الخطبة الأولى
الحمد لله الذي اشترى من المؤمنينَ أنفسَهم بأن لهم الجنة، وجعل الجهادَ في سبيلِه باللسانِ والسنان سببا لدخولِ الجنة، وحفظ عبادَه الصالحينَ من شرورِ الناسِ والجنّة، نحمده تعالى بأن هدانا لهذا الدينِ دين الإسلامِ ونشكرُه على هذه المنّةِ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، شهادةً بها النفوسُ مطمئنةٌ، وأشهد أن سيدَنا وحبيبَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، أفضلُ من أقامَ الفرضَ والسنة، اللهم صلِّ وسلِّم وأنعمْ وأكرمْ وباركْ على سيدنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه حماةِ الدينِ والسنة.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(ءال عمران:102). وتفكّرْ أخي المسلمَ في قولِ اللهِ تعالى:{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}(سورة ءال عمران:14).
إخوةَ الإيمان والإسلام: يقول الله تبارك وتعالى في سورة الصف:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)}. خطابٌ للمؤمنين، وفيه بيانُ التجارةِ الرابحة، ليست التجارةَ التي تَربحُ عَقِبَهَا المالَ، بل التي تُنجيكَ من العذابِ الأليم، وأولُ شرطٍ لها أن تكونَ مسلمًا، أن تؤمنَ باللهِ وبرسولِ اللهِ ﷺ، فهذا هو الشرطُ الأساسيُّ لقَبولِ الأعمالِ جميعِها عند اللهِ تعالى، ومن ثَم تُجاهدُ في سبيلِ اللهِ تعالى بنفسِك وبمالِك، والعاقبةُ أن تكونَ من الرَّابحين فتنالُ المغفرةَ ودخولَ الجنان، يقولُ اللهُ تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(الصف:12).
وأيُّ درجةٍ ومنزلةٍ هذه للمجاهدِ في سبيلِ اللهِ تعالى؛ بل إن ثمرةَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ تعالى، ودرجةَ الشهيدِ في سبيلِ اللهِ تعالى ومكانتَه لعلّها لا تخفى على مسلم، وقبل أن أزيدَكم بيانًا لفضلِ ودرجةِ الشهيدِ في سبيلِ اللهِ تعالى؛ فلا بدّ أن أبينَ لكم من هو الشهيدُ في سبيلِ الله تعالى، فاعلمْ أخي المسلم أن الشهيدَ في سبيلِ اللهِ تعالى أو ما يعرفُ بشهيدِ المعركةِ هو كلُّ مسلمٍ ماتَ في قتالِ الكفّارِ بسببِ القتالِ، فهذا هو شهيد المعركةِ أو الشهيدُ في سبيلِ اللهِ تعالى، فهذا الذي له من الفضائلِ ما له، وهو الذي أخبرنا عن فضائلِهِ سيدُنا وحبيبُنا رسولُ الله ﷺ حيث قال ﷺ: “لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سبعُ خِصَالٍ يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ”(1). يغفرُ اللهُ تعالى له كلَّ ذنوبِهِ الكبائرِ والصغائر عندَ أوّلِ دَفعةِ دمٍ تخرجُ وتقعُ منه، حتى إن حقوقَ الناسِ كالتّبعاتِ والدّيون تغفرُ له ولا يعذَبُ بسببِهَا؛ والله تعالى يعطي الناسَ حقوقَهم يومَ القيامةِ من خزائنِ فضلِهِ عزَّ وجلّ، ويرى مقعدَهُ من الجنةِ ويجارُ من عذاب ِ القبرِ وكيف لا؟ وأرواحُهم تصعدُ بها ملائكةُ الرحمةِ فورا بعدَ موتِهم إلى الجنةِ؛ فتكونُ هذه الأرواحُ في حواصلِ(2) طيرٍ خضْرٍ من طيورِ الجنةِ، تأوي وتذهبُ إلى قناديلَ من ذهبٍ معلقةٍ تحت العرشِ وتسرحُ في أشجارِ الجنةِ فتأكلُ من ثمارِ الجنةِ وتشربُ من ماء الجنة(3)، وشهيدُ المعركةِ يأمنُ من الفزعِ الأكبرِ فلا يخافُ يومَ القيامةِ ولا يرتاعُ ولا يدخلُ النَّارَ، ويشفَّعُ في سبعينَ من أهلِهِ، أي أنّ سبعينَ شخصًا من أهلِهِ ممن ماتوا وعليهم ذنوبٌ ولم يتوبوا منها يشفعُ الشهيدُ لهم عند اللهِ تعالى، نسألُ الله تعالى أن يرزقَنا الشهادةَ في سبيلِهِ.
إخوة الإسلام: ومن فضلِ الشهيدِ في سبيلِ اللهِ تعالى ما رواه البخاريُّ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: “جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقَالَ: “مَنْ هَذِهِ؟” فَقَالُوا ابْنَةُ عَمْرٍو(4) أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو قَالَ: “فَلِمَ تَبْكِي أَوْ لَا تَبْكِي فَمَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ” فالنبيُّ ﷺ نهاها عن البكاء عليهِ؛ إذ إن الملائكةَ ازدحموا عليه إكرامًا له وفرحًا به لبشارتِه بفضلِ اللهِ ورضاهُ عنه وما أعدَّ له من الكرامة، فلا ينبغي البكاء على مثل هذا، وكيف لا؟! وقد روى البخاريُّ في صحيحهِ عن الصحابيِّ الجليلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ”. فهنيئًا لكم الشهادةَ يا أهلَ غزةَ هاشمٍ مرقدِ هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ جدِّ النبيِّ محمدٍ ﷺ، ومولدِ الإمامِ الشافعيِّ المُطلِبّي رضي اللهُ عنه، وهنيئاً لكم رباطَكم في الدفاعِ عن فلسطينَ فإن للمرابطِ في سبيلِ اللهِ تعالى الذي يدافعُ عن بلادِ المسلمينَ وينتظرُ الجهادَ في سبيلِه الأجرَ العظيمَ كذلك، فقد قال رسولُ اللهِ ﷺ:” رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا “.
نسألُ اللهَ تعالى أن يتقبَّلَ رباطَكم وثباتَكم وأن يرحمَ شهداءَكم، وأن يشفيَ جرحاكم وأن ينصرَكم على أعداءِ الدين، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:”مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ”فعلّقوا قلوبَكم إخوة الإسلام على طلبِ الشهادةِ، ففي الحديثِ فضيلةٌ عظيمةٌ غابت عن كثيرٍ من الناس، وهي أن ينووا ويعزموا في قلوبهم صادقينَ مع اللهِ تعالى في طلبِ الشهادةِ من الله، فإنهم إن فعلوا ذلك بلّغهمُ الله منازلَ الشهادةِ أي أن الله تعالى يعطيهم من عظيمِ فضلِهِ ومن واسعِ خزائنِهِ ما يُشبِهُ تلك المنزلةَ الرفيعةَ وهي مراتبُ الشهداءِ ولو ماتوا على فرُشِهِم، فاحرصْ أخي المسلم أن تكونَ مدافعا عن دينِ اللهِ بمالِكَ ونفسِكَ ولسانِكَ واسأل اللهَ ذلك بإخلاص، وأكثرْ من قولِ: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ“فهو من دعاءِ رسولِ اللهِ ﷺ عند الكربِ(5)، نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا الصدقَ في نياتِنا وأعمالِنا وأحوالِنا وأن يفرِّج الكربَ عن إخوانِنا المسلمين في غزّةَ وفي كل مكان؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:{إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا الله ارزقْنا صلاةً في المسجدِ الأقصى محررا، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم إنّا نستودعُكَ غزّةَ وأهلَها وأرضَها وسماءَها ورجالَها ونساءَها وأطفالَها ، فيا ربِّ احفظهم من كلِّ سوء، اللهم إنّا نبرَأُ من حولِنا وقوَّتِنا وتدبيرِنا إلى حولِكَ وقوّتِكَ وتدبيرِكَ فأرنا يا اللهُ عجائبَ قدرتِكَ وقوّتك في اليهودِ الغاصبين، اللهم ارزقْنا شهادةً في سبيلِك، يا اللهُ بلِّغْنا منازلَ الشهداء، اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، وارزقنا النصرَ على أنفسِنا وعلى أعداء الدين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- رواه الترمذي في سننه، وقال حسن صحيح.
- جمع حوصلة، وهي عند الحلق.
- ورد ذلك في حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه.
- زوجة الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنهم.
- رواه البخاري في صحيحه.