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَرَأَهُ مُحَمَّدٌ عَلَى صَحَابَتِهِ بِالحَرفِ وَاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَالصَّوتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيْمٍ﴾ [سُورَةَ الْحَاقَّة الآية:١٨] فَلَوْ كَانَ الْقُرْءَانُ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ لَمْ يَقُلْ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيْمٍ﴾ أَيْ جِبْرِيلَ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ بل لقال إنه لقول رب العالمين ، فَالآيَةُ صَرِيْحَةٌ فِي أَنَّ الْقُرْءَانَ هُنَا بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ. 

وَكَثِيرًا مَا يُضِيفُونَ إِلَى القُرءَانِ عِبَارَةَ مَسمُوعٌ بِآذَانِنَا مَقرُوءٌ بِأَلسِنَتِنَا مَحفُوظٌ بِقُلُوبِنَا وَالَّذِي يُرِيدُونَهُ بِذَلِكَ أَنَّ القُرءَانَ بِمَعنَى القَولِ أَي أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ غَيرُ مَخلُوقٍ وَهُوَ بِمَعنَى اللَّفظِ المُنَزَّلِ المُعَبِّرِ عَنِ الكَلَامِ الذَّاتِيِّ الدَّالِّ عَلَى مَعَانِيهِ مَسمُوعٌ لَنَا وَمَقرُوءٌ وَمَحفُوظٌ مِن غَيرِ أَن يَكُونَ ذَلِكَ عَينَ صِفَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِلَّا لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى القَولِ بِحُلُولِ صِفَةِ الخَالِقِ فِينَا وَهَذَا مَمنُوعٌ لَم يَقُل بِهِ أَحَدٌ مِن أَهلِ السُّنَّةِ فَإِنَّ كَلَامَ اللهِ وَاحِدٌ قَدِيمٌ لَا يَتَجَزَّأُ  وَلَيسَ مُرَكَّبًا مِن أَجزَاءٍ لَا تَقدِيمَ وَلَا تَأخِيرَ فِيهِ وَلَا يُبتَدَأُ وَلَا يُختَتَمُ لَيسَ بِحُرُوفٍ مُتَعَاقِبَةٍ وَلَا أَصوَاتٍ وَلَا لُغَةٍ فَهَذِهِ كُلُّهَا مَخلُوقَةٌ وَاللهُ كَانَ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ وَكَانَ مُتَكَلِّمًا قَبلَهَا وَلَم يَزَل مُتَكَلِّمًا لِذَلِكَ لَا يَقبَلُ العَقلُ أَن يَكُونَ كَلَامُهُ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ القَدِيمَةُ الأَزَلِيَّةُ بِلُغَةٍ أَو حَرفٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَخلُوقَةٌ حَادِثَةٌ فَاللهُ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَللهِ المَثَلُ الأَعلَى﴾[سورة النحل الآية:٦٠] وَقَالَ:﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾[سورة الشورى الآية:١١] فَلَا يُشبِهُ شَيئًا مِن مَخلُوقَاتِهِ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ

ما حصل مع الإمام أحمد أيام الخليفة المأمون والمعتصم في مسألة كلام الله

 قَالَ الرَّبِيْعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: إِنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَىْ مِصْرَ فَقَالَ لِيْ: يَا رَبِيْعُ خُذْ كِتَابِيْ هَذَا فَامْضِ بِهِ وَسَلِّمْهُ إِلَىْ أَبِيْ عَبْد ِاللهِ وَائْتِنِيْ بِالْجَوَابِ. قَالَ الرَّبِيْعُ: فَدَخَلْتُ بَغْدَادَ وَمَعِيْ الْكِتَابُ فَصَادَفْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِيْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنَ الْمِحْرَابِ سَلَّمْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ وَقُلْتُ: هَذَا كِتَابُ أَخِيْكَ الشَّافِعِيِّ مِنْ مِصْرَ. فَقَالَ لِيْ أَحْمَدُ: نَظَرْتَ فِيْهِ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَكَسَرَ الْخَتْمَ وَقَرَأَ وَتَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْشٍ فِيْهِ أَبَا عَبْدِ الله؟ فَقَالَ: يَذْكُرُ فِيْهِ أَنَّهُ رَأَىْ النَّبِيَّ ﷺ فِيْ النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ إِلَىْ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ فَاقْرَأْ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ إِنَّكَ سَتُمْتَحَنُ وَتُدْعَىْ إِلَىْ خَلْقِ الْقُرْآنِ فَلَا تُجِبْهُمْ فَيَرْفَعُ اللهُ لَكَ عِلْمًا إِلَىْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ الرَّبِيْعُ: فَقُلْتُ لَهُ الْبِشَارَةَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ.

فحصلت فِتْنَةٌ شَدِيْدَةٌ فَي أيامه بالقول بخَلْقِ الْقُرْآنِ فَأَرَادَ بَعْضُ الشَّاذِّيْنَ وَالَّذِيْنَ يُرِيْدُوْنَ أَنْ يُبَدِّلُوا دِيْنَ اللهِ أَنْ يَقُوْلُوْا عَنْ صِفَةِ الْكَلَامِ للهِ إِنَّهَا مَخْلُوْقَةٌ، وَهَذَا كَلَامٌ خَطِيْرٌ فِيْهِ نِسْبَةُ الْحُدُوْثِ لِلْخَالِقِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَىْ. وَالَّذِيْ حَصَلَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ عُذِّبَ حَتَّىْ يَقُوْلَ الْقُرْءانُ مَخْلُوْقٌ وَمَا قَالَ، مَا تَزَحْزَحَ عَنْ عَقِيْدَتِهِ. 

قَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ صِفَاتِ اللهِ مَخْلُوْقَةٌ فَقَدْ كَفَرَ. وحُمِلَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِبَغْدَادَ فَأُنْزِلَ فِيْ دَارٍ حُبِسَ فِيْهَا، وَفِي الصَّبَاحِ جَاءَ الْمُعْتَزِلَةُ لِيُنَاظِرُوْهُ وَكَانَ الْخَلِيْفَةُ الْمُعْتَصِمُ مَعَهُمْ، قَالَ أَحْمَدُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ جَاءَنِيْ الرَّسُوْلُ فَأَخَذَ بِيَدِيْ فَأَدْخَلَنِيْ الدَّارَ وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَابْنُ أَبِيْ دُؤَادٍ حَاضِرٌ قَدْ جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَالدَّارُ غَاصَّةٌ بِأَهْلِهَا، فَلَمَّا دَنَوْتُ سَلَّمْتُ، فَقَالَ لِيْ: ادْنُ فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيْنِيْ حَتَّىْ قَرُبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: اجْلِسْ فَجَلَسْتُ وَقَدْ أَثْقَلَتْنِيْ الْأَقْيَادُ، فَقُلْتُ: إِلَامَ دَعَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنَّ جَدَّكَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَحْكِي أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَىْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْإِيْمَانِ بِاللهِ قَالَ: «أَتَدْرُوْنَ مَا الْإِيْمَانُ بِاللهِ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْغُنْمِ»، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَىْ بَعْضِ حَاشِيَتِهِ وَقَالَ: أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تَرْفَعَ الْمِحْنَةَ؟ قَالَ أَحْمَدُ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اللهُ أَكْبَرُ إِنَّ فِي هَذَا فَرَجًا لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ: نَاظِرُوْهُ وَكَلِّمُوْهُ ثُمَّ قَالَ لِبَعْضِ حَاشِيَتِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَلِّمْهُ، فَقَالَ لِيْ: مَا تَقُوْلُ فِيْ الْقُرْآنِ قُلت: مَا تَقُوْلُ فِيْ عِلْمِ اللهِ؟ فَسَكَتَ. فَقَالَ ابْنُ أَبِيْ دُؤَادٍ: هُوَ وَاللهِ يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِينَ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ وَهَؤُلَاءِ قُضَاتُكَ وَالْفُقَهَاءُ فَسَلْهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَقُولُوْنَ فِيْهِ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ هُوَ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَلَيْسَ قَالَ تعالى: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} قُلْتُ: قَدْ قَالَ: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} فَدَمَّرَتْ إِلَّا مَا أَرَادَ اللهُ. قَالَ أَحْمَدُ: فَكَانَ إِذَا انْقَطَعَ الرَّجُلُ مِنْهُمُ اعْتَرَضَ ابْنُ أَبِيْ دُؤَادٍ فَتَكَلَّمَ.

ثُمَّ وُجِّهَ إِلَيَّ بِرَجُلَيْنِ يُنَاظِرَانِيْ وَأَقَامَا طَوِيْلًا وَفِيْ خِلَالِ ذَلِكَ يَجِيْءُ ابْنُ أَبِيْ دُؤَادٍ فَيَقُوْلُ لِيْ: يَا أَحْمَدُ يَقُوْلُ لَكَ أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ مَا تَقُوْلُ؟ فَأَقُوْلُ لَهُ: أَعْطُوْنِي شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ سُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ حَتَّىْ أَقُوْلَ بِهِ، فَقَالَ لِي ابْنُ أَبِيْ دُؤَادٍ: إِنَّهُ وَاللهِ لَيْسَ السَّيْفُ إِنَّهُ ضَرْبٌ بَعْدَ ضَرْبٍ، ثُمَّ يَقُوْلُ لِي: مَا تَقُوْلُ، فَأَرُدُّ عَلَيْهِ نَحْوًا مِمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيْ أُدْخِلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: نَاظِرُوْهُ وَكَلِّمُوْهُ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَتَكَلَّمُوْنَ هَذَا مِنْ هَاهُنَا وَهَذَا مِنْ هَاهُنَا فَأَرُدُّ عَلَى هَذَا وَهَذَا، فَإِذَا هُمْ قَدْ جَاءُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا سُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَلَا فِيْهِ خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ. وَحُمِلَ أَحْمَدُ إِلَىْ السِّجْنِ مَرَّةً أُخْرَىْ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أُدْخِلْتُ عَلَيْهِ وَالْقَوْمُ حُضُوْرٌ، فَجَعَلْتُ أَدْخَلُ مِنْ دَارٍ إِلَىْ دَارٍ، وَقَوْمٌ مَعَهُمُ السُّيُوْفُ وَقَوْمٌ مَعَهُمُ السِّيَاطُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الزِّيِّ وَالسِّلَاحِ، وَقَدْ حُشِيَتِ الدَّارُ بِالْجُنْدِ، حَتَّىْ إِذَا صِرْتُ إِلَيْهِ قَالَ: نَاظِرُوْهُ وَكَلِّمُوْهُ، فَعَادُوْا لِمِثْلِ مُنَاظَرَتِهِمْ، فَدَارَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ كَلَامٌ كَثِيْرٌ. 

ثُمَّ شُدَّ أَحْمَدُ بَيْنَ خَشَبَتَيْنِ وَشُدَّتْ يَدُهُ حَتَّىْ انْخَلَعَ كَتِفُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُمْ يَجْلِدُوْهُ، قَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: وَلَمْ يَزَلْ أَبِيْ رَحِمَهُ اللهُ يَتَوَجَّعُ مِنْهَا مِنَ الرُّسْغِ إِلَىْ أَنْ تُوُفِّيَ، قَالَ الْخَلِيْفَةُ الْمُعْتَصِمُ لِلْجَلَّادِيْنَ تَقَدَّمُوْا فَنَظَرَ إِلَى السِّيَاطِ فَقَالَ: ائْتُوا بِغَيْرِهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمَ فَضَرَبَنِيْ سَوْطَيْنِ ثُمَّ تَنَحَّىْ فَلَمْ يَزَلْ يَدْعُو وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَيَضْرِبُنِيْ سَوْطَيْنِ وَيَتَنَحَّىْ، ثُمَّ قَامَ حَتَّىْ جَاءَنِي وَهُمْ مُحْدِقُوْنَ بِهِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَحْمَدُ تَقْتُلُ نَفْسكَ، وَيْحَكَ أَجِبْنِيْ حَتَّىْ أُطْلِقَ عَنْكَ بِيَدِيْ. قَالَ أَحْمَدُ: فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُوْلُ لِيْ: وَيْحَكَ إِمَامُكَ عَلَىْ رَأْسِكَ قَائِمٌ تُرِيْدُ أَنْ تَغْلِبَ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ، ثُمَّ يَقُوْلُ بَعْضُهُمْ: يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ دَمُهُ فِيْ عُنُقِيْ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ عَلَى الْكُرْسِيِّ ثُمَّ قَالَ لِلْجَلَّادِ: أَدْنِهِ ولَمْ يَزَلْ يَدْعُوْ بِجَلَّادٍ بَعْدَ جَلَّادٍ فَيَضْرِبُنِيْ سَوْطَيْنِ وَيَتَنَحَّىْ وَهُوَ يَقُوْلُ لَهُ شُدَّ قَطَعَ اللهُ يَدَكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِأَحْمَدَ: مَنْ صَنَعَ بِنَفْسِهِ مِنْ أَصْحَابِكَ فِيْ هَذَا الْأَمْرِ مَا صَنَعْتَ؟ هَذَا يَحْيَى بْنُ مَعِيْنٍ وَهَذَا أَبُوْ خَيْثَمَةَ، وَجَعَلَ يُعَدِّدُ عَلَيَّ مَنْ أَجَابَ وَجَعَلَ هُوَ يَقُولُ: وَيْحَكَ أَجِبْنِي قَالَ أَحْمَدُ: فَجَعَلْتُ أَقُوْلُ نَحْوًا مِمَّا كُنْتُ أَقُوْلُ لَهُمْ، قَالَ: فَرَجَعَ فَجَلَسَ ثُمَّ جَعَلَ يَقُوْلُ لِلْجَلَّادِ: شُدَّ، قَالَ أَحْمَدُ: فَذَهَبَ عَقْلِيْ وَمَا عَقَلْتُ إِلَّا وَأَنَا فِي حُجْرَةٍ طُلِقَ عَنِّي الْأَقْيَادُ، فَقَالَ إِنْسَانٌ مِمَّنْ حَضَرَ: إِنَّا كَبَبْنَاكَ عَلَى وَجْهِكَ وَطَرَحْنَا عَلَى ظَهْرِكَ سَارِيَةً وَدُسْنَاكَ، فَقُلْتُ: مَا شَعَرْتُ بِذَلِكَ. ثُمَّ حَمَلُوْهُ إِلَىْ رَجُلٍ مِمَّنْ يَعْرِفُ بِأَحْوَالِ مَنْ يُضرَبُ وَيُعالِجُ النَّاسَ لِيُعَالِجَ أَحْمَدَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ ضُرِبَ أَلْفَ سَوْطٍ مَا رَأَيْتُ ضَرْبًا أَشَدَّ مِنْ هَذَا، صَابِرٌ لِذَلِكَ يَحْمَدُ اللهَ فِي ذَلِكَ فَيَرَاهُ مِنْهُ، وَلَمْ يَزَلْ يَتَوَجَّعُ مِنْ مَوَاضِعَ مِنْهُ وَكَانَ أَثَرُ الضَّرْبِ بَيِّنًا فِي ظَهْرِهِ إِلَى أَنْ تُوفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ.

فالإِمَامُ أَحمَدُ لَم يَقُلْ: إِنَّ القُرءَانَ مَخلُوقٌ حَتَّىْ لَا يَتَوَهَّمَ الْعَوَامُّ أَنَّ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللهِ مَخْلُوْقَةٌ كَمَا كَانَت تَقُولُ المُعتَزِلَةُ ، وَالمَأمُونُ والمعتصم خَالَطَهُما قَوْمٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَحَسَّنُوْا لَهُمَا الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَعِندَمَا قَالَا القُرءَانُ مَخلُوقٌ مَا أَرَادَا أَنَّ صِفَةَ اللهِ الأَزَلِيَّةَ مَخلُوقَةٌ إِنَّمَا أَرَادَا أَنَّ اللَّفظَ المُنَزَّلَ هَذِه الحُرُوفَ المُتَرَكِّبَةَ مَخلُوقَةٌ. 

خاتمة    

عِلمُ الكَلَامِ عِلمٌ يُقَرِّرُهُ أَهلُ الحَقِّ وَلَيسَ مَذمُومًا كَمَا تَظُنُّ المُجَسِّمَةُ فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنهُم مَنِ اشتَغَلَ بِهِ تَألِيفًا وَتَعلِيمًا وَتَفهِيمًا وَقَد أَلَّفَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي عِلمِ الكَلَامِ خَمسَ رَسَائِلَ وَكَانَ يَذهَبُ مِنَ الكُوفَةِ إِلَى البَصرَةِ لِمُنَاظَرَةِ المُعتَزِلَةِ وَالمُشَبِّهَةِ وَالمَلَاحِدَةِ وَكَذَا الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ يُتقِنُ هَذَا العِلمَ وَالَّذِي ذَمَّهُ لَيسَ هَذَا العِلمَ بَل كَلَامُ أَهلِ الأَهوَاءِ وَهُوَ مَا مَالَت إِلَيهِ نُفُوسُ المُبتَدِعَةِ الخَارِجِينَ عَمَّا عَلَيهِ السَّلَفُ فَقَد قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ « لَأَن يَلقَى اللهُ العَبدَ بِكُلِّ ذَنبٍ مَا سِوَى الشِّركِ خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَلقَاهُ بِشَيءٍ مِنَ الأَهوَاءِ» فَلَيسَ مُرَادُهُ بِالأَهوَاءِ هَذَا العِلمَ الَّذِي هُوَ فَرضٌ تَعَلُّمُهُ، وَكَذَلِكَ اشتَغَلَ بِهِ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ أَحَدُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَعَمِلَ رِسَالَةً يُبَيِّنُ فِيهَا مَذهَبَ أَهلِ الحَقِّ وَيَدحَضُ بِهَا رَأيَ المُعتَزِلَةِ، وَكَذَلِكَ الحَسَنُ البِصرِيُّ وَالِإمَامُ مَالِِكٌ وَغَيرُهُ مِن أَئِمَةِ السَّلَفِ وَقَد أَحسَنَ مَن قَالَ:

عَابَ الكَلَامَ أُنَاسٌ لَا عُقُولَ لَهُم                         وَمَا عَلَيهِ إِذَا عَابُوهُ مِن ضَرَرِ

مَا ضَرَّ شَمسُ الضُّحَى فِي الأُفْقِ طَالِعَةً               أَن لَا يَرَى ضَوءَهَا مَن لَيسَ ذَا بَصَرَ

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  • القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  • السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  • الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد لأبي بكر البيهقي.
  • الأسماء والصفات لأبي بكر البيهقي.
  • شرح الطحاوية للقونوي الحنفي.
  • المصباح المنير للفيومي.
  • القاموس المحيط للفيروزأبادي.
  • فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني.
  • شرح النووي لصحيح مسلم.

حرمة ارتكاب الفواحش

إِنَّ الحَمدَ للهِ نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغَفِرُهُ وَنَستَهدِيْهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَنْ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share