الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

عبد الله بن الزبير بن العوام

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضَىٰ نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلًا

هُوَ الصَّائِلُ بالحَقِّ، القَائِلُ بالصِّدقِ، المُحَنَّكُ بِرِيقِ النُّبُوَّةِ، الصَّوَّامُ القَوَّامُ، ذُو السَّيفِ الصَّارِمِ، وَالرَأيِّ الحَازِمِ، مُبَارِزُ الشُّجعَانِ، وَحَافِظُ القُرآنِ، عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيْهِ الزبير وَعَنْ أُمِّهِ أسماء وَجَدِّهِ أبي بكر وَأَبِيْ جَدِّهِ أبي قحافة وَأُمِّ جَدِّهِ أُمِّ الخَيرِ وَالِدَةِ أَبِي بَكْرٍ.

نسبه رضي الله عنه

هُوَ أَبُو بَكرٍ ‌عَبدُ ‌اللهِ ‌بنُ ‌الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ بنِ خُوَيلِد بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى بنِ قُصَيِّ بنِ كِلَابِ بنِ مُرَّةَ القُرَشِيُّ الأَسدِيُّ.

وَأُمُّهُ أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ، ذَاتُ النِّطَاقَينِ، وَجَدَّتُهُ لَأَبِيهِ: صَفِيَّةُ بِنتُ عَبدِ المُطَّلِبِ، عَمَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَخَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ عَمَّةُ أَبِيهِ الزُّبَيرِ بنِ العَّوَّامِ بنِ خُوَيلِدٍ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ أُمُّ المُؤمِنِينَ.

مولده رضي الله عنه

وُلِدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي شَوَّالٍ فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجرَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَولُودٍ وُلِدَ فِي الإِسلَامِ مِنَ المُهَاجِرِينَ، فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أنَّهَا حَمَلَت بِعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، فقَالَت: خَرَجتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيتُ المَدِينَةَ، فَنَزَلتُ بِقُبَاءَ فَوَلَدتُهُ بِقُبَاءَ.

وَفَرِحَ المُسلِمُونَ بِمَولِدِهِ فَرَحًا عَظِيمًا حَتَّى إِنَّهُم كَبَّرُوا لِمَولِدِهِ، حَيثُ إِنَّ اليَهُودَ كَانُوا قَد زَعَمُوا أَنَّهُم سَحَرُوا المُهَاجِرِينَ فَلَا يُولَدُ لَهُم مَولُودٌ، فَجَاءَ مَولِدُ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ مُكَذِّبًا لِليَهُودٍ فِيمَا زَعَمُوا.

وَكَانَ أَوَّلُ مَا دَخَلَ إِلَى جَوفِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رِيقَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَد رَوَى مِسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنهَا ‌فَوَضَعَهُ ‌فِي ‌حِجرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمرَةٍ فمَضَغَهَا ثُمَّ بَصَقَهَا فِي فِيهِ، فَإِنَّ أَوَّلَ شَيءٍ دَخَلَ بَطنَهُ لَرِيقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. 

وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَد دَعَا لَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ اللهِ، وَكَنَّاهُ أَبَا بَكرٍ بِجَدِّهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِيقِ وَسَمَّاهُ بِاسمِهِ.

مواقف حصلت له مع رسول الله ﷺ

عِندَمَا بَلَغَ عَبدُ اللهِ السَّابِعَةَ أَوِ الثَّامِنَةَ مِن عُمُرِهِ جَاءَ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَد أَمَرَهُ بِذَلِكَ أَبُوهُ الزُّبَيرُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ مُقبِلًا إِلَيهِ ثُمَّ بَايَعَهُ.

وَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مُلَازِمًا لِلوُلُوجِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِكَونِهِ مِن آلِهِ، فَكَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى بَيتِ خَالَتِهِ عَائِشَةَ.

وَمِن أَعظَمِ المَوَاقِفِ الَّتِي حَصَلَت مَعَ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ فِي حَيَاتِهِ أَنَّهُ شَرِبَ دَمَ الرَّسُولِ ﷺ، فَقَد رَوَى الحَاكِمُ وَالدَّارَقُطنِيُّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احتَجَمَ فَدَفَعَ دَمَهُ إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ وَقَالَ لَهُ: “وَارِهِ“، فَذَهَبَ سَيِّدُنَا عَبدُ اللهِ فَشَرِبَهُ، فَأَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَأَخبَرَهُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِعَبدِ اللهِ: “مَا صَنَعتَ؟” قَالَ: كَرِهتُ أَن أَصُبَّ دَمَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “لَا تَمَسُّكَ النَّارُ“، وَمَسَحَ عَلَى رَأسِهِ وَقَالَ: “‌وَيلٌ ‌لِلنَّاسِ ‌مِنكَ، وَوَيلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ“، وَكَانَ يُرَى أَنَّ القُوَّةَ الَّتِي بِعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ مِن ذَلِكَ الدَّمِ، وَهَذَا مِن عَظِيمِ بَرَكَاتِ النَّبِيِّ ﷺ.

صفاته رضي الله عنه

كَانَ ابنُ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَوَّامَ اللَّيلِ، صَوَّامَ النَّهَارِ، إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَامَ كَأَنَّهُ عُودٌ مِن ثَبَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَيُحكَى أَنَّ حَيَّةً سَقَطَت عَلَى ابنِهِ هَاشِمٍ، فَصَاحَ أَهلُ البَيتِ: الحَيَّةَ الحَيَّةَ ثُمَّ رَمَوهَا، وَمَا قَطَعَ صَلَاتَهَ.

قَسَّمَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ دَهرَهُ عَلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَيلَةٌ هُوَ قَائِمٌ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَيلَةٌ هُوَ رَاكِعٌ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَيلَةٌ هُوَ سَاجِدٌ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَيُروَى أَنَّهُ قَد جَاءَ سَيلٌ عَمَّ البَيتَ الحَرَامَ، فَطَافَ سِبَاحَةً.

وَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ الذِينَ أَوكَلَ إِلَيهِم عُثمَانُ نَسخَ المُصحَفِ، وَقَد ذُكِرَ يَومًا عِندَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَ: قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ، عَفَيفٌ فِي الإِسلَامِ، أَبُوهُ الزُّبَيرُ، وَأُمُّهُ أَسمَاءُ، وَجَدُّهُ أَبُو بَكرٍ، وَعَمَّتُهُ خَدِيجَةُ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ، وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ.

شجاعته رضي الله عنه

كَانَ ابنُ الزُّبَيرِ آيةً فِي الشَّجَاعَةِ، إِذ كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُصَلِّي فِي حِجرِ إِسمَاعِيلَ وَالمِنجَنِيقُ يَضرِبُ، فَيقَعُ الحَجَرُ قُربَ رَأسِهِ وَهُو ثَابِتٌ لَا يَهتَزُّ، وَهَذَا بِبَرَكَةِ شُربِهِ لِدَمِ الرَّسُولِ ﷺ، وَلَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَآثِرُ عَظِيمَةٌ فِي الفُتُوحَاتِ الإِسلَامِيَّةِ، فَقَد شَهِدَ مَعرَكَةَ اليَرمُوكِ وَهُوَ صَغِيرُ السِّنِّ، وَشَهِدَ فَتحَ أَفرِيقيَا حَيثُ كَانَ هِرَقلُ مَلِكُ الرُّومِ وَلَّى عَلَيهَا مَلِكًا يُدعَى جُرجِيرَ وَسِعَ مُلكُهُ طَرَابُلُسَ الغَربِ إِلَى طَنجَةَ، فَكَانَ المُسلِمُونَ يُقَاتِلُونَهُم كُلَّ يَومٍ مِن بُكرَةٍ إِلَى الظُّهرِ، وَانقَطَعَ خَبَرُ المُسلِمِينَ عَن عُثمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَمَدَّهُم بِابنِ الزُّبَيرِ مَعَ جَمَاعَةٍ يَنظُرُونَ خَبَرَهُم، فَلَمَا وَصَلَ ابنُ الزُّبَيرِ كَبَّرَ المُسلِمُونَ وَفَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا.

ثُمَّ إِنَّ جُرجِيرَ أَعلَنَ فِي النَّاسِ أَنَّ مَن يَقتُلُ أَمِيرَ جَيشِ المُسلِمِينَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ اليَومِ عَبدُ اللهِ بنُ سَعدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ، فَلَهُ مِائَةُ أَلفِ دِينَارٍ وَيُزَوِّجُهُ ابنَتَهُ، فَقَالَ ابنُ الزُّبَيرِ لابنِ سَعدٍ: نَادِ فِي النَّاسِ: مَن أَتَانِي بِرَأسِ جُرجِيرَ نَفَّلتُهُ مِائَةَ أَلفٍ وَمَلَّكتُهُ ابنَتَهُ وَاستَعمَلتُهُ عَلَى بِلَادِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَكَنَ الذُّعرُ والهَلَعُ قَلبَ جُرجِيرَ.

ثُمَّ إِنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ قَالَ لِعَبدِ اللهِ بنِ سَعدٍ: إِنَّ أَمرَنَا يَطُولُ مَعَ هَؤُلَاءِ، وَهُم فِي أَمدَادٍ مُتَّصِلَةٍ وَبِلَادٍ هِيَ لَهُم، وَنَحنُ مُنقَطِعُونَ عَنِ المُسلِمِينَ وَبِلَادِهِم، وَقَد رَأَيتُ أَن نَترُكَ غَدًا جَمَاعَةً صَالِحَةً مِن أَبطَالِ المُسلِمِينَ فِي خِيَامِهِم مُتَأَهِّبِينَ، وَنُقَاتِلُ نَحنُ الرُّومَ فِي بَاقِي العَسكَرِ إِلَى أَن يَضجَرُوا وَيَمَلُّوا، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى خِيَامِهِم وَرَجَعَ المُسلِمُونَ رَكِبَ مَن كَانَ فِي الخِيَامِ مِنَ المُسلِمِينَ وَلَم يَشهَدُوا القِتَالَ وَهُم مُستَرِيحُونَ، وَنَقصِدُهُم عَلَى غِرَّةٍ، فَلَعَلَّ اللهَ يَنصُرُنَا عَلَيهِم، فَأَحضَرَ جَمَاعَةً مِن أَعيَانِ الصَّحَابَةِ وَاستَشَارَهُم فَوَافَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ.

فَلَمَّا كَانَ الغَدُ فَعَلَ عَبدُ اللهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيهِ، وَأَقَامَ جَمِيعُ شُجعَانِ المُسلِمِينَ فِي خِيَامِهِم، وَخُيُولُهُم عِندَهُم مُسرَجَةٌ، وَمَضَى البَاقُونَ فَقَاتَلُوا الرُّومَ إِلَى الظُّهرِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا أُذِّنَ بِالظُّهرِ هَمَّ الرُّومُ بِالِانصِرَافِ عَلَى العَادَةِ، فَلَم يُمَكِّنهُمُ ابنُ الزُّبَيرِ وَأَلَحَّ عَلَيهِم بِالقِتَالِ حَتَّى أَتعَبَهُم، ثُمَّ عَادَ عَنهُم هُوَ وَالمُسلِمُونَ، فَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَينِ أَلقَى سِلَاحَهُ وَوَقَعَ تَعِبًا، فَعِندَ ذَلِكَ أَخَذَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ مَن كَانَ مُستَرِيحًا مِن شُجعَانِ المُسلِمِينَ وَقَصَدَ الرُّومَ، فَلَم يَشعُرُوا بِهِم حَتَّى خَالَطُوهُم، وَحَمَلُوا حَملَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَكَبَّرُوا، فَلَم يَتَمَكَّنِ الرُّومُ مِن لُبسِ سِلَاحِهِم، حَتَّى غَشِيَهُمُ المُسلِمُونَ، وَقَتَلَ ابنُ الزُّبَيرِ جُرجِيرَ، وَانهَزَمَ الرُّومُ وَقُتِلَ مِنهُم مَقتَلَةٌ عَظِيمَةٌ.

خلافته رضي الله عنه

يُعتَبَرُ ابنُ الزُّبَيرِ سَادِسَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعدَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، حَيثُ إِنَّهُ لَمَّا مَاتَ يَزِيدُ أَقلَعَ الجَيشُ عَن مَكَّةَ وَرَجَعُوا إِلَى الشَّامِ، وَاستَفحَلَ أَمرُ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ بِالحِجَازِ وَمَا وَالَاهَا، وَبَايَعَهُ النَّاسُ بَيعَةً عَامَّةً هُنَاكَ، وَاستَنَابَ عَلَى المَدِينَةِ أَخَاهُ عُبَيدَةَ بنَ الزُّبَيرِ، وَأَمَرَهُ بِإِجلَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ عَنِ المَدِينَةِ، فَأَجلَاهُم فَرَحَلُوا إِلَى الشَّامِ، وَفِيهِم مَروَانُ وَابنُهُ عَبدُ المَلِكِ، ثُمَّ بَعَثَ أَهلُ البَصرَةِ  إِلَى ابنِ الزُّبَيرِ وَهُوَ بِمَكَّةَ يَجلِبُونَهُ إِلَى أَنفُسِهِم، فَكَتَبَ إِلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ لِيُصَلِّيَ بِهِم، وَبَعَثَ ابنُ الزُّبَيرِ إِلَى أَهلِ الكُوفَةِ عَبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ الأَنصَارِيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِبرَاهِيمَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ عَلَى الخَرَاجِ، وَاستَوثَقَ لَهُ البَلَدَانِ جَمِيعًا، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى أَهلِ مِصرَ فَبَايَعُوهُ، وَاستَنَابَ عَلَيهَا عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ جَحدَمٍ، وَأَطَاعَت لَهُ الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ كُلُّهَا.

عمارته رضي الله عنه للبيت

رَوَى البُّخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الأَسوَدِ قَالَ: قَالَ لِي ‌ابنُ ‌الزُّبَيرِ: كَانَت عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيكَ كَثِيرًا، فَمَا حَدَّثَتكَ فِي الكَعبَةِ؟ قُلتُ: قَالَت لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “يَا عَائِشَةُ، لَولَا قَومُكِ (أي قريش) حَدِيثٌ عَهدُهُم (أَي بِكُفرٍ، وَالمُرَادُ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانَت قُرَيشٌ أَسلَمَت حَدِيثًا، فَإِذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُخشَى أَن يَستَنكِرَ البَعضُ مِنهُم) لَنَقَضتُ الكَعبَةَ، فَجَعَلتُ لَهَا بَابَينِ، بَابٌ يَدخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخرُجُونَ”، فَفَعَلَهُ ‌ابنُ ‌الزُّبَيرِ، ثُمَّ إِنَّ الحَجاجَ لَمَا هَدَمَ الكَعبَةَ وَقَتَلَ ابنَ الزُّبَيرِ أَعَادَهَا عَلَى النَّحوِ الَّتِي كَانَت عَلَيهِ فِي الجَّاهِلِيَّةِ.

قتله رضي الله عنه للمختار الثقفي

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “‌يَخرُجُ ‌مِن ‌ثَقِيفٍ كَذَّابَانِ، الآخِرُ مِنهُمَا أَشَرُّ مِنَ الأَوَّلِ“، فَفِي أَيَّامِ ابنِ الزُّبَيرِ كَانَ خُرُوجُ المُختَارِ الكَذَّابِ الَّذِي ادّعَى النُّبُوَّةَ، فَجَهَّزَ ابنُ الزُّبَيرِ لِقِتَالِهِ، إِلَى أَن ظَفِرَ بِهِ فِي سَنَةِ سَبعٍ وَسِتِّينَ وَقَتَلَهُ.

استشهاده رضي الله عنه

بَعدَ مُبَايَعَةِ ابنِ الزُّبَيرِ تَمَرَّدَ عَلَيهِ مَروَانُ بنُ الحَكَمِ وَبَغَى عَلَيهِ، وَانفَكَّ عَنهُ النَّاسُ شَيئًا فَشَيئًا، وَسَقَطَتِ البِلَادُ وَاحِدَةً تِلوَ الأُخرَى، وَبَعَثَ عَبدُ المَلِكِ مِنَ الشَّامِ إِلَى المَدِينَةِ جُندًا فَاستَولَى عَلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، لَكِنِ استَمَرَّ ابنُ الزُّبَيرِ بِمَكَّةَ خَلِيفَةً، إِلَى أَن أَمَرَ عَبدُ المَلِكِ الحَجَّاجَ بنَ يُوسُفَ أَن يَخرُجَ لِقِتَالِهِ، فَخَرَجَ الحَجَّاجُ فِي أَربَعِينَ أَلفًا، وَنَصَبَ الحَجَّاجُ المِنجَنِيقَ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيسٍ بِالحِجَارَةِ وَالنِّيرَانِ، فَاشتَعَلَت أَستَارُ الكَعبَةِ بِالنَّارِ، فَجَاءَت سَحَابَةٌ مِن نَحوِ جُدَّةَ يُسمَعُ فِيهَا الرَّعدُ وَيُرَى البَرقُ، فَجَاوَزَ المَطَرُ الكَعبَةَ وَالمَطَافَ فَأُطفِئَتِ النَّارُ، وَجَاءَت صَاعِقَةٌ فَأَحرَقَتِ المِنجَنِيقَ وَأَربَعِينَ مِنَ الجُندِ، وَدَامَ القِتَالُ أَشهُرًا، وَتَفَرَّقَ عَن عَبدِ اللهِ أَصحَابُهُ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّهِ أَسمَاءَ قَبلَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِن مَقتَلِهِ وَهِيَ مَرِيضَةٌ، فَقَالَ لَهَا: كَيفَ تَجِدِينَكِ يَا أُمَّاهُ؟ قَالَت: مَا أَجِدُنِي إِلَّا شَاكِيَةً، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَمَّ المَوتِ رَاحَةٌ، فَقَالَت: لَعَلَّكَ تَمَنَّيتَهُ لِي، مَا أُحِبُّ أَن أَمُوتَ حَتَّى تَأتِيَ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيكَ، إِمَّا قُتِلتَ فَأَحتَسِبُكَ، وَإِمَّا ظَفَرتَ بِعَدُوِّكَ فَقَرَّت عَينِي.

فَلَمَّا كَانَ فِي اليَومِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ، دَخَلَ عَلَيهَا فِي المَسجِدِ فَقَالَت: يَا بُنَيَّ لَا تَقبَل مِنهُم خُطَّةً تَخَافُ مِنهَا عَلَى نَفسِكَ الذُّلَّ مَخَافَةَ القَتلِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ فَقَالَ: أَلَا نَفتَحُ لَكَ الكَعبَةَ فَتَدُخُلَهَا؟ فَقَالَ عَبدُ اللهِ: مِن كُلِّ شَيءٍ تَحفَظُ أَخَاكَ إِلَّا مِن حَتفِهِ، وَاللهِ لَو وَجَدُوكُم تَحتَ أَستَارِ الكَعبَةِ لَقَتَلُوكُم، وَهَل حُرمَةُ المَسجِدِ إِلَّا كَحُرمَةِ البَيتِ، ثُمَّ شَدَّ عَلَيهِ أَصحَابُ الحَجَّاجِ فَاجتَمَعُوا عَلَيهِ، فَلَم يَزَالُوا يَضرِبُونَهُ حَتَّى قَتَلُوهُ وَمَوَالِيَهُ جَمِيعًا، وَقُطِعَ رَأسُهُ وَأُرسِلَ إِلَى ابنِ مَروَانَ، ثُمَّ صَلَبَ الحَجَّاجُ بَدَنَهُ مَنكُوسًا، فَمَرَّ بِبَدَنِه عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَقَالَ: رَحمَةُ اللهِ عَلَيكَ يَا أَبَا خُبَيبٍ، أَمَا وَاللهِ لَقَد كُنتَ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ.

قَالَ يَعلَى بنُ حَرمَلَةَ: دَخَلتُ مَكَّةَ بَعدَمَا قُتِلَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِذَا هُوَ مَصلُوبٌ، فَجَاءَت أُمُّهُ امرَأَةٌ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ طَوِيلَةٌ مَكفُوفَةُ البَصَرِ تُقَادُ، فَقَالَت لِلحَجَّاجِ: أَمَا ءَانَ لِهَذَا الرَّاكِبِ أَن يَنزِلَ؟ فَقَالَ لَهَا الحَجَّاجُ: المُنَافِقُ؟ قَالَت: وَاللهِ مَا كَانَ مُنَافِقًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا، فَقَالَ: انصَرِفِي، فَإِنَّكِ عَجُوزٌ قَد خَرِفتِ، قَالَت: لَا وَاللهِ مَا خَرِفتُ، وَلَقَد سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “يَخرُجُ مِن ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ“، أَمَّا الكَذَّابُ فَقَد رَأَينَاهُ، وَأَمَّا المُبِيرُ فَأَنتَ المُبِيرُ، أَيِ المُهلِكُ لِلنَّاسِ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ دَخَلَ المَسجِدَ بَعدَ قَتلِ ابنِ الزُّبَيرِ وَصَلبِهِ فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ فِي المَسجِدِ، فَمَالَ إِلَيهَا وَقَالَ: اصبِرِي، فَقَالَت: وَمَا يَمنَعُنِي مِنَ الصَّبرِ وَقَد أُهدِيَ رَأسُ يَحيَى بنِ زَكَرِيَّا إِلَى بَغِيٍّ مِن بَغَايَا بَنِي إِسرَائِيلَ.

وَلَمَّا أُنزِلَ ابنُ الزُّبَيرِ رَحِمَهُ اللهُ دَعَت أَسمَاءُ بِمَن يُغَسِّلُهُ، فَكَانُوا لَا يَتَنَاوَلُونَ مِنهُ عُضوًا إِلَّا وَجَدُوهُ طَرِيًّا، وَقِيلَ: هِيَ غَّسَّلَتهُ وَكَفَّنَتهُ وَحَنَّطَتهُ، ثُمَّ قَامَت فَصَلَّت عَلَيهِ، وَدُفِنَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي مَقبَرَةِ المُعَلَّاةِ فِي مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

القُرءَانِ الكَرِيمِ.

صَحِيحِ البُخَارِيِّ.

صَحِيْحِ مُسْلِمٍ لِلْإِمَامِ مُسْلِمٍ.

المُستَدرَكِ عَلَى الصَّحِيحَينِ لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ.

الإِصَابَةِ فِي تَميِيزِ الصَّحَابَةِ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.

أُسدِ الغَابَةِ فِي مَعرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِابنِ الأَثِيرِ.

سُبُلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ لِلصَّالِحِيِّ.

تَارِيْخِ الْخُلَفَاءِ لِلسُّيُوْطِيِّ.

بناء النجاح على التقوى والإخلاص

بناء النجاح على التقوى والإخلاص

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share