بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي مَهَّدَ لِطَالِبِيهِ سَبِيلا وَاضِحًا، وَكَمِ ابْتَعَثَ نَبِيًّا مُرْشِدًا نَاصِحًا، فَأَرْسَلَ آدَمَ غَادِيًا عَلَى بَنِيهِ بِالتَّعْلِيمِ ورائحا، فخَلَفَهُ شِيثٌ ثُمَّ إِدْرِيسُ، وَجَاءَ نُوحٌ وكان ناصحًا، وَأَمَرَ هُودًا بِهِدَايَةِ عَادٍ فَلَمْ يَزَلْ مُكَادِحًا ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، أَحْمَدُهُ مَا بَدَا بَرْقٌ لائِحًا،
وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ مَا دَامَ الْفُلْكُ سَابِحًا، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَقُلْ فِي الصِّدِّيقِ مَادِحًا، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ بِنُورِ الْحَقِّ لامِحًا، وَعَلَى عُثْمَانَ وَاعْجَبْ بِمِثْلِ دَمِهِ طَائِحًا، وَعَلَى عَلِيٍّ وَأَعْلِنْ بِفَضَائِلِهِ صَائِحًا، وسلم تسليما كثيرا،
أما بعد:
وأخبر صلى الله عليه وسلم أصحابه بما يحصل بين يدي الساعة:
الساعة لا تقوم حتى تحصل حوادث هي علامات على اقتراب الساعة وهي كما جاء في الحديث عشرة أشراطٍ، ويقال لها أشراط الساعة الكبرى، وهي: خروج الدجال ونزول المسيح عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض والدخان وثلاثة خسوف ونار تخرج من قعر عدن في بلاد اليمن. وأما الدجال فهو إنسان من بني ءادم والظاهر أنه من بني إسرائيل يطوف الأرض إلى كلّ الجهات في نحو سنة ونصف بقدرة الله تعالى، إلا أنه لا يستطيع أن يدخل مكة ولا المدينة فإنّ الملائكة تمنعه منهما، ويكون خروج الدجال في زمن قحطٍ وجوع فيدعي الدّجال أنّه الإله فالذين يؤمنون به يشبعون لأنّ الله تعالى يفتن به بعض الخلق، وأمّا المؤمنون الذين يكذّبونه ولا يتبعونه تحصل لهم مجاعة فيعينهم الله بالتسبيح والتقديس؛ أي يقوم هذا التسبيح مقام الأكل فلا يضرهم الجوع. وقد حذّر النّبي صلى الله عليه وسلم أمته من الدجال وفتنته ووصفه لهم ليعرفوه وهو أنّ إحدى عينيه طافية كالعنبة والأخرى ممسوحة فلذلك يقال له الأعور الدجال، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنّ الله تعالى يُظهِرُ على يد الدجال خوارق ابتلاءً منه لعباده ليُظهِرَ لهم من يهتدي ومن يضِلّ، ومن عجائبه أنّه يشقّ رجلًا من المؤمنين يكذبه في وجهه نصفين ثم يحييه بإذن الله فيقول هذا المؤمن لم أزدد بهذا إلا تكذيبا لك.
ومن العجائب أنّ الدّجال يكون معه نهران نهر من ماء يزعم أنه جنته ونهر من نار يزعم أنه ناره، وقد أخبرنا نبينا عليه الصّلاة والسّلام أنّ نهر النار هذا هو برد على المؤمنين وأن نهر الماء هو نار عليهم. وأما مكث الدجال في الأرض بعد ظهوره فأربعون يومًا لكن أول ظهوره يكون يوم كسنة ثم الذي بعده يكون كشهر ثم الذي بعده كأسبوع وباقي الأيام كأيامنا.
أعاذنا الله من فتنته وثبتنا على دينه.
وفي آخر أيام الدّجال ينزل عيسى ابن مريم عليه الصّلاة والسّلام من السّماء فإنّه حي الآن في السماء حيث رفعه الله إليها عندما أراد الكفار قتله، فينزل عليه السلام ويداه على أجنحة ملكين عند المنارة البيضاء شرقي دمشق كما ورد في الحديث ويصادفه الدجال بفلسطين فيقتله نبيُّ الله عيسى عليه السلام بباب لُدٍّ وهي قريةٌ من قرى فلسطين.
ثم يحكم سيدنا عيسى ابن مريم بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليهما وسلم، ثم في عهد المسيح بعد فناء يأجوج ومأجوج يصير رخاء كثير وأمن فتخرج الأرض ما في داخلها من الذهب حتى لا يوجد إنسان يقبل الصدقة من عموم الغنى. بلَّغنا الله صحبته عليه السلام.
وأما يأجوج ومأجوج فهما قبيلتان من البشر كلهم كفار مكانهم محجوب عن الناس في طرف من أطراف الأرض كان ذو القرنين بكرامة أعطاه الله إياها لأنه من أكابر الأولياء قد بنى عليهم سدا فحجزهم عن البشر فلا هم يأتون إلينا ولا نحن نذهب إليهم لا يموت الواحد منهم حتى يرى ألفًا لصلبه. وهذا السد جبل شامخ من حديد أذيب عليه النحاس لا يستطيع أحد من البشر أن يرتقيه بطريق العادة وهم يحاولون أن يخترقوا هذا الجبل كل يوم فلا يستطيعون فيقولون كل يوم بعد طول عمل غدًا نكمل فيعودون في اليوم القابل فيجدون ما فتحوه قد سُدَّ وهكذا إلى أن يقولوا غدًا نُكمل إن شاء الله فيعودون في اليوم القابل فيجدون ما بدأوا به قد بقي على حاله فيكملون الحفر حتى يتمكنوا من الخروج فتحصل في أيامهم مجاعة ولا يقدر الناس على مواجهتهم فيذهب سيدنا عيسى عليه السلام والناس إلى جبل الطور يتضرعون إلى الله أن يهلك يأجوج ومأجوج فينزل الله عليهما دودًا يدخل رقبة كل واحد منهم فيرميه صريعا ميّتا حتى تُنْتِن الأرض من ريحهم فيدعو المسلمون الله أن يريحهم من ريحهم فيرسل الله طيورًا فتحملهم وترميهم في البحر ثم ينزل مطر يجرف ءاثارهم إلى البحر فيخلص الناس من أذاهم ويعيشون في عهد عيسى عليه السلام في رغد من العيش ثم يموت عيسى ابن مريم عليه السلام ويدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا تقوم الساعة حتى تكتمل العلامات العشر فمما يحصل بعد ذلك طلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض تُكلم الناس وتطبع المؤمن ءانذاك مؤمنا والكافر كافرًا فلا تقبل توبة من لم يكن ءامن قبل ذلك ولا تقبل توبة أحد بعد ذلك، وهاتان العلامتان تحصلان في يوم واحد بين الصبح والضحى. ثم ينزل دخان ينتشر في الأرض فيكاد الكافرون يموتون من شدة هذا الدخان وأما المسلم فيصير عليه مثل الزكام.
وتحصل ثلاثة خسوف وهو انشقاق الأرض وبلع من عليها؛ خسف في المشرق وخسف في المغرب وخسف في جزيرة العرب. ومن هذه العلامات نار تخرج من قعر عدن في أرض اليمن فتسوق الناس إلى المغرب لا تهب هبوبا وإنّما تسوق النّاس سوقًا.
أمّا الساعة فتقوم على شرار الناس فإن جميع المسلمين من البشر على الأرض يموتون قبل قيام الساعة بمائة عام ثم يتكاثر الكفار حتى تقوم الساعة عليهم.
ثبتني الله وإياكم على دين الإسلام وألهمنا عمل الطاعات والتوبة قبل الممات.
والبهائم تكلّم الإنس:
قال النيسابوري في شرف المصطفى: ومن دلائل نبوته ﷺ ما رواه عبد الرحمن العنبري يرفعه قال: كان رسول الله ﷺ في يوم عرفة يخطب الناس ويحثّ على الصّدقة، فقام شاب فقال: يا رسول الله، هذه الناقة للمساكين، فنظر إليها النبي ﷺ فقال: اشتروها لي، قال: فبينما هو يسير ذات يوم ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا ابن الخطاب ألا أخبرك بالعجب؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: خرجت في بعض الليل إلى الدار، فقالت الناقة: السلام عليك يا رسول الله، وقالت: يا رسول الله كانت أمي لرجل من قريش، إذا حلبوها علفوها، وإذا لم يحلبوها لم يعلفوها، وكنت خامس خمسة أبطن، فكانت الجاهلية إذا وضعت الناقة خمسة أبطن جعلوا الخامس لأصنامهم لا يركبونها ولا يستعملونها، ولا يأخذوا وبرها، فاستعارني الأعراب فهربت منهم في بعض الطريق، فكنت أرعى، فيناديني الحشيش: إليّ إليّ فإنك لمحمّد ﷺ فإذا كان الليل نادى السباع والهوام بعضها بعضا: لا تقربوها فإنها لمحمّد ﷺ حتى صيرني الله لك. قال ﷺ: فقلت لها: ما كان اسم مولاك؟ قالت: العضباء، فسميتها العضباء باسم مولاها. فلما قبض النبي ﷺ خرجت فاطمة ليلا فإذا هي بالعضباء فقالت: السلام عليك يا بنت رسول الله ﷺ قد حان فراقي من الدنيا، والله ما تهنأت بعلف ولا شراب بعد رسول الله ﷺ.
وأخبر عليه الصّلاة والسّلام أصحابه عن الفتن وانتشارها وكثرتها وعن بدايتها وأن بدايتها بعد موت عمر بن الخطاب:
روى البخاري في صحيحه عن حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله أنه قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ» أي فساد. قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ». قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا». قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الموْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».
ومع اختلاط العرب بالعجم وقلّة العلم بين الناس وظهور أناس صاروا يقرؤون القرآن بدون علم وصاروا يأخذون آياتٍ وأحاديثَ فيفهمونها على غير المراد فيزلوا عن طريق الحقّ، ومنهم أناس صاروا ينتحلون الإسلام مع أنّ صدورهم لم تنشرح للإسلام ولا صفت قلوبهم من العقائد الفاسدة والأفكار الموبوءة فراحوا ينشرون الشّرّ ويشقّون الصّف وهم يزعمون أنّهم يدعون إلى الإسلام حتى جاوزت فرق الضّلال التي تدعي الإسلام زورا السبعين.
كان المسلمون عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على منهاج واحد في أصول الدين وبعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثت فتنة المرتدين ومسيلمة الكذاب فتصدّى لهم الخليفة الراشد أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه، ثم كانت فتنة الذين انْقَضُّوا على الخليفة الراشد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه والتي انفتح بعدها باب الفتن وأدت إلى تطاول أيدي المتطرفين إلى قتله، ثم بعد ذلك فتنة البغاة الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فحصلت وقعة الجمل (قتال الناكثين)، ثم وقعة صفين (قتال القاسطين وهم البغاة)، ثم وقعة النهروان (قتال الخوارج وهو المارقون).
ومن أكبر الفتن التي ظهرت في العصر الأول فتنة الخوارج الذين كفّروا الإمام علي رضي الله عنه ومعاوية والحكمين أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص بسبب التحكيم.
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللّهِ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا. قَالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. وَكَيْفَ قَالَ؟ قَالَ قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ يَقُولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيامُ وَالصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ». فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَـذَا أُرِيدُ. إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ. بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: ذلِكَ أَحْرَى أَنْ لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا.
قَالَ: فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: نَعَمْ. كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ: مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. فَسَأَلَهُ: فَقَالَ: عُمَرُ.
وذكر البخاري نقلا عن سفيان ابن عيينة بعد ذكر بعض أحاديث الفتن، والتالي كلام البخاري:
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ خَلَفِ بنِ حَوْشَبٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَمَثَّلُوا بِهذِهِ الأبْياتِ عِنْدَ الفِتَنِ، قال امرُؤ القَيْسِ:
| الحَــرْبُ أوَّلُ ما تَكُـــونُ فَتِيّـــــةً | تَسْعَى بِزِينَتها لِكُــــلِّ جَهُــولِ | |
| حتَّى إذَا اشْتَعَلَتْ وشَبَّ ضِرامُها | ولّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيـلِ | |
| شَمْطاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهــــا وتَغَيَّـــرَتْ | مَكْرُوهَـــةً لِلشَّــــمِّ والتَّقْبِيـــلِ |
روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ»، قال ابن حجر: أي ما أرى الله إلا موجدًا لما تريد بلا تأخير، منزلًا لما تحب وتختار.اهـ أي أن الله يجيب دعوة النبي ﷺ وهذا معناه في الغالب، فقد روى مسلم عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: «إِنَّ اللّهَ زَوَى لِي الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ مُلْكُ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأِمَّتِي أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأِمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا ـ أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا ـ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا».
فالله تعالى يجيب دعوة النبي ﷺ بناء على مشيئته الأزلية الأبدية التي لا تتغير ولا تتبدل، وهذا ما يثبته وقائع السيرة النبوية فكم من دعوة للنبي ﷺ استجيبت، تكلمنا عن بعضها ونتكلم عن غيرها إن شاء الله.
ومن ذلك استسقاؤه عليه السلام رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأُمَّتِهِ حِينَ تَأَخَّرَ الْمَطَرُ فَأَجَابَهُ إِلَى سُؤَالِهِ سَرِيعًا بِحَيْثُ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ إِلَّا وَالْمَطَرُ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ عليه السلام وتكرر هذا كثيرا في أكثر من موضع ومع أكثر من شخص طلب منه السقيا فدعا لهم فاستجيب له فورا.
روى الْبُخَارِيُّ: عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:
| وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ | ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلْأَرَامِلِ |
وفي البخاري أيضًا: قال سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ: رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَسْقِي فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ.
| وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ | ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلْأَرَامِلِ |
وهذا من قصيدة لامية بليغة فيها مدح لرسول الله ﷺ قالها أَبُو طَالِبٍ فِي شَأْنِ رسول الله وقريش، قال:
| وَلَمَّـــا رَأَيْـــتُ الْـــــقَوْمَ لَا وُدَّ فِيهِـــــمُ | وَقَدْ قَطَّعُوا كُلَّ الْعُرَى وَالْوَسَائِــلِ | |
| وَقَـــدْ صَارَحُونَا بِالْعَـــــــدَاوَةِ وَالْأَذَى | وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْـــرَ الْعَدُوِّ الْمُزَايِلِ | |
| وَأَحْضَرْتُ عِنْدَ الْبَيْتِ رَهْطِي وَإِخْـوَتِي | وَأَمْسَكْــــتُ مِنْ أَثْوَابِهِ بِالْوَصَائِلِ | |
| أَعُـــوذُ بِرَبِّ النَّـــاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِـــنٍ | عَلَيْنَا بِسُــــوءٍ أَوْ مُلِحٍّ بِبَاطِــــــلِ | |
| كَذَبْتُمْ وَبَيْـــــتِ اللَّهِ نُبْــــزَى مُحَمَّـــــدًا | وَلَمَّـــــا نُطَاعِــــنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ | |
| وَنُسْلِمُـــــهُ حَتَّى نُصَـــــرَّعَ حَوْلَــــــهُ | وَنَذْهَلَ عَــــنْ أَبْنَائِنَــــا وَالْحَلَائِلِ | |
| وَأَبْيَــــضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَـــــامُ بِوَجْــــهِهِ | ثِمَــــــالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلْأَرَامِلِ | |
| يَلُـــــوْذُ بِــــهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَــــــاشِمٍ | فَهُمْ عِنْـــدَهُ فِي رَحْمَــةٍ وَفَوَاضِلِ | |
| فَمَــــنْ مِثْلُهُ فِي النَّاسِ أَيُّ مُؤَمَّــــــــلٍ | إِذَا قَاسَهُ الْحُكَّـــــامُ عِنْدَ التَّفَاضُلِ | |
| حَلِيــــمٌ رَشِيــــدٌ عَادِلٌ غَيْرُ طَائِـــــشٍ | يُوَالِي إِلَهًا لَيْــــسَ عَنْهُ بِغَافِـــــلِ | |
| وَأَيَّـــــدَهُ رَبُّ الْعِبَـــــادِ بِنَصْـــــــــــرِهِ | وَأَظْهَـــرَ دِينًـــا حَقُّــــهُ غَيْرُ زَائِلِ | |
| فَــــــوَاللَّهِ لَـــوْلَا أَنْ أَجِـــــــــيءَ بِسُبَّةٍ | تُجَــــرُّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِي الْمَحَافِلِ | |
| لَكِنَّـــــا اتَّبَعْنَــــاهُ عَلَـــــى كُلِّ حَالَـــــةٍ | مِـنَ الدَّهْرِ جِدًّا غَيْرَ قَوْلِ التَّهَازُلِ |
معاني المفردات الواردة في الأبيات:
وَقَدْ قَطَّعُوا كُلَّ الْعُرَى: جمع عروة، وهي العهود. وَالْوَسَائِلِ: جمع وسيلة وهي القربة.
وَقَدْ صَارَحُونَا: واجهونا. الْمُزَايِلِ: المحاول المعالج.
وَأَحْضَرْتُ عِنْدَ الْبَيْتِ رَهْطِي: قومي وقبيلتي. وَأَمْسَكْتُ مِنْ أَثْوَابِهِ بِالْوَصَائِلِ: ثياب حمر فيها خطوط كان البيت يكسى بها.
مُلِحٍّ: مجحف يقل.
نُبْزَى: نسلِّمُكُم. وَلَمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ: نرامي بالسهام.
وَنَذْهَلَ: نغفل. وَالْحَلَائِلِ: الزوجات.
ثِمَالَ الْيَتَامَى: أي قائم بمصالحهم وغياثهم. عِصْمَةً لِلْأَرَامِلِ: يمنعهن من الضياع والحاجة.
يَلُوْذُ بِهِ: يلجأ.
أَيُّ مُؤَمَّلٍ: المؤمَّل المرجو خيره.
غَيْرُ طَائِشٍ: خفيف العقل. يُوَالِي: يعبد.
بِسُبَّةٍ: بشتيمة. فِي الْمَحَافِلِ: المجالس.
قَوْلِ التَّهَازُلِ: الهزل.
وهي قصيدة عظيمة بليغة جدًّا لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه وهي أفحل من المعلّقات السّبع وأبلغ في تأدية المعنى، ذكر فيها ما يتعلّق بالصحيفة الظالمة التي كتبتها قريش.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ أَتَيْنَاكَ، وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يئط ولا صبي يصطبح؛ أي لا يشرب صبوحه أي شراب الصباح، وَأَنْشَدَ:
| أَتَيْنَــــاكَ وَالْعَذْرَاءُ يَدْمَـــى لَبَانُهَا | وَقَــدْ شُغِلَــتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَــنِ الطِّفْلِ | |
| وَأَلْقَـــى بِكَفَّيْهِ الصَّبِيُّ اسْتِكَانَــــةً | مِنَ الْجُوعِ ضَعْفًا مَا يُمَـــرُّ وَلَا يُحلِي | |
| وَلَا شَيْءَ مِمَّا يَأْكُلُ النَّـاسُ عِنْدَنَا | سِوَى الْحَنْظَلِ الْعَامِيِّ وَالْعِلْهِزِ الْفَسْلِ | |
| وَلَيْــــسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْــــكَ فِرَارُنَـــا | وَأَيْنَ فِرَارُ النَّــــاسِ إِلَّا إِلَى الرُّسْـــلِ |
معاني المفردات الواردة في الأبيات:
يَدْمَى لَبَانُهَا: أي يدمى صدرها يسيل منه الدّم لامتهانها نفسها في الخدمة، لا تجد ما تعطيه من الجدب وشدة الزمان.
الْحَنْظَلِ الْعَامِيِّ: أي ابن سنة. وَالْعِلْهِزِ الْفَسْلِ: نبات رديء.
قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مُرِيعًا سَرِيعًا غَدَقًا طِبَقًا عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ تَمْلَأُ بِهِ الضّرع، وتنبت به الزّرع، ويحيى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ». قَالَ: فو الله ما ردّ يده إلى نحره حتى ألقت السماء بأرواقها، وجاء أهل البطانة يصيحون يَا رَسُولَ اللَّهِ الْغَرَقَ الْغَرَقَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا»، فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنِ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَحْدَقَ بِهَا كالإكليل، فضحك رسول اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: «لِلَّهِ دَرُّ أَبِي طَالِبٍ لو كان حيًّا قرت عَيْنَاهُ مَنْ يُنْشِدُ قَوْلَهُ؟»ـ
فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ أردت قوله:
| وأبيض يستسقى الغمامَ بوجهه | ثمال الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلْأَرَامِلِ | |
| يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِــــمٍ | فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِــلِ |
قَالَ: وَقَامَ رجل من بنى كِنَانَةَ فَقَالَ:
| لَكَ الْحَمْدُ وَالْحَمْدُ مِمَّـنْ شَكَرْ | سُقِينَا بِوَجْــــهِ النَّبِيِّ الْمَطَرْ | |
| دَعَــــا اللهَ خَالِقَــــهُ دَعْـــــوَةً | إِلَيْــهِ وَأَشْخَصَ مِنْهُ الْبَصَرْ | |
| فَلَــمْ يَكُ إِلَّا كَإِلْقَـــاءِ الــرِّدَاءِ | أَوِ أَسْرَعَ حَتَّى رَأَيْنَا الدُّرَرْ | |
| رِقَاقُ الْعَوَالِي جَـــمُّ الْبُعَـــاقِ | أَغَـــاثَ بِـهِ اللهُ عَيْنَا مُضَرْ | |
| وَكَـــــانَ كَمَـــا قَــــــالَ عَمُّهُ | أَبُو طَالِبٍ أَبْيَضٌ ذُو غُـرَرْ | |
| بِــــهِ اللهُ يَسْقِـــي الْغَمَـــــــامَ | وَهَــــذَا الْعِيَانُ لِذَاكَ الْخَبَـرْ | |
| وَمَنْ يَشْكُــرِ اللهَ يَلْقَى الْمَزِيدَ | وَمَــنْ يَكْفُرِ اللهَ يَلْقَـى الْغِيَرْ |
الدُّرَرْ: أي المطر المتساقط.
جَمُّ الْبُعَاقِ: أي غزير المطر.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنْ يَكُ شَاعِرٌ يُحْسِنُ فَقَدْ أَحْسَنْتَ».
قال أبو أمامة رضي الله تعالى عنه: قام رسول الله ﷺ ضحى في المسجد فكبّر ثلاث تكبيرات، ثمّ قال: «سَمْنًا وَلَبَنًا وَشَحْمًا وَلَحْمًا» وما نرى في السّماء من سحاب، فثارت ريح وغبرة، ثم اجتمع السّحاب فصبّت السّماء، فصاح أهل الأسواق ورسول الله ﷺ قائم، فسالت في الطرق، فما رأيت عامًا كان أكثر لبنا وسمنا وشحما ولحما منه إن هو إلا في الطرق ما يشتريه أحد. رواه أبو نعيم والبيهقي.
وروى أبو نعيم أَنَّ وَفَدْ سَلَامَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ فَقَالَ لَهُمْ: «كَيْفَ الْبِلَادُ عِنْدَكُمْ؟» قَالُوا: مُجْدِبَةٌ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فِي بِلَادِنَا فَنَقِرَّ فِي أَوْطَانِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اسْقِهِمُ الْغَيْثَ فِي دَارِهِمْ» فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ارْفَعْ يَدَكَ؛ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ رَحَلْنَا إِلَى بِلَادِنَا فَوَجَدْنَاها قَدْ مُطِرَتْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي دَعَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ.
دُعَاؤهُ ﷺ لِزَوْجَيْنِ بِالتَّأْلِيفِ بَيْنَهُمَا:
روى ابن سعد وابن عساكر عَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسُوقِ النَّبَطِ، وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي مَعَ زَوْجٍ لِي فِي الْبَيْتِ مِثْلُ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تُبْغِضِينَهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَدْنِيَا إِلَيَّ رُءُوسَكُمَا» فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَهُمَا وَحَبِّبْ أَحَدَهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ» ثُمَّ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ بِهِمَا وَكَانَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ خَرَّازًا فَإِذَا هِيَ تَحْمِلُ أَدَمًا عَلَى رَقَبَتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا عُمَرُ أَلَيْسَتْ صَاحِبَتَنَا الَّتِي قَالَتْ مَا قَالَتْ؟» فَسَمِعَتْ صَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَمَتْ بِالْأَدَمِ ثُمَّ أقْبَلَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ أَنْتِ وَزَوْجُكِ؟» فَقَالَتْ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ مَا فِي الدُّنْيَا وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» قَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
دُعَاؤهُ ﷺ لِإِذْهَابِ الْجُوعِ عَنْ فَاطِمَة:
روى السيوطي عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا وَقَدْ ذَهَبَ الدَّمُ مِنْ وَجْهِهَا وَعَلَتْهَا الصُّفْرَةُ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَدْنَاهَا حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى بطنهَا وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ مُشْبِعَ الْجَاعَةِ وَرَافِعَ الْوَضِعَةِ لَا تُجِعْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ» قَالَ عِمْرَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا وَقَدْ عَلَا الدَّمُ عَلَى الصُّفْرَةِ فِي وَجْهِهَا فَلَقِيتُهَا بَعْدُ، فَقَالَتْ: مَا جُعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ يَا عِمْرَانُ.
دُعَاؤهُ ﷺ بِإِذْهَابِ الْبَرْدِ:
وقال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَخِيهِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: اجْتَمَعَ إِلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ رَأَيْنَا مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ – وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه – شَيْئًا أَنْكَرْنَاهُ، فَقُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ فَقَالُوا: يَخْرُجُ عَلَيْنَا فِي الشِّتَاءِ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَفِي الصَّيْفِ فِي قُبَاءٍ مَحْشُوٍّ. فَدَخَلْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي، فَلَمَّا رَاحَ إِلَى عَلِيٍّ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ رَأَوْا مِنْكَ شَيْئًا أَنْكَرُوهُ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: لِبَاسُكَ!! قَالَ لِي: أَوَ مَا كُنْتَ مَعَنَا حِينَ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَرْمَدُ فَتَفَلَ فِي رَاحَتَيْهِ وَأَلْصَقَ بِهِمَا عَيْنِي؟ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَذْهِبِ عنهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ» وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا وَجَدْتُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَذًى حَتَّى السَّاعَةِ.اهـ
دُعَاؤهُ ﷺ بِطَرْدِ الشَّيْطَانِ مِنْ صَدْرِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ:
وروى مسلم عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُوءَ حِفْظِي لِلْقُرْآنِ، قَالَ: «ذَلِكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبٌ، ادْنُ مِنِّي يَا عُثْمَانُ». ثُمَّ تَفَلَ فِي فَمِي فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَقَالَ: «يَا شَيْطَانُ اخْرُجْ مِنْ صَدْرِ عُثْمَانَ». قَالَ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا حَفِظْتُهُ.
مَا جَاءَ فِي دُعَائِهِ لِأُمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْهِدَايَةِ:
وفي صحيح مسلم قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ وَلَا مُؤْمِنَةٌ، إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّنِي، قَالَ قُلْتُ: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى، وَإِنِّي دَعَوْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، وَأَنَا دَعَوْتُهَا، فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَجَعْتُ إِلَى أُمِّي أُبَشِّرُهَا بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا كُنْتُ عَلَى الْبَابِ إِذَا الْبَابُ مُغْلَقٌ فَدَفَعْتُ الْبَابَ، فَسَمِعَتْ حِسِّي فَلَبِسَتْ ثِيَابَهَا، وَجَعَلَتْ عَلَى رَأْسِهَا خِمَارًا، وَقَالَتْ: ارْفُقْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَفَتَحَتْ لِي، فَلَمَّا دَخَلْتُ قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالَ: فَرَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، كَمَا كُنْتُ أَبْكِي مِنَ الْحُزْنِ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَبْشِرْ يَا رَسُولَ اللهِ قَدِ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ، وَهَدَى اللهُ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْهُمْ إِلَيْهِمَا»، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ وَلَا مُؤْمِنَةٌ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّنِي وَأُحِبُهُ.
الفائدة:
روى الطّبراني وغيره عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً إِذَا وَقَعْتَ فِي وَرْطَةٍ قُلْتَهَا» قُلْتُ: بَلَى جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، فَرُبَّ خَيْرٍ قَدْ عَلَّمْتَنِيهِ، قَالَ: «إِذَا وَقَعْتَ فِي وَرْطَةٍ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَصْرِفُ بِهَا مَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ».
مِنْ خواصِّ اسمِ اللهِ “العليمِ”:
تحصيلُ العلمِ والمعرفةِ فمنْ لازمَهُ عرفَ اللهَ حقَّ معرفتِهِ على الوجه اللائق به تعالى.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ