الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه - من أعلام الصحابة المبشرين بالجنة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

لَا يَخفَى عَلَى أَحَدِنَا فَضلُ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الدَّعوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَنَشرِ هَذَا الدِّينِ المُبَارَكِ، هُمُ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا أَذَى قَومِهِم وَأَقرِبَائِهِم وَعَدَاوَتَهُم، هُمُ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا الضَّربَ وَالقَتلَ وَالظُّلمَ وَالسَّبَّ وَالشَّتمَ، هُمُ الَّذِينَ فَارَقُوا الأَوطَانَ وَالأَهلَ وَالأَولَادَ وَالأَحبَابَ لِأَجلِ نَشرِ هَذَا الدِّينِ، هُمُ الَّذِينَ نَصَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الحُرُوبِ وَدَافَعُوا عَنهُ وَفَدَوهُ بِأَروَاحِهِم، فَجَدِيرٌ بِنَا أَن نُحِبَّهُم وَنَجعَلَهُم قُدوَةً لَنَا، وَمِن هَؤُلَاءِ الأَعلَامِ الأَكَابِرِ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ الثِّقَةُ الأَمِينُ فِي الأَرضِ وَالسَّمَاءِ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.

اسمه ونسبه رضي الله عنه

هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفِ بنِ عَبدِ عَوفِ بنِ عَبدِ الحَارِثِ بنِ زُهرَةَ بنِ كِلَابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعبِ بنِ لُؤَيِّ، كَانَ اسمُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ عَبدَ عَمرٍو وَقِيلَ كَانَ اسمُهُ عَبدَ الحَارِثِ وَقِيلَ عَبدَ الكَعبَةِ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبدَ الرَّحمَنِ، وُلِدَ بَعدَ عَامِ الفِيلِ بِعَشرِ سِنِينَ.

وَهُوَ أَحَدُ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَهلِ الشُّورَى، وَأَحَدُ الثَّمَانِيَةِ الأَوَائِلِ الَّذِينَ أَسلَمُوا قَدِيمًا قَبلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الأَرقَمِ، وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ هَاجَرُوا الهِجرَتَينِ: الهِجرَةِ إِلَى الحَبَشَةِ وَالهِجرَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَأَحَدُ السَّابِقِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدرًا والمَشَاهِدَ كُلَّهَا.

رَوَى عَنهُ: ابنُ عَبَّاسٍ، وَابنُ عُمَرَ، وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَبَنُوهُ: إِبرَاهِيمُ وَحُمَيدُ وَأَبُو سَلَمَةَ وَعَمرٌو وَمُصعَبٌ، وَمَالِكُ بنُ أَوسٍ، وَجُبَيرُ بنُ مُطعِمٍ، وَجَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ، وَالمِسوَرُ بنُ مَخرَمَةَ وَغَيرُهُم.

إسلامه رضي الله عنه

كَانَ سَيِّدُنَا عَبدُ الرَّحمَنِ مِن أَوَّلِ الصَّحَابَةِ إِيمَانًا بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَى يَدِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حَيثُ كَانَ أَبُو بَكرٍ رَجُلًا مَألُوفًا لِقَومِهِ مُحَبَّبًا سَهلًا، وَكَانَ أَنسَبَ قُرَيشٍ لِقُرَيشٍ، وَأَعلَمَ قُرَيشٍ بِمَا كَانَ فِيهَا مِن خَيرٍ وَشَرٍّ، وَكَانَ رَجُلًا تَاجِرًا ذَا خُلُقٍ وَمَعرُوفٍ، وَكَانَ جُلُّ قَومِهِ يَأتُونَهُ وَيَأَلَفُونَهُ لِغَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الأَمرِ، لِعِلمِهِ وَتِجَارَتِهِ وَحُسنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدعُو إِلَى الإِسلَامِ مَن وَثِقَ بِهِ مِن قَومِهِ، مَن يَغشَاهُ وَيَجلِسُ إِلَيهِ، فَأَسلَمَ عَلَى يَدَيهِ: الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، وَعُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، وَطَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، وَسَعدٌ، وَعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، فَانطَلَقُوا حَتَّى أَتَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُم أَبُو بَكرٍ، فَعَرَضَ عَلَيهِمُ الإِسلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيهِمُ القُرآنَ، وَأَنبَأَهُم بِحَقِّ الإِسلَامِ وَبِمَا وَعَدَهُمُ اللهُ مِنَ الكَرَامَةِ، فَآمَنُوا وَأَصبَحُوا مُقِرِّينَ بِحَقِّ الإِسلَامِ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الإِسلَامِ، فَصَلَّوا وَصَدَّقُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَآمَنُوا بِمَا جَاءَ مِن عِندِ اللهِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الأَرقَمِ.

مناقبه رضي الله عنه

كَانَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَاحِدًا مِن أُولَئِكَ الأَبطَالِ الَّذِينَ أُثِرَ عَنهُم بَذلُ النَّفِيسِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَنُصرَةِ دِينِهِ، عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ فَقِيرًا حِينَ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَآخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَهُ وَبَينَ سَعدِ بنِ الرَّبِيعِ أَحَدِ النُّقَبَاءِ مِنَ الأَنصَارِ، فَقَالَ لَهُ سَعدٌ كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: إِنِّي أَكثَرُ الأَنصَارِ مَالًا، فَأَقسِمُ لَكَ نِصفَ مَالِي وَانظُر أَيَّ زَوجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلتُ لَكَ عَنهَا فَإِذَا حَلَّت تَزَوَّجتَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهلِكَ وَمَالِكَ، وَلَكِن دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ، فَذَهَبَ وَبَاعَ وَاشتَرَى وَرَبِحَ، وَلَم يَزَل عَلَى هَذِهِ الحَالِ حَتَّى كَثُرَ مَالُهُ وَكَانَ لَهُ مَا كَانَ مِنَ المَالِ وَالصَّدَقَاتِ.

كرم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

رُوِيَ عَن ثَابِتٍ البُنَانِيِّ عَن أَنَسٍ قَالَ: بَينَمَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي بَيتِهَا إِذ سَمِعَت صَوتًا رَجَّت مِنهُ المَدِينَةُ فَقَالَت: مَا هَذَا قَالُوا: عِيرٌ قَدِمَت لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَت سَبعَمِائَةِ رَاحِلَةٍ، فَقَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: فَإِنِّي أُشهِدُكِ أَنَّهَا بِأَحمَالِهَا وَأَقتَابِهَا وَأَحلَاسِهَا فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ الزُّهرِيُّ: حَدَّثَتنَا أُمُّ بَكرٍ بِنتُ المِسوَرِ أَنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بَاعَ أَرضًا لَهُ لِعُثمَانَ بنِ عَفَّانَ بِأَربَعِينَ أَلفَ دِينَارٍ، فَأَخَذَ المَالَ وَقَسَمَهُ فِي فُقَرَاءِ بَنِي زُهرَةَ وَفِي المُهَاجِرِينَ وَأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ.

وَعَن عُروَةَ أَنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ أَوصَى بِخَمسِينَ أَلفَ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُعطَى مِنهَا أَلفَ دِينَارٍ، وَقَالَ الزُّهرِيُّ إِنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ أَوصَى لِلبَدرِيِّينَ بِمَالٍ فَوُجِدُوا مِائَةً، فَأَعطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم أَربَعَمِائَةِ دِينَارٍ فَكَانَ مِنهُم سَيِّدُنَا عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ فَأَخَذَهَا.

وَعَنِ الزُّهرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَصَدَّقَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ بِشَطرِ مَالِهِ أَربَعَةِ ءَالَافٍ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِأَربَعِينَ أَلفًا، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِأَربَعِينَ أَلفَ دِينَارٍ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى خَمسِمِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَلفٍ وَخَمسِمِائَةِ رَاحِلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، وَكَانَ عَامَّةُ مَالِهِ مِنَ التِّجَارَةِ.

اهتمام عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بزوجات النبي ﷺ

قَالَ المِسوَرُ: أَتَيتُ عَائِشَةَ بِنَصِيبٍ لَهَا مِن صَدَقَاتِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ فَقَالَت: مَن أَرسَلَ بِهَذَا قُلتُ: عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، فَقَالَت: أَمَا إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحنُو عَلَيكُنَّ بَعدِي إِلَّا الصَّابِرُونَ»، رَوَاهُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِي يُحَافِظُ عَلَى أَزوَاجِي مِن بَعدِي هُوَ الصَّادِقُ البَارُّ»، فَكَانَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ يَخرُجُ بِأَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَحُجُّ مَعَهُنَّ وَيَجعَلُ عَلَى هَوَادِجِهِنَّ الطَّيَالِسَةَ.

عدالة وضبط عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن أَعدَلِ وَأَثبَتِ الصَّحَابَةِ رِوَايَةً لِلأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: جَلَسنَا مَعَ عُمَرَ فَقَالَ: هَل سَمِعتَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيئًا أَمَرَ بِهِ المَرءَ المُسلِمَ إِذَا سَهَا فِي صَلَاتِهِ كَيفَ يَصنَعُ؟، فَقُلتُ: لَا وَاللهِ، أَوَ مَا سَمِعتَ أَنتَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيئًا؟، فَقَالَ: لَا وَاللهِ، فَبَينَا نَحنُ فِي ذَلِكَ أَتَى عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ فَقَالَ: فِيمَ أَنتُمَا؟، فَأَخبَرَهُ عُمَرُ، فَقَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ: لَكِنِّي قَد سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأمُرُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: لَهُ عُمَرُ: فَأَنتَ عِندَنَا عَدلٌ، فَمَاذَا سَمِعتَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَهَا أَحَدُكُم فِي صَلَاتِهِ حَتَّى لَا يَدرِي أَزَادَ أَم نَقَصَ، فَإِن كَانَ شَكَّ فِي الوَاحِدَةِ وَالثِّنتَينِ فَليَجعَلهَا وَاحِدَةً، وَإِذَا شَكَّ فِي الثِّنتَينِ أَوِ الثَّلَاثِ فَليَجعَلهَا ثِنتَينِ، وَإِذَا شَكَّ فِي الثَّلَاثِ وَالأَربَعِ فَليَجعَلهَا ثَلَاثًا حَتَّى يَكُونَ الوَهمُ فِي الزِّيَادَةِ، ثُمَّ يَسجُد سَجدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبلَ أَن يُسَلِّمَ ثُمَّ يُسَلِّم». رَوَاهُ أَبُو يَعلَى.

وَرُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَم يَكُن يَأخُذُ الجِزيَةَ مِنَ المَجُوسِ حَتَّى سَمِعَ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ يَشهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد أَخَذَ الجِزيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ، فَصَارَ بَعدَهَا سَيِّدُنَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَأخُذُهَا مِنهُم.

إمامة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه للنبي ﷺ في الصلاة

عَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ أَنَّهُ سُئِلَ هَل أَمَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ غَيرُ أَبِي بَكرٍ؟، فَقَالَ: نَعَم، فَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ تَوَضَّأَ وَالمُغِيرَةُ مَعَهُ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ وَعِمَامَتِهِ (أَي مَسَحَ شَيئًا مِنَ الرَّأسِ ثُمَّ أَكَملَ عَلَى العِمَامَةِ)، ثُمَّ انتَهَى ﷺ إِلَى عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأَرَادَ عَبدُ الرَّحمَنِ أَن يَتَأَخَّرَ، فَأَومَأَ إِلَيهِ أَن مَكَانَكَ، فَصَلَّى وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ بِصَلَاةِ عَبدِ الرَّحمَنِ رَكعَةً وَاحِدَةً وَأَتَمَّ الَّذِي فَاتَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ حَتَّى يُصَلِّيَ خَلفَ رَجُلٍ صَالِحٍ مِن أُمَّتِهِ».

غضب النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بَينَ خَالِدٍ وَعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ شَيءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِخَالِدٍ: «دَعُوا لِي أَصحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُم لَو أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا لَم يُدرِك مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيفَهُ»، رَوَاهُ البَزَّارُ.

وَفِي رِوَايَةِ مُسلِمٍ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِخَالِدٍ: «لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَنفَقَ أَحَدُكُم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيفَهُ».

مدح النبي ﷺ والصحابة لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

عَن سَعِيدِ بنِ زَيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَلَى جَبَلِ حِرَاءَ وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثمَانُ وَعَلِيٌّ وَالزُّبَيرُ وَسَعدٌ وَعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم فَقَالَ ﷺ: «اثبُت حِرَاءُ فَإِنَّمَا عَلَيكَ نَبِيٌّ أَو صِدِّيقٌ أَو شَهِيدٌ».

وَامتَدَحَهُ أَكثَرُ مِن وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم، فَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَرَدَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: “عَبدُ الرَّحمَنِ أَمِينٌ فِي السَّمَاءِ وَأَمِينٌ فِي الأَرضِ”، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ قَالَ فِيهِ: “عَبدُ الرَّحمَنِ سَيِّدٌ مِن سَادَاتِ المُسلِمِينَ”.

تفكر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في الآخرة

كَانَ سَيِّدُنَا عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَعَ كَثرَةِ مَالِهِ مُتَوَاضِعًا عَفِيفَ النَّفسِ مُتَفَكِّرًا بِالآخِرَةِ، فَقَد رُوِيَ عَن نَوفَلِ بنِ إِيَاسٍ الهُذَلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَبدُ الرَّحمَنِ لَنَا جَلِيسًا وَكَانَ نِعمَ الجَلِيسِ، وَإِنَّهُ انقَلَبَ بِنَا يَومًا حَتَّى دَخَلنَا بَيتَهُ فَدَخَلَ فَاغتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ مَعَنَا وَأُتِينَا بِصَحفَةٍ فِيهَا خُبزٌ وَلَحمٌ، فَلَمَّا وُضِعَت بَكَى عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، فَقُلنَا لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا يُبكِيكَ فَقَالَ: مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَم يَشبَع هُوَ وَأَهلُ بَيتِهِ مِن خُبزٍ وَشَعِيرٍ، وَلَا أُرَانَا أُخِّرنَا لَهَا لِمَا هُوَ خَيرٌ لَنَا.

وَأَخرَجَ البُخَارِيُّ عَن سَعدِ بنِ إِبرَاهِيمَ عَن أَبِيهِ أَنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: قُتِلَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ وَهُوَ خَيرٌ مِنِّي فَكُفِّنَ فِي بُردَةٍ إِن غُطِّيَ رَأسُهُ بَدَت رِجلَاهُ، وَإِن غُطِّيَت رِجلَاهُ بَدَا رَأسُهُ، وَقُتِلَ حَمزَةُ وَهُوَ خَيرٌ مِنِّي فَلَم يُوجَد لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُردَةً، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنيَا مَا بُسِطَ، وَأُعطِينَا مِنَ الدُّنيَا مَا أُعطِينَا وَقَد خَشِينَا أَن تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَت لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ.

وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ القُرءَانَ وَكَانَ لَيِّنَ الصَّوتِ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ القَومِ إِلَّا فَاضَت عَينُهُ غَيرَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِن لَم يَكُن عَبدُ الرَّحمَنِ فَاضَت عَينُهُ فَقَد فَاضَ قَلبُهُ».

عزل نفسه عن الخلافة

عَزَلَ سَيِّدُنَا عَبدُ الرَّحمَنِ نَفسِهِ عَنِ الخِلَافَةِ وَرَفَضَهَا وَكَانَ جَدِيرًا بِهَا، فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ اجتَمَعَ أَهلُ الشُّورَى لِمُبَايَعَةِ خَلِيفَةٍ جَدِيدٍ لِلمُسلِمِينَ، قَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ: هَل لَكُم أَن أَختَارَ لَكُم وَأَنفَصِلَ مِنهَا، قَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَا أَوَّلُ مَن رَضِيَ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّكَ أَمِينٌ فِي أَهلِ السَّمَاءِ، أَمِينٌ فِي أَهلِ الأَرضِ».

وَعَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أَنَّ سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَرسَلَ إِلَى عَبدِ الرَّحمَنِ رَجُلًا وَهُوَ قَائِمٌ يَخطُبُ: أَنِ ارفَع رَأسَكَ إِلَى أَمرِ النَّاسِ، أَيِ ادعُ إِلَى نَفسِكَ، فَقَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ: ثَكِلَتكَ أُمُّكَ، إِنَّهُ لَن يَلِيَ هَذَا الأَمرَ أَحَدٌ بَعدَ عُمَرَ إِلَّا لَامَهُ النَّاسُ.

وَعَنِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ أَنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ قَالَ حِينَ طُلِبَ مِنهُ أَن يَدعُوَ إِلَى نَفسِهِ: وَاللهِ لَأَن تُؤخَذَ مُديَةٌ فَتُوضَعَ فِي حَلقِي ثُمَّ يُنفَذَ بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِن ذَلِكَ.

وفاته رضي الله عنه

تُوُفِّيَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَنَةَ اثنَتَينِ وَثَلَاثِينَ لِلهِجرَةِ عَن خَمسَةٍ وَسَبعِينَ عَامًا، وَقِيلَ اثنَينِ وَسَبعِينَ، وَصَلَّى عَلَيهِ سَيِّدُنَا عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، وَقِيلَ الزُّبَيرُ بنُ العَوُّامِ، وَدُفِنَ فِي البَقِيعِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.

رُوِيَ لَهُ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثَانِ، وَانفَرَدَ لَهُ البُخَارِيُّ بِخَمسَةِ أَحَادِيثَ.

بطلان حديث دخول عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوًا

عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن أَكبَرِ تُجَّارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ يُحشَرُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، فَالتَّاجِرُ الصَّدُوقُ هُوَ الَّذِي يَبِيعُ وَيَشتَرِي عَلَى وَفقِ شَرعِ اللهِ تَعَالَى، وَيَجتَنِبُ الخِيَانَةَ وَالغَشَّ وَالتَّدلِيسَ، وَيَلتَزِمُ الصِّدقَ فِي وَصفِهِ لِبِضَاعَتِهِ وَسِلعَتِهِ، وَفِي إِخبَارِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشتَرَى بِهِ بِضَاعَتَهُ إِن ذَكَرَهُ.

فَيَظهَرُ بِهَذَا بُطلَانُ مَا يَنسُبُهُ بَعضُ النَّاسِ حَدِيثًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعضِ الكُتُبِ وَهُوَ أَنَّ سَيِّدَنَا عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ يَدخُلُ الجَنَّةَ حَبوًا، هَذَا بَاطِلٌ لَا أَصلَ لَهُ، فَعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ مِنَ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ وَلَهُ كُلُّ هَذِهِ المَنَاقِبِ وَالفَضَائِلِ وَأَكثَرُ، كَيفَ يَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ كَمَا يَصِفُونَ، وَلَا عِبرَةَ بِمَا يَقُولُهُ بَعضُهُم مِن أَنَّ هَذَا بِسَبَبِ كَثرَةِ أَموَالِهِ، فَإِنَّ مَنِ اتَّقَى اللهَ بِمَالِهِ وَأَدَّى مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِ فِيهِ لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيهِ فِي الآخِرَةِ.

ثُمَّ هَذَا الحَدِيثُ إِسنَادُهُ لَيسَ بِقَائِمٍ، وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الإِسنَادِ هَذَا الكَلَامُ مُصَادِمٌ لِلقَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ فِي الشَّرِيعَةِ مِثلِ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم، فَسَيِّدُنَا عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ كَانَ كَثِيرَ المَالِ مِنَ التِّجَارَةِ الحَلَالِ، وَالتَّاجِرُ الصَّدُوقُ هُوَ كَعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ وَعُثمَانَ بنِ عَفَّانٍ وَأَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ وَغَيرِهِم رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَأَرضَاهُم، فَإِنَّهُمُ اتَّقَوُا اللهَ تَعَالَى بِأَموَالِهِم وَتِجَارَاتِهِم.

كَيفَ يَكُونُ كَمَا وَصَفُوهُ يَومَ القِيَامَةِ وَقَد رُوِيَ مِن كَرَمِهِ أَيضًا أَنَّهُ عِندَمَا جَاءَ الأَعرَابِيُّ بِالضَّبِّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَحَصَلَت مُعجِزَةُ الضَّبِّ الشَّهِيرَةُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصحَابِهِ: «أَعطُوهُ»، فَأَعطُوهُ حَتَّى أَبطَرُوهُ، فَقَامَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَهُ عِندِي نَاقَةً عُشَرَاءَ، دُونَ البُختِيَّةِ وَفَوقَ الأَعرَابِيِّ، تَلحَقُ وَلَا تُلحَقُ، أُهدِيَت إِلَيَّ يَومَ تَبُوكَ، أَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَدفَعُهَا إِلَى الأَعرَابِيِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَد وَصَفتَ نَاقَتَكَ، فَأَصِفُ مَا لَكَ عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ؟» قَالَ: نَعَم، قَالَ: «لَكَ كَنَاقَةٍ مِن دُرَّةٍ جَوفَاءَ، قَوَائِمُهَا مِن زَبَرجَدٍ أَخضَرَ، وَعُنُقُهَا مِن زَبَرجَدٍ أَصفَرَ، عَلَيهَا هَودَجٌ، وَعَلَى الهَودَجِ السُّندُسُ وَالإِستَبرَقُ، وَتَمُرُّ بِكَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالبَرقِ الخَاطِفِ، يَغبِطُكَ بِهَا كُلُّ مَن رَآكَ يَومَ القِيَامَةِ»، فَقَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ: قَد رَضِيتُ.

رَحِمَ اللهُ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنهُ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. مَجمَعِ الزَّوَائِدِ لِابنِ حَجَرٍ الهَيثَمِيِّ.
  6. سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ.
  7. الإِصَابَةِ فِي تَميِيزِ الصَّحَابَةِ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
  8. صِفَةِ الصَّفوَةِ لِابنِ الجَوزِيِّ.